هل هناك عذاب في القبر
لقد ازداد الحديث في الآونة الأخيرة عن عذاب القبر وهل هو حقيقة أقر بها القرآن أم لا … ولكن الحقيقة وهي بأن عقيدة عذاب القبر تخالف القرآن وتناقض ما كرره في أكثر من موضع بالإضافة إلى أن القرآن لم يُشير على / أو إلى عذاب القبر ولم ينذرنا أو يُحذرنا منه ولا في آية قرآنية وبالتالي
أولاً: ألم ينص القرآن على أنه لا عذاب إلا ما كان في الدنيا وما كان في الآخرة
قال تعالى “لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ” الرعد 34
ثانياً: هل يعقل لأن يكون العذاب قبل الحساب والله يقول لا حساب إلا بعد القيامة من الموت
يقول الله تعالى “وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا …. الأنبياء 47
فالله يقول “وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ” … نضعها أي نؤخرها ونتركها إلى يوم القيامة
ثالثاً: لقد كان تحذير الله لنا من يوم القيامة فقط وليس من قبله
قال تعالى “وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ”   البقرة 289
وقال تعالى “مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ”  النمل 89
وقال تعالى “وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”   النمل 90
رابعاً: الصحف حسب كلام الله وقرآنه لا تُنشر إلا يوم القيامة، ويومها فقط يكون الحساب
قال تعالى “يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ” الزلزلة 5-8
وقال تعالى “وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ” الأنبياء 47
وعندها يتحدد من هم أصحاب النعيم ومن هم أصحاب الجحيم
قال تعالى “إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ” الانفطار 13-15
فكيف يفاجأ صاحب اليمين حين يطلع على مقامه لو كان يعلمه قبلا
قال تعالى “فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ  إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيه” الحاقة 20
وهكذا كان القرآن واضحا في تقرير أنه لا حساب ولا عقاب إلا يوم القيامة ولا شيء قبل ذلك
قال تعالى “فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ۗ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ” الزمر 15
خامساً: حدثنا القرآن الكريم عن حياتين وموتتين فقط ولم يذكر لنا حياة في البرزح أو حياة البرزخ أو القبر
قال تعالى “كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”   البقرة 28
فكان موت فى البداية ثم لحق به الحياة الدنيا التى نحياها الآن ثم سوف يلحق بها موتنا ثم الحياة في الآخرة وبالتالي فهما موتتان وحياتان، حياة دنيا وحياة آخره ولا ذكر لحياة بينهما
قال تعالى “فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ”  آل عمران 56
وقال تعالى “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَ‌ٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”  المائدة 33
لكننا لو أضفنا حياة البرزخ لأضفنا حياة أخرى قبل الحساب وهو مناقض لما  أشار إليه القرآن وإلى ما أدركه أصحاب النار بأنفسهم
قال تعالى “قَالُواْ رَبّنَآ أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىَ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ” غافر 11
ويقول الله تعالى على لسان يوسف “فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ” يوسف 101
فإذا كان الله هو وليه في الدنيا والآخرة فهل يُعقل لأن يتركه الله وهو ميت في البرزخ بدون ولي يتولاه إذا كان هناك حياة في البرزخ ولماذا لم يًشر يوسف على هذه الحياة واكتفى بالإشارة على حياة الدنيا وحياة الآخرة  …  إذن فلا وجود للحياة في البرزخ أو حياة البرزخ أو القبر
فالله تعالى يقول ” حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ”  المؤمنون 99-100
فالبرزخ إذن حسب الآية الكريمة يُصبح أو يكون من وراء الميت وعندها يكون هناك فاصل وحاجز وعازل يفصل بين الميت وبين الأحياء وعالم الدنيا وهذا يعني بأن الميت يكون خارج البرزخ وليس فيه فالله يقول “ومن ورائهم برزخ” ولم يقل وهم في برزخ إلى يوم يبعثون
أما المعنى القاموسي للبرزخ وباللسان العربي الذي أُنزل الله فيه القرآن فهو الحاجز أو الفاصل وليس له معنى غير ذلك وفيه
قال تعالى “وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا”   الفرقان 53
وقال تعالى “بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ”  الرحمن 20
سادساً: يُخبرنا القرآن بأن هنالك يوم أعده الله للحساب وعندها فقط يكون للكفار موعد معه وليس قبله
يقول الله تعالى “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ”  الذاريات 60
ويقول تعالى “إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”  يس 53 – 54
هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ص 53
ويقول تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”   التحريم 7
ويقول تعالى “وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” الجاثية 28
ويقول تعالى “خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۚ ذَ‌ٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ”  المعارج 44
ويقول تعالى “حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ”  الجن 24
ويقول تعالى “يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ”  الأنعام 130
ولكن متى يوقع الله العذاب .. فالله يقول لأجل مسمى أي له ميقات معين
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  العنكبوت 53
سابعاً: القرآن يدحض فكرة العذاب قبل الحساب
يقول الله تعالى “إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم”  الغاشية 25 – 26
وهنا أتى الله بغد قوله “إن إلينا إيابهم” بـ ثم وهي تُفيد التراخي في الزمن أي بعد الإياب وهو الرجوع إلى الله أي ليس وهو في القبر بل بعد البعث والقيامة من الموت ثم يأتي الحساب وبالتالي فهو يتبعه
ويقول تعالى “وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ”  الحاقة  25 – 26
وهنا أخبرنا بقوله “ولم أدر ما حسابية” دلالة على أنه لم يكن قد حوسب بعد وبالتالي فحتماَ لم يكن قد لحقه عذاب
ويقول تعالى “مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ” يونس 70
 وثم تفيد التراخي بالزمن وبالتالي فهم لن يعذبوا في قبورهم، فعذاب الآخرة مؤجل ومؤخر وليس معجل كما يزعمون بأنهم يعذبون في القبر
ويقول تعالى “وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” الجاثية 28
كما ويُخبرنا القرآن بأن الميت حين قيامته من الموت لا يعلم ما تقدم من عمله وما تأخر
يقول الله تعالى “وإذا القبور بعثرت 4 علمت نفس ما قدمت وأخرت”  الإنفطار 5
فهو لم يكن قد حوسب بعد وبالتالي كيف يعذبه الله وهو لم يكتمل ما تأخر من عمله والذي فيه ثوابه والذي لربما ينقذه من العذاب
 فيديو للشيخ الشعراوي يُنكر فيه عذاب القبر
  • – 
ثامناً: الدلائل القرآنية العديدة الأُخرى
يقول الله تعالى “لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ”  ق 22
فكيف يكون من يعذب في القبر في غفلة عن العذاب سوى أنهم لم يكونوا يعذبون
ويقول تعالى “وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ”  الأنبياء 97
فإذا صاحبتهم الغفلة في القبر ولم يكن قد كشف الله عنهم الغطاء فيه فما جدوى العذاب إذا غفل عنه من يُعذب به ولم يحس أو يضر به ولم يؤثر عليه
وكيف يعذب من في القبر وهو على موعد مع العذاب في الآخرة وليس قبل ذلك
قال تعالى “أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ” هود  17
وقال تعالى “وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ” الحجر 43
وقال تعالى “وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا”   الكهف 48
وقال تعالى “وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا ” الكهف 58
وقال تعالى “وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  الحج 47
وقال تعالى “وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ”  إبراهيم 42
فالله يقول بأن لهم موعد مع العذاب في اليوم الآخر وهو – يوم الفصل – وفيه ميقاتهم
قال تعالى “إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا”   النبأ 17
وقال تعالى “إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ”   الدخان  40
وقال تعالى “بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ” القمر 46
وقال تعالى “إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ”   المرسلات 7
وقال تعالى “لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ. لِيَوْمِ الْفَصْلِ”  المرسلات 12-13
وقال تعالى “هَـٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ”  المرسلات 38
وقال تعالى “وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين. هَـٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ”  الصافات 20- 21
وقال تعالى “وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَـٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ المطففين” 1 – 6
فالويل لهم بعد أن يبعثون والبعث هو بعد القيامة من الموت وليس وهم أمواتاَ
وقال تعالى “وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ”  الأعراف 44
وقال تعالى “إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ”  يونس 4
فيديو للدكتور علي منصور كيالي
  • – 
تاسعاً: لقد استدل معظم الدعاة والمُفسرين على ما يُشير إلى عذاب القبر خصوصاً بقول الله تعالى فِي حقِّ آلِ فِرْعَوْنَ
قال تعالى “فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب.ِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ”  غافر 46
فقالوا بأن قوله تعالى ” النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا” فيه الإشارة إلى عذاب القبر وهو قبل قيام الساعة
التحقيق الأول
ولكن إذا كانت الآية من سورة غافر وهي مكية تُشير على عذاب القبر كما يزعمون فلماذا لم يُبين الرسول للناس ذلك قبل الهجرة
التحقيق في سورة غافر وهل هي مكية أو مدنية فإذا صح بأنها سورة مكية فلا يمكن الإستدلال بها لأن النبي لم يبين عذاب القبر إلا بعد حديث اليهودية مع عائشة وهو في المدينة وبالتالي لماذا لم يبلغ النبي الناس بوجود عذاب في القبر وأبقى على ذلك في السر لعدة سنوات وفي ذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ” وفي هذا كله أنه صلى الله عليه وسلم إنما علِم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر … بل لقد ورد في بعض الشروح أنه  كان يسر التعوذ من عذاب القبر حتى جاءت اليهودية لتكون سببا في اعلام النبي لعائشة والمسلمين ؟؟؟ مع العلم بأنه أنكره في البداية
الإجماع على أنها مكية
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ): (هذه السورة مكية بإجماع).[المحرر الوجيز: 24/418]م
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): (وهي مكّيّة بلا خلاف). [عمدة القاري: 19/210]م
قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: 1393هـ): (وهي مكّيّةٌ بالاتّفاق).[التحرير والتنوير: 24/75-76] م
من نص على مكيتها
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (مكية كلها). [تفسير غريب القرآن: 385
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) حم* تنزيل الكتاب من اللّه العزيز العليم} الحواميم كلها مكية، نزلت بمكة).[معاني القرآن: 4/365
قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 320 هـ): (مكية). [الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 53
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (مكية). [معاني القرآن: 6/199
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وهي مكية). [معاني القرآن: 6/200
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (الحواميم السّبع
حدّثنا أبو جعفرٍ قال حدّثنا يموتٌ، بإسناده عن ابن عبّاسٍ: «أنّهنّ نزلن بمكّة»).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 2/611
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (مكّيّة). [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 152
قالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبيُّ (ت: 427هـ): (مكية). [الكشف والبيان: 8/261
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): (مكية). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 399
قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: 444هـ): (مكية ). [البيان: 218
قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: 468هـ): (مكية). [الوسيط: 4/3
قالَ الحُسَيْنُ بنُ مَسْعُودٍ البَغَوِيُّ (ت: 516هـ): (مكّيّةٌ). [معالم التنزيل: 7/137
قالَ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (ت: 538هـ): (مكية. قال الحسن: إلا قوله: {وسبح بحمد ربك}؛ لأن الصلوات نزلت بالمدينة وقد قيل في الحواميم كلها: أنها مكيات: عن ابن عباس وابن الحنفية). [الكشاف: 5/327
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ): (هذه السورة مكية بإجماع، وقد روي في بعض آياتها أنها مدنية، وهذا ضعيف، والأول أصح). [المحرر الوجيز: 24/418
قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ طَيْفُورَ الغزنويُّ السَّجَاوَنْدِيُّ (ت:560هـ): (وهي مكية). [علل الوقوف: 3/887
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (وهي مكية قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة
وحكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آيتين نزلتا بالمدينة: قوله: {الذين يجادلون في آيات الله والتي بعدها} [المؤمن: 35-36
قال الزجاج: وذكر أن الحواميم كلها نزلت بمكة ). [زاد المسير: 7/204-205
قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ البَيْضَاوِيُّ (ت: 691هـ): (مكية). [أنوار التنزيل: 5/51
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ): (وهي مكّيّةٌ). [تفسير القرآن العظيم: 7/126
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): (وهي مكّيّة بلا خلاف). [عمدة القاري: 19/210
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (مكية). [الدر المنثور: 13/5
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (أَخْرَج ابن الضريس والنحاس والبيهقي في “الدلائل” عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أنزلت الحواميم السبع بمكة)). [الدر المنثور: 13/5
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال: أخبرني مسروق رضي الله عنه أنها أنزلت بمكة). [الدر المنثور: 13/5
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج ابن مردويه والديلمي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (نزلت الحواميم جميعا بمكة)). [الدر المنثور: 13/5
قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نزلت حم (المؤمن) بمكة)). [الدر المنثور: 13/5
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ): (مكية).[لباب النقول: 205
قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ): (مكية). [إرشاد الساري: 7/324
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: 1250هـ): (وهي مكّيّةٌ في قول الحسن، وعطاءٍ، وعكرمة، وجابر
قال الحسن: إلّا قوله: {وسبّح بحمد ربّك} [غافر: 55]؛ لأنّ الصّلوات نزلت بالمدينة
وقال ابن عبّاسٍ وقتادة: (إلّا آيتين نزلتا بالمدينة، وهما: {إنّ الّذين يجادلون في آيات اللّه} [غافر: 56-57] والّتي بعدها)).[فتح القدير: 4/630
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: 1250هـ): (وأخرج ابن مردويه عن ابن عبّاسٍ قال: (أنزلت سورة حم المؤمن بمكّة
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزّبير مثله.
وأخرج ابن الضّريس، والنّحّاس، والبيهقيّ في “الدّلائل” عن ابن عبّاسٍ قال: (أنزلت الحواميم السّبع بمكّة).
وأخرج ابن مردويه، والدّيلميّ عن سمرة بن جندبٍ قال: (نزلت الحواميم جميعًا بمكّة)).[فتح القدير: 4/630]
قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: 1393هـ): (وهي مكّيّةٌ بالاتّفاق
وعن الحسن استثناء قوله تعالى: {وسبّح بحمد ربّك بالعشيّ والإبكار} [غافر: 55]؛ لأنّه كان يرى أنّها نزلت في فرض الصّلوات الخمس وأوقاتها
ويرى أنّ فرض صلواتٍ خمسٍ وأوقاتها ما وقع إلّا في المدينة وإنّما كان المفروض بمكّة ركعتين كلّ يومٍ من غير توقيتٍ، وهو من بناء ضعيفٍ على ضعيفٍ فإنّ الجمهور على أنّ الصّلوات الخمس فرضت بمكّة في أوقاتها على أنّه لا يتعيّن أن يكون المراد بالتّسبيح في تلك الآية الصّلوات، بل يحمل على ظاهر لفظه من كلّ قولٍ ينزّه به اللّه تعالى
وأشذّ منه ما روي عن أبي العالية(أنّ قوله تعالى: {إنّ الّذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطانٍ أتاهم إن في صدورهم إلّا كبرٌ ما هم ببالغيه} [غافر: 56] نزلت في يهودٍ من المدينة جادلوا النّبي صلّى الله عليه وسلّم في أمر الدّجّال وزعموا أنّه منهم).
وقد جاء في أوّل السّورة {ما يجادل في آيات اللّه إلّا الّذين كفروا} [غافر: 4]. والمراد بهم: المشركون). [التحرير والتنوير: 24/75-76
من نص على أنها مكية إلا آياتٍ منها
قالَ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (ت: 538هـ): (مكية. قال الحسن: إلا قوله: {وسبح بحمد ربك}؛ لأن الصلوات نزلت بالمدينة). [الكشاف: 5/327]م
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ): ( وقد روي في بعض آياتها أنها مدنية، وهذا ضعيف). [المحرر الوجيز: 24/418] م
قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ): (وحكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آيتين نزلتا بالمدينة: قوله: {الذين يجادلون في آيات الله والتي بعدها} [المؤمن: 35-36]). [زاد المسير: 7/204-205
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (وقال ابن عباس وقتادة في المؤمن: (هي مكية، غير آيتين نزلتا بالمدينة {إن الذين يجادلون في آيات الله} الآية [غافر: 56]والتي تليها)).[جمال القراء :1/16
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ جُزَيءٍ الكَلْبِيُّ (ت: 741هـ): (مكية إلا آيتي 56 و57 فمدنيتان). [التسهيل: 2/227
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): (مكية إلاَّ قوله إلاَّ الذين كفروا الآيتين فمدني). [منار الهدى: 336] قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: 1250هـ): (وهي مكّيّةٌ [….] قال الحسن: إلّا قوله: {وسبّح بحمد ربّك} [غافر: 55]؛ لأنّ الصّلوات نزلت بالمدينة
وقال ابن عبّاسٍ وقتادة: (إلّا آيتين نزلتا بالمدينة، وهما: {إنّ الّذين يجادلون في آيات اللّه} [غافر: 56-57] والّتي بعدها)). [فتح القدير: 4/630]م
قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: 1311هـ): (وهي مكية وعن ابن عباس وقتادة غير آيتين نزلتا بالمدينة في شان مجادلة اليهود في أمر الدجال وهما (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ) إلى آخر الآية). [القول الوجيز: 279
قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: 1393هـ): (وعن الحسن استثناء قوله تعالى: {وسبّح بحمد ربّك بالعشيّ والإبكار} [غافر: 55]؛ لأنّه كان يرى أنّها نزلت في فرض الصّلوات الخمس وأوقاتها.
ويرى أنّ فرض صلواتٍ خمسٍ وأوقاتها ما وقع إلّا في المدينة وإنّما كان المفروض بمكّة ركعتين كلّ يومٍ من غير توقيتٍ، وهو من بناء ضعيفٍ على ضعيفٍ فإنّ الجمهور على أنّ الصّلوات الخمس فرضت بمكّة في أوقاتها على أنّه لا يتعيّن أن يكون المراد بالتّسبيح في تلك الآية الصّلوات، بل يحمل على ظاهر لفظه من كلّ قولٍ ينزّه به اللّه تعالى
وأشذّ منه ما روي عن أبي العالية (أنّ قوله تعالى: {إنّ الّذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطانٍ أتاهم إن في صدورهم إلّا كبرٌ ما هم ببالغيه}[غافر: 56] نزلت في يهودٍ من المدينة جادلوا النّبي صلّى الله عليه وسلّم في أمر الدّجّال وزعموا أنّه منهم وقد جاء في أوّل السّورة {ما يجادل في آيات اللّه إلّا الّذين كفروا} [غافر: 4]. والمراد بهم: المشركون).[التحرير والتنوير: 24/75-76
إذن فلا يصح الإستدلال بهذه الآية من سورة غافر لأنه من الثابت بأنها سورة مكية وبما أنها سورة مكية إذن فلقد سبق نزولها زواج الرسول من عائشة بنت أبي بكر التيميَّة القُرَشِيّة وهي ثالث زوجاته والتي كان قد تزوجها بعد غزوة بدرو في شوال سنة 2 هـ، وإثناء سكنه في المدينة وبالتالي فلقد كان قد سبق نزول سورة غافر الحديث بين اليهودية وعائشة عن عذاب القبر بسنين وبالتالي متى تكون المسائل العقائدية تحتاج إلى انتظار أو تأجيل والله يقول مخاطباً رسوله
قال تعالى “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ”  النحل 89
ويقول عز وجل “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ” النحل 44
فإذا كان القرآن وهو الأساس وهو المصدر الأول للعقيدة وللغيبيات كان قد حدثنا عن الله والملائكة والشياطين والنار والجنة والأولين لم يُحدثنا عن عذاب القبر ولم يذكره فلماذا ابقى الله على عذاب القبر بالسر ولم ينذرنا منه ولم يحذرنا منه، ولماذا لم يخبر النبي المسلمين بعذاب القبر وينذرهم منه وهو النذير
يقول الله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا”   الأحزاب 45
ويقول تعالى “إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ”   البقرة 119
ويقول تعالى “وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا”   الأسراء 105
ويقول تعالى “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”   سبأ 28
ولذلك نقول بأن لا صحة لعقيدة عذاب القبر وإلّا فما الحكمة من أن تأخر بيان رسول الله عن عذاب القبر إلى أن أخبرت اليهودية عائشة بذلك ولماذا لم يعلم النبي عائشة والمؤمنين بذلك طوال هذه الفترة ؟ فما الذي يجعل أم المؤمنين عائشة تجهله فهل يعني ذلك بأن الرسول أخذ تعاليم الإسلام عن اليهود
ولماذا كان رد الرسول في البداية بالنفي فهو حسب الحديث كان قد قَالَ:  كَذَبَتْ يَهُودُ وَهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُذُبٌ لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ “الرجوع للحديث” ثم عاد وغير رأيه بعد أيام
التحقيق الثاني
القول الأول: لقد اعتمد من يؤمن بعقيدة عذاب القبر بأن بأن عرضهم على النار في
 قوله تعالى “وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب.ِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ”  غافر 46
