Archive for the ‘دعوة الحق وحقيقة اهل الكتاب’ Category

دعوة الحق وحقيقة اهل الكتاب

إن المسلمين اليوم يقفون حائرين ومذهولين ولربما حتى عاجزين أمام ضخامة وحدّة وحجم الحملة الكنيسية التلموذية النكراء على رب هذا الكون وعلى خاتم أنبياءه وعلى تعاليم دينه الذي إرتضاه للعالمين، هذه الحملة التي هي إمتداد للحملات العدوانية الباباوية التاريخية والهرتزلية والمتلاحقة منذ فجر الإسلام والتي كانت قد جُندت من أجل القضاء على كل ما فيه خير وصلاح وبناء وإرتقاء وإنسانية وحضارة ….

ولكن فلو شعر احدهم بأن خطورة هذه الحملة الشرسة ليست على قدر من الاهمية، وساده الإعتقاد المؤسف بأن لا خوف على الأجيال المسلمة منها، وأن كلامي هذا لهو مبالغ فيه فأنا أرد عليه بالقول بأنني لا أُخالفه الرأي في ذلك فقط إذا كنّا نحن فعلاً مُسلمين غيورين وقائمين بواجباتنا الدينية على أتم وأحسن وجه، ولكن فلقد كان نتيجة تقصير وتدني وعجز المؤسسة الحكومية الدينية الرسمية عن أداء دورها الوظيفي في الإشراف على أمور المسلمين ورعاية شؤونهم الإجتماعية والمعيشية وتأطيرهم وتوعيتهم بأن أدى ذلك إلى تدني القيم وإنتشار الفساد والإنحلال الخلقي وتقلُص دور الدين فيهم ونمّى فيهم الجهالة والوهن مما أدى إلى ظهور إسلام إسمي وصوري عصري وهزيل تجسد من خلال إنتشار ظاهرة مُسلمي البطاقات الشخصية وشهادات الميلاد والذين حملوه كعنوان وهوية لا أكثر، وتم نتيجة ذلك ولادة فئة من الكُتّاب والإعلاميين من أبناء جلدتنا المحليين ليوظفوا أنفسهم عملاء للغرب الصليبي ويسعون جاهدين ليكونوا خدماً وعبيداً للعلمنة الفكرية وأقلامها الشيطانية وعناوينها الهزيلة والفارغة من المحتوى والقيم، فكانت وعلى الرغم من هزالتها الفكرية ألا أنها دفعت الكثير من أبناء الأمة المنتسبون بالهوية في أحضانها فعملوا على تبنيها كفكر ومنهج ومسلكية، ولقيت عندهم القبول والهناء والرضى، ولم يمض الوقت الطويل حتى أطل علينا هذا الخزي وهذا الإنحطاط الأُممي من خلال سوق تجارى كبير أصبحوا يروجون فيه بضاعتهم العلمانية والليبيرالية التالفة، وهكذا أصبحت اسواق الفكر والثقافة في مجتمعاتنا الإسلامية اليوم مفتوحة على مصراعيها امام دينهم وفكرهم وثقافتهم المسيحية والغربية والتي تعج بمظاهر التخلف والبدائية، والغريب بأن أصبح الناس يُقبلون عليها بشراهه غير معهوده ونشهد تأثيرها الشاذ والسلبي بين شعوب العالم ومجتمعاتهم من غربية وشرقية.

لقد لاحظنا في الآونة الأخيرة إرتفاع ملموس في نسبة التطاول على الله ورسوله وقرآنه من قبل الحاقدين والحُمَقاء الكتابيين من قسيسين ورهبان وربانيين وأحبار من كل من العرب والعجم على حد السواء، بالإضافة إلى مسؤولي الإعلام وكتّاب ورؤساء تحرير الصحف الغربية وقنوات التلفزة (والتي تدّعي الحضارة والحرية)، والتي إنضم إليها أخيراً وعلنياً العديد من ساسة اليمين المتطرف من رؤساء ووزراء ونواب الحكومات الغربية المتواطئة والذين يصفون أنفسهم بسادة العالم الحر وحُماة الديمقراطية.

لذلك أرجوك أخي القاريء بالتروي وإعطاء نفسك الفرصة للإطلاع على عدوانية وشراسة هذه الحملة من خلال ما هو موجود على صفحات الإنترنت مما تحتوي عليه مواقع الصفحات الكنيسية والتلموذية، أو من خلال ما تطبعه وتنشره الكنيسة اليمينية المحافظة والمتطرفة من الكتب والكتيِّبات والمنشورات والمقالات، أو ما تُشرف على بثه من البرامج الدينية المكثقة من خلال قنوات التلفزة الفضائية ومحطات الراديو الإذاعية ودورها المميز في سياسات التحريض العدائية والمملوئة بالكراهية والعنصرية ضد المسلمين أو ما يروج له عملاءهم ومواليهم وأذنابهم من العرب والمسلمين.

إن اسلحة هذا الغزو الفكري وحربه الفاجرة لا تُحدث دوي مدافع وقنابل الحروب التقليدية المُعتاد عليها ولكنها مع ذلك أشد خطورة وبطش وفتك وتشتيت، إنها ثورة المعلومات والتي أصبحت تشن حربها الفكرية والدعائية واللاأخلاقية المفتوحة على مصراعيها مُعلِنة إنضمامها في صف التحالف الغرائزي ذو الجُنح الشاذة والمجنونة، وبالتالي فإن سمومها كانت قد ألحقت وستُلحِق المزيد من التردي في عقول وقلوب الناس وستعمل على تقطيع أوصالهم وسلبهم الأمن والسلام والعافية، فهي أضحت أخطر الحروب المستعملة على الإطلاق، إنه غزوٌ فكري وفسادي لا يمكن التعامل معه بالصمت أو القبول والرضى، ولا عن طريق تحمل أذاهم والصبر على عدوانيتهم وإعتبار ذلك نصر أخلاقي أو معنوي لنا، ولكن يجب التعامل معه عن طريق المواجهة والتصعيد الفكري الإيجابي المناهض والمنافس لفكرهم الدخيل والمزيف، والعمل على تمزيقه وتفتيته وتهميشه وذلك من خلال بناء درع وقائي تستخدم فيه نفس تقنية العبوات الذكية وتوجيها ضدهم بهدف تفتيت بنيانهم العقائدي وتذويبه وفضحه وعزله وتجريده من  فعاليته ودمويته القاتلة.

******

ففي بداية جهادنا الفكري هذا دعونا نتعرف على بعض مما كتبه الدكتور محمود بن عبد الرحمن قدح جزاه الله الألف خير، فقال: “إن من حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن بعث أنبياء ورسلاً لهدايتهم ودعوتهم إلى الخير، وإقامة حجته على خلقه، وأنزل عليهم كتباً ليبيّنوا للناس ما أنزل إليهم من الهدى والنور، وما تتضمنه من أحكام الله عز وجل العادلة، ووصاياه النافعة، وأوامره ونواهيه الكفيلة بإصلاح البشرية وإسعادها في الدنيا والآخرة .وتمهيداً لموضوع دراستنا ( الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم – عرض ونقد )، فإنه يجدر بنا أن ندرس بإيجاز ثلاث مسائل مهمة لنتبين موقف الإسلام من الكتب الإلهية، وهي :
1– الإيمان بالكتب السماوية .
2-  وقوع التحريف والتبديل في الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم .
3-  حكم قراءة المسلم في التوراة والأناجيل المحرّفة .

المطلب الأول: الإيمان بالكتب الإلهية السماوية :

إن من أركان الإيمان الستة الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عز وجل على أنبيائه ورسله، وبأنها حق وصدق وهدى ونور وبيان وشفاء ورحمة للخلق وهداية لهم ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة .

والإيمان بأن لله كتبا أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله، قال عز وجل :

” كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ ليَحْكُمَ بَينَ النّاسِ فِيما اختَلَفُوا فِيهِ وَما اخْتَلَفَ فيه إلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُم البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُم فَهَدَى الله الَّذِينَ ءَامَنُوا لمِا اختَلَفُوا فِيهِ مِن الحَقِّ بإذْنِهِ والله يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ” سورة البقرة – الآية 213  .

وأما كيفية إيماننا بالكتب السماوية، فإنا نؤمن بالكتب السماوية السابقة إيماناً مجملاً، يكون بالإقرار بها بالقلب واللسان، وأن منها ما فُقد واندثر، ومنها ما حُرِّف وغُيِّر، وأنها منسوخة بالقرآن الكريم .

وأما القرآن الكريم فنؤمن به إيماناً مفصلاً، يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، وإتباع ما جاء فيه، وتحكيمه في كل كبيرة وصغيرة، وأن الله تعالى قد تكفَّل بحفظه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه كلام الله منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه ناسخ لما قبله من الكتب السماوية، قال الله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ… ) ( سورة المائدة – الآية 48 ) ، أي حاكماً عليه، وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السماوية إلاَّ ما أقره منها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة . ( انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص350، شرح لمعة الاعتقاد ص77-85 لابن عثيمين، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد ص149-151.

المطلب الثاني : وقوع التحريف في الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم .

لقد تضافرت الأدلة والبراهين على تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب المتقدمة، والآيات القرآنية كثيرة في ذلك منها: قوله تعالى : ( …قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً… ) سورة الأنعام – الآية 91

وقوله تعالى : ( فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ وَمِنَ الّذِينَ قَالُواْ إِنّا نَصَارَىَ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ ) سورة المائدة – الآية 13 ، 15  .

وقد أجمع المسلمون على وقوع التحريف في التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السابقة، إما عمداً وإما خطأً في ترجمتها أو في تفسيرها أو تأويلها، إلا أن علماء المسلمين قد اختلفوا في مقدار التحريف فيها، وأضاف قائلاً “وأما أنواع التحريف في كتبهم فهو: تحريف بالتبديل، وتحريف بالزيادة، وتحريف بالنقصان، وتحريف بتغيير المعنى دون اللفظ، والشواهد على ذلك كثيرة .وإلى جانب التحريف فإن هناك وسائل أخرى ذكرها القرآن الكريم لا تقل خطورة في تأثيرها عن التحريف والتبديل، ومن هذه الوسائل ما يلي ( انظر: علاقة الإسلام باليهودية ص43-45، د.محمد خليفة :

1- الإخفاء:

 قال تعالى : ( تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً… ) سورة الأنعام – الآية 91 .

وقال تعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ ) سورة المائدة – الآية 15.

2- الكتمان:

قال تعالى : (الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) سورة البقرة – الآية 146 .

وقال تعالى : ( وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  ( سورة آل عمرن – الآية 187  .

3- إلباس الحق بالباطل:

 قال تعالى:  يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) سورة آل عمرن – الآية 71 .

 وقال تعالى: ( وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ( سورة البقرة – الآية 42  .

4- الكذب والتكذيب :

قال تعالى : ( قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) سورة آل عمران – الآية 93 ، 94 .

 وقال تعالى : ( وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.. ) سورة آل عمران – الآية 78.

5- لوي الألسنة بالكتاب:

 قال تعالى : ( وَإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون ) سورة آل عمران – الآية 78.

6- التعطيل: المقصود به تعطيل أحكام التوراة والإنجيل وعدم إقامتها والعمل بها.

 قال تعالى : ( وَلَوْ أَنّهُمْ أَقَامُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رّبّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مّنْهُمْ أُمّةٌ مّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ) سورة المائدة – الآية 66 .

 وقال تعالى : ( قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىَ شَيْءٍ حَتّىَ تُقِيمُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رّبّكُمْ…) سورة المائدة – الآية 66 .

وقال تعالى : ( مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُواْ التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) سورة الجمعة – الآية 5  .

7- الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر:

قال تعالى : ( … أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ… ) سورة البقرة – الآية 85.

8- الإهمال :

قال تعالى : ( وَلَما جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) سورة البقرة – الآية 101 .

وكذلك قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَاشْتَرَوْا بِهِ ثمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  ( سورة آل عمران – الآية 187 

9- الظن:

قال تعالى : ( وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ ( سورة البقرة – الآية 78.

10- النسيان: ( أنظر: علاقة الإسلام باليهودية ص43-45 د. محمد خليفة حسن ) :

 قال تعالى : ( فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ… ) سورة المائدة – الآية 13  .

11- التزوير:

قال الله تعالى : ( فَوَيْلٌ للذِينَ يَكْتُبُون الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ ) سورة البقرة – الآية 79.

وتوضح هذه الوسائل مجتمعة الطرق التي تحوّلت بها التوراة والإنجيل وغيرها من كتب إلهية سماوية إلى كتب بشرية خطها رجال الدين من اليهود والنصارى بأيديهم.

*******

أما قوله في حكم قراءة المسلم في التوراة والأناجيل المحرفة وما شابهها فقال “بعد أن علمنا من المطلبين السابقين أن الكتب السماوية السابقة قد حرّفت وبُدّلت ونُسخت بالقرآن الكريم، فإن سؤالاً مهماً يتبادر إلى الذهن هو: ما حكم إطلاع المسلم وقراءته الكتب المقدسة عند أهل الكتاب ؟؟؟ وبالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بهذه المسألة نجد أدلة ظاهرها التعارض، فبعضها يفيد الجواز والآخر يفيد المنع، وسأبدأ بأدلة المنع ثم أدلة الجواز ثم أبين ما يترجح منها مستعيناً بالله عز وجل .

  أما أدلة المنع من قراءة كتب أهل الكتاب فهي :

– عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب، فقال: ” أمتهوكون ( التَّهوك : كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير رويّة، وقيل: التحيّر – انظر: النهاية في غريب الحديث 5/282 لابن الأثير ) فيها يا ابن الخطاب ؟! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني ” ) (أخرجه الإمام احمد 3/387 والدارمي 1/115، وابن أبي شيبة ح26421، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/42، والبزار وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان. قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/334: “رجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفاً”. وبمثله قاله الهيثمي في المجمع 1/179 .
قال الشيخ الألباني: وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف، ولكن الحديث حسن عندي لأنه له طرقاً كثيرة عند اللالكائي والهروي وغيرهما ، انظر: المشكاة ح177، والإرواء 6/34 ح1589)

– وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية و يفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا : ( آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) الآية ) ” سورة البقرة – الآية 126 ” ( أخرجه البخاري (انظر: فتح 5/291، 8/170)، والبيهقي في السنن الكبرى 10/163  .

– وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحْدَثُ الأخبار بالله تقرؤنه لم يُشبْ؟! وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا : ( هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) ( سورة البقرة – الآية 79 ) ، أفلا ينهاكم بما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلاً قطُّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم ) ( أخرجه البخاري (انظر: فتح الباري 5/291)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/41 .

– وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ( لا تسألوا أهل الكتاب، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم، فتكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ) ( أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/41، وقال الحافظ ابن حجر: أخرجه عبدالرزاق من طريق حريث بن ظهير فذكره، وأخرجه سفيان الثوري من هذا الوجه، وسنده حسن. (انظر: فتح الباري 6/334  .

 وأما أدلة جواز الإطلاع على كتب أهل الكتاب فمنها :

قال تعالى : ( فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْجَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْترين ) ( سورة يونس – الآية 94 ) (المراد من قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ} على سبيل الفرض والتقدير، إذ الشك لا يتصور منه صلى الله عليه وسلم أبداً لعصمته، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا أشك ولا أسأل”، كذا قاله ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير والحسن البصري. انظر: تفسير ابن كثير 2/448.

وقال تعالى : ( وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىَ بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) سورة الرعد – الآية 43.

وقال تعالى : ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) ( سورة الزخرف – الآية 45.

– وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عَلَيَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار”. والتحديث عن بني إسرائيل يقتضي النظر في كتبهم ) ( أخرجه البخاري. (انظر: فتح الباري 6/496)، والإمام أحمد 2/159، والترمذي ح2669، والدارمي 1/136، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/40  .

فأما بالنسبة لحكم المقروء منها فإنه على ثلاثة أنواع

أ – نوع يجوز تصديقه وروايته، وهو ما جاء في كتبهم موافقاً لما في شرعنا.
ب – ونوع يحرم روايته إلا بشرط تكذيبه وبيان بطلانه، وهو ما جاء في كتبهم مخالفاً لما في شرعنا .
ج – ونوع يتوقف فيه، لا يحكم عليه بصدق ولا بكذب وتجوز روايته وتذكر للاستشهاد لا للإعتقاد وهو ما سكت عنه شرعنا .

وأما إذا كان قصد القارئ معرفة ما في كتبهم من الشر لتوقيه وتحذير الناس منه، أو الرد على المخالف وإلزام اليهود والنصارى بطلان دينهم وتحريف كتبهم ونسخ شريعتهم والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يستخرج من البشارات في كتبهم، فهذا جائز يدل عليه النصوص الشرعية وفعل الأئمة كابن حزم وابن تيمية وابن القيم وغيرهم في النقل من كتب أهل الكتاب، ولولا اعتقاد الأئمة جواز النظر فيها لما فعلوه وتواردوا عليه، وذلك القصد داخل ضمن ما أمرنا به الله عز وجل في قوله تعالى :

 ( ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بمِنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ) ( سورة النحل – الآية 125 ) .

وقوله تعالى :

وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) سورة العنكبوت – الآية 46.

والمجادلة المحمودة التي أمرنا بها هي التي تكون عن علم وبصيرة وهدي وذلك يقتضي النظر في كتبهم لإلزامهم الحجة وإقامة البينة عليهم والله أعلى وأعلم .”

 الدكتور محمود بن عبد الرحمن قدح.

******************

فلو نظرنا إلى الآية الكريمة رقم 125 من سورة النحل والتي أشار عليها الدكتور القدح لرأينا بأن الله جل وعلا كان قد قدّم الحكمة على الموعظة الحسنة فقال (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة) وأخَّر قوله تعالى (والموعظة الحسنة) وهذا فيه حكمة، فعلينا قبل أن نعظهم لما فيه خير وصلاح لهم بأن نتعامل معهم بالإيجابية والصبر والحُسنى والذكاء والعمل على شرح وطرح المعلومة ونقلها بطريقة علمية وحضارية ومُقنعة، كما وعلينا بإنتهاج سبيل وطريق الحكماء وهذا ممكن من خلال التدبير والتسخير لقدرات العقل الذكية وتوظيفها للدعوة والنصح السليم وإستعمال المنطق والإسلوب في مخاطبتنا لعقولهم فتكون دعوتنا لهم مبنية على تحكيم العقل والمنطق ولا دور للعاطفة فيها، أما قوله تعالى (وجادلهم بالتي هي أحسن) ففيها بيان لأمر الله تعالى لنا على التسلح بأفضل ما هو متوفر وموجود لدينا من الحجج والبراهين من أجل إظهار الحق وبيانه، فالتي هي أحسن يجب لأن تكون تقوى على حججهم وأحسن مما لديهم من البراهين والحُجج، وهذا ما سوف نظهره إنشاءالله ونعمل به من أجل إظهار الحق ونصرة دين الله، مع العلم بأن بعض العاجزين من دعاة التطبيع واصحاب الضمائر الميتة والقلوب المُقفلة إفترضوا وتقولوا وعملوا على تأويل قول الله تعالى على أنه على غير ذلك وما تعنيه الآية الكريمة هو جدالهم بالحسنى أي يعني الرفق فيهم ومراعاتهم وكأننا نحن من كفرنا بخالقنا وأخترنا من خلقه إلهاً نعبده وأشركنا بعبادته وعصينا وفسقنا وضللنا “لا سمح الله” ومع ذلك جعلونا نحن المحقوقين وعلينا لأن نخف عليهم ونتحمل قرفهم وعلينا لأن نصبر على كفرهم وعدوانيتهم لله ورسوله ودينه حتى يلتهمونا بفسادهم ودمويتهم وتغولهم، ولكن لا ولن يمكن لأن نكون بسذاجة بعض العلماء المشريين ومحبي الصيت والشهرة والمركز والمال، فأين هم من قرآن الله .. فلما لايعملون لله ولما لا يتفكرون .. ويعقلون .. ويتدبرون، لقد حان وقت الوقوف والعملقة وأنتهى وقت الإنحناء والخضوع والضياع فعلى علماء اليوم وتابعيهم لأن يكفوا عن التحزب أو إتباع تيارات وحركات دينية مختلفة فعليهم التحرك نحو قيادة واحدة تجمعهم على كلمة الحق وتحت راية التوحيد ولأن يخجلوا من التهافت على المركز والتمثيل السياسي الخجول والكف عن التفريق المذهبي والظائفي من أجل الظهور أو إرضاء أولي الأمر من العاصين والمضللين وضالين، فعليهم لأن يُعيدوا إحياء أنفسهم وتزكيتها وتطهيرها ويكفوا عن النفاق والجهل والتخلف خجلاً من أنفسهم والأهم خجلاً من خالقهم فإسلامنا وديننا هو الحضارة وهو المستقبل وهو الغد القادم إنشاءالله، فالغد لنا وليس لأحد غيرنا واليوم هو يوم الفصل وفي الغد سيبقى الأمس قبر ومنزل ومكان كل من يحيد عن الطريق.

إخواني دُعاة الحق، لقد كان قد ترتب علينا منذ بزوغ شمس الأمس وليس بداية باليوم للغوص في أعماق أحشائنا بحثاً عن أسباب الشيخوخة والضعف والوهن وبحثاُ عن مباديء الكرامة المسلوبة وأصول الدين المهجورة والمنسية، ولذلك أعزائي القرّاء المؤمنين كان لا بد لنا من الشروع بالعمل والدراسة والبحث من أجل إظهار الحق لنا ولهم ولذلك فلقد كان هذا السعي الخاص هو من باب الحرص والمسؤولية على أمة الإسلام والتي اصطفاها الله ليكون دورها هو بالشهادة على الناس، ولذلك فلقد تم تبني إستراتيجية للعمل تحتكم إلى الإسلوب العلمي الصادق والبعيد عن التعصب وقمنا بتخصيص بعضاً من مادة هذا البحث للرد على بعض من هجمات الحاقدين وفيه سنُجيب (متسلحين بما قدرنا الله) على بعض من التساؤلات والشكوك التي يروج لها هؤلاء الحاقدين القليلين من القساوسة من العرب والأقباط والذين لربما لم نسمع بهم أو نسمع عن أعمالهم القذرة سوى القليل الا أنها تستهدف عشرات الملايين من المغفلين والأبرياء في بلاد الغرب، وذلك حتى تعمل على تأجيج الصراع الديني وتنمي الإحتقان والكراهية والعنصرية والنعرات ضد المسلمين، فهؤلاء المرتزقة يُعتبرون ذخراً وكنزاً ثميناً للمسيحيين والمضللين في الغرب الصليبي المظلم ويُزيدون في حقده وبطشه بالإسلام والمسلمين، فهم ثعابين سامة تُطِل علينا في مجتمعاتنا الشرقية كل يوم بمظاهر الحملان الوديعة، ستكون كتاباتهم هذه مفاجأة للكثيرين.

****

عباد الله، لقد سعينا في البحث بآيات الله لإظهار ما شق على علمائنا وأختلفوا فيه من امر النبأ العظيم، وأدركنا أهمية إظهار الحق في كل من أمر خلق الكون والحياة والإنسان، واردنا بعملنا هذا لأن نطرُق من خلاله باب التنبيه والإرشاد من أجل خدمة كل ضال يحتاج لمعرفة عنوان طريق الصراط المستقيم …  ولذلك ندعوكم للبقاء معنا حتى نتعرف معاً على ما يحتويه هذا البحث من توضيحات، وحتى يُضاف لغيره من الجهود والتي من خلالها نتمكن من رسم لوحة صورة بيضاء للحقيقة والتي مضى على تسويدها وتلطيخها مئات السنين، حقيقة جديدة لا تخضع للواقع السمعي المجرد (أي القال والقيل) أو بعض الإشاعات الغير مُثبتة هنا وهناك او الي تدخل باب المزاودات السخيفة، بل حقيقة كونية ثابتة وراسخة ومحسوسة ومستمدة من قرآننا لا شية فيها وتستشهد بالدلائل على خسرانهم وهزيمتهم الروحية من كتابهم (المقدس) ومن عقيدتهم وكتاباتهم وممارساتهم ومسلكياتهم الحاقدة.

 فالحقيقة والعدل والإنصاف الذين دعى إليهم الله هم وحدات ثابتة المقادير لا مجال للنسبية والتقدير أو الجدال فيها حتى ولو كانت بمثقال الذرة لأنها تبقى هي المقياس الأدنى والضروري في ترجيح وإعلاء كفة الحق على كفة الباطل،

قال تعالى “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ”  سورة الزلزلة  7-8 .

وقال تعالى “وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَ‌ٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ”  سورة يونس 61 .

فنحن لا نملك خياراً أو حلاً أقل ضرراً من خيار المواجهة السلمية وذلك من خلال الإبراز والتوضيح العلمي لأن طبيعة هذه الحملة العدوانية تستدعي الحاجة للرد الجريء، …. فإلى متى ينبغي علينا الصمت أمام عصر العهر الضلالي هذا ونتسلح فقط بما يُمليه علينا عُبَّاد الجهل وأسياد الصمت “الحضاري” المتدبلسين، ومُنظريهم من العلمانيين المتدمقرطين، ونصِف أنفسنا بالمدنية ونتمسك بحضارة صورية ووهمية مُخجلة ومُهينة، فهل يعقل بأن نكتفي بالرد عليهم بالقول (لكم دينكم ولي دين) أو بالقول تحسباً وخوفاً منهم مظهرين عجزنا وضعفنا وقلة حيلتنا (أتركوهم منهم لله أو الله ينتقم منهم أو نشوف فيهم يوم)…………

 قال تعالى “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا”  سورة النساء 51 .

فيجب علينا الفريق بين عبادتنا لله وإتخاذنا لدينه الذي إرتضاه لكافة البشر طريقاً وبين عبادتهم للشرك والطغيان هذا الدين الإبليسي الأرضي المبتدع الذي يدينون به، فإن كان العرب في جاهلية وكُفر في الماضي فإن أهل الكتاب اليوم يتفوقون عليهم بجاهليتهم وكفرهم، فإلى متى سنبقى مكتوفي الأيدي أمام تعنتهم وتخلفهم هذا خاصة إذا كان المطلوب من بني البشر كافة على أن يدينوا بهذا الدين الحق ولا دين سواه وهذا نراه في قوله تعالى “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” “وإن الدين عند الله الإسلام” .

وقال تعالى “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”  سورة المائدة 19. 

وقال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة 256 .

وقال تعالى “إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ”  سورة فاطر  24 .

إذن فلقد أصبح الخيار خيارهم والقدر قدرهم وهم اليوم يتحكمون بمصيرهم وطريقهم وما كان قد كتب الله عليهم الكفر ولا رضي به لاي من عباده،

قال تعالى “إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور”  سورة الزمر 7 .

فالرسالة كانت قد وجهت لعامة أهل الأرض ووصلت لهم وبالتالي لم يُتركوا كغيرهم من الأمم من دون نذير …

إن الإنسان أصبح راشد بعد أن هداه الله وبيّن له طريق الصراط وبالتالي فعليه تقع مسؤولية إتخاذ الخطوات التصحيحية الضرورية والجريئة التي تنقذه من ضعف غريزته وترقيه على سوء نفسه وتزكيه وتشفي قلبه وعقله، وما علينا إلا التذكير .. بأن المؤمنون أُخوة،

قال تعالى “فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ”  سورة الأعلى 9 .

وقال تعالى “تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا” سورة الفرقان  1 .

ففي الفرقان فرّق الله ما بين الحق والباطل وفرّق فيه ما بين الخير والشر وفرّق فيه ما بين الإصلاح والفساد وفرّق فيه ما بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه بشرنا الله بنعيمه وفيه أنذرنا من عاقبة عدم إتباعه.

وقال تعالى “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”  سورة سبأ  28 .

فلماذا إذن يُردد البعض كالبغبغاوات قول (كل من على دينه الله يعينه) وننسى ما ألحق أهل الكتاب بشقيهم اليهودي والمسيحي من ضرر على الخليقة بأسرها ..؟

وأي كتاب هذا الذي يدعونه بالكتاب المقدس ويُدينون به،

قال تعالى “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ” سورة المائدة 68.

فأهل الكتاب هم ليسوا على شيء من وحي السماء حتى يُقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل الله لهم، أي إذن فهم اليوم لا دين لهم،….. فهل اقاموا أو يقيمون التوراة والإنجيل الموحى بهن، فإن اقاموا ما كتب الله عليهم في كُتُبه لهم وعملوا بها وأطاعوا رسلهم فهم أهل للكتاب كانوا قد تأهلوا به ولا يمُكننا انكار ذلك عليهم بل ويستحقون لأن نصفهم على أنهم أهل كتاب فقط (لا أصحاب ديانات) أما تحت الظروف الحالية فهم لم يسلكوا ولم يتبعوا طريق الهدى والنور ولم يُعَبِدوها بعد، ولذلك نتسائل ونقول أين هم من تبقى من أهل الكتاب من أنصار المسيح عيسى ابن مريم،

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) سورة الصف  14 .

وأين هم أتباع موسى وتوراته،

وقال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) سورة الصف  5 .

فلقد ارسل الله رسوله بالهُدى ودين الحق من أجل هداية الناس وكان في ذلك،

 قوله تعالى “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا” سورة الفتح  28 .

وقوله تعالى “وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”  آل عمران 199 

وكان قد قال في المؤمنين قوله المشروط وذلك حتى يتأهلوا ليكونوا خير خلق الله من أهل الأرض،

قال تعالى “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ”  سورة آل عمران   110 .

ووضَح لنا طبيعة أهل الكتاب ورفضهم للإيمان فهم على الرغم من أن منهم من آمن ألا إن أكثرهم بالفاسقين، ولذلك فإن الأكثرية من أتباع الديانة المسيحية واليهودية اليوم أي أهل الكتاب العصريين هم قد أُشير عليهم في القرآن الكريم بالذين كفروا من أهل الكتاب وتبعوا الضلالة وتأهلوا بالإيحاءات المزيفة والوهمية وأحاطوا أنفسهم بالرهبنة والقداسة التي إبتدعوها بأنفسهم وسلّحوا أنفسهم بدرجات من الدكتوراة والعلوم اللاهوتية الفارغة والتي لا قيمة لها، وكلاهما تسابقوا في خط الكتب بأيديهم فكانوا هم أهل لما كتبوا بأنفسهم هم وأجدادهم السابقين، فأهّلوا أنفسهم بمحتويات ما كتبوا لاغير فأخفوا الكثير منه وحرفوا الكثير وأتبعوا الضلالة والشرك بالله، فلماذا إذن نتحفظ عليهم ونخاف على مشاعرهم، وألف لماذا لا زلنا نُخفي حقيقتهم الملتوية وإلى متى .. ؟

قال تعالى ” فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ”  سورة البقرة  79 .

وقال تعالى “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)” سورة المائدة.

وقال تعالى “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)”  سورة المائدة.

وقال تعالى ” فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)” سورة المائدة.

صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل