Archive for the ‘الفصل الأول’ Category

 
قال تعالى “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  سورة الأنعام  133
إن الحديث عن نشأتنا من ذرية قوم آخرين في الآية الكريمة أعلاه لا شك بأن فيه الإشارة المباشرة على أن آدم “وذريته” هو خلق تابع لما سبقه وبذلك يؤكد هذا التصريح الرباني وبكل وضوح على أن ذرية الأولين من الإنس هي حجر الأساس الذي تم إنشاء الآدميين منه أو عليه وبالتالي إذن فأن آدم هو ليس بأول إنسان خلقه الله وهو بذلك ليس بأبو الإنسان، ولكن والمُثير للدهشة وعلى الرغم من كل هذا الوضوح في قول الله تعالى ألا أن غالبية علماء التفسير والشيوخ والدُعاة لا زالوا يزعمون بأن قول “ذرية قوم آخرين” في الآية الكريمة أعلاه تعود على ذرية نوح من ابناءه الثلاث سام وحام ويافث ويُصِّرون على القول بان الناس ينتمون بذريتهم لهم وحجتهم على ذلك وهي بأن ذرية نوح هم الوحيدين الذين أبقى الله عليهم وأنجاهم من بعد الطوفان واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” الصافات 77-81
وبالتالي إذن فإن ذرية نوح وهم – الباقين – الذين أشارت عليهم الآية الكريمة هم الذين أتينا نحن من ذريتهم أي فهم من تبقى من قومه من بعد الطوفان حسب زعمهم، وبالتالي فهم قوم آخَرين أي غير عن سابقيهم الذين أهلكهم الله في الطوفان، ثم أنشأنا الله منهم والذين أشارت عليهم الآية الكريمة من سورةالأنعام في قوله تعالى ” كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” الأنعام  133
وفي شرح وتفسير الآية الكريمة: يقول ابن عباس في قول “وجعلنا ذريته هم الباقين”: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه، فذلك قوله: وجعلنا ذريته هم الباقين
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام
وقال قتادة في قوله: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) قال: الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام
وقال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة، والناس كلهم من ولد نوح : فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالبة والترك واللان والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك …. ولحق بذلك تفاسير الغالبية من الدعاة والعلماء العصريين لقوله تعالى “كما أنشأناكم من ذرية قوم آخرين” على أنها تعود على ذرية نوح من أبناءه الثلاث أي اعتمدوا القول نفسه واستشهدوا بقوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” على أنهم هُم من أبقاهم الله فقط وبالتالي فهم يزعمون بأن الناس من بعد الطوفان أصبحوا ينحدرون من ذرية نوح من ابناءه ولكن وبقولهم هذا أو الأصح من القول وهو بتقولهم هذا فهم عملوا على تبني الرواية الكتابية كما هي مذكورة في  كتاب التوراة / سفر التكوين / الإصحاح التاسع
18وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَامًا وَحَامًا وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ. 19هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هؤُلاَءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ الأَرْضِ
ولكن حتى يصح قولهم هذا أي بأن قوله تعالى “كما أنشأناكم من ذرية قوم آخرين” تعود على نشأتنا من ذرية نوح من ابناءه والذين بقوا على قيد الحياة ولم يهلكهم الله بالطوفان وكانوا غير من سابقيهم الذين هلكوا عليهم لأن يحضروا الدليل على صدق روايتهم
ففي بداية تدبرنا للآية الكريمة من سورة الأنعام 133 سنبحث في موضوع النشأة أولاً وذلك حتى نفهم الفرق بينها وبين الخلق
يقول الله مُخاطباً الناس “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” وعلينا بالتذكير بأن الكاف في قوله تعالى “كما” أوقعت التشبيه وأما الـ “ما” فهي تُشير على مصدر الحدث وهو النشأة والتي هي من ذرية قوم آخرين أي من غير الآدميين وبالتالي إذن كما تُخبرنا الآية الكريمة فإن القاعدة البنائية “أي الأرضية وحجر الأساس” الذي تم بناء الإنسان الآدمي عليه هو الإنشاء من ذرية قوم غير منهم “اي الذين سبقوا الآدميين بالخلق” وهنا اختار الله القول “أنشأكم” ولم يقل مثلاً خلقكم أو جعلكم أو حتى أنبتكم من ذرية قوم آخرين إذن فإن اختيار الله لكلمة “أنشأكم” لم يكن بمحض الصدفة أو بدون معنى مُحدد أراد الله لأن يُشير عليه وأراد لنا لأن نتدبره
 تقول العرب: نشأ أي نما وشبّ … نشأ في الشيء أي شب فيه أما نشأ من الشيء أي شبّ ونما منه وبُني عليه أو من فوقه كالبنيان وغيره من المنشأت، فالنشأة في الأصل تُبنى من فوق قاعدة بنائية مجهزة وارضية حاضرة نُشير عليها بالاساس وذلك حتى يُبنى عليها فترفع المنشأة التي يُراد بنائها عليها، فالحديث هنا هو عن عملية إنشائية كان الله قد أخضع ذرية الآخرين لها فتسببت بإحداث خلق الآدميين، وبالتالي فإن نشأة الآدميين كانت قد بُنِيَت على ذرية هؤلاء الأولين
إذن فعلينا لأن نُفرِّق بين الخلق والإنشاء لأن الخلق يُستعمل عند الحديث عن الإخراج والإحداث الوجودي للشيء، أما الإنشاء فهو عند الحديث عن كل ما ارتفع من كل شيء وكان له أساس وبالتالي فهو الإقامة على الشيء أي من فوقه والذي حدده الله في الآية الكريمة حصرياً بـ الذرية
 
الآدميين والنشأتين
لقد أشار الله في كتابه الكريم على حدوث نشأتين تخص الناس “والذين اشار الله عليهم وخاطبهم بـ بني آدم” ويُشار عليهم بالآدميين أو الأوادم
أولها: نشأة أولى وهي النشأة الابتدائية او الأولية والمتقدمة
فقال “ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا  تذكَّرون” الواقعة 62
وحثنا على البحث في الأرض وذلك بغرض التعرف على بداية حدوث الخلق فقال تعالى “قُل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدا الخلق ..” العنكبوت 20
وقال “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها”  هود 61
ثانيها: نشأة آخِرة وهي “بكسر الخاء” أي تُشير على نشأة لاحقة ومتأخرة وأخيرة
قال تعالى “.. ثم الله يُنشيء النشأة الآخِرة” العنكبوت 20
إذن فما نفهمه من هاتين النشأتين بأن كلاهما يخصان الآدميين اي الإنسان العاقل وكان هذا واضح من خلال
قوله تعالى “قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ”  الملك 23
ونقول الإنسان العاقل هنا لأن ذلك ظاهر من خلال ما خصّه الله وذلك في تزويده بكماليات العقل الذكية فقال ” وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ”، فهذه القدرات على العقل والإدراك هي التي خص الله بها الآدميين عن سابقيهم من الإنس البدائيين حيث أتت صفات الجعل هذه وارتبطت فينا بعد نشأتنا، ونُضيف على ذلك أهمية دور – من –  في فهم النص القرآني في قوله تعالى “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” والذي يتعلق ببيان وبابتداء المشروع الآدمي، فالله أخبرنا بإنشاء الآدميين من ذرية قوم آخرين حيث أتى الله بـ  “من” البيانية وذلك حتى يبين لنا من ماذا كان قد أنشأهم فعرّفت – من- على أن منشأ الآدميين يعود على ذرية قوم آخرين أُستعمل كحجر الأساس الذي بنى الله عليه خلقه الآدمي وبالتالي وضّحت أصل منشأهم وأيضاً اتت لتوضح أولية وابتدائية المنشأ والذي كما أخبرنا الله يعود على ذرية هؤلاء القوم فنقطة البداية هي ذرية قوم وليس نتيجة تحول أو تتطور يمكن للتطوريين لأن ينسبوه لسلف مشترك أو انتخاب طبيعي عفوي فأشار الله على نشأة مدروسة ومُخطط لها وبعناية ربانية، فكانت – من –  تفيد بداية ظهورهم حسب خطة الله لا الطبيعة العمياء
كما ولقد أخبرنا الله جل وعلا عن حدوث نشأة أُخرى مستقبلية – بضم الألف
فقال تعالى ” وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ” النجم 47
ولكن لماذا وصفها بالأُخرى “بضم الخاء” وليس الآخِرة “بكسر الخاء” هنا وماهو الفرق بينهما
وهنا وللإستفادة نرجع لنُشير على قوله تعالى ” كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  الأنعام 133
وقوله تعالى “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَ‌ٰلِكَ قَدِيرًا”  النساء 133
فقول الـ آخرين بفتح الخاء هي جمع للمفرد ومفردها آخَر وتُستعمل للإشارة على الغير من، وعلى أَحد الشيئين، وتأتي لغرض إحلال الشيء محل الآخر والأخذ مكانه، وهو اسم على أَفْعَلَ ومثنّاها آخران كما في
قوله تعالى “فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا”  المائدة 107
وقوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ” المائدة 106
أما صيغة المؤنث من ذلك فيُشار عليها بالـ أُخْرَى والامثلة على ذلك كثيرة
كقوله تعالى ” وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ”   البقرة 282
وقوله تعالى “فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ”  الزمر 42
وقوله تعالى “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ”  الحجرات 9
وقوله عز وجل “وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ”  طه 18
وبالتالي فهذا ما نراه وبكل وضوح ايضاً في
قوله تعالى “وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ”  النجم 47 – بضم الخاء أي النشأة االتالية أو الثانية وهذا القول بالتأكيد يختلف عن قوله تعالى “.. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ” العنكبوت 20، أي بكسر الخاء لأن الآخِر تعني ما تبقى في ذيل الشيء أو آخره اي النشأة الأخيرة والتي لا يكون هنالك نشأة بعدها، وفي الصحاح في اللغة: الآخِرُ بعدَ الأول، وهو صفةٌ. ونقول جاء آخِراً، أي أخيراً، كما وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أَنه قال وهو يُمَجِّد الله: أنت الأَوَّلُ فليس قبلك شيءٌ وأَنت الآخِرُ فليس بعدَك شيء، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها
قوله تعالى “هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ”   الحديد 3
وقوله تعالى “َمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ”    البقرة 8
والمؤنث منه آخِرَة كما في قوله تعالى “لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”   البقرة 114
إذن فإن قوله تعالى” كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” بفتح الخاء يُشير على أن أول نشأة للآدميين وابتدائها كانت قد حدثت من ذرية الغير وفي ذلك كان قوله تعالى “وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ” الواقعة 62
ولكن كيف نفهم قوله تعالى “وأن عليه النشأة الأُخرى” النجم 47  خاصة وأن النشأة هنا تُشير على نشأة الغير من النشأة الأُولى أي فمن ماذا سينشيء الله الآدميين هذه المرة ولماذا هي غير عن الأولى، وللإجابة على ذلك نقول بأن النشأة الأولى للآدميين كانت من ذرية قوم آخرين أي من غير الآدميين، اما النشأة الُأُخرى للآدميين والتي أشار الله عليها ايضاً بالنشأة الآخِرة بكسر الخاء وهي المتأخرة والأخيرة كما في قوله تعالى “.. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ” العنكبوت 20 فهي تُشير على نشأة الآدميين من ذرية الآدميين أنفسهم والتي سيُحدثها الله عند القيامة من الموت وعندها يعود الله لينشئنا مرة أخرى ولكن هذه المرة ننشأ من ذريتنا نحن وليس من ذرية الغير والتي ابقى الله عليها في عجب الذنب وحفظها في التراب حتى ياتي موعد نشأتنا من جديد وتكون آخر نشأة لنا
ولكي نفهم موضوع نشأتنا من الذرية بشكل أوضح يجب علينا أن نأخذ العبرة من نشأتنا الآخِرة كما هي مذكورة في القرآن الكريم والتي أخبرنا الله بحدوثها عند قيامنا من الموت
قال تعالى ” وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُل يُحييها الذي أنشاها أول مرة وهو بِكُل خلق عليم”  يس 78 – 79
ومن الأحاديث النبوية التي أشارت على ما يتبقى من الميت بعد تحوله إلى تراب ألا وهو عجب الذنب والذي يحتوي على الذرية ونذكر منها ما يلي: عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ” كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب“  أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجه وأحمد في المسند ومالك في الموطأ
 وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ” ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما تنبت البقل وليس في الإنسان شيء إلا بلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ” أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والنسائي “
وروى أبو بكر بن أبي داود في كتاب البعث والنشور من حديث أبي سعيد أنه “قيل وما هو يا رسول الله قال مثل حبة خردل منه تنشئون” وعزاه أبوالعباس القرطبي لكتاب البعث لابن أبي الدنيا
وفي إحدى المقابلات مع الدكتور محمد جميل الحبال كان له القول التالي في الإشارة على”عجب الذَّنَب”، … يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب” وقد جاءت أبحاث علم الأجنة عن أن الشريط الأولي البدائي في الجنين في الأيام الأولى من تكوينه يكون هناك الشريط الأولي الذي هو مسؤول عن تكوين الأنسجة والخلايا في الجسم، وفي نهاية الأسبوع الثالث يضمر هذا الشريط الأولي، ويصبح في عجب الذنب قسم الخلايا الأم أو الـ ستم سلز، الخلايا الأم تصبح في المستقبل في عجب الذنب، فعجب الذنب يحتوي على الخلايا الأم كالصندوق..””آخر فقرة في العمود الفقري، فيها من الخلايا الأولية كالصندوق الأسود في الطائرة، كيف عندما تسقط الطائرة يأتوا إلى الصندوق الأسود يأخذوا هذا المعلومات، في عظم العصعص، عجب الذنب هناك المعلومات لذلك المعلومات الـ.. لأن الخلية كل خلية بدنا ناخد الخلية.. الإنسان، في الإنسان في نواة الإنسان –كما تعلمون- 23 كروموسوم زوج من الكروموسومات، فيها من الجينات العوامل المورثات أكثر من مائة ألف جين، لكل شخص له خارطته الوارثية، يعني أنت لك خارطة جينية وراثية تختلف عن خارطتي، وكل شخص له رمزه، كما أن لك الرمز البريدي فهناك الرمز الجيني، فهذا الرمز سيبقى في هذه الخلية في عجب الذنب””الآن العلم الحديث في الهندسة الوراثية والجينية عزز لنا مفهوم الآخرة، لأن القرآن، الكريم يقول على لسان الكافرين (إئذا كنا تراباً ذلك رجع بعيد) لأن الخلاف في ذلك وقت.. يوم القيامة كان يؤمنون بالله ولكن يشركون به، ولكن قالوا: (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد) لكن الآن جاء العلم أن هذه الخارطة الوراثية موجودة كالبذرة في التراب، (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) تأتي إلى منطقة صحراوية جافة ليس فيها حياة ولا نبات ولا حيوان، وتقع الأمطار، وتأتي بعد أيام وترى أن العشب قد نبت، من أين جاءت؟ هناك البذور التي حُفظت في التربة، فهذه الأنوية الموجودة في عجب الذنب تحوي الرمز الجيني لذلك الإنسان، فعند يوم القيامة الأساس موجود “منه خلق ومنه يركب” فالأساس موجود ويبعث الله، في حديث آخر يبعث مطراً يلقح هذه الأنوية فيحصل النبات وتنبت، تنبت الأجساد (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) ثم تأتي الأرواح الموجودة في السماء وتتزاوج مع هذه الأجساد (وإذا النفوس زوجت) فإذاً الهندسة الوراثية حفظت لنا هذا الشخص بأوصافه الدقيقة المتميزة، حيث لا يوجد في العالم منذ خلق آدم إلى يوم القيامة شخصين لهما نفس الخارطة الجينية” “وهناك معلومة مذهلة ومهمة طبياً، أسأل إخواني الأطباء خاصة في علم الأنسجة الأورام التي تحصل في أي نسيج تحصل من الخلايا لذلك النسيج، مثلاً في العضلات تكون الورم من العضال، وفي العظام الورم عظمي، في الغدد الليمفاوية أورام الغدد الليمفاوية، لكن الورم الذي يحصل في العصعص –سأذكر لك شيئاً مذهلاً- إنه ورم لأنه من الخلية الأم – إنه ورم متعدد الأنسجة يسمى تراتروما، يعني إذا حصل ورم في عظمة العصعص يكون يحتوي على عظم، على غدد ليمفاوية على عضلات، على غضروف، على غدد مخاطية فيسمى تراتروما يعني مشكل من اختلاف الأنسجة
وقد أثبت في عدد من التجارب المختبرية استحالة إفناء عجب الذنب (نهاية العصعص) كيميائيا بالإذابة في أقوى الأحماض، أو فيزيائيا بالحرق، أو بالسحق، أو بالتعريض للأشعة المختلفة، وهو ما يؤكد صدق حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) الذي يعتبر سابقة لكافة العلوم المكتسبة بألف وأربعمائة سنة على الأقل. إن أحاديث عجب الذنب من معجزاته صلى الله عليه وسلم. فقد أوضح علم الأجنة الحديث، أن الإنسان يتكون، وينشأ من عجب الذنب هذا (يدعونه الشريط الأولى )، وهو الذي يحفز الخلايا على الانقسام، والتخصص، والتمايز، وعلى أثره مباشرة يظهر الجهاز العصبي في صورته الأولية ( الميزاب العصبي، ثم الأنبوب العصبي ثم الجهاز العصبي بأكمله)، ويندثر هذا الشريط الأولى إلا جزءاً يسيراً منه يبقي في المنطقة العصعصية التي يتكون فيها عظم الذنب ( عظم العصعص )، ومنه يعاد تركيب خلق الإنسان يوم القيامة كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم
فالإنسان يبعث يوم القيامة من عجب الذنب وفيه كان قد خُلق
قال تعالى “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ”  سورة يس  51
وقال تعالى “ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ” سورة المؤمنون 16
فعجب الذنب يحتوي على الخيط والعقدة الأولية المحتوية على جين الصندوق وذلك مثله في النبات والذي ينمو من البذور بتنظيم وبتحكم من جين الصندوق، وكان من أهم المواضيح والبحوثات العلمية والتي كُتبت في هذا المجال كان من إعداد الدكتور/ عثمان جيلان علي معجمي والذي هو بعنوان الإعجـاز الطبـي فـي عـجـب الـذنـب
أما وللمزيد من عجائب القرآن الكريم فإننا نرى الله يُشير بالتحديد على مكان حفظ الذرية والذي كان فيه قوله تعالى
“وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ …….”   سورة الأعراف 172
فعند التدبر في قول الله تعالى هنا وبالأخص في قوله ”من ظهورهم ذريتهم” نتعرف على أن الله يُشير وبالتحديد على مكان حفظ الذرية والذي أكتشف وجوده في عجب الذنب والذي هو في آخر فقرات الظهر “العصعص –  وهو الضلع الأعوج الذي خُلقت منه حوّاء” والذي يحمل الخارطة الجينية الكاملة لكل فرد
لم يقل الله بأنه سيخلقنا من جديد بل قال بأن عليه النشأة الآخرة لأن النشأة تعتمد على البناء من فوق اساس وأرضية والتي هي الذرية والتي أبقى الله عليها في عجب ذنب الميت بعد تحوله إلى تراب والتي سيقيمه الله منها وهذا ما كان قد حدث للآدميين في النشأة الأولى حيث أنشأنا الله من ذرية الأولين من الإنس والذين كانوا قد ماتوا وتحولوا إلى تراب ثم أنشأنا الله من ذريتهم
أصل نشأة ذرية الناس “أي الآدميين وآدم معهم” على من تعود
يقول الله تعالى “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  سورة الأنعام  133
إن الناس من قبل ومن بعد الطوفان كلهم يجمعهم ذرية واحدة يعودون بها إلى أبوهم آدم من أولهم وحتى آخر واحد فيهم، وهي نفس الذرية التي حفظها الله وحملها مع نوح وأبقى عليها إلى يومنا هذا
 فقال “وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ”  يس 41
وقول “وآية لهم” أي عبرة وعلامة لنا نحن الناس لنستهدي بها وهي بأن الله حمل ذريتنا في الفلك، فنحن إذن من ذرية من حمل الله مع نوح سواء كانوا من أبناءه أو من غيرهم من الذين أنجّاهم الله وأبقى على ذرية آدم فيهم فنقلوها لنا .. وبالتالي فإن ذرية من تبقى من قوم نوح من بعد حدوث الطوفان سواء كانوا من ابناءه الثلاث أو من معه فهم من ذرية القوم نفسه أي قوم نوح فذريتهم واحدة وبالتالي فإذا كُنا نحن قد أُنشئنا منهم كما يزعم علماء التفسير فنحن إذن نعود بذريتنا إلى ذرية القوم نفسه اي قوم نوح والقوم لفظ يُشير على كُل من لهم / أو كان لهم قائم إُقيموا من ذريته، ونوح عليه السلام هو من نفس القوم هو وابناءه أي فتجمعهم ذرية واحدة مع قومهم .. وبالتالي فالناس يتبعون بذريتهم إلى آدم ويتشاركون بنفس الذرية مع بعضهم البعض وآدم هو القائم وهو أصل الذرية الآدمية
لقد خلق الله الناس “الآدميين” من نفس واحدة وهي نفس آدم عليه السلام فقال تعالى “يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ” النساء 1
وفي الحديث الشريف كما رواه أحمد في المسند (2 /361 حديث8721) عن أبي هريرة “إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي والناس بنو آدم وآدم من تراب …. بأنفها النتن” وقد حسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بابآئها كلكم لآدم وحواء ….  الى آخره
وأخرج البزاز عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب …. من الجعلان
وفي خطبة الوداع كما هو منقول عن رسولنا الكريم والتي ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة من جبل الرحمة قال فيها: أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب
وأتت الإشارة على أننا بنيه “بني آدم” في العديد من الآيات الكريمة نذكر منها
قوله تعالى “يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا”  الأعراف 26
وقوله تعالى “يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا”  الأعراف 27
وقوله تعالى “يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ”  الأعراف 35
وقوله تعالى “أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”  يس 60
فنحن الآدميين نرجع بذريتنا له، قال تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا” الإسراء 62
فقول – هذا –  وأيضاً الهاء في قول “ذريته” في الآية الكريمة تعودان على آدم عليه السلام
إذن فالآدميين يجتمعون كلهم على ذرية أبوهم آدم وهي ذرية واحدة
قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ” الأعراف 172
إذن فإن ذريتنا في الأصل تعود بنشأتها على قوم آخرين غير من الآدميين وليس على ابناء نوح لأنهم آدميين مثلنا والله يقول مُخاطباً الناس على أنه أنشأنا “من ذرية قوم آخرين” ….. إذن فمنشأنا كآدميين تعود في الاصل على السابقين الأولين من الإنس لا على نوح أو أبناءه أو قومه
.
ولكن ومع أن العديد من الآيات القرآنية توضح بأن ذريتنا وآدم هي نفس الذرية وبأن قوله تعالى “كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين” إذن لابد وأنها تعود على ذرية غير آدمية كنّا قد أنشأنا الله منها ألا أن العديد من العلماء لازالوا يُصرّون على أن قوله “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” هذا يعود على ذرية نوح لا على ذرية كانت قد سبقته وبالتالي كانوا هم المسؤولين عن الضبابية التي أحاطت بالآية الكريمة وبالتالي ضلّوا وأضلّوا الكثير من الناس معهم
وبالتالي وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح اصبح من الضرورة القصوى لأن نتعرف على ماذا يُراد بـ  الباقين الذين أِشارت عليهم الآية الكريمة، وكيف نفهم هذا القول القرآني العظيم
تفسير قوله تعالى “”وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ”  وعلى من تعود
قال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)” الصافات
فعند الرجوع وإعادة النظر في النص الذي أتى الله فيه على ذكر “وجعلنا ذريته هُم الباقين” نرى ما خفي علينا وفشل علمائنا في تبيانه وتوضيحه وذلك حين اعتقدوا بأن معنى قوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” على أنها تتحدث عن نجاة ذرية نوح فقط وهلاك الآخرين من الناس
التحقيق الأول في الآية الكريمة
  وهو التحقيق في الإشكالية التي يُحدثها هذا التفسير للآية على هذا النحو الخاطيء مع الآيات الأُخرى والتي تُشير على أن نوح حمل في الفلك بالإضافة إلى ابناءه من هم من غير ذريته وبذلك إذن فلم تقتصر النجاة من الطوفان على نوح وبنيه، ولكن كيف تعرفنا على ذلك وللإجابة على ذلك نستدل بها من خلال الآية الكريمة التالية
 يقول الله تعالى “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”  الإسراء 3
ولكن هل حمل نوح معه في الفلك أُناس من غير ذريته حتى نستشهد بهذه الآية الكريمة على الرغم من أن الله يقول
“وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ.. ……. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ” الصافات 77-82  ..  وبكل وضوح
وللإجابة على ذلك نقول نعم وذلك على العكس مما زعم الكثير من العلماء والدليل على ذلك نستمده من
قوله تعالى في سورة هود
“قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” هود 40
حيث أخبرنا الله فيها بأنه قد أمر نوح لأن يحمل معه أهله باستثناء من سبق عليه القول فقال “إلا” فأتت إلا بغرض الاستثناء الذي خص به بعض من أهله وكما نعرف فـ “من بينهم امرأته وأحد ابناءه” وهذا سنأتي عليه ونوضحه، ثم استأنف الله أمره لنوح فوصّاه لأن يحمل معه في الفلك من آمن من الناس “من قومه” وهذا واضح وجلي من خلال قوله “ومن آمن” والواو هي للإستئناف .. أي استئناف الحديث المتعلق بأمر الله وهو لأن يحمل معه من كُل زوجين “ومن آمن” وفي ذلك نجاتهم من الكرب العظيم ومن الطوفان
قال تعالى “كَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ”   يونس 73
وقال تعالى “فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ”  الشعراء 119
إذن فلقد أخطأ العلماء في تصورهم على أن من بقي بعد الطوفان هم وحدهم من ذرية نوح لأن قول ذرية من حملنا مع نوح تحتمل الإشارة على من حمل مع نوح من ذريته “ابناءه” ومن غيرهم ممِن آمن معه من غير ذريتة وبذلك فهي شملت على من هم من غير ذرية نوح ايضاً وكان الدليل على نجاتهم من خلال قوله “فنجيّناه ومن معه” وقوله “فأنجيناه ومن معه”… ومن كان مع نوح هم من المؤمنين وأزواجهم أيضاً والذين أمره الله لأن يحملهم معه في الفلك مع أهله .. وهذا يتناقض مع ما ذهب إليه العلماء في تفسيرهم لقوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ”  كما ويُمكن لأن نستشهد بدليل آخر نستمده من
قوله تعالى “قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك” هود 48
فقوله تعالى “وعلى أُمم ممن معك” فيه التأكيد على تنوع الأُمم التي حملها نوح معه في الفلك وبالتالي كيف أشار الله على من حمل نوح معه بالأُمم إذا كانوا ابناءه فقط والذي هو إمامهم ولم يكونوا قد تفرعوا في الأرض وأصبحوا امماً بعد، فالأمم ومفردها أُمة تُشير بالعادة على من أم بقوم وكان إمام لهم قال تعالى ” إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً”  النحل 120. فاقتدوا به وتبعوه وآمنوا بدعوته –  وهنا كانوا على نفس عقيدة التوحيد،  وقال تعالى ” إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” الأنبياء 92 . ومِنهُم مَن هُم على غير ذلك، قال تعالى “وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ”  غافر 5 أي من لهم إمام ومعتقد يؤتمّون به وبالتالي فالأمم تُشير على فروع كثيرة ومتعددة ونوح كان إماماً لابناءه ولمن آمن به وبدعوته، ولكن الإشارة هنا هي على من آمن معه من المؤمنين وقول “معه” هو للمصاحبة أي لم يكن هو إمامهم فآمنوا به بل اشتركوا في الإيمان بعقيدة التوحيد وكانوا ينحدرون من أمم أُخرى كانت تأمهم أي كان لهم رُسُل كانوا قد آمنوا بهم وكانوا قلة، قال تعالى ” وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” هود  40
فقوم نوح تعددت لهم الرسل ولم يكن نوح هو رسولهم الوحيد وإمام لمن تبعه وآمن به
قال تعالى ” وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً”  الفرقان 37
وقال تعالى ” كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ”  الشعراء 105
ولكن ومع ذلك فالعلماء أنكروا وجود أي تناقض هناك وزعموا بأن قول “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ”  لا يتعارض مع كل من قول “ذرية من حملنا مع نوح” وقول “فنجيّناه ومن معه” وقول “فأنجيناه ومن معه” وقول “على أمم من معك” لأن الناجين من الطوفان ممن حمل معه نوح في الفُلك من غير ذريته كان مصيرهم الموت من قبل أن تصبح لهم ذرية أي فهم لم يتناسلوا ويتكاثروا وأعتقد العلماء بأن تبنيهم لهذا التفسير الفرضي قد يُزيل الضبابية وعدم الوضوح عن هذا التناقض، ولكن بقي كلامهم هذا يحتاج إلى الدليل الصادق والذي عجزوا لأن يقدموه لنا ونسوا بأن التأكيد على ان الباقين لم يكونوا وحدهم من أبناء نوح لأن التصريح في
قوله تعالى ” كَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا”  يونس 73
واضح من خلال قوله تعالى “وجعلناهم خلائف” وذلك حين أشار بالجمع على نوح ومن معه” حيث أتت واو الإستئناف لتوضح بأن الإستخلاف كان لنوح ولمن حمل نوح معه في الفلك بدون استثناءات ولم تذكره وابناءه فقط من دون الآخرين ولو أراد الله لأن يُشير على الخليفة كمرتبة لقال وجعلناه أي لأشار على نوح لوحده فهو المعني بالتكليف أي في تبليغ الرسالة من بعد حدوث الطوفان ولكن الله اختار لأن يقول “وجعلناهم” وهنا شمل ذلك على من حمل معه في الفلك فكانت الإشارة على أنهم خلائف أي من يخلفون بعضهم بعضاً في الذرية أي خلفاء لسابقيهم فخلفوهم وحلوا مكانهم كُل في ذريتهم وهنا الإشارة لم تكن حصرية على نوح وذريته بل شملت على “ومن معه في الفُلك” أي فشملت على كلٍ من المؤمنين والذين نجّاهم الله في الفلك مع نوح وعلى نوح وذريته والذين يرجعون جميعاً في ذريتهم في الأصل إلى ذرية آدم
ولكن لم تكن هذه الإشكالية الوحيدة مع قوله تعالى في هذه الآية “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” التي تبنوها كمرجعية لما ذهبوا إليه بل كان فيها اشكاليات اُخرى وهذا يقودنا إلى
التحقيق الثاني في الآية الكريمة
 وهو بأن قول “وجعلنا ذريته هُم الباقين” أتت ملازمة للحديث عن هلاك وإغراق الله للآخرين
فقال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ … (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82) الصافات
ولكن الآية الكريمة تتحدث عن حدوث الغرق كان أتى بعد ما كان قد أخبرنا الله بجعل ذرية نوح هم الباقين بوقت من الزمان، فكما نعلم فإن –  ثُم – تأتي للحديث عن انقضاء الوقت وتفيد التراخي في الزمن، إذن فلم يتم إغراق الآخرين في نفس الوقت الذي ابقى الله على ذرية نوح والدليل هو استعمال – ثم – بدلاً من استعمال حرف الفاء فـ للدلالة على الترتيب مع التعقيب وقصر الزمن أو استعمال حرف الواو للإستئناف، إذن كيف يكون ذريته هم الباقين أي من أبقى عليهم الله حسب زعم العلماء ولم يكن قد أغرق الآخرين بعد، فبقاء الشيء وما تبقى منه يتم بعد انقضاء وانتهاء ونفاذ معظمه ولا يسبقه أو يكون قبله .. إذن فمن المنطقي لأن يحدثنا الله عن الإغراق ثم يخبرنا عن من تبقى ونجا من قوم نوح
ولكن فإذا اعترض البعض على أن الإشارة على غرق الآخرين بهذه الأسلوب اللغوي أي بعد نجاة نوح وأهله لم يكن الوحيد الذي أتى ذكره على هذا النحو في القرآن الكريم بل فلقد أتى ذكره مرة أُخرى في سورة الشعراء وقدموا الدليل على ذلك من خلال
قوله تعالى “فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) الشعراء
حيث أكد الله على حدوث الغرق للآخرين مرة أُخرى بعد انقضاء الوقت من الزمان وكان ذلك بعد أن أنجى الله نوح ومن معه في الفُلك فقال “ثُم أغرقنا بعدُ الباقين” وقال بعدُ أي بعد ما أنجيناه ومن معه … ولكن كيف نفهم ذلك
فالآية الكريمة من سورة الصافات تُخبرنا بالتالي
 قال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)” الصافات
ولكن بعد تدبرنا في الآية الكريمة نلاحظ بأن الآية يمكن لأن تُفسر على الشكل التالي
الوجه الأول: وهو التصريح فيها بأن من تبقى من قوم نوح “ولنا تحفظ على المعنى اللفظي لكلمة الباقين سنأتي عليه” هم فقط من ينتمون لذريته لا غير فقال “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” … إلى قوله تعالى ” ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ” ولكن لم يُحدد الله ذرية نوح إن كانت من ذكور أو أناث، ولكن من اعتمد الرواية الكتابية من علماء التفسير اشاروا على هلاك قوم نوح أو الناس كافة بإستثناء ذريته من بنيه فقط أي الذكور فجعل الله الذكور من ذرية نوح سام وحام ويافث هم وحدهم من تبقى من قومه .. ولكن أين الأناث من ذرية نوح أو من قومه أو من الناس “والذين افترضنا وجودهم بعد الطوفان على الرغم من تغييبهم واستثنائهم من التفسير …  والذين من دون حقيقة تواجدهم وبقائهم لن يكون هنالك تكاثر
ولكن إن بقاء ذرية نوح من الذكور فقط حسب ما ذهب إليه البعض من علماء التفسير وأهل الكتاب لا يتعارض مع ما نستدل عليه من الآية الكريمة لأن استعمال ضمير – هُم – في الآية الكريمة في قوله “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ” يُمكن لئن يُشير على جمع الذكور … ولكن فإن مثل هذا التهور واللا عقلاني في التفسير سيضعنا أمام إشكالية التكاثر من جديد وذلك نتيجة عدم بقاء أي من الأناث بعد الطوفان وبالتالي فعلى أي مبدأ ستكون إستمرارية النسل خاصة وأن قانون الزوجية “أي تزاوج الذكور مع الإناث” هو شرط لحدوث كل من عمليتي التناسل والتكاثر وانتقال الذرية من الآباء إلى الأولاد والأحفاد ولا يوجد سوى الباقين أو الناجيين وهم ابناء نوح أي من الذكور
 أما في حل هذا الإشكال فعلينا بتوضيح قول “وجعلنا ذريته هم الباقين” بعقلانية وبصيرة، فنقول بأن ضمير الفصل “هُم” في قوله: (هُمُ الْبَاقِينَ ) فأُريد به الحصر، فـ هم: يُشير على الجمع للمذكر الغائب وبالتالي فـ هُم هو ضمير للتوكيد يُشير في الاصل على المذكر نعم وبلا شك ولكنه يأتي في العادة ليُشير على الجنسين بالخصوص إذا كان لفظ للعموم كما في الآية الكريمة فيأتي اللفظ المذكر ليشمل على الذكور والأناث وهذا نشهده في عموم القرآن ودليل على ذلك نأخذه من قوله تعالى “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” آل عمران 104. وقول “الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ” المؤمنون2. وقول “لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” البقرة 27. وبما أن الحديث في الآية الكريمة يدور حول الذرية والذرية تشمل على الذكور والإناث ولنا مثال في قوله تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ” الإسراء 62. وقوله تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ” الأعراف 172. وفي ذلك الإشارة على كل من الذكور والإناث إذن فلابد وأن يكون استعمال هُم هو للإشارة على ذرية نوح من الذكور والإناث وبالتالي يكون قوله تعالى “وجعلنا ذريته هُم الباقين” لا تجعل من الذرية محصورة في الذكور وحدهم ولذلك لا يمكن لأن نفترض خطأً بأن – الباقين – تخص أولاد نوح الذكور منهم دون الأناث
الوجه الثاني: وهو التعرف على حقيقة قول الباقين الذي أشارت عليه الآية الكريمة
إن المُراد بالـ “باقين” فهو يعود على الفعل الثلاثي من باق وأبق ويحمل أكثر من معنى، فالباقين حسب لسان اللغة تأتي بمعنيين الأول: وهو الإشارة على ما تبقى من الشيء، والثاني: وهو الإشارة على اللجوء للشيء، ولذلك فالذي يحدد معناها وما تُشير إليه هو النص أو السياق وبالتالي نبقى محكومين لذلك، ويمكن للكلمة “المفردة” في القرآن لأن تأتي بأكثر من معنى، ولكن لا يوجد ترادف في القرآن أي وهو لأن تأتي كلمتين أو أكثر بنفس المعنى إلا بحالات استثنائية وقليلة وذلك حين يختلف اللسان العربي في الإشارة على الشيء نفسه بين قبيلة وقبيلة أُخرى ويأتي القرآن مخاطباً كُل منها على حدة فيُخاطبها بلسان حالها العربي وذلك بغرض الإستمالة والتحبب
أما ولتوضيح ما تحمله كلمة الباقين لأكثر من معنى سنستشهد مرة أُخرى بقوله تعالى “ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ”  الشعراء 120
حيث هنا كان الباقين والذين أشار الله عليهم في هذه الآية الكريمة هم من أغرقهم الله، والذين وصفهم الله بـ “الآخرين” في آية أُخرى
فقال تعالى “ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ” سورة الصافات 82
إذن فإذا كان الذين أغرقهم الله وهلكوا نتيجة الفيضان هم من وصفهم الله بـ الآخرين في سورة الصافات، وهم أيضاً الذين اشار الله عليهم بالباقين في سورة الشعراء فهذا إذن يتعارض مع تفسير العلماء على أن “الباقين” كما أُشير عليهم في الآية 77 من سورة الصافات في قوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” هم وحدهم من نجى من قوم نوح عليه السلام
فكيف يكون الباقين هم من غرقوا وبنفس الوقت يكون الباقين هم من نجوا، إذن فما الصحيح وكيف نحل هذا الإشكال ونوضحه خاصة وأن العلماء وبكل أسف لم يتدبروا قوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ …… ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ” بالشكل الصحيح ولذلك أوقعوا انفسهم بالخطأ وضللوا الناس عن غير قصد
نَجَّيْنَاهُ و أَنْجَيْنَاهُ
ولذلك وحتى نتعرف على الأصح من القول علينا بالرجوع إلى سورتي الصافات والشعراء من أجل تمحصهما وتدبرهما من جديد
ففي سورة الصافات يقول الله تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)” الصافات
وفي سورة الشعراء يقول الله تعالى “فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) الشعراء
إذن كيف نميز بين القولين: نَجَّيْنَاهُ و أَنْجَيْنَاهُ .. وعلى ماذا نستدل بهما
نلاحظ بأن القرآن استعمل كلمة “ونجّيناه” في سورة الصافات ولكن استعمل كلمة “فـ أنجّيناه” في سورة الشعراء فهل يا ترى يوجد فرق بين الكلمتين كان قد تسبب في عدم وضوح الرؤية بالنسبة لمعنى الباقين
وهنا نستعين بالدكتور الكريم فاضل السامرائي ادام الله في عمره وحفظه ورعاه فهو يرى بأن القرآن الكريم كثيراً ما يستعمل (نجّى)  للتلبّث والتمهّل في التنجية والتي تكون المعاناة فيها على فترة زمنية مُطولة
 ويستعمل (أنجى) للإسراع في التنجية – التخليص قبل المعاناة، ويقول فـ (أنجى) أسرع من (نجّى) في التخليص من الشدّة والكرب
وبالتالي فإذا تم إنقاذ شخص وهو في محنة أو بعد أن كان قد وقع في خطر ما وبعد معاناة تم تخليصه منه أي بعد زمن يستعمل فعل نجّى وتكون التنجية من العذاب والمكروه الواقع ومثال على ذلك نستمده من
 قوله تعالى “وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116)” الصافات
حيث هنا استعمل الله جل وعلا لفظ “ونجّينا – هُما” فكانت تنجية من عذاب وقهر كانا واقعَين على بني اسرائيل حيث كانوا في عذاب واقع من أسر وعبودية وقهر تحت حكم فرعون على مدى مئات السنين
 وكذلك كان القول في نوح عليه السلام حيث لبث في قومه 950 سنة وهو في المشقة والعذاب
قال تعالى “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ”  العنكبوت  14
وقال تعالى قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)”  نوح
وقال تعالى “قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)”  نوح
إذن فاحتمل في حقه ومن آمن معه قول “نجّينا” فقال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77 )” الصافات
ولنا ملاحظة أُخرى تدعم هذا التوجُّه التفسيري وهو بأن تنجية نوح لم تكن من الطوفان حيث لم يقل الله “ونجيناه وأهله من الطوفان” بل قال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ” 76 من سورة الصافات، وهذا نسمع له أصداء في تنجية بني إسرائيل من المعاناة والقهر “أي الكرب” على يدي الفراعنة في
 قوله تعالى “وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ” الآية 115 من نفس السورة وكلاهما اشتركا في النجاة “من الكرب العظيم” لذلك فالكرب وهو الغم والهم الشديدان الذان يأخذان بالنفس ومصدرهما المعاناة المستمرة والتي كانت بطيئة وشديدة وامتدت لمئات السنين في كلا الحالتين هو ما حدد تفسير الآية بالإضافة إلى قول نجينا بدلاً من أنجينا
.
أما إذا استُعمِل لفظ “أنجينا” فيكون إنجاء قبل وقوع أي مكروه أو عذاب كإنقاذ شخصا من محنة قبل أن يتعرض لها .. فالإنجاء قبل وقوع العذاب أو المكروه أو الأذى وكذلك فلقد أنجى الله نوح ومن معه في الفلك قبل حدوث الطوفان
مثال على ذلك كما في قوله تعالى “فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) الشعراء
إذن فكانوا بأن حُملوا على سفينة النجاة وهنا أتت ثُم لتوضح التراخي بالزمن أي بعد أن لجأ نوح ومن معه للفلك بزمن أي أصبحوا في مأمن حدث الفيضان ومن ثم أغرق الله الباقين من قومه
 وكذلك فلقد استعمل الله سبحانه تعالى أنجينا في الحديث عن إنجائه لموسى وبني إسرائيل قبل أن يدركهم فرعون
فقال تعالى “وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ”  البقرة 50
وكذلك أتى القول نفسه عند حديثه عن لوط  قبل أن يُهلك قومه
فقال تعالى ” فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)  الأعراف
وقال تعالى “قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) هود
.
إذن فلقد كان بأن نجّى الله نوح ومن حمل معه من المؤمنين من المعاناة والشدة التي أوقعها عليهم قومه فلجأوا إلى الفلك ثم من بعد ذلك أنجاهم الله من الطوفان فلم يلحقهم أذى ومن ثم أغرق الله الباقين أو الآخرين  وبالتالي فيكون بعد أن نجّاهم الله من ما كانوا يتعرضون له من قومه من أذى – وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ – أي نجّاهم من المعاناة والشدة ولا تتحدث الآية الكريمة عن تنجيتهم من الغرق لأن الطوفان لم يكن قد حدث بعد وبالتالي فالباقين هُم من أبق إلى الفُلك، وأبق هنا بمعنى لجأ واستتر أو هرب، والتأبق في اللغة هو اللجوء، وتأبق أيضاً أي استخفى وتوارى
ولتوضيح ذلك أكثر نأخذ مثال على ذلك قصة يونس وفيها كان
 قوله تعالى “وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140)  الصافات
فذرية نوح هم الذين خصهم الله في هذا الذكر وهُم الباقين وهي جمع باق، والباق هو من أبق إلى الشيء وهنا هو من لجأ إلى الفُلك، وكما نُلاحظ فلقد أتى الحديث عن ذرية نوح على أنهم الباقين قبل بدء الحديث عن الغرق ولذلك قال نجيناه أي من الكرب ولم يقُل أنجيناه .. فلابد إذن وأن يكون المعنى هو اللجوء أي لجوء ذريته إلى الفلك كما في قصة يونس ولجوءه للفلك، وأتت الفائدة من “وجعلنا ذريته هم الباقين” حتى تبين لنا بأن الذين لجأوا إلى الفلك هم من ذريته من أولاده الشرعيين وبيّن ذلك قول – هُم – للإشارة عليهم أما من غرق من أولاده هو أحد ابناءه وذلك حسب ما كان يعتقد نوح خطأ لأنه لم يكن من ذُريته
قال تعالى “وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)”  هود
أما فيما يتعلق بفعل الخيانة قال تعالى ” قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ”  فنبدأ بـ ليس وهي هُنا تعود على فعل ماضٍ يفيد النفي، إذن فنفى الله لأن يكون ابن نوح هو ابنه من صلبه بل وأخبره مؤكداً على أنه عمل فاسد “غير صالح” واستعمل قول “إنه” حيث أتت إن للتوكيد والهاء لتعود على ابنه ولكن كما نُلاحظ بأن الله وصف العمل بالتحديد على أنه غير صالح والعمل هنا الخيانة والمتمثلة بفعلة الزنى والدليل على ذلك نأخذه من
قوله تعالى “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ”  التحريم 10
ولنا عبرة نستمدها من سورة يوسف وفيها قال تعالى “ذَ‌ٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ”   يوسف 52
وبالتالي أتى التصريح الرباني بخصوص أولاد نوح الشرعيين من ذكور وأناث على أنهم الذين أنجاهم الله وحدهم في الفُلك ولم يُنج معهم من كان حصيلة خيانة أقدمت عليها إمرأته، وأراد الله بذلك لأن تكون بداية من سيخلف نوح في ذريته هم من أولاده الشرعيين فتكون ذرية صالحة يبارك الله فيها ويرضى عنها
إذن فمن اعتمد الرواية الكتابية وزعم بأن من تبقى على وجه الأرض هم من ذرية نوح خاصة من الذكور فقط “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” ولا زال يُصّر على ذلك فيكون قد أوقع نفسه في جهل وحرج حين اعتمد ذلك
وبالتالي فإن قوله تعالى في الآية الكريمة “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  يُشير على أن نشأة الآدميين كانت من ذرية قوم آخَرين هم ليس بالآدميين، وهذا يقودنا للتَعَرُف على وجود جنس إنسي آخر كان قد سبق خلقنا الإنسي الآدمي حيث أنشأ الله آدم من ذريتهم فجعله بصورة مُحسّنة ومُسويّة ومُحدثة، فكان بأن جعل الله آدم خليفة لهم في الذرية وجعل له ذرية تخلفه وبذلك يكون هو وذريته خليفة للأولين
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
الجمعة بتاريخ 27 –10 – 2017
http://www.resaletallah.com