على أنه الإشارة إلى عذاب القبر ولكن الآية الكريمة لم يأتي الإشارة فيها على عذاب القبر بتاتاً ولم تتطرق له أبداً، فالله قادر لأن يقول النار يُعذبون بها في القبر فالله غني بالكلمات ولا يعجز عن الإشارة على عذاب القبر بالشكل المباشر ولذلك لماذا يُبقي على ذلك مبهماً
قال تعالى ” قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ”  الكهف 109
وقال تعالى “وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”   لقمان 27
وبالتالي إذن فإن قوله تعالى “النار يُعرضون عليها” مُشابه لقوله تعالى
“وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ”  الأحقاف 20
وقوله تعالى “وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ۗوَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗأَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ”  الشورى 45
وبالتالي فالعرض محصور تحديداً بمعناه اللغوي بلسان العرب وبالتالي إذن فلا خيار لنا سوى الأخذ بذلك
قال تعالى “فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا” مريم 97
وقال تعالى “وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا” الكهف 27
ولكن العلماء الذين يؤمنون بعقيدة عذاب القبر اعتمدوا التفسير الخاطيء لقوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ لأن قول: غُدُوًّا هو من الغد وأَصلُ الغَدِ هو اليومُ اللاحق والذي يأْتي بعدَ يومِنا هذا وهو اليَوْم المترَقَّب وإِن كان بعيداً وفيه الإشارة إلى يومَ القيامة وليس في حياتنا الدنيا فهم انقطعوا عنها وأصبح هنالك حاجزاً يفصل بينهم وبينها
ولنا مثال على ذلك في قوله تعالى “وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ”   الحشر 18
وقوله تعالى “سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ”  القمر 26
فالغدو في قوله غُدُوًّا: ذهب غُدْوة. وذهب وانطلق. يقال: اغْد عنّي. وـ عليه غَدْواً، وغُدُوًّا، وغُدْوَة: بكَّر. ويقال: غدا إلى كذا: أصبح إليه
أما العرض فهو تقديم الشيء وإبرازه وإظهاره وبالتالي فهم حين يُعرضون يقدمون من أمامها في الغد وذلك بغرض المعاينة والفحص وذلك قبل أن يُلقي بهم للعذاب في النار
وبالتالي فإن قوله تعالى “النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا” أي في غدهم فهم سيُحضرون ويؤتى بهم أمام النار مُغديين ومُبكرين (أي في أول مرحلة تسبق تقديمهم للعذاب) وبالتالي فهم في غدوة منطلقين إليها أي قاصدينها مبكرين على عجل وسرعة
والعشي والعشوة تكون إما في الوقت وفي ذلك تقول العرب عَشَوْتُه أي قَصَدْتُه ليلاً أو في ظلمة الليل وهذا هو الأَصْلُ
قال تعالى “فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا”  مريم 11
أو تكون في الحال والفعل لأن العِشْوَةُ في كلام العرب هو رُكوبُ الأَمْر على غير بيانٍ وبدون وضوح أي في ظلمة، وعَشَوْت إِلى النارِ أَعْشُو إِليها عَشْواً إِذا اسْتَدْلَلْتَ عليها وقصدتها بِبَصَرٍ ضَعيفٍ وبذلك صار كلُّ قاصِدٍ عاشِياً
قال تعالى ” وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ” الزخرف 36
ومَن يَعْشُ عن ذكر الرحمن فمعناه مَن يَعْمَ عنه وقال القُتَيبي معنى قوله ومَنْ يَعْشُ عن ذكر الرحمن أَي يُظْلِمْ بَصَرُه والعاشِية كل شيءٍ يعشُو بالليلِ إِلى ضَوءِ نارٍ من أَصنافِ الخَلقِ وأَوْطأَني عَشْوَةً وعِشْوَةً وعُشْوة لبَسَ عليَّ والمعنى فيه أَنه حَمَله على أَن يَرْكَب أَمراً غيرَ مُسْتَبينِ الرشد أَوطَأْته عَشْوة أَي غَرَرْته وحَمَلْته على أَن يَطَأَ ما لا يُبْصِرُه كُلَّما ركِبَ الإِنسانُ أَمراً بجَهْلٍ لا يُبْصرُ وجْهَه والعُشوة بالضم والفتح والكسر الأَمْرُ المُلْتَبس وركب فلانٌ العَشْواءَ إِذا خَبَطَ أَمرَه على غيرِ بَصِيرة …
وبالتالي فإن قوله تعالى “وَعَشِيًّا” معناه أي وهم معشيين أو غلفهم وأحاط بهم العشي “الظلمة” أي في حال يكونوا فيه منعدمين البصيرة وبالتالي يقصدونها وهم كالعميان وبذلك يكون معنى قوله تعالى ” النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا” أي حين يظهرون ويبرزون أمام النار يأتونها مبكرين “في الغد – غُدواً” وهم “عشيا” أي في لبس من أمرهم وبلا بصيرة
لم يقل الله النار تُعرض عليهم بل قال: النار يُعرضون عليها وذلك لأنهم وقودها
قال تعالى “فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖأُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ”  البقرة 24
فهي تتوق للقاء المجرمين
قال تعالى “يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ”  ق 30
ومن هنا نخلص بأن آية غافر ليست دليل قاطع على ثبوت عذاب القبر وأن تفسير البخاري لها ووضعه في باب الإثبات خطأ وكذلك استشهاد العلماء بها … وبالتالي نتساءل كيف لا يصح إيمان المسلم ولا يكتمل إيمانه إذا أنكر عذاب القبر وهذا الإعتقاد الخُرافي ليس من اركان الإيمان ولا أصل له في القرآن
القول الثاني: وهو ما استمدوه من
 قوله تعالى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ ” مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا” نوح 25
فزعموا بأن قول الرحمن “فأدخلوا ناراً” يُشير على أنهم أدخلوا في عذاب “القبر” بعد أن أغرقهم الله مباشرةً ولكن نسوا بأن الفاء كما هي من حروف العطف ويمكن لئن تَدلّ على الترتيب والتعقيب مع الإِشْراك (وهذا ما ذهبوا إليه) فهي تأتي للاستئناف مثل: سافر فليتني ودعته وتأتي أيضاً بموضِع آخر وهو أَن يكون ما قبلها علة أي حجة لما بعدها وذلك يجري على العطف والتعقيب دون الإِشراك كقوله ضَرَبه فبكى وضَرَبه فأَوْجَعَه وذلك إِذا كان الضرب عِلَّةَ البُكاء والوَجَع وهذا يفسر
قوله تعالى “مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا” نوح 25 فكانت الخطيئة علة أو حجة لدخولهم النار
ومثال آخر على ذلك نراه في
قوله تعالى “الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ  ق 26
وهنا كان الإشراك علة أو حجة لأن يُلقوا في العذاب
عاشراً: أما النصوص القرآنية الصريحة والتي اعتمدها منكري عذاب القبر في تقرير هذه الحقيقة وإثباتها أي لا عذاب في القبر فنستمدها من
أولاً:  قول الله عز وجل: “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ .قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ. يس 51-52
إن هذه الآية وحدها وقوله تعالى “قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ” ترد على من يدعي بأن هناك عذاب في القبر ولكن ماهو موروث من الحديث والتفسير الخاطيء لآيات الله جعل العلماء والمفسرين لأن يصطدموا مع هذه الحقيقة القرآنية ولا يتقبلوها ويتهموا كل من ينكر عذاب القبر بالباطل والكفر
