Archive for the ‘االقرآن والقلم ودورهما في صياغة النموذج المعرفي والتعليمي للإنسان’ Category

 القرآن والقلم ودورهما في صياغة النموذج المعرفي والتعليمي للإنسان
   قال تعالى “الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآَنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. علَّمَهُ الْبَيَانَ” الرحمن
وقال تعالى “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” العلق
القرآن واصل معناه
يعتقد معظم علماء التفسير بأن القرآن مُشتق من القراءة وفعلها الثُلاثي قرأ وسُمي بذلك لأن أول ما أُوحي به هو قول “إقرأ” فقال تعالى “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” العلق 1. ولكن إن مثل هذا التصور لهو بالخاطيء لأن كلمة القرآن ليست مهمزة أي فهي قرآن وليست قرءان وبالتالي فإن الأصل في كلمة القرآن إذن على الأغلب هو ليس من فعل قرأ بل هو أقرب من الفعل “قرّ” والذي يحتمل أكثر من معنى .. والذي في بيانه نقول
أولاً: بأن “قرّ” تأتي بمعنى أفصح وبيّن وصَرّح وكشف عن شيء حقيقة ما هو خفي أو ظاهر
فالقرآن هو كل ما قرّ الله به أي صرّح به وأفصح عنه وهنا نُريد لأن نُذكِّر بأن الله أخبرنا بأن القرآن أتى بما خصنا الله فيه من الذكر
فقال تعالى “لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” الأنبياء 10
وقال تعالى “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ” النحل 44
وبالتالي اصبح الذكر صفة للقرآن فقال تعالى “وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ” ص 1
وجعل الله فيه ما قرّ به عن نفسه
فقال تعالى “هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” الحشر 24
وقال تعالى “إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” آل عمران 62
وجعل الله فيه ما قرّ به عن الغيب
فقال تعالى “تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا” هود 49
وقال تعالى “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ” يوسف 3
وجعل الله فيه ما قرّ به عن خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان
فقال “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ” التغابن 3. وقال “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” السجدة 7
وجعل فيه الدلائل التي نُقِر ونستدل عليه بها
قال تعالى “هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” الأعراف 203
وقال تعالى “هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ” الجاثية 20
وقال تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ” يونس 57
وقال تعالى “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ” النحل 89
وقرّ فيه بكل ما يدل على عجائب قدرته
فقال “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ” فصلت 53
وقال “وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ” الذاريات 20
وقال “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ” العنكبوت 20
ثانياً: بأن “قرّ ومثلها أقرّ” تأتي بمعنى سنّ وشرّع وقضى ووصى وفرض وكلّف
 ولنا مثال على ذلك في القرارات التي تصدر عن المحاكم القضائية وكذلك القرارات الرئاسية أو القرارات الحكومية أو القرارات التعليمية حيث يتوجب علينا الإلتزام بها ويُفرض علينا الطاعة والعمل بها وعدم مخالفتها بل التقيد بها، وكذلك فما يُقر هو ما يفرض كما في إقرار مادة تعليمية أي جعلها مادة أساسية للقبول أو التخرج أو النجاح وبالتالي ففي القرآن قرّ الله وأقر لنا الشرائع والمناهج والسُنن
قال تعالى “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا” المائدة 48
وقال تعالى “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” الشورى 13
وقال تعالى “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ” الشورى 21
