Archive for the ‘2- الإسم الثلاثي للمسيح عيسى ابن مريم بين التسمية والمعنى وعلاقة ذلك بخلقه من التراب’ Category

ما المقصود بإسم المسيح عيسى ابن مريم الذي سمّاه الله به
 
يعتقد الأكثرية من المسلمين بأننا لسنا مُلزمين أو مُضطّرين لتوضيح حقيقة المسيح للمسيحيين لأن الله لا يحتاج لسبباً حتى يخلق المسيح لأجله، فهو الذي خلق آدم من دون اب وأم أيضاً هو بالقادر على خلق المسيح من أم دون أب، ويزعمون بما أن مريم هي أمه كما أخبرنا الله فهو إذن مخلوق منها وبالتالي فهو ليس بإله وهذا كاف لأن ننقله للمسيحيين ومن دون أن نتخذ سبباً آخر والله قادر لأن يحقق ذلك بكلمة كُن وعلينا بأن لا ندخل في التفاصيل أو في تعقيدات الأمور كما يقولون، ولكنهم يتجاهلون سُنّة الله في الخلق فكل شيء يخضع لقانون الاسباب والمسببات وكذلك قانون الزوجية ودوره في عملية التناسل … إذن فلماذا كُل هذا الجهل في حكمة الله من خلق المسيح ولماذا كُل هذا التجاهل لغرض الله من خلقه، وكيف لنا لأن نتجاهل الأكثر من ملياري ونصف من الناس وهم يؤلهون المسيح ويدّعون باطلاً بأنه رب لهم ولا يؤمنون بخالقهم الحقيقي ويهون علينا لأن نتركهم يتمرغون في الكفر والضلال والتعدي على خالق هذا الكون ورب العرش العظيم، فكيف لنا لأن نكون شهداء عليهم كما كلّفنا الله ومع ذلك لا نبلغهم الرسالة على حقيقتها القرآنية.
إن من المؤسف بأن الغالبية من علماءنا يتخذون من قول الله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” سورة آل عمران 59
على انه هو الجواب الكافي على تاليه النصارى المسيحيين للمسيح وبالتالي فهم يزعمون بأننا لسنا بحاجة لتقديم أي دليل أو برهان لهم، ولكن فمثل هذا القول المختصر ليس بالكاف بل فيه جهل واضح ويُعبر عن قمة التقصير والإهمال، فالله لم يذكر هذه الآية العظيمة حتى تبقى على حالها دون تدبر وتحقيق واستنباط وتوضيح ولذلك فإن رنين كلمات هذه الآية العظيمة أعلى من أن تُصم لها الآذان أو تُحجب عنها الأبصار فإن أبعادها عظيمة وقيمة وتحمل الكثير، فهي تُحدد طبيعة المسيح الخلقية وتُشير عليه بالمخلوق وبأن له خالق وتُحدد مادة خلقه الترابية وتماثل خلقه مع آدم الإنسان والمخلوق من قبله.
نعم فالله لا يحتاج لسبب حتى يقدمه لنا أو لهم ولكنه هو من أسن قانون الاسباب والمسببات ففيه سنته والتي لا نجد لها تبديلا أو تحويلا ..
قال تعالى “سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ” سورة الفتح   23
فعلينا بالأسباب وعلينا لأن نُعمِم وننشر ونُبشر في رسالة الله ومضمونها للناس ..
يقول الله في القرآن الكريم
قال تعالى “مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ” سورة المائدة  75
وبالتالي فالعلم بحقيقة خلق المسيح الإنسية كان قد بينها القرآن الكريم ولكن أصبحت مسألة توضيحها لنا وللكتابيين ضرورة ملحة وذلك حتى يكفوا عن تأليه وعبادة المسيح، فنحن المسلمين من يتحمل مسؤولية كفرهم إذا بقينا صامتين على هذا الجهل الذي أطاح بنا وبهم، فنحن قصّرنا وأهملنا دورنا الإمامي في تسيير وإدارة مركبة مشروع النجاح الإنساني من خلال أسلمة واقعه الحياتي، وكذلك أخطأوا هم وضلّوا وحادوا عن الصواب وعن الطريق، فأين نحن وهُم اليوم من طريق الله .. فكلنا اليوم في تخبط وضياع.
