الـ ن والقلم وما يسطرون .. وخطأ بعض المفسرين بالزعم بأن يونس هو واضع الأبجدية ومؤلفها

Posted: October 17, 2017 in مختارات, الـ ن والقلم وما يسطرون .. وخطأ بعض المفسرين بالزعم بأن يونس هو واضع الأبجدية ومؤلفها
الـ ن والقلم وما يسطرون .. وخطأ بعض المفسرين ومنهم الشيخ بسام جرار بالزعم بأن يونس هو واضع الأبجدية ومؤلفها
 
 
 
يقول الشيخ بسام جرار على صفحات مركز نون في بحث له بعنوان: يونس عليه السلام – فرضية قد تصبح حقيقة ما يلي
 
 جاء في الآيتين 87، 88، من سورة الأنبياء: ” وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك نجي المؤمنين”. ذو النون هنا هو يونس، عليه السلام. وأكثر أهل العلم على أنّ النون هو الحوت، وتجمع على نينان. وقد ورد في سورة القلم:” فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت …” القلم: 48. ومعلوم أنّ الصاحب من المصاحبة، وقد حصل أنْ صاحب يونسُ، عليه السلام، الحوتَ فترة من الزمن، فلا إشكال. أمّا ذو ففيها ملازمة كملازمة الصفة للموصوف. والذي نرجحه هنا أنّ نون هو الحرف المعروف. ويلزم من هذا القول أن نبين لماذا سمي يونس، عليه السلام، بذي النون، ولماذا يسمى الحوت نوناً؟!
جاء في مختار الصحاح للرازي في مادة (بلس):”أبلس من رحمة الله أي يئس، ومنه سمي إبليس وكان اسمه عزازيل”. وهذا فيما نراه خطأ بيّن؛ لأنّ القرآن الكريم ينص على أنّ اسمه إبليس قبل أن ييأس من الرحمة؛ انظر قوله تعالى:” إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين، قال يا إبليس مالك ألا تكون من الساجدين، قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال …” الحجر 31-33. وكذلك الآيات 75 – 78 من سورة ص، تنص على أنه خوطب بـ (إبليس) قبل أن يطرد من الرحمة. وعليه نقول: إن أبلس من إبليس، لا أن إبليس من أبلس. فبعد أن أصبح إبليس يائساً من الرحمة ووجدت البشرية ووجدت اللغة العربية، اشتق الناس من اسم إبليس الفعل. فالاشتقاق هنا إذن من الاسم. وما قلناه في (إبليس) نقوله في (نون)، فاسم (يونس) معناه كما سنرى (ذو النون)، وعليه فهناك احتمال أن يكون الحوت قد عُرف بـ (نون) بعد قصته مع ذي النون – يونس
وبالرجوع إلى الآية 88 من سورة الأنبياء نلاحظ أن كلمة (ننجي) كُتبت في المصحف (نجي) على الرغم من أنها تُقرأ فقط (نُنجي). فلماذا حذفت النون عندما كان الكلام عن ذي النون؟! ويصبح الأمر لافتاً بشدة عندما نعلم أنّ سورة القلم تفتتح بقوله تعالى ” ن والقلم وما يسطرون “، وقبل نهاية السورة يقول سبحانه: ” فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم” فلماذا حذفت النون عندما وصف عليه السلام، بذي النون؟! مع ملاحظة أنّ قصة يونس عليه السلام وردت أيضاً في سورة القلم التي تستهل بحرف النون، وملاحظة أنه، عليه السلام، لم يوصف فيها بذي النون، بل هو فيها صاحب الحوت. يحتمل أن تكون هذه إشارة إلى أنّ النون هو الحرف وليس الحوت؛ ففي سورة الأنبياء حذفت النون التي هي حرف، وفي سورة القلم استهلت بنون الذي هو حرف، فالقَسَم كما هو واضح بالحرف والأداة والكتابة: نون والقلم وما يسطرون” … وبالإضافة على ذلك فهو يُروِّج لفرضيته الخاطئة هذه بالصوت والصورة في تسجيل للفيديو على اليوتوب بعنوان: الشيخ بسام جرار: مفاجأة النون ليس الحوت، وواضع الأبجدية هو يونس عليه السلام
الفيديو
 
إذن فالشيخ كما نُلاحظ في الفيديو فهو يُكرر القول نفسه أي بأن كلمة (ننجي) كُتبت في المصحف (نجي) ولكن زعمه هذا يخلو من الصحة التامة لأن هذا لا يشمل على كل المصاحف حيث ان منها ما هو مكتوب قوله تعالى فيها بـ نُجي ومنها ما هو مكتوب فيها بـ نُنجي  … ويقول الشيخ بأن الـ ن حُذفت في الوقت الذي كان الله يتكلم فيه عن ذي النون وهذا في “الدقيقة 2:22” ويتساءل قائلاً “لماذا يونس يمكن لأن يكون هو ذو النون في “الدقيقة 3:10 ” .. ويقول: فإذا كان هو مُخترع الابجدية .. إذن صارت تُنسب إليه نسبة قوية وبالتالي يصح أن نقول فيها “ذو النون .. في الدقيقة 3:32″… ” ويُعيد قول “ذو النون 3 مرات أُخرى” ثُم يُكمل قائلاً: ولماذا أصبح الحوت يُسمى نون أنا شاكك أنه أصلاً نتيجة أن “ويُعيد قول ذو النون مرة أُخرى وهذا في الدقيقة 3:54” صارت صحبة بينه وبين الحوت فترة زمنية معينة صاروا يسمّوا الحوت نون .. ممكن أخذوا الإسم نون أي الحوت من قصة يونس الذي هو في الأصل واضع الحرف
 
ونحن نتسائل ما هو جدوى هذا الإصرار على التفسير الخاطيء والذي إنما يُساهم في تضليل الناس ويعمل على حجب الحقيقة القرآنية عنهم
 
 
أما للرد على الشيخ الكريم وعلى كُل من يؤيده بزعمه الخاطيء هذا فنقول  
 
أولاً: لقد اشار الله على يونس عليه السلام مرّة بذا النون
فقال تعالى “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” سورة الأنبياء 87
وأشار عليه مرّة أُخرى بصاحب الحوت
 فقال تعالى “فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) سورة القلم
فإذا كان يونس هو “ذا النون” وهو نفسه “صاحب الحوت” إذن فمن الواضح بأن النون هو الحوت أليس كذلك، ولكن ما علاقة كلمة النون التي أُشير بها على الحوت في قوله تعالى “وَذَا النُّونِ” بحرف الـ ن في
 قوله تعالى “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” سورة القلم 1
وللإجابة على ذلك نقول بأن كل شيء يبقى شيء ويحيطه الإستفهام والغموض حتى يُعرَّف أي يُصبح بالمُسمى أي يُصبح له أسم يُعرّف عليه أو نعرفه به، ويمكن لان يكون للمُسمى أكثر من إسم كالقط والهر والبس فكلها أسماء لمسمى واحد .. وكذلك الثعبان والحية فهي أسماء لمسمى واحد .. وكذلك الأسد والسبع والضرغام والرقبال وكذلك الامر بالنسبة للحوت فهو وبلا شك كان سيبقى بالنسبة لنا شيء ما لم نوصفه أو نُعطيه إسم للدلالة عليه وبالتالي فحين نُسميه بالحوت يُصبح يُعرّف بإسم يُسمّى به هو مُسمّاه وكذلك الحوت فله أكثر من إسم يشترك في مُسمّاه وهو النون
أما بالنسبة لحرف الـ ن فهو أحد الحروف المقطعة التي افتتح الله بها بعضاً من سور القرآن الكريم وكما هو معروف فإن لكل حرف أسم يسمى به كحرف الـ أ مثلاً فأسمه ألف وحرف الـ ع فأسمه عين وحرف الـ ك فأسمه كاف وكذلك حرف الـ ن فاسمه نون والذي يتم كتابته أو الإشارة عليه بحرف الـ ن والذي يتم قراءته ولفظه تبعاً لإسمه أي نون وبذلك فهو يشترك مع اسم الحوت في اللفظ نفسه ..  فكلاهما يُلفظ بالـ نون اي بالإسم نفسه مع العلم بأن كل منهم هو مُسمى لشيء مُختلف عن الآخر وبالتالي فالكلمة التي أُشير بها على النون في “ذا النون” هي اسم للحوت، أما الحرف والذي أُشير به على الـ نون في “ن والقلم وما يسطرون” فهو إسم الحرف كما بينّا
 
ثانياً: إن من الواضح بأن الشيخ الكريم والكثير من المُفسرين الذين يُشاركوه هذا الرأي لم يعيروا أي إهتمام لإستعمالات كل من ذا وذي وذو ..  أو لربما سهو عن ذلك مع ان الله كان قد أمر الله رسوله الكريم لأن يتبع قرآنه كما أُوحي به إليه وذلك إذن ليبلغه للناس بنفس طريقة وحيه، فالله يقول “فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ” القيامة 18
وأمره بالإلتزام بتذكُر وحي نزوله فقال “ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ” الأعلى 6
 
إذن فحين يقول الله في كتابه الكريم
” وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا  .. ” فهو يُشير على يونس عليه السلام بـ ذا النون أي أتى بها منصوبة وكانت علامة نصبها الألف نيابة عن الفتحة  
أما شيخنا الكريم بسام جرار (ونخصه هنا في الذكر ولكن نشمل بذلك على كل من يؤيده في تفسيره) فكان في الفيديو والبحث الذي أشرنا إليهما يُصر على قول: ذو النون أي على أن يأتي بها مرفوعة وعلامة رفعها الواو نيابة عن الضمة وعمل على تكرارها 7 مرات في الفيديو بالإضافة ألى انه اشار عليها مرة واحدة بـ ذي النون أي أتى بها مجرورة وكانت علامة جرها الياء نيابة عن الكسرة .. حيث لم يُبدي اي ملاحظة على أن هنالك فرق بين استعمالات هذه أو تلك … ويمكن مراجعة الفيديو وقد أشرت على أوقات كل منها في الدقيقة والثانية للتأكد من ذلك
 
 
في البداية أود أن أقول بان الإشارة على يونس عليه السلام بـ ذا النون في قوله تعالى بـ ” وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا  .. ” لم تاتي بشكل عبثي أو غير محسوب قال تعالى “الر  كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ” ولذلك فالمطلوب منا هو التدبر في القرآن وبشكل دقيق ولا نعتمد الفرضية إلا إذا كانت مبنية على نتائج البحث العلمي والتي توافق العقل والإدراك القرآني .. قال تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 
 
إن ذو وذا وذي هي من الاسماء الخمسة المُعربة (والاسماء الخمسة هي: أب، أخ، حم، فو، ذو) وذو: بمعنى صاحب ويُشار عليه
بـ ذو: حين يكون في حالة الرفع ويكون الرفع للفاعل والمبتدا وسُمي الرفع بذلك لأن المرفوع عالي المقام
والأمثلة على ذلك كثيرة منها حين يُشير الله على نفسه بغرض علو المقام والكمال والوحدانية المطلقة
وفيها قوله تعالى ” رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ” وقوله “ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ” وقوله ” وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ” وقوله ” وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ” …. وقوله “والله عزيز ذو انتقام
وقوله تعالى “وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ” والتي من خلالها “أي الأوتاد” وبناءها تكون له رمز للسيادة والعلو على قومه
 
كما ويُشار عليه
بـ ذي: وذلك حين يكون في حالة الجر فيربط الجار بالمجرور ويعني ذلك استعلاء الجار على المجرور وفي ذلك انكسار لحالة المجرور أو سيادة الجار عليه والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها
قوله تعالى “ قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا”
وقوله تعالى “وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا “
وقوله تعالى “تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ” 
وقوله تعالى “وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ” وفيها إستعلاء الجار على المجرور أي استعلاء شخصه على رمز قوته وجبروته  
 
كما ويُشار عليه  
بـ ذا: وذلك حين يكون في حالة النصب فيكون هو من نصبه هدفاً أي جعله مكان وقوع الفعل، ويكون للمفاعيل التي إما واقع عليها الفعل أو تكون موضع وقوعه
ومثال على ذلك هو في قوله تعالى “ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا” فـ ذا القرنين كان في مكان الحدث   
 
وكذلك فعلينا باستخدام القاعدة نفسها عند معاينة قوله تعالى “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا ” …  فـ ذا النون أتت في حالة النصب وبالتالي فالصفة المصاحبة أتت مفعول بها – ولقد أُطلق الله على يونس لقب صاحب الحوت فقال “وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ” لأنه كان في صحبته ولنا عبرة ومثل نستمده من قوله تعالى “ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ” فالفتية كانوا في صحبة يوسف عليه السلام بالسجن، وفي قوله تعالى ” إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا التوبة 40 وهنا يُشير على نبيه وحبيبه وهو في الغار وفي صحبة أبو بكر الصديق رضي الله عنه …  وكذلك كان يونس في صحبة الحوت وهو في بطنه
 فالله لم يُشر على يونس بـ – ذو النون – اي بالرفع وبالتالي فيجب لأن لا يكون فهمنا مبني على أنه هو صاحب الفعل ونزعم خطأ بأنه لربما له دور في وضع الأبجدية  … وعلينا لأن نتذكر بأن الله أشار عليه بـ ذا النون اي بـ “صفة المفعول” لا بـ ذو النون “بصفة الفاعل” وعليه نقول بأن قول الله تعالى “ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ …. وقوله تعالى “لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ” فيهما أكبر دليل على ذلك أي على وقوع الفعل عليه وبالتالي فإن المفعول فيه ومن كان في بطن الحوت ومُلتقم منه أي يونس لا يكون بمرتبة الفاعل أو القائم على الفعل وبالتالي فمن غير الممكن بان يكون له أي دور في وضع الأبجدية خاصة وأن النون في قوله تعالى “وذا النون” لا تُشير على الحرف الـ ن بل على الكلمة المُعرّفة بمُسمى الحوت
 
ثالثاً: الإشارة على المُعرّف والنكره في مسألة كل من كلمة النون وحرف الـ ن
 
ففي قوله تعالى “ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا  .. ” الأنبياء 87. أتت النون فيها مُعرّفة بأل التعريف لتُشير على الكلمة والتي اشارت على الجنس أي الحوت، بالإضافة على أن الآية أتت بصيغة التدوين الكتابي للكلمة أي كلمة النون كاملة لا بصيغة رسمها الحرفي اي حرف الـ ن فقط
 
أما في قوله تعالى “ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ” القلم 1. فأتت الـ ن فيها نكرة وبدون أل التعريف لِتُشير على الحرف حيث لم يقل الله الـ ن والقلم وما يسطرون أي لم يسبق حرف النون بأل التعريف وذلك لربما حتى لا يعتقد البعض بأن الحرف هنا يُشير على الكلمة أي الحوت الذي أُشير عليه بالـ نون وبأل التعريف كما في قول “وذا النون” كما في سورة الأنبياء والذي كان ليونس قصة معه وكان في صحبته
وبالتالي إذن فإن كون الـ ن في قوله تعالى في سورة القلم “ن والقلم وما يسطرون” أتت نكرة لا مُعرّفة فهي لتُشير على حرف النون (والذي يُشير حين التلفظ به على اسم الحوت بشكل عام “اي الجنس بدون تحديد”) اي بدون تعريف على حوت بعينه وبالتالي حتماً لا تُشير على الحوت الذي كان يونس في صحبته والتي تُشير عليه القصة
 
والأهم في ذلك وهو عدم ذكر النون في سورة القلم حيث لم يكتب الله إسم الحرف كتابةً في مطلعها أي نون بصيغته اللفظية أي كتابة قول ـ النون والقلم وما يسطرون – بل كُتبت برسمها الحرفي لا بصيغتها اللفظية أي ” ن والقلم وما يسطرون ” إذن فالله وبلا شك يُشير على الحرف لا على الحوت وذلك لربما حتى لا يحصل التباس بين الـ ن كحرف والنون كإسم جنس إشارة إلى الحوت الذي التقم يونس، ثم وللتأكيد على ذلك أتى الله على الإشارة عليه في سورة القلم بـ “صاحب الحوت” لا بـ صاحب الحرف وذلك للتفريق والمباعدة بينهما لا للتقريب والتشبيه
 
أما ما استنتج الشيخ بخصوص قوله تعالى “ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَ‌ٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ” وعقّب على ذلك بالقول بأن كلمة نُنجي تمت كتابتها بـ نُجي اي بحذف حرف الـ ن من كتابتها في الوقت الذي كان الله يتكلم عن (ذي النون) واعتقد وكأن في ذلك مؤشر على أن النون في قوله تعالى “وذا النون” تُشير على الحرف لا الحوت فهو في الحقيقة على العكس مما ذهب إليه تماماً لأن الذي حُذف من الكتابة هو حرف الـ ن …  ومع ذلك بقي لفظ نُنجي وقراءتها كما هو ولو أراد الله لأن يُشير على أن هنالك علاقة تُشير على الحرف بين قول “وذا النون” وقول”وكذلك نُجي” لأبقى الله عليها مُشددة بالحرف وذلك بغرض التأكيد ولكن حين حذف الحرف منها فلقد خفف من دور الحرف في كتابة “النون” وفي هذه السورة بالتحديد وكلمة نُنجي كما نرى لم يتغير لفظها نتيجة نقصان الحرف وبالتالي فإن كان هناك علامة بين قوله تعالى “وذا النون” وقوله “نُنجي” فهي تُشير على لفظ الكلمة كما أُعتمد بناءها الكتابي والمكون من الحروف ..  والله هو من وصّانا لأن نتبع قرآنه أي طريق قراءته فقال ” فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ” وهو من فرق لنا (على سبيل المثال) بين قراءة كلمة “ألم” كلفظ واحد كما أتى بها في مطلع سورة الفيل وقول “ألم” كحروف مقطعة وقراءة كل حرف منها على حدة كما في مطلع سورة البقرة ولم نأتي نحن بقراءتها من عندنا بل نلتزك بقراءتها حسب ما أُوحي بها من عند الله وعلينا الإمتثال والتقيّد بذلك وكذلك فنحن نقرأ حرف الـ ن في قوله تعالى “ن والقلم وما يسطرون” وهو من الحروف المقطعة بـ نون ونقرأ كلمة نون في قوله تعالى “وذا النون” بـ نون أيضاً اي قراءتهما واحدة ولكن الفرق والتمييز بينهما هو في بناءهم الحرفي او الكتابي فحرف الـ ن يتكون من حرف واحد، أما نون الكلمة فتتكون من ثلاثة حروف على الرغم من أن لفظهما يُشير على الشيء نفسه كما قُلنا أي الحوت وبالتالي فحين نكتب حرف ن فنحن نعلم بأن المُقصود هو الحرف نفسه وهو كباقي الحروف الذي منه نبني الكلام أما حين نكتب كلمة نون فنحن نعلم بأن المقصود بذلك هو الكلمة ومعناها
وبالتالي فحين أسقط الله حرف الـ ن من كلمة “نُنجي” وتمت كتابتها بـ “نُجي” اراد الله بذلك لربما التخفيف من دور الحرف وأهميته في آيات سورة الأنبياء والتي تناولت قصة ذا النون أي صاحب الحوت لا صاحب الحرف
 
وهنالك أمثلة قريبة على ذلك نستمدها من قوله تعالى “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”  آل عمران 103
وقوله تعالى “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” الشورى 13
ففي قوله ” وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” في سورة الشورى أتى الله فيها بالتاء مكررة وذلك بغرض التثقيل أي ليُشدد على ضرورة التمسك بالدين وكان الخطاب فيها حصري اي – في الدين، أما قول “ وَلَا تَفَرَّقُوا” في سورة آل عمران فأتت مخففة أي بتاء واحدة وذلك حتى تؤخذ من باب النصح والإرشاد وكان الخطاب فيها عام   
 
ولنا مثال آخر في قوله تعالى “ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ   هود 24
وقوله تعالى “ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ   غافر 58
وقوله تعالى “ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ   السجدة 4
 
فقول “ مَّا تَتَذَكَّرُونَ” في كل من سورة غافر وسورة السجدة أبقى الله على التاء “أي مكررة” فيهما للتأكيد على الفعل ولزومه وهو ضرورة ذكر الله وحمده وتسبيحه وشكره لنعمه التي أنعم الله علينا بها فكرر التاء للزيادة والتأكيد على أهمية الحفاظ على ذكره فكان خطاب خاص بعلو شأنه وجلاله  
أما قول “ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ” في سورة هود فهو خطاب عام أراد الله به الوصية والنصح وأخذ العبرة والمثل الذي يُستفاد منه
 
 
رابعاً: يقول الله تعالى ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ” وهنا علينا بالإنتباه إلى قول “وما يسطرون” في الآية الكريمة لأنها أتت بصيغة الجمع “لا المفرد” حيث أنها حملت الإشارة الضمنية على أن من عمل على تقليم الحرف وسطّروا به هُم جماعة لا فرد واحد وبالتالي لا يُمكن لأن نفترض إلّا مُخطئين بأن المقصود بمن قلّم الـ ن كحرف وسطّر به هو يونس عليه السلام
 
إذن وبما أن الإشارة في الآية الكريمة في قوله تعالى “ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ” كانت تعود وبدون شك على الحرف أي حرف النون – ن – فمن هم هؤلاء القوم الذين تُشير عليهم الآية الكريمة وما علاقة حرف النون في القلم والتسطير أي الكتابة وعلاقة ذلك بقصة يونس معهم ومع الحوت
 
 
لقد دفعتنا هذه التساؤلات للبحث عن حقيقة هذه العلاقة ومصدرها والتي عثرنا على جذورها في الابجدية القديمة أو ما يُشير عليها المؤرخين وخاصة المستشرقين بالأرامية والكنعانية القديمة والتي تحدث بها الفنيقيين والعبرانيين والتي فيها كان يُشار على حرف الـ ن من خلال الرسم لصورة الحوت
 
يقول الله تعالى “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) الشعراء
إذن فاللسان العربي المُبين كما يُخبرنا القرآن له صلة بالماضي البعيد وأكد الله لنا عن وجوده في كتابات الأولين فقال “وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ” وبالتالي فالأولين هم أول من تحدث به والعلامة والدليل على ذلك وهو بأن علماء بني إسرائيل كانوا على علم به وإلا فكيف يكون لعلماء بني إسرائيل علم به لولا أنهم كانوا على إطّلاع على اللسان العربي وأبجديته كما نقولها عن أجدادهم العبرانيين “نسبة إلى إبراهيم العبراني” وتحدثوا بها وعقلوها
وللتأكد من علاقة اللسان العربي الذي أُنزل فيه القرآن بلسان القدماء دعونا نتفحص الجدول التالي والذي يُشير على الكتابة بالحروف الأبجدية العربية والتي تعود في أصولها إلى الأبجدية الكنعانية والآرامية والفنيقية
إذن فمن الواضح من الجدول بأن النون هو من أسماء الحوت وذلك بلسان الأولين وهو كذلك بلسان أهل قريش والذي أُوحي به القرآن ويمكن الرجوع لمعاجم اللغة العربية ومنها لسان العرب ومختار الصحاح للتحقق من ذلك، وبما أن يونس هو ذا النون كما أتت الإشارة عليه في كتاب الله فهو إذن كان قد أتى لقوم يُشيرون على الحوت بتسمية النون وبذلك يمكننا لان نستنتج بأن الله أرسل ذا لنون – يونس للفنيقيين “والله اعلم” مبشراً وهادياً ومعلماً، فالتقى الحوت والنون لا لصدفة بل ليكونا بداية لحكاية كانت قد رسمتها خطة السماء
إذن فقوم يونس هم أو أجدادهم الذين أتى فيهم قوله تعالى “وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ” فهم من أول من تحدث باللسان العربي وسبقونا إليه وكانوا هم وأجدادهم الكنعانيين والآراميين يتكلمون بالأبجدية العربية ويُشيرون عليها في كتاباتهم برسومات تصويرية وكان لنا مثال في حرف الـ أ والذي في لسان العربية الحديثة وفي الآرامية القديمة والتي أشرنا عليها وتحدث بها وكتبها الفنيقيين وأجدادهم الكنعانيون يُلفظ بإسمه أي أليف أو ألِف إشارة إلى رسم للحيوان الأليف (مُسماه) وذلك قبل تقليمه بحرف الـ أ وكذلك حرف الـ ع فلفظه الذي يدل على اسم مسماه وهو العين، وكذلك حرف الكاف فاسمه والذي يدل على مسماه هو كف اليد وكذلك بالنسبة للنون فحرف الـ ن له أسم يدل عليه أو على مُسماه وهو لفظه أو ما يلفظ به أي نون، فإذا كان أسم حرف الـ ن يُلفظ بـ نون إذن فلفظه أو ما سُمي به حسب اللغة يشترك مع أسم الحوت بالتسمية وكانوا يرسموا الحوت للدلالة على حرف النون وذلك قبل أن يختصروه ويقلموه ويستبدلوه بحرف الـ ن فقط، وبالتالي كانوا هم وأجدادهم إذن أول من تحدث وكتب بالحروف الأبجدية بعد أن قلّموها والذين أشار الله عليهم في قوله تعالى “ن والقلم وما يسطرون” وذلك قبل أن يعملوا على نشرها إلى خارج أرض كنعان حيث وبقي دورهم المتميز وفضل كتابتهم بالحروف العربية الأبجدية إلى يومنا هذا
 
لقد كان بأن استوطن الكنعانيون الساحل الشرقي للبحر المتوسط (والذي يشمل سوريا ولبنان وفلسطين الحالية) منذ 5000 ق.م. ولقد دُعي الكنعانيون الذين سكنوا مناطق الساحل من شمال صور وحتى اعالى ساحل سوريا بالفينيقيون، والفنيقيون هم ابناء كنعان بن حام بن نوح “حسب ما جاء عن أهل الكتاب” … …. وقد أنشأ الفينيقيون مدناً على الساحل الغربي للبحر المتوسط ما زالت عامرة إلى يومنا هذا مثل صور وأوغاريت وارواد وصيدا وجبيل وغيرها كما وأنشأوا مستعمرات لهم في جميع أنحاء المتوسّط كان أهمها وأبرزها في قرطاج وكانوا قوة مهيمنة في العالم القديم وبلغت فينيقيا والمدن التابعة لها ذروة مجدها التجاري في القرن الثالث عشر قبل الميلاد إذ كانت اتصالاتها البحرية تشمل مناطق العالم القديم بأكمله وبلغت تجارتها درجة عظيمة وعن طريقها تم نشر الكتابة بالحروف الأبجدية إلى العالم الغربي عبر البحر المتوسط إلى اليونان وأوروبا وشمال افريقيا وعن طريق البر إلى مناطق إلى كل من الشام والعراق وبالتالي أصبحت الأبجدية هي الأصل الذي بُني عليه جميع حروف اللغات من يونانية ولاتينية وسريانية وعبرية وانجليزية وغيرها
 
إن سورة القلم توثّق لنا صلة القدماء الأولين بـ “قوم يونس” الذين تحدثوا اللسان العربي وصاغوا كلامهم به وقلموا حروف النطق وسطروا بها كتبهم بالعرب القريشيين الذين أنزل الله كتاب القرآن بلسانهم العربي .. فالسورة تعقد مقارنة بين نبيه الكريم محمد وبين يونس وقوميهما حيث جعل الله من اللسان العربي ليكون العامل المشترك بين الماضي والحاضر والذي كان ولا يزال حرف الـ ن هو عماد بيانه وتفصيله ..  ولقد أشار الله على أن حرف النون “بالتحديد” هو ما بنى الأولين عليه أُصول الكتابة بالأبجدية وللعلم فإن حرف الـ ن هو من حروف المباني فهو يشترك في بناء كلمة نون حيث يكون من مكونات حروفها … وهو أيضاً من حروف المعاني حيث أسمه ولفظه المستقل يُشير على معنى كلمة نون اي اسم الحوت
ولمحاولة فهم ذلك نستمد قول للشيخ الكريم بسام جرار في ما يتعلق بهذا الموضوع ما يلي: “تشير الدراسات الحديثة إلى أنّ اللغة العربية هي اللغة الأقرب إلى اللغة الساميّة الأم ….  واللافت في هذه اللغة أنّ لحرف النون الدور المركزي في الإعراب والتصريف، ويكفي للتدليل على ذلك ملاحظة الآتي
أولاً: تنوين الفتح والضم والكسر: أي تُختم اللفظة بالنون
ثانياً: التثنية (ا + ن) والجمع (و + ن) و (ى + ن) أي تختم اللفظة بنون
ثالثاً: نون النسوة: تختم اللفظة بنون
رابعاً: نون التوكيد، والنون المخففة
خامساً: إنْ، أنْ، إنّ، أنّ
سادساً: إثبات النون وحذفها في الإعراب، وبالذات في الأفعال الخمسة
ولا تجد في اللغة العربية (الأقرب إلى السامية الأم) حرفاً آخر، كحرف النون، يقوم عليه التصريف والإعراب”…. الشيخ بسام جرار
 
 
 
رابعاً: يقول الله تعالى “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”  إبراهيم 4
وهذا القول القرآني يقودنا إلى مسألتين  
المسألة الأولى: وهي بأن من الضرورة أن نتذكر بأن يونس هو أحد الرسل، قال تعالى “ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ” والذي كان قد أرسله الله إلى قومه، قال تعالى “فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ” وذلك ليدعوهم إلى الإيمان بالله، ولكن على من يعود اللسان الذي خاطب يونس به قومه فهل كان بلسانه هو أم بلسانهم هم  .. وللتعرف على ذلك علينا بالرجوع إلى القاعدة العامة التي ذكرها الله في كتابه والتي فيها يقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ .. والتي من خلالها نهتدي إلى أن مرجعية اللسان الذي خاطب يونس به قومه تعود عليهم هم لا على يونس فالله يقول “بلسان قومه” وبالتالي فهم إذن اصحاب اللغة الأصليين وكانوا قد سبقوا يونس للتحدث والتعبير بها وذلك من قبل أن يرسل الله يونس إليهم
 أما المسألة الثانية: فهي ما كُنّا قد توصلنا إليها من خلال مراجعة قوله تعالى ” وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ” مرة أُخرى حيث أن القوم هم من عليهم قائم وهم المجموعة من الناس ممن اجتمعوا على أمر واحد “وهنا هو اللسان” ومن هذا نستنتج بأن صياغة الكلام بالحروف الأبجدية العربية كان معمول بها من قبل رسالة يونس إلى قومه
 
إذن فاللسان الأبجدي كان قد تكلم به الأولين وكتبوا به قبل أن يبدأ يونس مهمته الرسولية إلى قومه وبالتالي فإن قوله تعالى “ن والقلم وما يسطرون” والتي أتت بصيغة الجمع كانت تُشير إلى انتهاجهم لأسلوب التقليم والتسطير بالحروف الأبجدية كقوم لا فرد بعينه
 
يقول علماء أهل الكتاب من المسيحيين وحلفائهم اليهود بأن يونس هو “يونان بن أمتّاي وذلك حسب ما أُشير عليه في كتابهم المقدس” وكان قد بُعث إلى نينوى بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر واستيطانهم الأرض المقدسة بحوالي الـ 800 سنة، كما ويزعم مؤرخيهم ومن تأثر بعلومهم وأخذ عنهم حرفياً بأن نظام الكتابة بالأحرف لم ينتشر خارج أرض كنعان حتى كان للفنيقيين حضارة وعملوا على تطوير وتحديث الكتابة بالحروف ومن ثم قاموا بنشرها عن طريق التجارة إلى خارج أرض كنعان في حوالي الـ 800 قبل الميلاد اي تزامن هذا التاريخ مع رسالة يونس إلى أهل نينوى
 
 وبالتالي فإذا كان يونس هو مخترع ومؤلف الكتابة بالأبجدية كما يزعمون “ويشاركهم زعمهم الخاطيء هذا وللتذكير الشيخ بسام جرار وغيره من علمائنا الأفاضل” فمن المفروض بأن الأبجدية والكتابة بها لم تُعرف ولم تنتشر بالعالم القديم وخارج أرض كنعان قبل بعثة يونس 800 قبل الميلاد وذلك مما يجعل من بني إسرائيل بأن يجهلون بها من قبل ذلك التاريخ
 
ولكن هنالك خطأ كبير في زعمهم هذا
يقول الله تعالى “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ” .. ونحن بدورنا نتسائل كيف يكون علماء بني إسرائيل على علم بزبر الأولين وفهمها، والزبر هي “كتابات ومخطوطات الأولين والتي كانت في العادة تُحفر على الحجر … ” والأولين وهم الكنعانيين والآراميين هم أول من خط بالحروف الأبجدية العربية القديمة من قبل بعثة يونس لنينوى بمئات السنين
إن الله يقول “أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ” والآية في غاية الوضوح وهو حتى يكون لهم آية: اي دليل وبرهان بعلم بني إسرائيل بهذا اللسان الأبجدي “فلسان العبرية القديمة يشتركون بالابجدية نفسها ومُشتقة منها” والذي ولكن كيف لنا لأن نستهدي على دليل علمهم به وقدرتهم على قراءتها وفهم معانيها وذلك من قبل رسالة يونس إلى قومه .. وهل كان هنالك ما يؤكد على أن الكتابة بها كانت موجودة من قبل يونس عليه السلام
 
الدليل الأول: وهو من خلال ذكر الصحف المكتوبة والتي أنزلها الله (على وإلى) إبراهيم عليه السلام والتي كانت قد سبقت نزول الصحف والالواح على موسى عليه السلام بحوالي 300 عام وذلك على أقل تقدير وهذا بما يتفق مع التقويم اليهودي
فما أُنزل الله (على) إبراهيم هو التكليف والفرائض
فقال تعالى “قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ” آل عمران 84

 

وما أُنزل الله (إلى) إبراهيم هو الدعوة إلى التوحيد له ولقومه والبيان لدوره الرسولي وما حملته رسالته من البشائر بالحق والهُدى
فقال تعالى “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ …. ” البقرة 136
 
وكانت صحفه المكتوبة هي أول ما أنزل الله من الصحف وهذا واضح من
قوله تعالى “إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)” الأعلى
وبالتالي فإن أول الصحف المكتوبة ” الصُّحُفِ الْأُولَى” كانت صحف إبراهيم ومن ثم تلتها صحف موسى من بعده، وحسب لسان العرب: فإن الصحيفة هي التي يكتب فيها، والجمع صَحائفُ وصُحُفٌ وصُحْفٌ. وقال الأَزهري: وإنما سمي المصحف مصحفاً لأَنه أُصحِف أَي جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين، فالصحف تحتوي على الكتابات وفي ذلك نستشهد

 

بقوله تعالى “رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)” البينة

 

الدليل الثاني: وهو نزول الألواح المكتوبة على موسى لبني إسرائيل وما فيها من وصايا وتعاليم (الوصايا العشر المكتوبة والمنحوتة على الصخر”  والتي كانت قد لحقت بخروج بني إسرائيل من مصر والذي حسب ما أجمع عليه المؤرخين وعلماء أهل الكتاب وحسب تقديراتهم كان قد تم في 1440 قبل الميلاد أي سبق نشر علوم الكتابة بالحروف الأبجدية خارج المدن الفنيقية وخارج أرض كنعان بحوالي الـ 640 سنة، وكان بان أشار الله على الالواح المكتوبة في

 

قوله تعالى ” وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا” الأعراف 145

 

وهنا علينا بتدبر قوله تعالى ” وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ” لان من الواضح إذن على قُدرة بني إسرائيل “وبالأخص علمائهم” على قراءة الالواح ومعرفة محتوياتها ونصوصها المكتوبة وهذا يثبت إطّلاع بني اسرائيل على “علم قراءة المكتوب وقدرتهم على فهمه وإلا لماذا يُنزّل الله عليهم ما لا يقدرون على قراءته والتعرف على مضمونه” فالله أرسل إليهم الألواح والوصايا المكتوبة وبالتالي كانوا على علم بكتابات ومخطوطات الأولين والذين سبقوا الفنيقيين في الكتابة بها
 
الدليل الثالث: كان في اكتشاف المخطوطات السينائية والتي احتوت على مخطوطات كتابية كانت قد سبقت تاريخ نزول الألواح المكتوبة – الوصايا

 

لقد بيّنت الإكتشافات الحديثة على أن أقدم وجود للكتابة بالحروف تم في سيناء حيث عُثر على اقدم النسخ الكنعانية المكتوبة بالحروف الـ “بروتو كنعانايت” والتي أصبح يُشار عليها عند البعض بالسينائية القديمة “بروتو سينياتك” نسبة إلى مكان اكتشافها. ففي عام 1905 قام الإنجليزي بتري في العثور في البداية على 12 نقشًا وذلك أثناء عمله في معبد سرابيط الخادم جنوب غرب شبه جزيرة سيناء في إحدى مناجم (أو كهوف) الفيروز والتي يرجع تاريخ كتابتها إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد 1900 ق. م أي فهي أقدم بكثير من حفيدتها الفنيقية أو الكتابة بالأبجدية الفنيقية، ولحق ذلك في السنوات التالية اكتشاف المزيد من هذه النقوش ليصل إجمالي عددها إلى 25 نقشًا حيث تضمنت هذه النقوش على مخطوطات كنعانية قديمة
ولقد تم التأكُد بعد إجراء العديد من الدراسات على أن هذه المخطوطات الكنعانية القديمة هي أصل الأبجدية الفينيقية والتي هي أم وأصل الأبجدية اليونانية واللاتينية واللتان تعتبران على أنهما أصل الأبجديات للغات الأُوروبية وخاصة الإنجليزية المعروفة في عصرنا هذا، فالأبجديات الأولية “هي عربية الأصل، قال تعالى  “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ” سواء كانت تُعرف بالأبجدية السامية أو الأبجدية الكنعانية أو الأبجدية الآرامية أو أصبحت تُعرف أيضاً بالأبجدية السينائية تتشارك كلها في نفس النظام الأبجدي الواحد وهي الأصل للاثنين والعشرين حرفاً في الأبجديات السامية الشمالية الغربية وعنها نشأت أولى الأبجديات المتطورة مثل الأبجدية الفينيقية والعبرية القديمة
 ولكن كيف تم وصول المخطوطات والنقوشات المكتوبة بالحروف إلى شبه جزيرة سيناء وارض مصر .. وللإجابة على ذلك نقول بأن هذا ليس بالصعب للإستدلال عليه وذلك نتيجة لتزامن قدم المخطوطات السينائية مع وجود بني إسرائيل في الاسر حيث مكثوا في مصر حوالي الـ 450 سنة قضوا كعبيد عند فراعنة مصر وأخبرنا الله تعالى على لسان موسى بأن بني إسرائيل كانوا قد عُبّدوا أي كانوا مُستعبدين وعبيد
قال تعالى “وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ” الشعراء 22
وقال تعالى “فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ” المؤمنون 47
وبالتالي إذن أصبح من الممكن لأن نستنتج بأن بني إسرائيل “والذي أصل لسانهم هو العبرية القديمة” والذين كانوا قد عُبّدوا من قبل المصريين القدماء وأُجبروا على العمل في المناجم لإستخراج الأحجار الكريمة والنفيسة لأربابهم المصريين هم اصحاب هذه الكتابات السينيائية ..  فالكتابات هي بلسان الأولين والقريبة جداً من العبرية القديمة والتي تُعد أصل ومرجعية، فبني إسرائيل يرجعون بنسبهم وذريتهم إلى ابراهيم عليه السلام والذي وصفوه في الكتاب المقدس بالعبراني “بالإنجليزية: هيبرو” ونسبوا أنفسهم له فأصبحوا يُعرفون بالعبرانيين ولكنهم اختلفوا في نسبهم إليه فقالوا هو عبراني نسبة إلى عابر أحد أجدادهم وقالوا هو عبراني نسبة إلى عبوره النهر إلى الأرض المقدسة ولكن لربما الأصح وهو بأن لسانهم أصبح يُعرف بالعبرانية أو العبرية ولذلك اصبح يُشار عليهم بذلك هو نسبة إلى إبراهيم العبري اي المُعبّر فهو لربما اشتهر بقوة التعبير في كلامه أما الذين سبقوه من الأولين فأجادوا وأحسنوا الإعراب على التعبير فأعربوا بلسانهم ولذلك فالعرب اشتهروا بلسانهم المُعرب والمُعبر في آن واحد وذلك نسبة للسان الأولين المُعرب وللسان إبراهيم المُعبّر من بعدهم، أما بني إسرائيل واليهود من بعدهم فاشتهروا بكونهم العبرانيين لا غير
 
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
 
 
 
 
 
 
 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s