وقال تعالى “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” المائدة 45وقال تعالى “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” الإسراء 23
وقال تعالى “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” الأحزاب 62
ثالثاً: إن “قرّ” أيضاً تأتي بمعنى إعترف وشَهِد
ففي القرآن أخبرنا الله بأن بني آدم كانوا قد قرّوا بوحدانية الله ربهم حيث كان في ذلك إقرار وشهادة منهم على أنفسهم فقال تعالى “إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ”  الأعراف 172
ولكن فإذا كان مصدر القرآن من “قرّ” فلماذا أمر الله محمد صلى الله عليه وسلم “والناس من بعده” لأن يقرأ بدلاً من أن يأمره لأن يقِّر باسم ربه، وللإجابة على هذا التساؤل علينا بتوضيح ما يلي
أولاً: لو كان المقصود بإقرأ هو النقل عن ما هو مخطوط ومكتوب وفي ذلك إشارة على تسميته بالقرآن لكان من المفروض لأن يتلقى محمد عليه الصلاة والسلام من الله الألواح أو الصحيفة المكتوبة – المُسطرة كأخيه موسى عليه السلام قال تعالى “وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا” الأعراف 145 والتي يتم قراءتها في العادة إما باللسان “قراءة جهرية” أو بالعينين “قراءة صامتة” ولكن فكما نعلم بأن محمد عليه الصلاة والسلام لم يتلقى ما هو مكتوب بل تلّقى ما هو لفظي “إيحاء” كان قد قُريء على مسمعه فحفظه قلبياً، فالرسول الكريم لم يكن يعرف القراءة والكتابة الخطية قال تعالى “وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ” العنكبوت  48 .. إذن فلم يُطلب الله من رسوله الكريم محمد ابن عبدالله  قراءة ما هو مكتوب
ثانياً: ولو كان المقصود بإقرأ هو القراءة عن غيب أي مما حفظته الذاكرة من القرآن سواء كان صمتاً أو جهراً وليس من النص الكتابي “أو الخطي” فكيف لمحمد لأن يقرأ ولم يكن قد نزل عليه الوحي من قبل ولم يكن قد حفظ ما طُلب منه قراءته
 قال تعالى “وَكَذَ‌ٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” الشورى 52. وقال تعالى “وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ” الضحى 7
إذن فإن باطن محمد كان يخلو من وحي القرآن وهاهو يسمعه لأول مرة “مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ” .. ولم يكن له دراية به ولم يكن قد آمن به من قبل، إذن فما الذي أُريد به بقول إقرأ لأن قول إقرأ حسب لغة العرب لا تعني ردد من ورائي أو أُعيد قولي على مسمعي وبالتالي فلا يُمكننا إعتماد ذلك ونقول بأن الغرض من قول “إقرأ” هو لأن يُردد الرسول من بعد جبريل بمعناها المجرد من دون أن نتعرف على ماهو المقصود بذلك وما هي حقيقة معنى إقرأ وما الفائدة التي تعود علينا من القراءة
إن القراءه في الأصل تعتمد النقل والتبليغ وبالتالي فهي حلقة الوصل فيما بين الأخذ من والتوصيل إلى، وعند الرجوع للآيات الكريمة من سورة العلق نرى بأن كلمة إقرأ أتت
أولاً: لنستدل بها على القيمة اللغوية لكلمة إقرأ لا لِأن تُشير على القرآن كمعنى
وفي ذلك نستشهد بالحديث التالي: ففي صحيح البخاري “الاستئذان” وفي باب إذا قال فلان يقرئك السلام رقم الحديث 5898
حدثنا أبو نعيم حدثنا زكرياء قال سمعت عامرا يقول حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إن جبريل يقرئك السلام قالت وعليه السلام ورحمة الله
إذن فمعنى يقرئُك السلام أي يُبلغك السلام، وبالتالي فإقرأ اي بلِّغ وأنقل، وقرأ أي نقَل وبلّغ
قال تعالى “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا” الإسراء 106
وبما أن القرآن يُقرأ على الناس فهو يُبلغ للناس أليس كذلك وهو بالتالي بلاغ الناس وهذا ما أشار الله عليه به
قال تعالى “هَـٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ” ابراهيم 52
وذلك حتى يقر به القاريء إستجابة للأمر اي لِما يقرأه، ولذلك كان أول ما أُوحي به في سورة العلق لغرض التكليف بحمل رسالة القرآن وتبليغها .. والدلائل على تكليف الرسول كثيره ومنها
قوله تعالى “إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ” القصص 85
وقوله تعالى “فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ” النور 54
وقوله تعالى “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ” المائدة 67
يقول الله تعالى “فرض عليك القرآن” ويقول “فإنما عليه ما حُمِّل” ويقول “بلّغ ما أُنزل إليك” .. وفي ذلك كله تكليف للرسول بحمل رسالة القرآن
ثانياً: أتت لنستدل بها على القيمة المعرفية للفعل – إقرأ – وما تحمله القراءة لنا بمعناها الواسع والشامل لا لتُشير على معنى القرآن من خلالها لأن مفهوم القراءة هو من أجل تحصيل العلم والمعرفة والتي تقربنا من فهم الأشياء وبيانها وبالتالي التعرف من خلالها على أسس وقواعد ما يُعرف بنظرية المعرفة الإنسانية والتي صاغها الله في القرآن واتضحت من خلالها آلية عمل القرآن والقلم، إذن فلقد حملت هذه الآيات معنى أكبر من مجرد لفظ لغوي قال تعالى “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” النساء 82
فالقرآن يُقرأ علينا وليس إلينا
قال تعالى “وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ” الإنشقاق 21
وقال تعالى “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ” الإسراء 106
فكما هو واضح فلقد قال الله “وإذا قُريء عليهم القرآن” وقال “لتقرأهُ على الناس” أي استعمل قول “عليهم” وقول “على” وليس إليهم مثلاً لأن – على – تعني ارتفع وأصبح أو كان من فوق الشيء وبالتالي فكان كذلك لما حمل من فرض وواجب وتكليف اي يُملى ويُقرّ عليهم، وأقر عليهم فرض …. وعلى هي للتكليف والإملاء وذلك لتمليه عليهم وفي ذلك إقرار أي تبليغهم بما قرّ الله به عليهم من واجبات وفروض وتكاليف وذلك حتى يقروا به وفي ذلك تحميل وتكليف ، قال تعالى “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” الإسراء 23. وقال تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ” الذاريات 56
فالقرآن هو ما قرن الله فيه ما بين القيمة اللغوية لكلمة إقرأ ودورها في “التكليف بالتبليغ والنقل” وبين القيمة المعرفية لها ودورها في “ما تحمله القراءة وتحتوي عليه من المعرفة” وبالتالي فإن قول “إقرأ بإسم ربك” يجب لأن يُفهم على هذا الوجه: إقرأ أي بلّغ يا محمد “باسم ربك اي الله” …. ولكن كيف نتعرف على ما هو المقصود بقول “باسم ربك” حين رددها محمد من بعد جبريل خاصة وإن الإشارة في الآية الكريمة أتت على اسم الرب بدون أن تأتي على ذكره بالتسمية أي فنحن لا نجد ذكر – الله – كدلالة على أسمه. إذن فلمْ يكن المقصود به هنا هو اسم الله وإلا فأين أسمه فإسم الله الخاص به وبكل بساطة غير موجود، أما قول “باسم ربك” فالرب هو صفة الله ولقبه وليس أسمه وبالتالي يكون المعنى المُراد به هو التعريف بما سما به الله من علو على خلقه، وتفرد وارتفع على خلقه به.. فيا محمد أنت مُكلف للنقل بإسم الخالق في تبليغك عنه ما قر وأقر وانفرد به من العلو والسمات على كل ما خلق، فهو رب الإنسان وخالقه ومعلمه والقران كتابه وفيه كل ما قرّ الله به سواء ما قرّ وصرّح به عن نفسه أو عن أمره، أو ما قرّ به أو أقرّ من أحكام وسنن وفرائض على خلقه … فلقد قرن الله بقرآنه بين كل ما قرّ أي ما “بينّ وأفصح” و “شرّع وسنّ” فسُمي بالقرآن، ولذلك فالقرآن هو ما يقرن به أي يُجمع به حيث جمع الله فيه بين أعمال الخير والعبادات، وهو أيضاً ما يُقارن به فهو للفصل والبيان فقارن الله به بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وبين الحياة والموت، وبين الحلال والحرام، وبين الإيمان والكفر، وبين الخير والشر، وبين الإنس والجن … وتقول العرب: قَرَنَ الشيء بالشيء وصله به وقارَنْتُه قِراَناً صاحبته والقَرِينُ هو الصاحب وقَرينةُ الرجل امرأته، والقَرونُ هو الذي يجمع بين تمرتين في الأكل، ويقرن أي يجمع بينهما ومثال تقريبي على ذلك وهو عند الإشارة على عقد النكاح بعقد القرآن وذلك نتيجة إقتران الزوجين ببعضهما البعض
 .
 القرآن علم وعلامة للهُدى
قال تعالى “الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الرحمن
ولكن كيف نفهم قوله تعالى “علّم القرآن” والذي أتبعه الله بقول “خلق الإنسان. علّمه البيان” لأن الله كما هو واضح من النص لم يقل علمّه القرآن أي فهو لم يستعمل الهاء في قول – علّم – ليعود بالضمير على الإنسان بل قال – علّم القرآن – فقط واكتفي بذلك وهنا احتار العلماء بهذه الآية فالله قال – علّم القرآن – بدون أن يُخبرنا لمن علّمه أو ماذا يعني قوله هذا ولكن ما يتّضح لنا هو القيمة اللغوية لكلمة علّم لأنها تحمل معنى جعل ذو علامة يُهتدى به إلى الله، بالإضافة إلى موقعها في الآية الكريمة حيث أتى على ذكر الإنسان في الآيات التي لحقت بها فأخبرنا الله بأنه علّم الإنسان البيان لا القرآن….. إذن فالتعليم الذي أشار الله عليه هنا يخص القرآن لا الإنسان أي فالقرآن هو من تلقى العلم الإلهي فاصبح القرآن ذو علم ولكن كيف نفهم ذلك .. وللإجابة على ذلك نقول بأن الله هو من صيّغ برحمته تعليم القرآن فجعل من العلم قرين للقرآن وبالتالي وحين نقول بان العلم أصبح قرين للقرآن أي إذن اصبح يصاحبه وبالتالي اصبح ذو علم يُهتدى به
قال تعالى ” إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ” الإسراء 9
وقال تعالى “وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” الأعراف 52
وقال تعالى “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدّكر” القمر 17
وعندما يستجيب الإنسان لعلم القرآن ولكونه علامة يُهتدى بها يهتدي إلى وحدانية الله خالقه وبالتالي يقر بالشهادة
إذن ومن هنا يتضح لنا دور القرآن الاساسي في بناء النموذج المعرفي للإنسان والذي من خلاله نتعرف على من هو الخالق وحقيقة خلقه للحياة والكون والإنسان وبالتالي يُمكِّننا ذلك من الإجابة على أهم التساؤلات التي حيّرت الإنسان وراودته في بحثه عن الحقيقة منذ قديم الزمان وإلى يومنا هذا
 نظام وطريقة التعليم بالقلم
إن أول ما أُوحى الله به من القرآن هو الأمر بالقراءة فقدمه الله حتى على خلق الإنسان فقال “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)” … ثم أعاد الله أمره بالقراءة ثانياً فقال “اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)” فكانت بأن مهدت هذه الآيات الكريمة لما اراد الله لأن يكشف لنا عنه وهو الخطة التعليمية التي إنتهجها في تحصيل الإنسان للعلوم والمعرفة وذلك من خلال تعليمه بطريقة ومنهج القلم ………. ولكن فما هو المقصود بالتعليم بالقلم ياترى … وهل القلم هو أداة أم طريقة وكيفية ومنهج
للأسف إن الغالبية من الناس تعتقد بأن ما يُشار عليه هنا هو القلم الذي يُكتب به كقلم الحبر وقلم الرصاص وأصبع الطباشير والكريان والريشة وأصبع اليد أو فرشاة التخطيط وما شابه ذلك ويكتفوا بذلك ولكن فإن الحقيقة هي على غير من ذلك كُلّه لأن المقصود بالقلم هو كيفية التعليم والطريقة التي إنتهجها الله مع الإنسان والتي أساسها وأرادها لأن تكون طريقتنا في التعليم
قال تعالى “الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ” ….  وهذا يُمكننا لأن نستدل به على وجهين
الوجه الأول: وهو إشارة إلى التعليم بالقلم عن طريق التقليم – أي ما هو مُقلم ومُقطّع وفي ذلك إشارة على العلم التدريجي والذي يتم على مراحل متقطعة
الوجه الثاني: وهو إشارة إلى التعليم بالقلم عن طريق الإستدلال بكل ما قلّ و لم – أي ما هو مُجَمِّع للشيء وفي ذلك إشارة على العلم الذي تتوصل إليه عن طريق ما نجمع من المعلومات ثم نأخذ بصفوته وخلاصته – التمييز والحصر 
فالتعليم بأشكاله كُلها هو تعليم بالقلم، فالكتابة مثلاً تبدأ دائماً بالقليل والمجزأ والذي في النهاية يوصلنا للمكتمل من الأمور … وبالتالي فالقلم وما شمل عليه من التقليم ظهر من خلال ما قل ولم فأصبح وسيلة للتعليم يُعمل بها والتي أساس بناءها البنائي هي الحروف، فالحروف والتي في إتحادها أي من حرفين أو أكثر تصنع لنا الكلمات، والكلمات في اتحادها تصنع لنا السطور، والسطور تصنع لنا الجمل المُعبرة … وهكذا، كما في استخدامنا للحروف والتي نحتاجها في بناء الجُمل والتي اشار الله عليها في القرآن فقال تعالى “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” القلم 1
ولنا مثال آخر في دور نهج القلم في التعليم في طريقة نزول وحي القرآن
قال تعالى “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَ‌ٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا” الفرقان 32
ومثال آخر كما في طريقة تبليغ رسالة القرآن للناس
قال تعالى “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا” سورة الإسراء 106
وقال تعالى “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا” المزمل 4
ففي لسان العرب نقول أن كل ما قطَعت منه شيئاً بعد شيء فقد قَلَمْته؛ ومن ذلك المعنى أتى مفهوم القلم الذي يكتب به، وسُمي قَلَماً لأَنه قلِمَ مرة بعد مرة، والقلم في القرآن هو ما قُلِم وتقلم به، ونُشير على قص الأظافر قليلاً قليلا، وقَلَم الظُّفُر والحافر والعُود يَقْلِمُه قَلْماً وقَلَّمه: قطَعه، واسم ما قُطِع منه القُلامة، ومن هذا قيل: قَلَمت أَظفا
ونقول ايضاً تأقلم فلان مع جوُّه الجديد سواء في سكنه أو عمله أو ترحاله أي بدأ يتطبع ويتقبل التغيير شيئاً فشيئاً حتى أصبح معتاداً عليه وكذلك التعليم بالقلم فهو تشرُب التغيير وقبوله وفهمه حيث يتم على مراحل جزئية تشمل على كل ما تقلم
أما القلم المتعارف عليه والذي يُشير على أداة الكتابة والتدوين فهو مأخوذ من العلم بالقلم كطريقة ونهج، كما أن طريقة القلم في التعليم ليست محصورة بالقلم اليدوي ولذلك فعلينا بالتوضيح حتى لايعتقد البعض بأن التعليم هو فقط من خلال القلم الذي صنعناه نحن لأن للقلم مفهوم عام يشمل على كل طرق التعليم، ولا يعني كلام الله تعالى أو المقصود به هو القلم المتعارف عليه عصرياً لأن الحقيقة أصلاً مخالفة تماماً لهذا المفهوم الضيق، فعلى سبيل المثال لو أخذنا الكتابة من خلال الآلة الكاتبة والطابعة أو لوحة مفاتيح الكمبيوتر لوجدنا بأن الأصابع هي أداة التعليم والتي تقوم مكان القلم اليدوي وتكون هي الأداة للقلم فتقطعه وتجمعه …وكذلك مثل القلم اليدوي اللسان فهو أيضاً يؤدي عمل القلم في سلوكه النطقي التقطعي وبالتالي وعند سقوطه على المناطق المُعيّنة من الفم يُصدر عنه الإختلاف في نطق الحروف والتي يعمل على جمعها وبالتالي تتولد عنها الكلمات التي نستعملها في لغة المحادثة والخطابة
وكذلك يمكن لأن تكون طريقة التعليم بالقلم عن طريق الحفظ شيئاً فشيئاً أو عن طريق الإستماع أو عن طريق القراءة وكل هذا لا نحتاج فيه وإليه للقلم اليدوي، فالعين مثلاً والتي عند النظر بها إلى الشيء تكون العين هي القلم والتي مع إطالة التمعن والنظر تزداد وتتسع حدود رؤيتنا للأشياء لتشمل تدريجياً على ما هو أشمل وأعم بعد أن كان محدود ومحصور بوسط ضيق وتعمل على تمييز وتقطيع وتصنيف ما هو مرئي، وكذلك حال الأذن فكل ما أطلت الإستماع إزداد علمك ومعرفتك ومعلوماتك وهنا تكون الأُذن هي الأداة فتقوم بدور القلم في التجميع والتمييز والحصر … ولنا مثال على ذلك الطفل في سماعه وحفظه للكلام حيث يزداد مخزون كلماته ويتوسع شيئاً فشيئاً حتى يُصبح قادراً على التعبير بعد أن كان عاجزاً عن لفظ حتى الحرف الواحد
كما ويكون تحصيل التعليم بالقلم عن طريق الخبرات المُكتسبة والتي تزداد وتتضاعف مع الأيام، أو تكون طريقة التعليم بالقلم عن طريق الممارسات والعادات والمهارات وبفس الطريقة ولذلك نعود لِنُذَكّر بأن القلم في القرآن يعني الطريقة وليس الأداة التي نجمع بها او نقطع بها بالإضافة على أن قُدرة الإنسان على التعليم كانت لا يُمكن لأن تتحقق من دون توفر قدرات الإنسان الإدراكية من سمعية وبصرية والتي جهزه الله بهما فمكنتاه من تقبل وإستقبال طريقة العلم بالتقليم ..قال تعالى “إ نَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا” الإنسان 2 ولذلك نقول بأن القلم كطريقة وأداتها القلمية على اختلاف أشكالها كانت صيغت من أجل أن تُمكنّا من تحصيل العلوم وتقبُلِها وتفهُمها تدريجياً
 ن والقلم وما يسطرون
إن حرف الـ ن قاموسياً: هو من حروف الزيادات وقُصِد بالـ ن هنا الحرف لا الحوت أي حسب ما قُطِّع بالحرف لا حسب ما جُمع باللفظ أي نون .. وما يسطرون أي ما يكتبون أي بالـ ن كحرف وذلك إشارة على أهمية حرف النون وموقعه في وسط الحروف الأبجدية، فلو أخذنا على سبيل المثال قول الله تعالى “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” وتدبرنا قوله “وما يسطرون” لفهمنا آلية الربط فيما بين النون كحرف وطريقة الله في التعليم مما “قل ولم” و “تقلم” والتي سمحت ووفرت لنا ما يُسَطّر من خلال الكتابة بالقلم كأداة للحفظ والتدوين، فالكلمات هي ما اجتمع في تكوينها الحروف والتي في تجمُعها الخطي تصنع لنا السطور والجُمل وتحصره في نظام علمي ومعرفي غني بالبيان والتفصيل فأتى ليُعرّف على ما كان قد بدأ بحرف وانتهى في مُجمله ليصنع قيمة معرفية تُسَطّر
وفي الحديث القُدسي: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم
إنَّ أوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلمَ قَالَ له: اكتُبْ، قال: مَا أكْتُبْ ؟ قَالَ: اكتُبْ القَدَرَ، مَا كان، وما هو كائنٌ إِلى الأبد. رواه الترمذي وقَالَ الألباني: صحيح الجامع: 2017
فالقلم الذي يُشير الله عليه لا يخضع للمفهوم المتعارف عليه في علومنا الأرضية ولا يعني القلم الذي نعرفه نحن وصنعناه بأيدينا فذلك القلم السماوي الذي أوجده الله له خصوصية نعجز عن تصورها أو حتى فهمها بالكامل وما يخُصنا من ذلك هو فقط ما وضّح الله لنا بقلمه “علم القلم” الذي أوجده وجعله علم يُهتدى به فقال تعالى “الذي علّم بالقلم”، فخلق الله علم التقليم كما أراد فقال تعالى “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” يس … فأتى العلم بالقلم كنتيجة لفعل الكون الذي أراده الله له لأن يكون فكان طريقة ننتهجها في التعليم، أما في قول “أكتب القدر، ما كان، وما هو كائن إلى الأبد” أي بأن الله وظّف علم التقليم ليكون المكُلف بجمع ولمَّ من كُل ما قلَّ وقُطًع مما كان وكل ما هو كائن وما سيكون مما قدر الله إلى الأبد
ولكن فإذا كان القلم هو طريقة التعليم فما هو المقصود بأقلامهم في قوله تعالى “ذَ‌ٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ” سورة آل عمران 44
ونبدأ بقوله تعالى “إِذْ يَخْتَصِمون” وفي ذلك إشارة على أنهم كانوا يتنافسون ويتبارزون ولكن ليس بالسيف ولكن في عرض خبراتهم ومهاراتهم وعلومهم وقدراتهم، أما قوله تعالى “إذ يلقون أقلامهم” أي يطرحون ويعرضون ما قلّموا من العلوم التي تَفَوَقوا فيها على بعضهم البعض والتي ميزت كفاءاتهم وقدراتهم وخبراتهم فأرادوا توظيفها من أجل التوصل إلى من هو الأحق والأجدر بكفالة مريم وحفظها ورعايتها، فكان التقليم هو نهج المختصمين لغرض بيان أيُهم أكثر تأهيلاً لهذا العمل القيم، وبالتالي فلا أعتقد إشارة العديد من علماء التفسير على “اقلامهم” بسهامهم وأقداحهم على أنه تفسير صحيح خاصة وأن الموضوع يتعلق بمريم الصدّيقة وكفالتها من الرجال التقاة الراعين للإرث الديني لآل يعقوب وليس المبني على طريقة سحب اليانصيب
وحسب لسان العرب: يقال للضعيف: مَقْلُوم الظفر وكَلِيل الظفر
وقيل في الحديث: اجتاز النبي صلى الله عليه وسلم، بنسوة فقال أَظنُّكُنَّ مُقَلَّماتٍ أي ليس عليكن حافظ، ومريم كانت ضعيفة ويتيمة فهي إذن كانت مقلومة الظفر أو مقصوصة الجناح أي إذن كانت بالمُقلمة أي ليس عليها بالحافظ وبالتالي تسابق أعيان بني إسرائيل فيما بينهم ليكفلوها، ولكن الله إختار منهم زكريا عليه السلام حتى يكفلها ويرعاها ويكون عليها بالحافظ فهو أحقهم وأعلمهم
قال تعالى “وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ” آل عمران 3
كما وكان لنا عبرة أخرى ممكن لأن نستفيد منها في
قوله تعالى “وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” سورة لقمان 27
وذلك في التعرّف على ما هو المقصود بشجرة الأقلام هذه: إن شجرة الاقلام هي شجرة كُل ما تقلم وقُلم أي قُصَّقص فجُمع فيه نهايته صفوة الشيء، وفي ذلك إشارة على شجرة المعرفة والتي تتعدد طرق وإتجاهات وتفاوت نمو أغصانها، وكذلك لنا عبرة في
قوله تعالى “قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا” الكهف 109
حيث أن البحر يُشير على المحيط المائي العظيم الذي يلف ويُحيط بمعظم سطح الأرض والذي إذا أُضيف إليه البحار المائية السبع وكانت كُلها مداداً يُخط به مما تقلم من العلوم وحمل لنا زبدة الشيء في كل مرة خُط به لما نفدت من جرّاء ذلك كلمات الله .. أما الشجرة فيُراد بها مجازياً هنا وذلك فقط لإظهار عظيم قدرة الله وعلمه الذي لا ينفد لأن الشجرة كالمعرفة دائمة النمو والتفرُع فتبقينا في ظلالها وتطعمنا من ثمرها وتوقد لنا من حطبها
لتحميل الملف اضغط على الأسفل

القرآن والقلم ودورهما في صياغة النموذج المعرفي والتعليمي للإنسان  PDF

صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
بتاريخ: الإثنين 2 – 1 – 2016  resaletallah.com