إن المسيح عيسى ابن مريم حسب تعاليم الكتاب المقدس وحسب إيمان الطوائف المسيحية الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية هو ابن الله، وهو الرب، وهو واحد مع الله الآب، وهو الله نفسه الذي ظهر في الجسد، وهذا ما يُعرف عند النصارى المسيحيين بعقيدة الثالوث المقدس، فالمسيح حسب قانون الايمان المسيحي الذي صاغه آباء الكنيسة في مجمع نيقية عام 325م هو الله المتجسد والمساوي للآب في الجوهر: فهو حسب عقيدتهم الضالة إله من إله .. نور من نور.. إله حق من إله حق …. نعم كلام تقشعر له الأبدان وترجف منه القلوب … ويجب لأن يُبكينا ويُخجُلنا ويُهينُنا سماعه ومع ذلك نسكت عليه ونُشير على أتباع هذا المعتقد المنحرف والضال على أنهم أصحاب دين سماوي وننسى بأنه دين إفك وإفتراء …..  فيا للمصيبة
 
المسيح عيسى ابن مريم: التسمية والمعنى
إن تسمية المسيح عند المسلمين مرجعها إلى الله فهو من سمّى المسيح بهذا الإسم الثلاثي في القرآن في الآية  45 من سورة آل عمران،
قال تعالى “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ” سورة آل عمران  45
إذن فما هو المقصود بتسميته هذه وماذا تحمل من معنى في مضمونها
يُطلق النصارى المسيحيين على عيسى إسم يسوع وهو منقول من اللغة العبرية “يشوع” بالشين، وقد كان هذا الاسم منتشرًا بين أسباط بني إسرائيل إذ تسمى به عدد من الشخصيات الهامة في العهد القديم أبرزها يشوع بن نون “يوشع” الذي خلف موسى في قيادة الأسباط، أما في اللغة اليونانية وهي لغة ثقافة ذلك العصر فلقد ظهر مترجمًا إليها ومنطوقًا وفق قواعدها (إيسو أو إيسوس)، وقد اشتقت اللغات الأوروبية أجمعها الترجمة اليونانية للكلمة مع بعض التعديلات فظهرت العبارة بالإنجليزية: (جيسيس) فكان أسم عيسى مأخوذ من اللغة الآرامية ذات الأصول العربية وهي اللغة التي بشّر بها السيد المسيح وتكلمها بطلاقة فلفظ عيسى الآرامي هو نفس اللفظ المستخدم في القرآن، فالقرآن لم يُعرِّب أسم المسيح ولم ينقله عن اليونانية أو غيرها، فالقرآن أتى بلسان عربي مُبين وعيسى بالتالي أسم عربي وليس يوناني، ولو رجعنا لقواميس اللغة العربية لتمكنا من إشتقاق ما المقصود في كلمة عيسى ومن أين أتت وذلك كما كان الحال في إشتقاق كلمة آدم وهو من الآديم
إن الله قد أخبرنا بأن القرآن أنزل بلسان عربي مبين أي مرجعيته البيانية وأشتقاقات مصطلحاته يجب لأن تعود لأصله العربي وبالتالي فإن ذكر أسم عيسى في القرآن يصُب في سياق أصل الكلمة ومرجعها هو للغة العربية وهي مشتقة من العوس أو العيس وكلاهما واحد، وليس مصدر التسمية هو من اللغة اليونانية والتي لم يتكلمها أو بشر بها السيد المسيح بالإضافة على أن عيسى لم يكن باليوناني حتى نفترض بأن أسمه كان قد تُرجم من اليونانية، كما أنه لابد ولأن نُشير على أن الله تعالى قال “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب”، فسماهما القرآن بآدم وعيسى .. فإشتقاق واصل كلمة آدم هو من الأديم وهي مأخوذة من اللغة العربية وفي إستعمالاتها في كل لغات العالم بقي الأصل وهو آدم  سواء إن تحدثت اللغة الإنجليزية أو الرومانية أو اللاتينية أو اليونانية أو أي شيء آخر فأبقت على حقيقتها وأصلها المشتق من اللغة العربية الأم وهذه حقيقة ثابتة، وأسم عيسى كذلك فهو كمثل أسم آدم ولكن الغربيين يدعونه بجيسسس أو جيسوس أي عيسى فقط نتيجة صعوبة اللفظ ولذلك تم التعديل على لفظ الأسم حتى يناسب لسان حال المتكلم ومع ذلك بقي يحافظ على أصله ومرجعيته ومعناه المستنبط من أم اللغات، وبالتالي فإن إشتقاق اسم عيسى لابد وأن نأخذه من (لسان العرب): حيث يقال جَمل أَعْيَس وناقة عَيْساء أي معنى ذلك بأن فيه أُدْمَة، ومعنى فيه أدمه أي فيه خليط وخُلطة أي كالإشارة على ناقة مخلوطة بلونين، وهكذا حال آدم فهو من الأديم أي الطين ذو الأدمة أي فيه خليط والعيس كذلك مثله.
 
بالنسبة لمعنى المسيح
فالمعنى الظاهر للمسيح: هو لقبه قيل سُمي بالمسيح لأَنه كان سائحاً في الأَرض لا يستقرّ، وقيل: سمي بذلك لأَنه كان يمسح بيده على العليل والأَكمه والأَبرص فيبرئه بإِذن الله؛ بالإضافة على أنه مسح بالبركة وكان جوال في الأرض كثير المسح 
والمعنى الخفي أو المُستتر للمسيح: نقول الأَمْسَحُ من الأَرض: المستوي؛ والجمع الأَماسِح؛ وقال الليث: الأَمْسَحُ من المفاوز كالأَمْلَسِ، وجمع المَسْحاء من الأَرض مَساحي؛ وقال أَبو عمرو: المَسْحاء أَرض حمراء والوحْفاء السوداء؛ ابن سيده: والمَسْحاء الأَرض المستوية ذاتُ الحَصَى الصِّغارِ لا نبات فيها، وقال الفراء: يقال مررت بخَرِيق من الأَرض بين مَسْحاوَيْنِ؛ والخَرِيقُ: الأَرض التي تَوَسَّطَها النباتُ؛ وقال ابن شميل: المَسْحاء قطعة من الأَرض مستوية  جَرْداء كثيرة الحَصَى ليس فيها شجر ولا تنبت غليظة ولقد كان في صفة النبي، صلى الله عليه وسلم: مَسِيحُ القدمين؛ أَراد أَنهما مَلْساوانِ لَيِّنَتانِ ليس فيهما تَكَسُّرٌ ولا شُقاقٌ، إِذا أَصابهما الماء نَبا عنهما، إذن نستنتج بأن معنى المسيح هو الملس واللين من الارض الحمراء الجرداء التي لا نبت فيها وذلك “كمن ليس له ذرية ونحن نعلم بأن المسيح لم يُرزق بالذرية فلربما لقب المسيح أيضاً يُشير على مسح ذريته” –
 أما بالنسبة لمعنى عيسى
فالمعنى الظاهر لعيسى: هو اسم علم … وفي لسان العرب: هو بياض يُخالِطُه شيء من شُقْرة وقيل: هو لون أَبيضُ مُشْرَب صَفاءً في ظُلمة خفِية، وتقول العرب جَمل أَعْيَس وناقة عَيْساء وظَبْيٌ أَعْيَس: فيه أُدْمَة، وفي حديث طهفة: تَرْتَمِي بِنَا العِيس وهنا هي الإِبل البيض مع شُقرة، وقال الأَصمعي: إِذا خالط بياض الشعَر شُقْرة فهو أَعْيَس 
والمعنى الخفي أو المُستتر لعيسى: هو صفته ويكون اشتقاقه من شيئين: أَحدهما العَيَس، والآخر من العَوْس: والعيس هو كل شيء فيه خُلطة أي أدمه، فحسب لسان العرب: فالأدمة: القَرابةُ والوَسيلةُ “اي الصلة” إِلى الشيء. يقال: فلان أُدْمَتي إِليك أَي وَسيلَتي. ويقال: بينهما أُدْمةٌ ومُلْحة وقيل: الأُدْمة الخُلْطة، وبالتالي إذن فعيسى هو دلالة على المخالطة وهذا يقودنا إلى ما هو ممشوج كآدم من قبله ومن له صلة وقرابة مع من سبقه وكان من أدمته.