 ومن الشيوخ والدعاة الذين يردون على من يستشهد في هذه الآية الكريمة وسيم يوسف ومحمد بن صالح العثيمين فهم يزعمون بأن المرقد هو مكان الإضطجاع ويمكن لأن يكون من هو راقد فيه باليقظ وليس بالضرورة بالميت وبالتالي فإن الآية الكريمة لا تثبت صدق ما ذهبوا إليه منكري عذاب
وفي ردهم وحجتهم على ذلك نعرض فيديو
للشيخ وسيم يوسف
 
أما وبالرجوع إلى الآية الكريمة وللتعريف بالجدث فنستمده من حديث علي كرّم الله وجهه: في جَدَثٍ يَنْقَطِعُ في ظُلْمته آثارُها أَي في قبر، والجمع أَجْداثٌ وفي الحديث: نُبَوِّئهم أَجْداثَهم أَي نُنْزِلُهم قبورَهم وعند التعريف بالقبر هو كل ما خفي فيه المواري أو هو مكان تواري الميت وبالتالي فالجدث هو كل ما توارى فيه الشيء والأجداث وهي جمع جدث هي كل ما يتوارى فيه الميت وفي أي صورة من صوره ويكون ذلك ممكن لأن يكون على شكل لحم أو عظام أو تراب اي ما تحول إليه الجسد من ذرات عناصر التربة وبالتالي حين يذكر الله لنا الأجداث يكون يُشير فيها على حالات المواراة المتعددة التي تطرأ على جسد الميت وتحوله إلى العديد من الصور الأُخرى التي يتوارى فيها.. وفيه أيضاً يكمن تعدد مظاهر التواري نتيجة ما يطرأ عليه من تحول
فالله يُخبرنا في كتابه الكريم في سورة الزمر بأنه يتوفى النفس في حالتين: أولها حين الموت، وثانيها حين النوم
يقول الله تعالى ” اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى” الزمر 42
وبالتالي فالنفس المتوفاة تكون إما ميتة
فالله يقول ” اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا” ويقول “وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖفَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ النساء 15 ويقول “وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. الأنعام 61 ويقول “قلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.   السجدة 11
وعليه تكون النفس في حالة وفاة دائمة ومستمرة وفي رقود دائم وبلا حياة أو وعي
 أو تكون النفس المتوفاة نائمة
وفي ذلك يقول “وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا” وبالتالي تكون حينها في حالة وفاة مؤقتة” وبلا وعي إما لبضع دقائق أو ساعات حيث ينسجم ذلك مع معدلات النوم الطبيعي أما حين يزيد عن ذلك فالنائم يُصبح أو يُعد في ما يُسميه العلم الحديث في “نوم سريري” أو غيبوبة ولكن حي ومع ذلك ليس لديه شعور بعامل الزمان
وعليه تكون النفس في حالة وفاة مؤقتة وفي رقود مؤقت وبلا وعي
أما التعريف بما هو الرقود فستمده من
قول الله تعالى “وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا”   الكهف 18
فالله يقول “وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُود” أي إذن حالة اليقظة هي عكس حالة الرقود وهم كانوا غير يقظين وبالتالي فهذا يعني بأن من هو راقد هو غير يقظ أي في حالة من اللاوعي ولا إدراك
أما بالرجوع للتعريف بحالة الرقود فهي حالة الوفاة واللا وعي والتي تصاحب المتوفي سواء كان ميتا أو نائماً والتي تكون على ثلاث أوجه
 أولها: الرقود أو الوفاة المصاحبة للنوم العادي – فيكون المتوفى اثناء النوم العادي “في حالة من الرقود والوفاة المؤقتة ولكن قصيرة” وعندها يكون النائم فاقداً للوعي والإدراك مؤقتاً ويغيب مع النوم عامل الزمن
قال تعالى “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚإِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”  الزمر 42
وثانيها: الرقود أو الوفاة المصاحبة للغيبوبة – النوم المطول ويكون المتوفى فيها في غيبوبة “في حالة من الرقود والوفاة المؤقتة ولكن أطول من النوم العادي” وهو عندما يفقد الوعي والإحساس في الوقت لفترات أطول من وقت النوم العادي
قال تعالى “وَكَذَ‌ٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ …” الكهف 19
فهم يقولون يومأ أو بعض يوم مع العلم بأنهم كانوا رقود ولبثوا في مرقدهم لمدة ثلاث مائة وتسع سنين
قال تعالى “وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا”  الكهف 25
وزيادة على ذلك فأهل الكهف كانوا بلا حراك لأن الله يقول “وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ   فتقلبهم كان يأتي من خارج أنفسهم فهم يقلبون ولكن ليس من ذواتهم أي حركتهم تتم بفعل الله فهم أجساد هامدة بلا حراك أيضاً، بالإضافة على أن أسماعهم كانت مغلقة فهم لا يستجيبون للنداء ولا يسمعون قال تعالى “فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدً”ا  الكهف 11 فأهل الكهف كانوا في حالة نوم طويل أو غيبوبة طويلة الأمد ومع ذلك لم يكونوا أمواتاً
وثالثها: الرقود أو الوفاة المصاحبة للموت – فيكون المتوفي وهو في حالة الموت متوفي بشكل دائم وكامل “أي في حالة رقود ووفاة تامة” فنفسه تكون ممسوكة وفي غياب تام عن الوعي والإحساس والإدراك
 فالله يخبرنا حين يأتي الموت يصاحبه سكرات
قال تعالى “وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَ‌ٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ”   ق 19
والتي يصاحبها أي مع سكرات الموت غياب عن الوعي وإنعدام للقدرات البصرية للإنسان فتقفل أحاسيسه التي يبصر بها كلها شيئاً فشيئاً حتى لا يعود الميت يرى أو يحس أو يشم أو يتذوق أو يسمع وعندها يُصبح بلا وعي أو إدراك وفي ذلك كانت الإشارة على من هو بالفاقد لوعيه وإدراكه كجال من هو مخمور أي “سكران” في قوله تعالى
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ  النساء 43
وقوله تعالى “لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ”  الحجر 15
كما ويكون المتوفي الميت في غياب تام عن الزمن
قال تعالى “أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ … ” البقرة 259
وهذا كان حال من سيتساءلون حين يبعثون من الأجداث أي مما كانوا فيه من حالات التواري
يقول الله عز وجل “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ .قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ” يس 51-52
إذن فالراقد في جميع الحالات الثلاث التي أشرنا إليها يكون في غياب عن الوعي والإدراك والإحساس بانقضاء الزمن وبالتالي فهو غير يقظ فكيف إذن يشعر الراقد بالعذاب كما حدثنا الله في الآية 52 من سورة يس والتي تخص بالحديث من بعثوا بعد النفخ في الصور أي بعد قيامتهم من الموت والذين كانوا “في حالة وفاة تامة ودائمة” وحين أقامهم الله من الموت تسائلوا من بعثهم من حالة الرقود التي كانوا عليها .. فالميت هو متوفي وكذلك حال كل من هو راقد فهو متوفي أيضاً ولكن ليس بالضرورة لأن يكون المتوفي بالميت لأن العامل المشترك بين من هو بالميت ومن هو بالمتوفي هو غياب الوعي والإدراك والإحساس بالزمن …. فعندما يكون الشخص في مرحلة النوم الطبيعي يكون بالمتوفي ومع ذلك يستجيب للنداء أو الصراخ أو حدوث الصوت فهو يسمع وعندها يستجيب ويعود إلى وعيه ولكن هنالك من هو بالمتوفي ولكن لا يستجيب للنداء أو الإحساس وحينها يكون في غيبوبة ولا يسمع كأهل الكهف والذين ضرب الله على أسماعهم فأصبحوا على درجة أقرب من الموت والوفاة الدائمة ممن هم في نوم طبيعي لأن الأموات لا يسمعون ولا وعي لديهم بتاتاً فوعيهم منقطعاً تماماً كما أخبرنا الله في كتابه الكريم
ثانياً: وآية أُخرى تهدم الإعتقاد بعقيدة عذاب القبر وتُشير لا بل وتؤكد على بطلانها
يقول الله تعالى فيها “إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا”  النبأ 40
وهنا يرد سؤال: هل العذاب على البدن أو على الروح أو عليهما معاً … فهم يقولون: الأصل أن العذاب على الروح، ولكن الروح قد تتصل بالبدن أحيانا فيتنعم أو يعذب، وهذا ما ذهب إليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية
والله يقول بأن العذاب هو على الجسد
قال تعالى “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا” النساء 56
ولكن من تحول جسده إلى تراب فهو يعود بلا جسد ومتى يتم تحول الإنسان إلى تراب إلا وهو ميت في قبره
فالله يقول “أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُون”َ  المؤمنون 35
إن قول عذاباً قريباً هو إشارة إلى عذاب اليوم الآخر وهو العذاب بعد القيامة من الموت وليس قبلها وعندها يطلع الله من كان بالميت على عمله
يقول الله تعالى “وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ” الإنفطار 4-5
ويقول الله تعالى “وإذا الجحيم سُعّرت 12 وإذا الجنة أُزلفت 13 علمت نفس ما أحضرت 14” التكوير
وعندها أو يومئذ يتمنى الكافر لأن يعود لكي يكون ترابا وبالتالي فهل من المعقول إذن لو كان هناك عذاب بعد موت الإنسان وتحوله إلى تراب لأن يتمنى ليرجع ليكون تراب حتى ينجى من العذاب سوى لأنه لا عذاب للميت في القبر
ما المقصود في العذاب وعلى من يقع
إن العذاب في الأصل وفي لسان العرب يأتي على معنيين
المعنى الأول: هو المنع وانقطاع الامر – وهذا ما يقع على كل من الميت والحي
فالعذاب للحي منه الجسدي: يَعْذِبُ الرجلُ عن الأَكل فهو عاذِب لا صائم ولا مُفْطِرٌ ويقال للفرس وغيره باتَ عَذُوباً إِذا لم يأْكل شيئاً ولم يشرب وأَعْذَبَ عن الشيء امتنع وأَعْذَبَ غيرَه منعه فيكون لازماً وواقعاً
ومنه النفسي: وفي حديث عليّ رضي اللّه عنه أَنه شَيَّعَ سَرِيَّةً فقال أَعْذِبُوا عن ذِكْرِ النساء أَنْفُسَكم فإِن ذلك يَكْسِرُكم عن الغَزْو أَي امْنَعوها عن ذكر النساءِ وشَغْل القُلوب بهنَّ وهذا العذاب النفسي
وكلُّ من مَنَعْتَه شيئاً فقد أَعْذَبْتَه وعَذَّبْته وأَعْذَبه عن الطعام منعه وكَفَّه واسْتَعْذَبَ عن الشيء انتهى وعَذَب عن الشيء وأَعْذَب واسْتَعْذَبَ كُلُّه كَفَّ وأَضْرَب وأَعْذَبَه عنه منعه ويقال أَعْذِبْ نَفْسَك عن كذا أَي اظْلِفْها عنه وعَذَبَه عنه عَذْباً وأَعْذَبَه إِعْذاباً وعَذَّبَه تَعْذيباً مَنَعه وفَطَمه عن الأَمر
أما العذاب للميت فلا هو جسدي ولا نفسي فالميت أصبح بلا نفس أو جسد فيكون معنى العذاب من خلال هذا المعنى العام والذي يكون فيه انقطاعه عن حياة الدنيا لأن الميت يصبح تراب وبلا جسد أو نفس يحيى بهما
أما المعنى الثاني: هو كل ما شق على النفس احتماله – وهو ما يقع على الحي فقط ومنه العذاب الجسدي والنفسي
ومنه العذاب الجسدي: كالعِقاب والنَّكال
ومنه العذاب النفسي: كما في الحديث: السَّفَر قطعة من العذاب وفي الحديث أَنَّ الميت يُعَذَّبُ ببكاءِ أَهله عليه قال ابن الأَثير يُشْبِهُ أَن يكون هذا من حيث أَن العرب كانوا يُوصُونَ أَهلَهم بالبكاءِ والنَّوح عليهم وإِشاعةِ النَّعْيِ في الأَحياءِ وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم فالميت تلزمه العقوبةُ في ذلك بما تَقَدَّم من أَمره به
وكلا العذابين لا يقعان على الميت
 اما الإشارة الوحيدة إلى العذاب الذي يتعرض له الميت فهي اثناء موته أي وهو  لا يزال حي والتي نستمدها من قوله تعالى
قال تعالى “وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ”  الأنعام 93
وهذا هو العذاب المصاحب للموت والإنسان في حالة النزاع وهو يُصارع الموت، فالله يخبرنا عنهم وهم في غمرات الموت وهو الإنغماس والزيادة في النزاع فيبقى في عذاب إلى أن تُقفل أو تسكّر بصائره تماماً وفي ذلك كان
قوله تعالى “وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَ‌ٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ”  ق 19
والذين يبقوا على حالهم الميت هذا إلى يوم الجمع وإلى حين قيامتهم من الموت وعندها يأتي التخوف والترقب مما سيحدث لهم في يوم الدين
 يقول الله تعالى “وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ”  الصافات 20
لأن في يومهم هذا “يوم الدين” من كان له دين سيأخذه ومن كان عليه دين سيدفعه وذلك هو يوم الحساب، إذن فلم يكونوا قد حوسبوا بعد وبالتالي لم يكن قد لحق بهم عذاب في القبر
ولكن وعلى الرغم من تجذر عقيدة عذاب القبر في عقول المسلمين وتسليمهم لأكثر من الألف وأربعمائة عام للأهوال المتعددة التي يتعرض لها الميت ابتداء من تحول القبر إلى روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار أو ضمة القبر حتى تتكسر أضلاع الميت إلى استجوابه من الملكين منكر ونكير فهي ليس لها من مصدر حقيقي إلا روايات من الحديث المتوارث والذي فُسر على أنه منسوب للرسول الكريم واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وبذلك على أنه يؤكد حقيقة عذاب القبر مع أنها وبكل وضوح تتعارض وتتناقض مع ما نص عليه القرآن الكريم
ما هو حكم من أنكر عذاب القبر
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: من أنكر عذاب القبر بعد أن علم أنه ثابت في الكتاب والسنة فهو مُكذب لله ورسوله والمُكذب لله ورسوله فهو كافر
فيديو للشيخ محمد بن صالح العثيمين
 
وبالتالي فلقد اعتمد الشيخ محمد بن صالح العثيمين في تكفيره لمنكري عذاب القبر على أن عذاب القبر ثابت في القرآن وفي السنة، وأن السنة مستفيضة في إثبات عذاب القبر ونعيمه وأجمع هو ومن مثله على أن الأحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كذب بالأمر المتواتر يكون كافراً  … فهم يقولون بأن الإيمان بعذاب القبر هو جزء من اعتقاد أهل السنَّة والجماعة وبالتالي فإن المنكرون للسنَّة والمبطلون لأدلتها يتبعون أهواءهم ويبنون ما يدعونه على هوى ويقيمون دعواهم على جهل بالسنَّة وأدلتها وبالتالي ليس لهم همٌّ إلا التشكيك بالشرع المطهَّر…. أما ومن أهم الأحاديث التي يستشهد بها العلماء على ثبوت عذاب القبر
أولا: حديث: إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّار
روى الترمذي (2460) من طريق عُبَيْد اللهِ بْن الوَلِيدِ الوصافِيّ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ: ” دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَلاَّهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ – أي يضحكون – قَالَ : ( أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ : لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى ، فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ؛ الْمَوْتِ !! فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى القَبْرِ يَوْمٌ إِلاَّ تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ : أَنَا بَيْتُ الغُرْبَةِ ، وَأَنَا بَيْتُ الوَحْدَةِ ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ ، فَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ القَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً ، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ ، وَصِرْتَ إِلَيَّ : فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ ، قَالَ: فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الجَنَّةِ، وَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ الفَاجِرُ ، أَوِ الكَافِرُ ، قَالَ لَهُ القَبْرُ: لاَ مَرْحَبًا وَلاَ أَهْلاً ، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ ، وَصِرْتَ إِلَيَّ ، فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ !! قَالَ: فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ ، حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاَعُهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِأَصَابِعِهِ ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ قَالَ: ( وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا ، لَوْ أَنْ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ : مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ
قال الترمذي عقبه : ” هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، ضعيف ، ضعفه النسائي ، وأبو زرعة ، والساجي، وغيرهم .انظر : “التهذيب” (7/200-202) . وعبيد الله بن الوليد راويه عنه : ضعيف أيضا ، بل ضعيف جدا ، ضعفه ابن معين ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهم ، وقال عمرو بن علي ، والنسائي : ليس بثقة ولا يكتب حديثه ، وقال العقيلي : في حديثه مناكير ، لا يتابع على كثير من حديثه .وقال ابن حبان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات ، حتى يسبق إلى القلب أنه المعتمد لها ، فاستحق الترك ، وقال الحاكم : روى عن محارب أحاديث موضوعة ، وقال الساجي عنده مناكير ضعيف الحديث جدا .” تهذيب التهذيب” (7 /50-51) ،  ميزان الاعتدال
والحديث ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في ” ضعيف الترغيب والترهيب” (1944) وقال : ضعيف جداً
وله شاهد يرويه الطبراني في ” الأوسط” (8613) من طريق مُحَمَّد بْن أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ ، نا أَبِي ، نا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعا .
ومحمد بن أيوب بن سويد : متهم ، قال أبو زرعة : رأيته قد أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة ، وقال الحاكم ، وأبو نعيم : روى عن أبيه أحاديث موضوعة ، وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه .”لسان الميزان
وأبوه أيوب بن سويد : متروك الحديث ، قال ابن معين : ليس بشيء ، وقال ابن المبارك: ارم به ، وقال النسائي: ليس بثقة .”ميزان الاعتدال” (1 /287) . وقد ضعف هذا الحديث الحافظ العراقي في “تخريج أحاديث الإحياء” (ص358) ، والحافظ ابن رجب ، كما في “الجامع لتفسيره” (2/377) ، والحافظ السخاوي في “المقاصد” (ص484) ، والشوكاني في ” الفوائد المجموعة ” (ص269) ، والألباني في ضعيف الجامع
وبالتالي لم يثبت صحة هذا الحديث ولذلك لا يجب الإستشهاد به أو الرجوع إليه في محاولة إثبات عذاب القبر
ثانياً: حديث إجابة الميت في قبره على أسئلة الملكان المنكر والنكير وهي: من ربك ؟ وما دينك ؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم
 فقد روى الترمذي (1071) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . فَيَقُولانِ : قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا ، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : نَمْ ، فَيَقُولُ : أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ ، فَيَقُولَانِ : نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لا يُوقِظُهُ إِلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ
وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ : سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لا أَدْرِي . فَيَقُولَانِ : قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ : الْتَئِمِي عَلَيْهِ ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ ، فَلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ ) والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي
لكن ما هي صحة هذا الحديث خاصةً إذا تعارض مع النص القرآني الصريح
يقول الله تعالى “فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ” الروم 52
ويقول تعالى “وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ” فاطر 22
فإذا كان الله قد أخبرنا بأن الأموات لا يسمعون وبالتالي فأسماعهم مقفلة وبلا حواس فاعلة فكيف إذن سيستجوبون من الملكين وهل يجب علينا تصديق الله أم من نُقل عنهم هذه الأحاديث
ثالثاً: حديث عائشة واليهودية
عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : ( دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَهِيَ تَقُولُ هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَالَتْ : فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : ( إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ ) قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ ) قَالَتْ عَائِشَةُ : فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) رواه مسلم ( 584 ) .
وقد جاء هذا موضَّحاً – أيضاً – في رواية صحيحة عند الإمام أحمد رحمه الله .
فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ !! قَالَتْ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ ( لَا ؛ وَعَمَّ ذَاكَ ؟! ) قَالَتْ : هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا إِلَّا قَالَتْ وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ !! قَالَ : ( كَذَبَتْ يَهُودُ وَهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُذُبٌ لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) قَالَتْ : ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَاكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ ( أَيُّهَا النَّاسُ أَظَلَّتْكُمْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ ) رواه أحمد في ” مسنده” (41/66)  .
وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : ( دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا : إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ ، قَالَتْ : فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ ، فَقَالَ : ( صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ ) قَالَتْ : فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلاَةٍ إِلاَّ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) رواه مسلم  586  .
ولكن كيف نتأكد من صحة أحاديث عذاب القبر هذه وهي تتعارض مع أحاديث أُخرى صحيحة منها حديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا …عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، وهو حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه
فكيف يُعذب من لم ينقطع عمله بعد فهذا لا يُعقل أبداً وليس من سمات العدل الإلاهي فالله عادل وبالتالي نتساءل أي من هذه الأحاديث هو بالصحيح ومن منهم علينا بإعتماده، من يؤيد عذاب القبر أم من ينكره من الحديث
كما وتتعارض أحاديث عذاب القبر هذه مع قول الله في متى توفى الأُجور – فالله يقول توفى الأجور يوم القيامة وبالتالي فمن هم أموات ومقبورين لم تكن قد وفيت لهم أعمالهم بعد
قال تعالى “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ” آل عمران 185
وقال تعالى “يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ” (البقرة:25)،
إذن فإن الوفاء والجزاء مؤخر إلى يوم القيامة فالله يقول “يوم القيامة … ويومئذ يوفيهم الله دينهم ” وليس قبل ذلك أو في القبر فكيف إذن يحاسب ويعذب الإنسان قبل أن ينقطع عمله
رابعاً: اعتماد التفسير الخاطيء لحديث: فَقَالَ: أَمَا إِنّهُمَا لَيُعَذّبَانِ، وَمَا يُعَذّبَانِ فِي كَبِيرٍ على أنه يُشير إلى عذاب القبر
منقول عن ما رواه البخاري في كتاب الجنائز “باب الجريدة على القبر”. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَرّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ. فَقَالَ: أَمَا إِنّهُمَا لَيُعَذّبَانِ، وَمَا يُعَذّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنّمِيمَةِ، ثُمّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقّهَا نِصْفَيْنِ، ثُمّ غَرَزَ فِي كُلّ قَبْرٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلّهُ يُخَفّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا
إن استخدام حرف اللام في قول “لَيُعَذّبَانِ” لا يدل بالضرورة على الزمن الحاضر إشارة إلى أنهم كانوا يُعذبان في حينها أي في القبر لأن حرف اللام يستعمل للإشارة إلى الصيرورة وتُسمى اللام ايضاً بـ لام العاقبة ولام المآل نحو
قوله تعالى  “فالتقطهُ آلُ فرعونَ ليكون لهم عدوّاً وحزَناً”  القصص 8
وقوله تعالى “يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ”  العنكبوت 54
فاللام في قوله تعالى “ليكون لهم عدواً” لم تجعل من موسى عدو لآل فرعون في لحظة إلتقاطهم له وهو رضيع لكنها أتت لتُخبرنا بأنه سيُصبح عدو لهم أي بعد زمان وهذا تحقق بعد أن أصبح موسى رسول الله إلى فرعون وبعد أن بلغ سن الرشد، كما واللام في قوله تعالى “لمحيطة بالكافرين” فجهنم لم تُحط بالكفار لحظة كفرهم وهم كثرة ولكن المعنى بأنها ستُحيط بهم لا محالة وبالتالي فإن قول رسول الله “أَمَا إِنّهُمَا لَيُعَذّبَانِ” فإن معناه أي حتماً هذا ما سيؤول إليه حالهم وعقباهم وما سيصير إليه حالهم وهذا لا يعنى بأنهم كانوا يُعذبون في وقتهم هذا أي وهم في القبر بل فقوله يُشير إلى ما سيلحق بهم من العذاب
أما القول بان إنكار السنة هو كفر مخرج من الملة لأنها هي المبينة للقرآن والشارحة له بل وفيها أحكام تشريعية ليست في القرآن والإستشهاد على ذلك
بقول الله تعالى  “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا” الحشر 7
وقوله سبحانه “مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ” النساء 80
والذي يحثنا الله فيه على طاعة الرسول فهو لا مجال للشك فيه وهو صحيح ولكن هذا خاص بما نُقل إلينا عن الرسول مباشرة وبلسانه وكُنّا قد شهدناه أما ما لم نسمعه من الرسول الكريم ولم نحضره أي لم نشهده ولا يمكننا التحقق من صحته فعملية تقييمه تكون حسب مقارنته مع كلام الله
فالله يقول “لَّـٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚوَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا”  النساء 166
والذي شهد الله على صحته وعندها إذا كان الحديث يتناقض ويخالف كلام الله فعلينا بالأصل أن لا ننسبه للرسول الكريم لان الله برءه من أي تحريف أو تقول عليه
فقال تعالى “وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ”  الحاقة 44–47
وبالتالي فكل ما نأخذ عن ما هو منقول لنا عن الرسول يجب لئن لا يخالف كلام الله لأنه كان قد أُنزل عليه بوحي منه
قال تعالى “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ”  النجم 3-4
فالحديث ومنه الصحيح ومنه الضعيف ليس كالقرآن والذي تعهد الله بحفظه
فقال تعالى “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”  الحجر 9
وبما أن أحاديث عذاب القبر هذه والمنقولة لنا عن الناس تخالف قول الله العلي القدير وكلامه المحفوظ في مئات الآيات في القرآن فعلينا ألا نأخذ بها أو نعتمدها أو نستشهد بها فلا كلام أو حديث يرقى إلى مقام وصدق كلام الله
يقول الله تعالى “تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ”  الجاثية 6
وبقول الله تعالى  “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا”  النساء 87
فكيف إذن علينا لأن نتصور أو نُصدّق بأن الراقد في قبره يُعذب وهو ميت ومتوفية نفسه كاملاً وكيف سيشعر بالعذاب ولا حياة فيه فلو كان هناك عذاب في القبر لما ذكر الله لنا في القرآن كلامه هذا “من بعثنا من مرقدنا” والمنقول عن الكفار بعد بعثهم من الموت وكلامهم عن وعد الله وصدق رسله مما حذروهم وأنذروهم منه وهو ما ينتظرهم من العذاب
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
بتاريخ 1-11-2018
فيديوهات لـ
د. علي منصور كيالي
 
أحمد عبده ماهر
 
الشيخ الشعراوي