 
أما حتى نتعرف على ما هو المقصود بـ “إبن مريم” علينا بأن نتعرف على ما هو المقصود بأمه وبمريم أولاً
 
قال تعالى “وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً”   سورة المؤمنون 50
وقال تعالى “الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ”   سورة المائدة 17
أما المعنى الحاضر لمفهوم الأم لـ “أُمه” في الآيات الكريمة:
فنقول بأن قوله تعالى “وأمه” لا يعني بالضرورة والدته البيولوجية ولنا مثال في قوله تعالى وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) سورة القارعة.
فإذا كانت النار هي أم من خفت موازينه إذن فمفهوم الأم له ابعاد لغوية غير محصورة في الدور البيولوجي وتُشير على الحاضنة والمضيفة بأشكالها المتعددة، والنار هنا هي أم ومثال آخر على ذلك ناخذه من أُم القُرَى: مكة، والتي شرَّفها الله تعالى لأَنها توسطَت الأرض ولأنها قِبْلةُ جميع الناس يؤُمُّونها فجعلوها أُم لهم، وقيل: سُمِّيَت بذلك لأَنها كانت أَعظم القُرَى شأْناً وكذلك هي منزلة الأُم،
قال تعالى “وَكَذَ‌ٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَاِ”   سورة الشورى 7 .
وقال تعالى “وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا”       سورة الأنعام 92 .
وقال تعالى “وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا”     سورة القصص 59 .
وتقول العرب: وأَمَّتْ تَؤُمُّ أُمُومَةً: صارت أُمّاً. وقال ابن الأَعرابي في امرأَة ذكرها: كانت لها عمة تَؤُمها أي تكون لها كالأُمِّ. وتَأَمَّها واسْتَأَمَّها وتأَمَّمها: اتَّخَذَها أُمّاً؛ قال الكميت: ومِن عَجَبٍ، بَجِيلَ، لَعَمْرُ أُمّ غَذَتْكِ، وغيرَها تَتأَمّمِينا قوله: ومن عَجَبٍ خبر مبتدإِ محذوف، تقديرهُ: ومن عَجَبٍ انْتِفاؤكم عن أُمِّكم التي أَرْضَعَتْكم واتِّخاذكم أُمّاً غيرَها. قال الليث: يقال تأَمَّم فلان أُمّاً إذا اتَّخذَها لنفسه أُمّاً، قال: وتفسير الأُمِّ في كل معانيها أُمَّة لأن تأْسيسَه من حَرْفين صحيحين والهاء فيها أصلية، ولكن العَرب حذَفت تلك الهاء إذ أَمِنُوا اللَّبْس.
قال ابن دُريَد: كل شيء انْضَمَّت إليه أَشياء، فهو أُمٌّ لها. وأُم القوم: رئيسُهم وأُمُّ الكِتاب: فاتِحَتُه لأَنه يُبْتَدَأُ بها في كل صلاة، وجاء في الحديث: أنَّ أُم الكِتاب هي فاتحة الكتاب لأنها هي المُقَدَّمة أَمامَ كلِّ سُورةٍ في جميع الصلوات وابْتُدِئ بها في المُصْحف فقدِّمت …. وفي الحديث أيضاً: اتَّقوا الخَمْر فإنها أُمُّ الخَبائث.
والسؤال هنا وهو كيف نُفسر قوله تعالى “وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ” أي لماذا لم يقل الله مثلاً بدلاً عن ذلك عيسى وأمه أو المسيح وأُمه وهل نقول مثلاً محمد ابن آمنة وأمه لولا المراد بذلك إكتشاف حقيقة ما عن ابن آمنة تختلف عن دور أمومة آمنة له، إذن فماذا يعني ابن مريم حين القول ابن مريم وأمه لأن ما تحمله من معنى لابد وأنه يختلف عن دور الأمومة والتي لم يُذكر فيها اسم أمه بل أشارت على وظيفتها كحاضنة فلو قال الله عيسى وأمه مريم لكان تعريف بأسمها ولكن قال ” ابن مريم وأمه”، فمريم هي أمه فلماذا لم يقل الله “هو وأمه أو عيسى وأمه أو كانت مريم وأبنها عيسى” ولكن أتى قوله تعالى “ابن مريم وأمه” وذلك حتى يُفرّق بين ابن مريم وأمه وذلك كقول الملائكة لها منذ البداية،
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ”    سورة آل عمران 45 .
فهُنا تقول الملائكة لها “يا مريم” وتُبشرها بما وهب لها الله وتذكره لها بالإسم فتقول لها “اسمه المسيح ابن مريم” ولم تقُل لها “اسمه المسيح ابنك” ولذلك أصبح من الضروري التعرف على معنى وما هو المقصود بالمريم لأنه لم يأتي هنا للتعريف باسم أمه بل بما نُسب عيسى إليه فهو ابن مريم أي منسوب للمريم وبالتالي فمريم أمه ليست هي من نسب إليها ولكن فلقد نُسب عيسى من خلال الآية الكريمة للمريم وليس لأُمه مريم.
 
أما بالنسبة لمعنى”مريم” المريم
فمَرْيَم هو مَفْعَل من رام يَرِيم. وقال ابن سيده في كتابه يضع من ابن السكيت: أيُّ شيء أَذْهَبُ لزَيْن وأَجْلب لغَمْر عين من معادلته في كتابه الإِصلاح الرَّيْمَ الذي هو القبر، والرَّيْمُ: الزيادة والزوائد وهي فضلات العظام يقال: لها رَيمْ على هذا أي فضل والرَّيْمُ: النصيب يَبقى من الجَزورِ، وقيل: هو عظم يبقى بعدما يُقْسَمُ لحم الجَزور والمَيْسِر، وقيل: هو عظم يفضل لا يبلغهم جميعاً فيُعْطاه الجَزَّارُ؛ قال اللحياني: يؤتى بالجَزور فَيَنْحَرُها صاحبها ثم يجعلها على وَضَمٍ وقد جَزَّأَها عشرة أَجزاء على الوركين والفخذين والعَجُزِ والكاهلِ والزَّوْرِ والمَلْحاء والكتفين، وفيهما العضدان، ثم يَعْمِدُ إلى الطَّفاطِف وخَرَزِ الرقَبة فيقسمها صاحبها على تلك الأَجزاء بالسوية، فإن بقي عظم أَو بَضعة فذلك الرَّيْمُ.
قال تعالى “إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)” سورة آل عمران.
 
فالمعنى الظاهر لمريم: هو اسم علم وهو مأخوذ من معنى الإقبار والقبر ومعناه المواراه أي فمريم هي المتوارية عن أعين الناس وهي المُقيمة في عزلة عن الأنظار وهنا نلفت النظر على إقامتها ولجوءها إلى المعبد، ومن لسان العرب: وريّم بالمكان أي برح به وبالتالي أقام به والمريم المُقيمة بالمكان.
والمعنى الخفي أو المُستتر للمريم: فهو حسب لسان العرب لربما مُشتق من الرَّيْمُ: وهو القَبر، وقيل: وسطه؛ قال مالك بن الرَّيْبِ: إذا مُتُّ فاعتادِي القُبورَ وسَلِّمِي على الرَّيْم المقيمين بها والرَّيْمُ: البَراحُ أي المُقيمين أي الموتى أو ما تبقى من عظامهم، والفعل رامَ يَرِيمُ إذا بَرِحَ. يقال: ما يَرِيمُ يفعل ذلك أَي ما يَبْرَحُ.  ابن سيده: يقال ما رِمْتُ أَفعله وما رِمْتُ المكان وما رِمْتُ منه. ورَيَّمَ بالمكان: أقام به إشارة على الميت أي وفي ذلك  الإقبار وفيه المواراة عن أعيُن الناس.
فاسم مريم كما سبق وأشرنا عليه فهو مَفْعَل من رام يَرِيم: ويريم في المكان أي المقيم فيه وساكن القبر يريم فهو لا يبرح المكان بل يتوارى فيه ويُقيم وهو الميت: والرّم منه هو إشارة على ما تبقى من العظم أو الزائد وبالتالي أليس ذلك إذن هو إشارة على عظام القبر أي ما هو مُتبقي من الميت.
 
أما بالنسبة لمعنى إبن
قال تعالى “وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ” وبالتالي وجب علينا بالتعرف على ما معنى وابنها،
فماذا يعني نسبه لها مع أننا كُنّا لقد توصلنا بحثياً بأن المسيح لا يمكن لأن يكون أبنها في الطريقة التقليدية “البيولوجية” أي ما هو مُشتق من بنن أي تعبير ما يخدم النسل لأنه لا يُمكن لأن يكون منسول من ذريتها لأن مريم كانت قد أحصنت فرجها فلم تُلقح بويضتها ولذلك فمريم هي ليس أمه بالمعنى المراد به بيولوجياً وبالتالي،
فالمعنى الظاهر لإبن: هو إشارة إلى نسبه إلى أُمه ومن ولدته نتيجة لزومه لها أي إقترانه بها وهو،
أولاً: إن قول ابن مريم لا يتعدى كونه تعبير مجازي كقولنا ابن السبيل وابن الأرض وابن الوطن وابن العروبة …  فلو أخذنا مثالاً على ذلك “ابن السبيل” فهو عند جمهور العلماء كناية عن المسافر الذي يجتاز من بلد إلى بلد، والسبيل: الطريق، وقيل للضارب فيه “ابن السبيل” وذلك للزومه إياه، وابن السبيل لا يعني بأن السبيل أب له، فعيسى هو ابن مريم لأنه عاش في كنفها ورعايتها وهي التي استضافته في رحمها وحملته ومن ثم إحتضنته ورعته وربته فلزمها طيلة مراحل حياته الجنينية والطفولية وبالتالي فهي أمه وهو ابنها وكان لابد وأن ينتسب إليها فهو وليد رحمها فكانت له أم وكانت له منشأ فتشكل وكُوِن في رحمها فكان قد أُبني فيها فكان أبنها .. وبالتالي فالإشارة على أنه ابنها هو تعبير غير حقيقي وإن كان قد اُشتق من بنن وذلك لأنه يُشير على دورها فهي راعيته وحاضنته كما هو صغيرها كبنانها .. فلزمها
وبتفسير للقرطبي
يقول وكذلك تفعل العرب، وتسمي اللازم لشيء يعرفه به “ابنه” تفسير الطبري – بتحقيق محمود شاكر: 14/31.
فنُسب عيسى لأُمه للزومه إياها. ومثال على ذلك الأم البيولوجية والأم في التبني والأم البديلة فكلهم يُطلق عليهم لقب الأم وبالتالي فلقب الأُم ليس محصور بالأم البيولوجية وحدها.
ثانياً: وهو أن الأصل في ذلك هو مُشتق من “أبن” فحسب لسان العرب: نقول أَبَنَ الرجلَ يأْبُنُه ويأْبِنُه أَبْناً: اتَّهمَه وعابَه، وقال اللحياني: أَبَنْتُه بخَير وبشرٍّ آبُنُه وآبِنُه أَبْناً، وهو مأْبون بخير أَو بشرٍّ؛ فإذا أَضرَبْت عن الخير والشرّ قلت: هو مأْبُونٌ لم يكن إلا الشرّ، وكذلك ظَنَّه يظُنُّه. الليث: يقال فلان يُؤْبَنُ بخير وبشَرّ أَي يُزَنُّ به، فهو مأْبونٌ..  يقال: أَبَنْتُ الرجلَ آبُنُه إذا رَمَيْتَه بِخَلَّةِ سَوْء، فهو مأْبُونٌ، وهو مأْخوذ عن الأُبَن، الجوهري: أَبَنَه بشرٍّ يَأْبُنُه ويأْبِنه اتَّهَمَه به. وفلانٌ يُؤْبَنُ بكذا أي يُذْكَرُ بقبيح. وبالتالي فهذا المعنى يمكن لأن ينطبق على الأُنثى إذا ذُكرت في قبيح أو اُتهمت به أو رُميت بخلة سوء وبالتالي فهي مأبونة وهو مأخوذ من الأبن ويُقال أبنه بِشرْ أي يُذكر بقبيح، وكذلك الأنثى إذا قيل أبنها بِشر أي اتهمها به، وفي حديث الإفْك: أَشِيروا عليَّ في أُناسٍ أَبَنُوا أَهْلي أَي اتَّهَموها. وأَبَّنَ الرجلَ: كأَبَنَه. وآبَنَ الرجلَ وأَبَّنَه، كلاهما: عابَه في وجهه وعَيَّره. وكذلك المرأة. وفي الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم: أَنه نهى عن الشِّعْر إذا أُبِنَتْ فيه النساءُ،
وفي حديث ابن أَبي هالة في صفة مجلس النبي، صلى الله عليه وسلم: مجلِسُه مجلسُ حِلْمٍ وحيَاءٍ لا تُرْفَعُ فيه الأَصْواتُ ولا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ أَي لا تُذْكَر فيه النساءُ بقَبيح، ويُصانُ مجلسُه عن الرَّفَث وما يَقْبُحُ ذِكْرُه وقال ابن الأَعرابي: أَبَنْتُ الرجلَ آبِنُه وآبُنُه إذا رَمَيْتَه بقبيح وقَذَفْتَه بسوء، فهو مأْبُونٌ، وقوله: لا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ أَي لا تُرْمى بسُوء ولا تُعابُ ولا يُذْكَرُ منها القبيحُ وما لا يَنْبَغي مما يُسْتَحى منه.
وبالتالي فلربما كان المقصود في قوله تعالى “”وجعلناها وابنها آية للعالمين” يُشير على أن الله جعلها وما اتُهِمت به ورمُيت به وما عابوها به آية للعالمين أي حملها للمسيح، أما ما عابوها فيه فكان في ذلك،
قوله تعالى “وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا” سورة النساء   156 .
وقوله تعالى “فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)” سورة مريم .
وبالتالي وهذا ما نميل إليه وهو بأن قوله تعالى “وجعلناها وابنها آية” معناه بأن جعلناها وعيسى آية وعبرة على خلاف ما قبحوها وأتهموها به.
والمعنى الخفي أو المُستتر لإبن
وفي التعريف بذلك سنبدأ من حيث ما انتهينا أي حديث الطبري وفيه قوله: وكذلك تفعل العرب، وتسمي اللازم لشيء يعرفه به “ابنه” تفسير الطبري – بتحقيق محمود شاكر: 14/31.
فنقول هو نُسب لذرية من لزم القبر وسكن وأقام فيه أي الموتى فهو ابن المريم – ابن مريم وبالتالي فكان قد خُلق من عظام من توارى في القبور ومن ترابهم ومن ذُريتهم … كحال خلق آدم من قبله.
 
إذن ومن خلال ما نستنتجه من ما يحمله كل شق من اسمه المركب من معاني نتوصل إلى خلاصة تحتمل أكثر من معنى:
أولها الظاهر: الصفة التي تجسد بها بحضوره الإنسي وشكلت شخصيته وعرّفت به كشخص وإنسان.
وثانيها المُستتر: إشتقاق أصل التسمية والذي يُشير على طبيعته الترابية التي خُلق منها.
 
لقد أختار الله للمسيح أسمه وعرّف عليه بإعطائه اسم مركب من ثلاثة مقاطع دلالة على خلقه،
قال تعالى “اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ” آل عمران 45 .
فكان اسمه الثلاثي الكامل يبدأ بـ (المسيح وهو لقبه والذي أصله مشتق) من سلالة تراب الأرض المسحة الجرداء والخالية من النبت، ولحق بذلك أسم عيسى ( وهو أسمه والذي أصله مُشتق من العيس) فكان إسم هذا الكيان مشتق من مادة خلقه “كاسم آدم من الأديم، والأدمة إشارة على الخلطة والتي عرّف الله عليها بخلقه للإنسان من “النطفة الأمشاج” وبالتالي فهو من ذرية ونُطفة الأولين من الإنس حيث لحق بذلك نسبه وهو ابن (مريم والذي هو مُشتق من رام يريم وريم) أي من ما تبقى من عظم السابقين ممن ماتوا وأصبحت القبور مكان إقامتهم فهو ابنهم ومن ذُريتهم وهو من ترابهم وينطبق عليه ما انطبق على آدم وبالتالي فكان المسيح لقبه، وعيسى أسمه، وابن مريم نسبه، فتوافقت تسميته مع حقيقة خلقه من التراب تأكيداً
على قوله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) سورة آل عمران 59 .
فكان بأن حمل اسمه حقيقة خلقه الترابية والمماثلة لحقيقة خلق آدم من قبله.
وقال تعالى “ذَ‌ٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ” سورة مريم 34 .
وقال تعالى “”بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)”   سورة ق.
ويقول الله عز وجل: افعيينا بالخلق الأول … والجواب والرد أتى من الخالق نفسه فقال “ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ” أي ولكنهم ومع ذلك هم في حيرة وإلتباس من خلقهم من التراب ولكن فلم الحيرة والشك حيث أنكم كنتم قد خلقتم من التراب وها ابن مريم وهو حاله كحالكم يخلقه الله من التراب وهو خلق كنتم قد شهدتموه وعلمتوه وهو بالخلق الجديد.
 
ثم ذكر الله تعالى لنا دلائل القدرة والوحدانية الدالة على عظمتة فقال “أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ” أي أفلم ينظروا نظرة تفكر واعتبار إِلى السماء في علوها واتساعها، فأعلموا بأن القادر على إِيجادها قادر على إِعادة الإِنسان بعد موته … “أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ” أي أفعجزنا عن ابتداء الخلق حتى نعجز عن إِعادتهم بعد الموت، فإذا كان ابتداء الخلق “الأول” لم يعجزنا وكان فيه جوابٌ لقولهم “ذلك رجعٌ بعيد” وذلك حتى لا يبقوا في حيرة وشك من قدرتنا على خلق جديد “بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيد” وبالتالي فإن كان ذلك مستبعدين حدوثه فإن الله سيتركهم يتخبطون في محاولة التعرف على خلق المسيح ابن مريم والذي جعله الله آية للناس.
 
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل