Archive for the ‘ما هي الأمانة في قوله تعالى: إنّا عرضنا الأمانة’ Category

 آخر تحديث 29 – 4 – 2017 .. غير منتهي-
الأمانة وإعادة خلق الله للإنسان ليكون بالقادر على حملها .. وإختلاف الأراء والتفاسير حول ما المُراد بها
 
 إن من الأمور التي جلبت ولا تزال تجلب الحيرة بين الناس هي تعدد الآراء بين علماء الدين البارزين فيما يخص التفسير في كتاب الله وذلك نتيجة إعتماد الغالبية من العلماء على آراءهم الشخصية أو آراء شيوخهم الذين تتلمذوا على إيديهم والتي في العادة يُقدموها على آراء الآخرين، وبالتالي نراهم في خُطبهم ودروسهم أو ما يُنقل عنهم يدلون كُل بدلوه في معظم مساءل العقيدة الحساسة من دون الإجماع على تفسير مُوحد وموَّسع وشامل يتفقون عليه ويعتمدوه، ومن دون الإحتكام إلى مرجعية دينية صحيحة وشرعية وموثقة يتخذوها قاعدة يجتمعون عليها، ولذلك فإن كُثرة هذه التناقضات والإختلافات وإن بقيت من دون تصحيح ستؤدي في النهاية إلى انقسام الناس وستدفعهم لأن يفقدوا الثقة في دينهم وعلمائهم
إن من أحد أهم هذه المواضيع الكثيرة والتي لا زالت عالقة والتي حيّرت أهل العلم والفضل هو موضوع الأمانة والذي رأينا في تفسيراتها المتعددة الكثير من الاختلاف فيما بينهم، ولذلك فلقد رأيت بأن يكون لي نصيب أنا الآخر في التحقيق فيها، مع العلم بأن هذه الرؤية والتي سنطرحها أمام أصحاب الفكر والتخصص والإجتهاد والإهتمام هي في الحقيقة لشخص غير معروف بين الناس لا بإسمه أو بعلمه أو بمركزه أو بصيته أو بماله، فصاحبها لا يُقاس بأهل العلم لا بعلمهم ولا بعملهم ولا بمستواهم ولكن أراد بإجتهاده وعمله هذا هو خوض تجربة عمل جديدة يُعبر فيها عن اجتهاد الآخر وغير مما اعتاد عليه العلماء والمفسرون وتوارثوه أو تأثروا به وحصروه فيما بينهم، ولذلك فسأبدأ حُجتي بعرض لبعض من آراء أهل التخصص من العلماء الكرام في هذا الشأن وبالصوت والصورة وذلك حتى يتسنى للقاريء والمستمع مقارنة رؤيتنا المتواضعة التي سنطرحها مع آراء علمائنا الأفاضل فيَطّلِعوا عليها ويتمحصوها ويتدبروها ويتفحصّوها، ويعملوا على تقييمها والرد عليها إذا شاءوا
يقول الله تعالى “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”  سورة الأحزاب  72 
لقد كان من بعض التفسيرات للأمانة تفسير للشيخ الكريم صالح المغامسي والذي في إحدى تسجيلاته المعروضة على اليوتوب رأيناه يقول بأن الأمانة هي التكليف بالعبودية، ولكن كيف نسي شيخنا الكريم بأن السماوات والأرض والجبال أبين حملها وأشفقن منها، والإباء في لغة العرب هو عدم الرضا، والإشفاق هو الخوف المصحوب بالحذر فكيف إذن تكون الأمانة هي التكليف بالعبودية ومع ذلك يمتنعن عن تكليف الله لهن بالعبودية، فهل التكليف هو بالخيار أم التكليف هو أمر وبالتالي فإن عدم طاعة امر الله فيه معصية وكفر … أليس كذلك، بالإضافة على أن الله أخبرنا بقبول الإنسان لحمل الأمانة وبالتالي أي أن الإنسان كان قد قَبِل تكليف الله له بالعبودية وأطاع خالقه إذن ولكن ومع ذلك نرى بأن الله لم يُثني عليه بل أخبرنا بظلمه وجهله نتيجة قبوله بحمله
أما إذا تناولنا تفسير آخر للامانة وهو للدكتور الفاضل زغلول النجار والذي بدوره يُعرِّف الأمانة على أنها القدرة على الإختيار بالإرادة الحُرة وأخذنا قوله تعالى  “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا وقمنا بالأخذ بتفسيرها حسب ما ذهب إليه شيخنا الكريم لحصلنا على التالي وهو بأن الله “عرض القدرة على الإختيار بالإرادة الحًرّة على السماوات والأرض والجبال فأبين” أي امتنعن لأن يحملن القُدرة على الإختيار، ولكن أليس في مجرد امتناعهن لأن يحملن القدرة على الإختيار هو في الحقيقة تَجَسُد لقُدرتهن على الإختيار لأنه لا يمكن الإمتناع عن شيء دون توفر القدرة على الإمتناع، وبالتالي إذن فوضوح قدرتهن على الإختيار بالإمتناع عن الاختيار هو في ذاته حمل للأمانة .. لأن الإمتناع وليس العرض هو الذي أكّد وأظهر قُدرتهم على الإختيار بالإرادة الحُرّة وإلا لما كانوا تمكنوا من الإمتناع … وبالتالي فهذا كلام غير واضح ومتداخل في بعضه البعض ولا يفي بالغرض من البحث في موضوع الأمانة وبقي تحيطه التساؤلات والحيرة والغموض … وبذلك يكون تفسيره هذا يجلب الحيرة ويتناقض مع ما جاء في الآية الكريمة. وبالتالي ومن خلال بحث بسيط للمعنى القاموسي للأمانة نتوصل إلى معنى يُخالف ما ذهب إليه الدكتور  
أما إذا تناولنا تفسير آخر وهو للشيخ الفاضل صالح الفوزان والذي عرَّف على أن المُراد في الأمانة هي الأوامر الشرعية، وأشار عليها بالقول: بأنها هي فعل الطاعات وتجنُب المحرمات مع توحيد الله عز وجل وعدم الإشراك به وهذا هو أعظم الأمانة التي حمّلَها الله لخلقه. كما وأخبرنا في تفسيره للآية الكريمة بأن السماوات والأرض والجبال أبين لأن يحملن الأمانة لأن الله عرضها على تلك المخلوقات العظيمة عرض تخيير ولم يعرضها عرض إلزام فمن أدّاها وحافظ عليها له الأجر ومن خانها فعليه الإثم، فآثرت هذه المخلوقات السلامة على الغنيمة فأبين أن يحملنها وامتنعن عن حملها لعظم مسؤوليتها وأشفقن منها أي خفن من الأمانة وهذا يُدل على عظم الأمانة وحملها الإنسان آدم وذريته آثروا الغنيمة على السلامة حُباً للأجر فحملوها ..  وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا
 وأنا أتساءل كيف افترض شيخنا الكريم على أن عرضْ الأمانة على السماوات والأرض والجبال كان عرض تخيير على الرغم من تعريفه للأمانة على أنها الأوامر الشرعية وهي فعل الطاعات وتجنب المحرمات، فكيف تكون الأمانة هي الأوامر الشرعية “والتي هي ربانية المصدر” لأن مصدر التشريع هو الله ومع ذلك يُخبرنا الشيخ الكريم بأن السماوات والأرض والجبال كان لهم الخيار بالإمتناع عن الإستجابة لأمر الله خاصة وأنهم آثروا السلامة على الغنيمة .. وماهي السلامة التي يتحدث عنها شيخنا خاصة وأنها تؤدي إلى معصية الخالق، أليس الإمتناع عن حملها حسب هذا التفسير الذي ذهب إليه الشيخ هو امتناع عن تأدية الأوامر الشرعية وفي ذلك إذن عدم الإلتزام بفعل الطاعات وفي ذلك معصية وخروج عن طاعة الخالق . .. ولكن ومع ذلك  لم يخبرنا الله بظلمهم أو جهلهم على الرغم من أن امتناعهن حسب ما ذهب إليه الشيخ في تفسيره هو الظلم والجهل بعينه، وماذا عن الإنسان والذي قبل لأن يحمل الأمانة فلقد خصّه الله في الظلم والجهل فهل كان جزاء قبوله للأوامر الشرعية والتزامه بحملها استجابة لأمر الله وطاعته بأن ذُمَّ وقُبِحْ … وبالتالي فهل من المعقول لأن يكون هذا ما اراد الله بالأمانة والغرض من عرضها
كما ولقد عرَّف شيخنا الكريم الجهل على أنه على قسمين جهل بمعنى عدم العلم وجهل بمعنى عدم الحلم وأخذ بمعنى عدم الحلم على أنه المقصود بالآية الكريمة، وسنأتي على ما المقصود بالظلم والجهل في رؤيتنا والتي لا نتفق فيها مع ما ذهب إليه شيخنا الكريم
أما إذا تناولنا تفسير آخر وهو للشيخ الكريم بسام جرّار فهو يُخبرنا بأن الامانة تتراوح بين حفظ وأداء ولكن لم يُخبرنا حفظ لماذا وهذا هو المهم تقصيه ومعرفته … ولكن فهو كالكثير من علماء الأُمة والذين يزعمون بأن المقصود بها هي التكاليف، ويُخبرنا الشيخ جرّار بأن الأمانة لم تُعرض على الإنسان بل كُلف بها، ويُخبرنا بأن الإنسان حمل الأمانة لأنه يملك الإستعدادات أي فهو بالقادر على حملها وبأن قوله تعالى بأن الإنسان كان ظلوماً جهولا هو مدح له وتعظيم له وليس تحقير وذم، ولكن فهذا الزعم فيه تضليل للحقيقة القرآنية المُراد بها وكان عليه التمهل قبل أن يبدأ بالتسويق لهذه الفكرة الخاطئة، فكيف يكون الظلم مدح ولقد حرمه الله على نفسه ونهانا عن ظلم أنفسنا أو ظلم الآخرين، ولو كان قد كلفه الله بالأمانة كما زعم شيخنا الكريم وأخبرنا الله بأن بِحمله لها كان بالظلوم إذن فهذا يقودنا على أن الظلم كان قد أوقعه الله عليه ولم يكن قد جلب الظلم على نفسه من نفسه وبالتالي هذه مصيبة كبيرة لأن الله لا يظلم مثقال ذرة فكيف يحمله الله للأمانة ويُكلفه بها ثم يصفه بالظلم أي بالظالم لنفسه فمن المسؤول عن الظلم إذن حسب ما ذهب إليه الشيخ وهذا غير معقول
كما ويُبلغنا الشيخ الكريم بأن الله أوجد في الإنسان الإستعدادات الهائلة والتي لا تُطيقها السماوات والأرض وتضعف أمامها وبأن الإنسان لا يُقَدِر طاقاته ويجهل حقيقة خلقه، ونحن نتفق معه هنا فقط إذا كان يُشير بالتحديد على آدم عليه السلام، ولكن فإن ذِكر الإنسان في الآية الكريمة وليس آدم بالتحديد كان يُعبر عن الهوية الإنسانية كجنس والتي يجب علينا تقصيها منذ حداثتها والتعرف على تحولها من ذات جهولة إلى ذات عليمة والتفريق بين الإنسان البدائي الجاهل والإنسان الآدمي ذو المعرفة والإدراك، كما وأن الأمانة لا تعني التكاليف لأن التكليف يأتي مع الأمر خاصة إن كان من عند الله جل وعلا أما الأمانة فهي كُل ما يُراد إيداعه أو عهده “اي فهي العهدة أو الوديعة”، ومن تُعْهد عنده الأمانة أو يُؤمر بحفظها أو يكون قد كَلَّف نفسه بها يكون قد وقع عليه التكليف أو أوقعه على نفسه وبالتالي لزم عليه الحفظ والإداء للأمانة، فالتكليف بها شيء والأمانة والتي يُراد التكفُل بها شيء آخر، ولكننا نلتقي مع شيخنا الفاضل على أن الإنسان كان قد كُلِف بها ولكن ليس هذا الإنسان البدائي والذي هو ظلوماً جهولا والمُشار إليه في الآية الكريمة فهذا الخلق الأولي كان بأن أوقعها على نفسه من دون تكليف بها وبالتالي حمَّلها لنفسه على العكس من آدم والذي كلَّفه الله بها، وبالتالي بقي تفسير شيخنا للأمانة غير مُكتمل ولا يفي بالغرض المطلوب ولذلك نقول بأن مثل هذا التسّرع في التفسير وعرضه على الملأ بهذه الصورة الموسَّعة والجريئة وبدون تحفظ قد يتسبب في كثير من المغالطات والتناقضات والتي ستزيد من الحيرة والتخبط بين الناس
أما إذا تناولنا تفسير آخر وهو للشيخ والعلامة الكبير محمد متولي شعراوي لرأينا بأن له هو الآخر مفهوم آخر للأمانة والذي نختلف معه فيه أيضاً، فالشيخ الكريم يُفسر قوله تعالى “وحملها الإنسان” على أن الإنسان كان قد رَضِيَ بها وقال “أنا أحملها” ويعني ذلك بانه خُيِّر بحملها ورضي ولكن بدون أن يقدم لنا الدليل القرآني على ذلك، وعرَّف الأمانة ضمنياً على أنها رِضا الإنسان لأن يبقى الإختيار معه في جُزيئات العقيدة والإيمان، فإن شاء أن يؤمن يؤمن وإن شاء يكفُر يكفُر، وإن شاء يطيع يطيع وإن شاء يعصي يعصي، إذن فالإنسان أجل إختياره للأحكام المفردة ..  أي وكأن الشيخ أراد لأن يقول بأن الإنسان وضع ذاته تحت عبء ما يتخذ من قرارات تتعلق بمصيره
ولكن فإن المُشكلة في تفسير شيخنا الكريم هو زعمه بأن الإنسان رضي بحملها ولأن يبقى الإختيار معه في جزيئات العقيدة والإيمان وهذا نختلف معه فيه وذلك يعود لأمرين أولهما: هو فشل شيخنا الكريم في التعريف على أن الأمانة هي حفظ الذات، وثانيهما: وهو لأن حمل الإنسان للأمانة كان نتيجة عدم طاعة الإنسان لأمر الله وليس نتيجة رضاه بحملها فهي في الأساس لم تعرض عليه فكيف كان قد قبل بحملها، فعصيانه هو من تسبب في فشله لأن يُبقي على ذاته في مأمن عند الله وبالتالي كلّف نفسه بحملّها أي حملّها لنفسه
أما إذا تناولنا تفسير آخر للشيخ والعلامة الكبير محمد متولي شعراوي لرأينا بأن له هو الآخر مفهوم آخر للأمانة والذي نختلف معه فيه أيضاً، فالشيخ الكريم يُفسر قوله تعالى “وحملها الإنسان” على أن الإنسان كان قد رَضِيَ بها وقال “أنا أحملها” ويعني ذلك بانه خُيِّر بحملها ورضي ولكن بدون أن يقدم لنا الدليل القرآني على ذلك، وعرَّف الأمانة ضمنياً على أنها رِضا الإنسان لأن يبقى الإختيار معه في جُزيئات العقيدة والإيمان، فإن شاء أن يؤمن يؤمن وإن شاء يكفُر يكفُر، وإن شاء يطيع يطيع وإن شاء يعصي يعصي، إذن فالإنسان أجل إختياره للأحكام المفردة ..  أي وكأن الشيخ أراد لأن يقول بأن الإنسان وضع ذاته تحت عبء ما يتخذ من قرارات تتعلق بمصيره
ولكن فإن المُشكلة في تفسير شيخنا الكريم هو زعمه بأن الإنسان رضي بحملها ولأن يبقى الإختيار معه في جزيئات العقيدة والإيمان وهذا نختلف معه فيه وذلك يعود لأمرين أولهما: هو فشل شيخنا الكريم في التعريف على أن الأمانة هي حفظ الذات، وثانيهما: وهو لأن حمل الإنسان للأمانة كان نتيجة عدم طاعة الإنسان لأمر الله وليس نتيجة رضاه بحملها فهي في الأساس لم تعرض عليه فكيف كان قد قبل بحملها، فعصيانه هو من تسبب في فشله لأن يُبقي على ذاته في مأمن عند الله وبالتالي كلّف نفسه بحملّها أي حملّها لنفسه
وأما الدكتور عدنان إبراهيم فله قول آخر في الأمانة بحيث يُشير عليها على أنها الإختيار ولكن مع أنه كان الأقرب لكشف الضبابية عن معناها ألا أنه أخطأ في قوله هذا وسُنجيب عليه من خلال مادة هذا البحث المُطوّل
لقد قال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة في “تفسير ابن كثير”  6 / 489
” وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عُوقِبَ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا مَنْ وفق اللَّهُ”
وقال الشنقيطي في “أضواء البيان” 36/ 139
” ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإباء والإشفاق كله حق، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكا يعلمه هو جل وعلا، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت أي: خافت
كما وأن تفسير الأمانة على أنها التكاليف الشرعية “الفرائض” كان قول ابن عباس والحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وابن زيد وأكثر المفسرين، فلقد  روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا: الأمانة هي الفرائض التي افترضها الله تعالى على عباده
  وقال ابن عمر: عُرضت على آدم الطاعة والمعصية وعُرّف ثواب الطاعة وعقاب المعصية، قال: والذي عندي فيه أن الأمانة ههُنا النيّة التي يعتقدها الإنسان فيما يُظهره باللسان من الإيمان ويؤديه من جميع الفرائض في الظاهر
وقال الطبري في تفسير الطبري 20 / 342  وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله: (عَرَضْنَا الأمَانَةَ) بعض معاني الأمانات لما وصفنا
وقال القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن” 14 / 252
” الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور
وقال السعدي “في تفسير السعدي” صفحة 547
” جميع ما أوجبه الله على عبده أمانة، على العبد حفظها بالقيام التام بها، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين، كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما، فعلى العبد مراعاة الأمرين، وأداء الأمانتين – إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها
وقال قتادة: الأمانة هي: الدين والفرائض والحدود، وقال زيد بن أسلم الأمانة ثلاث: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة … وقيل: المقصود بالأمانة في هذا الموضع هو أمانات الناس
وبالتالي فهذه بعض من التصورات لمعنى الأمانة كما ذهب إليها العلماء
إذن فلقد اختلف العلماء والمفسرين بمعنى الأمانة واحتاروا بها، وكذلك اختلفوا بكيفية حمل الإنسان لها فمنهم من زعم بأن الله كلفه بحملها، ومنهم من قال بأنها عُرضت عليه فرضي وحملها بإختياره، ولكن ماهو الصواب إذن
وللإجابة الصحيحة والمختصرة على ذلك نقول بأن الأمانة هي حفظ الذات .. وأما عرضها فهو التخيير بحملها .. وسنقوم بتوضيح ذلك بعون الله

 

 

 الأمانة وحمل الإنسان لها
يقول الله تعالى “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”  سورة الأحزاب  72
فبعد التدبر في الآية الكريمة اعلاه نُلاحظ بأنها احتوت على عدة أمور
أولها: الأمانة وعرض التخيير بحملها وفي ذلك كان قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ
ثانيها: إمتناع وتخوف السماوات والأرض والجبال من حملها وفي ذلك كان قوله تعالى: فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
ثالثاً: بان عرض الأمانة كان قد اقتصر على السماوات والأرض والجبال أي من هم أكبر خلقاً من الإنسان وفي ذلك كان قوله تعالى “لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” سورة غافر 57
وقوله تعالى “وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا” سورة الإسراء  37
رابعاً: وهو بأن الإنسان هو من حمل الأمانة وذلك على الرغم من أنها لم تُعرض عليه وفي ذلك كان قوله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
إذن فالإنسان وعلى الرغم من أن الأمانة لم تُعرض عليه هو من قام بحملها ولكن
أولاً: هل خُيّر الله الإنسان بحمل الأمانة
ثانياً: أم هل كلّف الله الإنسان بحمل الأمانة
ثالثاً: أم هل حمل الإنسان الأمانة من نفسه
إن أول ما سنبدأ به في بحثنا هذا هو التعريف بالأمانة حسب اللسان العربي الذي أُوحي به القرآن، قال تعالى “فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا” سورة مريم  97. وقال تعالى “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ” سورة الشعراء  195.  وقال تعالى “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” سورة يوسف 2. وذلك حتى يتسنى لنا فهم ولو مبدئي لحقيقة ماذا أراد الله بالأمانة في الآية الكريمة من سورة الأحزاب
إن الأمانة هي كل ما يودع أو يدفع به بغرض الحفظ والإتمان ولذلك فهي ليست محصورة بشيء بعينه والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها
 نأخذ قوله تعالى “وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا”  سورة آل عمران  75، فمن هذه الآية الكريمة كُنّا قد تعرفنا على أن الأمانة مُمكن لأن تكون هي المال
وقوله تعالى “قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ” سورة النمل 39، حيث وفي هذه الحادثة كان العفريت أمين على عرش بلقيس وبالتالي فالأمانة هنا هي عرشها
وقوله تعالى “أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ” سورة الأعراف  68، أما الأمانة هنا فكانت هي رسالات الله التي حملها هود عليه السلام لقومه عاد
ويُمكن للأمانة لأن تُشير على النفس الإنسانية والمثال على ذلك نأخذه من قصة يوسف عليه السلام
قال تعالى “قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ”  سورة يوسف 11
 فالأمانة هنا كما نرى كانت يوسف عليه السلام .. إذن فالأمانة هي الوديعة والتي قد تأتي على عدة أشكال كما هو واضح مما استشهدنا به من الآيات الكريمة أعلاه وبالتالي إذن فإذا طُلب من الإنسان الحفاظ على نفسه فهو يؤتمن على ذاته وتكون الأمانة هي حفظه لذاته ونفسه الإنسانية ومثال لغوي عامي يمكن لان نأخذه من قولنا “خد بالك من نفسك” أو “دير بالك على حالك” و”انتبه من نفسك” وهذا كُله يُقصد به توكيلك بحفظ ذاتك، فكل شيء يؤتمن عليه إذن هو أمانة وهذا يشمل على الأسرار والعبادات بأنواعها كلها التي يؤتمن عليها الإنسان ويُكلّف بحفظها ..  ولكن فما هو المقصود بالأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال وحملها الإنسان والتي أشار الله عليها في الآية الكريمة من سورة الأحزاب .. والتي لا بد لنا لأن نتعرف عليها خصوصاً لأن في حمل الإنسان لها وصفه الله بالظلوم والجهول
يقول الله “إنا عرضنا الأمانة” .. ولكن ماذا يعني عرض الأمانة
إن أحد معاني العرض في لسان العرب أو الغرض منه هو بيان الشيء من أجل التعرف على قياسه وحجمه، ومن معانيه أيضاً هو بيان الشيء لغرض إظهاره وإبرازه وجعله جلي وواضح ومرئي أو مفهوم فيوضع بين يدي المعروض عليه ليتحقق منه ويدرسه ويتأمله ويُعاينه ويُقدره ويُقيمه ويُثمنه ويتعرف عليه ومن ثم يخلص إلى نتيجة لربما تنسجم وتتوافق أو لا تتوافق مع مُراده وحاجته أو فطرته وواقع خلقه، ويكون العرض في العادة إما عن طريق العرض بالعين والقول معاً أو العرض بالعين أو العرض بالقول كل على حده، وللتعرف على ما المقصود بالعرض فلابد من التحقق من النص وتدبره
إن من الأمثلة على العرض هو ما يُمكن لأن يكون ( بالعين وبالقول ) معاً
كما في قوله تعالى “وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ”  البقرة 235
وقوله تعالى “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” البقرة 31
وقوله تعالى “وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ”  الأعراف 169
وقوله تعالى “لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ”  التوبة 42
ومن الأمثلة على العرض ايضاً هو ما يُمكن لأن يكون ( بالعين ) فقط
كما في قوله تعالى “إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ”  ص 31
وقوله تعالى “وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا”  الكهف 100
وقوله تعالى “وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ”  الشورى 45
وقوله تعالى “وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ”    الأحقاف 20
وقوله تعالى “وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِالْحَقِّ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ”  الأحقاف 34
وقوله تعالى “يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ”   الحاقة 18
ومن الأمثلة على العرض أيضاً هو ما يُمكن لأن يكون ( بالقول ) فقط
ومنه ما يُشير على السعة: كقوله تعالى “فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ” فصلت 51
وقوله تعالى “وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ”  آل عمران 133
ومنه ما يُشير على متاع الحياة الدنيا: كقوله تعالى “تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”  الأنفال 67
وقوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”  النساء 94
وقوله تعالى “وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”  النور 33
ومنه أيضاً ما يُشير على التخيير: كقوله تعالى “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”  الأحزاب 72
وهذا سنأتي عليه وسنعمل على توضيحه
.
الإسلام لله أو سُنة التسليم التي فطر الله عليها الوجود الكوني
لقد جعل الله سُنة التسليم الكوني او “الإسلام له” أصل لكل شيء مخلوق
قال تعالى “وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ”  آل عمران 83
وقال تعالى “وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ”  الرعد 15
وقال تعالى “وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ”  الإسراء 44
وقال تعالى “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ” النور 41
 وقال تعالى ” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ..”  الحج 18
إذن.. فالوجود الكوني المتمثل في السماوات والأرض وما فيهن من مخلوقات كُلها تخضع لأمر الله سواء كان ذلك في فيزيائية تكوينها أو في وظيفة عملها وبذلك فهي إذن تستجيب وتخضع لله وتُسلِم إليه ذاتها سواء اختارت لأن يكون ذلك بإرادتها وخيارها أو لأن لا يكون، وبما أنها جميعها تُسبّح بحمده وتسجد له على الدوام فذلك إذن يدُل على أنها خلقت لذلك وبالتالي فإن ما في هذا الكون من المخلوقات هي كُلها مُسلمة لله ومُسخرة لعبادته
عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال وعلاقة ذلك بسنة التسليم
قال تعالى  “ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين” فصلت 11
لقد أطلعنا الله على أنه كان قد خيّر الوجود الكوني المتمثل بالسماء والأرض “عندما كان الكون لا يزال في المراحل البدائية والأولية للتكوين كما هو واضح لأن السماء كانت لا تزال عبارة عن دخان كوني أي لم تكُن قد تشكلت بعد أو جُعِلت سبع سماوات” لأن يأتيه بطوعه أو يأتيه مُكرهاً أي على كلا الحالتين هو لأن يُسلم نفسه لخالقه فكان على الرغم من تخيير الله للسماء والأرض للإتيان بطوعهن ألا أن استعمال الله لقول ” أو” وتوسُطِها بين قوله تعالى “ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا” لم تترك مجالاً للشك بأن أمر الله نافذ أي لم يترك الله من مُراد ومشيئة سوى خيار العبودية والتسليم والطاعة لأن المخلوقات مًسخرة بطبيعتها المخلوقة لأمر الله، والخيار الذي منحه الله للسماء والأرض كان من أجل أن يُعطيهن الفرصة لإختيار الطاعة والتسليم له وحده بإرادتهن الحُرة التي منحهن إياها فيأتوه خاضعات وعابدات، وبالتالي فكان الأمر بغرض بيان حقيقة أسلمة واقعهن الفطري لمن بيده الخلق والأمر
قال تعالى “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ”  الاعراف 54
إذن فلقد كانت مشيئة الله تقتضي بوجوب الطاعة والتسليم أي لأن يكون كل ما في عباده ومملكته خاضع ومُسلم لأمره سواء كان برضاه ومن ذاته وخياره أو مرغماً على ذلك، ولكن والملاحظ بأن الله لم يأتي على ذكر الجبال في بداية الخلق “فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا” حيث دفعنا هذا للتساؤل لماذا شمل عرض الأمانة على الجبال إذن كما في قوله تعالى “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ” حين أن الجبال كما هو واضح لم تُخيّر منذ البداية والجواب على ذلك نعثر عليه في
 قوله تعالى “قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) سورة فصلت
إذن فلقد كان أول ما بدأ الله فيه من الخلق هو خلق الأرض كما أخبرنا في كتابه الكريم “وذلك على العكس مما يدعيه علماء الغرب في نظرية الإنفجار الكبير وهو خلق السماوات اولاً ومن ثم خلق الأرض وهذا سنأتي عليه في الفصل الثاني من صفحات من رسالة الله – الحياة وخلق الكون، فكان بان خلق الله الأرض ثم ألحق بذلك جعل، وكان هذا الجعل هو للرواسي والتي أخرجها الله من باطن الأرض لتعمل على استقرارها وثباتها فجعلها الله من فوقها، فقال “وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا”… فأدخل الله الجبال والتي تعمل على استقرار الأرض وثباتها في إكتمال عملية بناء الأرض فبات ظهورها على المسرح الكوني مُكمِل لخلق الأرض والذي سبق خلق السماوات وخلق الإنسان ولذلك فلقد شمل عليها عرض الأمانة من خلال مرحلة تكوين الأرض
وبالرجوع للأمانة والعرض فإننا نرى في تدبرنا للآية الكريمة من سورة الأحزاب وقوله تعالى
إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”  الأحزاب 72.  بأن عرض الأمانة أتى على صورة لفعل القول والذي أُريد به التخيير بحمل الأمانة لا الأمر أو التكليف بحملها كما ذهب إليه بعض العلماء ويمكننا الإستدلال على ذلك من خلال
اولاً: الآية نفسها وذلك من عدم رضا السماوات والأرض والجبال بحمل الأمانة، فلو كان بأن أوقع الله الأمر عليهن وكلفهن بحمل الأمانة ولم يُخيرهن بحملها لما كان للسماوات والأرض والجبال خيار بحملها بل كان أمر قد اقتضى الوجوب والدليل على ذلك هو قوله تعالى “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” يس 88، فإجتماع إرادة الله والمتمثلة بقدرته لتحقيق مشيئته، أي “إِذَا أَرَادَ شَيْئًا” فيه دليل مؤكد على إيقاع الوجود والوجوب على الشيء “يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”.. وبالتالي فلا يمكن للسماوات والأرض والجبال لأن يرفضن أمر الله وهذا أمر لا رجعة فيه، إذن فالبديل عن الأمر بالنسبة للعرض هو التخيير وبذلك يكون الله هو من سمح بذلك وأجاز لهن حرية القبول بحملها أو الإمتناع عن ذلك من خلال الإرادة الحرة لا الأمر والتكليف
ثانياً: الإضافة والتي أتت بغرض التوضيح وهي في نفس الآية الكريمة والتي نستمدها من معنى الإشفاق .. فمن معاني الإشفاق حسب لسان العرب هو الشعور بالخوف وكما هو معلوم بأن فعلي الخوف والحذر هي افعال وقائية وبالتالي كانا قد تسببا في عدم الرضا بحمل الأمانة، إذن فلقد كان في إشفاقهن خوفهن مما سوف سينتهي إليه حالهن إذا حملنها وفي ذلك تعبير واضح عن امتلاكهن للإرادة الحُرة وحرية الإختيار وإلا لم يكن بإمكانهن لأن يأبين حملها، وبالتالي فلقد كان عدم رضاهن بحملها هو إستجابة لواقعهن الخلقي وفطرتهن الإختيارية التي خلقهم الله عليها وهذا يؤكده قوله تعالى “ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” سورة فصلت 11
بالإضافة إلى أن التخيير لا التسيير كان في غاية الوضوح وذلك من خلال قوله تعالى “ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا” حيث قدّم الله الإتيان بالطوع “أي بالخيار” على الإتيان بالإكراه هذا من جهة، وإستجابة السماء والأرض لأمر الله بالخضوع والتسليم بطوعهن وخيارهن لا مكرهين على ذلك “قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” اي اختارتا طريق الخضوع وأسلمة كيانهن المخلوق لأمر الله من جهة أُخرى
إذن فالله كان قد خلق هذا الكون وخيّره وذلك حتى يُسلم له أمره من ذاته وليس مُكرهاً على ذلك .. فكان تسليم وإتمان طوعي على الذات مبني على الفطرة السوية وبالتالي فلم يكُن في إمتناع السماوات والأرض والجبال عن حمل الأمانة معصية أو مخالفة لأمر الله بل انسجام مع فطرة التسليم لله عز وجل، فأبت السماوات والأرض والجبال حمل الأمانة أي البقاء على ذاتها بدون مُدبر يدبر أمرها ويحفظها ويُسيّرها فاستسلمت لحقيقة فطرتها المسيّرة
مفهوم الإسلام وتوافق حقيقته كدين مع سنة ومنهاج التسليم الكوني اي لماذا سُمي الإسلام بهذا الإسم وما معنى ذلك
 يقول الله تعالى في كتابه الكريم  “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ”  آل عمران 19
ويقول “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ”  آل عمران 85
ويقول “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”  المائدة 3
إذن فمن الواضح بأن دين الإسلام هو الدين الوحيد الذي اراده الله وارتضاه ليكون طريق حياة الناس ولن يتقبل منهم دين غيره
إن قول تعالى “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” وقوله “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” كان قد أثار اهتمام وفضول المسيحيين وغيرهم من اصحاب الديانات الأُخرى واصبحوا ينتقدون دين الإسلام  ويهاجمونه ويزعمون بأنه دين سلطوي وإملائي واحتكاري ولا يراعي مشاعر أصحاب الديانات السماوية الأُخرى ولا يتقبّلهم، وزاد من حساسيتهم هذه تعاطف بعض المسلمين خاصة العلمانيين منهم وضعيفي الإيمان والذين هم في العادة ممن يسيرون على قاعدة خالف تعرف أو من كان له صديق أو جار أو زميل في العمل من اتباع الديانات الأخرى فشعورهم بالحرج ناتج عن عدم قدرتهم لفهم معنى قول الله تعالى بأن الدين عند الله الإسلام وبالتالي تراهم يتسائلون لماذا الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده على وجه الخصوص وليس مثلاً المسيحية أو اليهودية أين عدالة الله خاصة وأنها كلها ديانات سماوية ومتساوية بمصدر وحيها .. فلماذا إذن يجب على الإنسان لأن يكون مسلماً حتى يدخل الجنة
فيديو بعنوان: هل الجنة للمسلمين فقط
ولكن مهلاً وقبل المضي بالحديث عن سنة التسليم أو الإسلام لله والذي سمى الله به دينه الذي اعتمده ديناً للناس علينا لأن نوضح لأنفسنا ما معنى الدين ثم بعد ذلك نأتي على ما معنى أن يكون الدين هو الإسلام على وجه التحديد ولماذا خصه الله بذلك ولن يتقبل من الناس دين غيره وماهو معنى أن يكون الشخص مسلم لله
قال تعالى “وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا”   سورة النساء 125
 وقال تعالى “أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ..”   سورة الزمر   22
وقال تعالى” ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين”  سورة  فصلت 33
لقد منح الله الناس الحرية التامة في معتقداتهم فقال “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر” وقال “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” وقال “وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ”  ونهى عن إجبار الناس على التدين بدين الإسلام أو غصبهم عليه مُكرهين فقال: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”
 إذن فمن الواضح بأن الله يحرص على الحريات الدينية ويُصرح بها لمعتقديها ومُعتنقيها وبالتالي فالناس ليس مُكرهين لأن يكونوا مُلسلمين لله بل فهم يمتلكون الإرادة الحرة في إختيار ما يشاؤون من دين يتدينون به خاصة بعد أن بيّن الله لهم الرشد “طريق الصواب” من الغي “طريق الخيبة والمصحوب بالضلال”، ولكن فلماذا نرى بأن الله يُخبرنا في كتابه الكريم بانه لن يتقبل من الناس دين غير دين الإسلام …. ولماذا يتعارض هذا القول الرحماني مع زعم الكثير من علماء المسلمين بوجود ثلاثة ديانات سماوية … فهل يُعقل لأن يكون الله قد سمح بوجود ثلاث ديانات سماوية أنزلها من عنده وبنفس الوقت لن يتقبل من الناس سوى الإسلام وكيف يفسر علمائنا هذا التناقض
في البداية وقبل أن نُجيب على قوله تعالى بأن الدين عنده هو الإسلام وماذا يعني ذلك، دعونا نتساءل بهل فعلاً أنزل الله الديانات السماوية الثلاثة من عنده وللإجابة المختصرة نقول بأنه لا يوجد هنالك أي دليل على تعدد الديانات السماوية أو حتى الإشارة إليها سوى دين الإسلام والذي خصّه الله بالذكر ولم يُشر على المسيحية “أو النصرانية” أو اليهودية على أنها ديانات سماوية منزلة من عنده، ولكن أخبرنا الله بأنه انزل الله الكتب السماوية والتي أشار على بأسمائها أي التوراة والإنجيل والقرآن والتي وعلى الرغم من اختلاف تسمياتها أتت كُلها تدعوا إلى التوحيد والتسليم لله أي الإسلام له
ما هوالدين وكيف نفهمه
 إن من المتعارف عليه حين نأتي على تفسير معنى الدين بأن نقول بأنه طريق الحياة الذي يسلكه الناس في تدبير أمور حياتهم المعيشية والحياتية والروحية كمجموعة أو أفراد، ولكن ما حقيقة معناه وكيف نفهم ما هو الدين
إن الدين بالمفهوم اللغوي هو كُل ما يُدان به الشخص أو يُدين به غيره، والدين في العادة يكون دين لك أو دين عليك أي أن تكون انت الدائن صاحب الحق أو أنت المُدان أي عليك الحق
ولكن ماذا يعني قوله تعالى بأن الدين عند الله الإسلام وبان الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للناس ولن يقبل منهم دين سوّاه، وللإجابة على ذلك نقول بأن الله هو من اختار لأن تكون سنة التسليم هي ما قدّر على الإنسان ولذلك فعلى الإنسان لأن يأتي الله مُسلماً له الدين، فالمسلم / والمسلمين هم من يُدينون بدين الإسلام وهم من عبدوا الله بإسلامهم له أي أسلموا إرادتهم الإختيارية له بطوعهم وبذلك أصبحوا يتفقون مع ما فطر الله عليه هذا الكون من سنة التسليم وقوله ” وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ” .. وبالتالي فحين يكون الدين هو طريق الحياة الذي يتخذه الناس في عبادتهم لله فهو يُشير على أعمالهم التي يُدانون بها أو تُدينهم، وحين يقول الله بأن الدين “عند الله” الإسلام فإن ذلك معناه بأن ما تُدان به من عمل هو حسب مشيئة الله وإرادته للتسليم “التسليم لعمل الخير واجتناب الشر” فيحكم الله عليهم ولهم من خلال الأسلمة الخالصة له وحده اي بالعبودية المطلقة لأمره، قال تعالى “مُخلصين له الدين حنفاء ويقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وذلك دين القيمة” وبالتالي فإن قول الله تعالى “إن الدين عند الله الإسلام” يعني أن تُدان حسب سنة التسليم التي كتبها الله على كل شيء
وبالتالي فالإسلام هو دين أتى ليسلم به الناس جميعاً إرادتهم لخالقهم ويأتمنوا على أنفسهم عنده من الشر فكان هذا هو التحدي الأكبر للناس وهذا فيه دلالة على عالمية رسالة الإسلام كدين فهي خارج اطار التبعية لرسول أو نبي ما بل هي تنسجم مع التسليم المطلق لإرادة الله .. وهنالك الدلائل الكثيرة على عالمية رسالة القرآن والتي عبّر الله عنها بكل وضوح كما في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، وقوله: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
أما أصحاب الرسالات السماوية فمنهم موسى فهو أتى مخلصاً لبني إسرائيل وفرعون وقومه فقط، وكذلك المسيح فلقد أتى “لخراف بيت اسرائيل وحدهم من دون الناس .. وأتى لخاصته وخاصته لم تقبله كما أخبرنا في كتابهم المقدس وهذا سنأتي عليه .. وبالتالي فلقد كانت رسالاتهم محدودة وتخص بني إسرائيل وفرعون وملأه فكيف تقاس بعالمية رسالة الإسلام والتي أتت لتدعوا الناس كافة لإسلام إرادتهم لله تماشياً مع سنة التسليم الكونية .. فدين الإسلام لله ليس دين محدود بقوم أو منطقة جغرافية أو عرقية أو زمنية أو مكانية بل يتعدى كل الحدود العرقية والإجتماعية والجغرافية  فهو استمرار لدعوة التوحيد والتسليم للخالق ولذلك لم يقل الله عن رسالاتهم التي حملوها لبني اسرائيل على أنها رسالات عالمية أو تحقق مبدأ التسليم للناس كافة
بل أنه الإسلام لله هو وحده الذي يختلف عن باقي الديانات الأُخرى لأنه يتفق مع سنة التسليم لله أما الديانات الأُخرى فمنها من يتبع المسيح حتى ولو على ضلالة ويسمى دينهم بإسمه، ومنهم من يتبع اليهودية كدين له ويسمي اسمه بإسم أحد حاخاماتهم أو بيهوذا ابن النبي يعقوب وأحد أسباط بني إسرائيل أو حسب تراثهم وسكنهم في يهودا “وهم لا زالوا مختلفين في ذلك”. فالإسلام والمسلمين هم ليسوا محمديين بل هم اتباع ما أوحي له من سنة التسليم كنهج وسنة اختارها الله وارادها من جميع خلقه ولذلك فهي رسالة عالمية للبشر لا تعرف اللون أو العرق أو الجنس .. فالناس سواسيه عند الله فهم يتساوون ويحاسبون حسب اسلامهم له بعمل الخير والذي هو مطلوب لأن يتبنوه على ارفع المستويات الخلقية “إن أكرمكم عند الله أتقاكم .. أي من تسلح بتقوى النفس فوقاها من عمل الشر والمنكر والمعصية فهو من سيكرمه الله ويرفعه ويقدمه على غيره
إن الله هو “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” الفاتحة 4.  ولقد أشار الله عليه بيوم الدين لأن في ذلك اليوم يدين الله به العباد، قال تعالى إن “وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ الدِّينِ” الصافات 20. فيحكم الله على ما كانوا قد دانوا به في اسلامهم، قال تعالى “الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” غافر 17. فيكون مصير المؤمن منهم الذي أمِن على نفسه عند ربه وكان قد أسلم له حياته بالطاعات فعبده من خلالها بأن يُدخله الله في عباده وجنته أما من كفر فسيكون مصيره النار
   –
دين الإسلام واكذوبة تعدد الديانات السماوية
إن العديد من كبار علماء وفقهاء الأمة والدعاة والذين نحترمهم ونستفتيهم ونعمل بمشورتهم نراهم يجزمون ويؤكدون على ضرورة إحترام الديانات السماوية ويشجعون ويُشاركون بحوار الديانات وذلك بغرض التقريب من وجهات النظر والعمل على تنمية مظاهر المودة والألفة فيما بين كل من المسلمين من جهة والكتابيين من مسيحيين ويهود من جهة أُخرى، ولكن للأسف فإن الكثير من كبار علماء اليوم هم ممن ورثوا علم الآخرين واكتفوا به وتعلموه وتناقلوه دون تجديد أو تحديث أو إجتهاد، سامحهم الله، فلقد كان الأجدر بهم لأن يحثوا المسلمين على قراءة وفهم وتحليل كل من التوراة والإنجيل وباقي كتب أهل الكتاب وذلك حتى يتفهموا طبيعة وخلفية وحقيقة معتقداتهم الغبية والسخيفة والمزيفة والتي تخلوا من وحي السماء
نعم فلقد كان من الضروري التعرف على الديانات السماوية التي سبقت الإسلام منذ وقت طويل، ولكن العفو والمعذرة فلقد تعمدت لأن أُخطيء التعبير حين قلت ديانات سماوية لأن هذا له خطأ فادح نقع به كل يوم ويقع به حتى كبار علمائنا واساتذتنا وأولي الأمر منا، فهو لا يستند على أرضية حقيقية وواقعية وذلك نتيجة عدم تعدد الديانات السماوية أبداً، إن من المؤسف وهو بأن بعض من الشيوخ والدعاة لا يفرقون بين التوحيد وبين الإسلام وهنالك من لهم تسجيلات الفيديو على اليوتوب وهم يفسرون الإسلام على أنه التوحيد وهنالك الآخرين والذين يفسرون الإسلام على أنه ما شمل على اركان الإسلام الخمسة ويعود على من أدى الشهادة وأقام الفرائض بدون فهم حقيقي لأبعاد مفهوم الأسلمة الحقيقي والذي يجب أن يتماشى مع سنة التسليم في كل ما يتعلق بالحياة ومعانيها الكونية
كما أن الإيمان هو الشعور بالأمان الذي يحققه التصديق والتسليم بالله على أن الله هو المؤمن عليه وبالتالي فالله هو وحده من سيحقق له الأمن والسلم والسلامة، ولكن كيف يكون القول بأن الله هو المؤمن وبنفس الوقت نقول بأن الإنسان هو من يجب عليه لأن يكون بالمؤمن وكيف نفهم ذلك أو ماذا يعني ذلك أي كيف تتقاطع كُل من تسمية الله بالمؤمن مع من هو بالمؤمن من الناس  …  وللإجابة على ذلك نقول بأن قول المؤمن حين يُشير على العبد يكون في العادة إشارة على كل من ارتبط إيمانه بالله فآمن بالله وصدقه بقلبه فطلبه ولجأ إليه يطلب الأمن عنده، وبنفس الوقت هو المؤمن على نفسه وسلامتها من خلال أسلمة طريق حياته لمشيئة الله وأمره فعبد الله وأطاعه بإختياره
أما الله والذي من أسماءه الحُسنى هو “المؤمن” قال تعالى “هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ”  الحشر 23
فهو في كلا الحالتين المؤمن على الإنسان عنده فهو من سمح للعبد لأن يؤمن به أي لأن يتخذ ربه مأمن يأتمن نفسه عنده وبنفس الوقت هو من بيّن للإنسان طريق الإيمان وذلك حتى يسعى ليؤمن على نفسه عنده .. وبالتالي فإن لفظ “المؤمن” هو من الألفاظ التي تحمل المرونة في استعمالها اللغوي فشملت على صفة القدرة الربانية على تحقيق الأمن وبنفس الوقت عرّفت على حال من طلب الأمان عند ربه
لقد كان حين عرض الله الأمانة وأبت السماوات والأرض لأن يحملنها وأسلمتا له بأن كان الله هو المؤمن عليها وهكذا يكون الحال بالنسبة للإنسان المخير والذي يختار الإيمان على الكفر فيؤمن بالله أي يصدقه ويسلّم له بالعمل والطاعة وبذلك يكون قد اختار لأن يؤمن على نفسه عند ربه وبذلك يكون الله هو المؤمن عليه
لقد كان على الرغم من بقاء الإنسان حر طليق يملك قراره بيده ألا أن الله أبتلاه بالغريزة تغذي فؤاده وتوسوس في عقله وتحرك كيانه وبذلك حمّله مسؤولية تبعات أعماله اللاأخلاقية .. فجعل الله من شروط أن يتقبله لأن يصدق نفسه ويُنزهها عن فعل الغريزة اللا أخلاقي وبالتالي فحين يكون الإنسان مؤمن فهو يكون قد إختار لأن يأتمن على حُسن خُلُقه وبالتالي يعمل ليودع نفسه في مأمن عند الله خالقها، ويُعرف هذا السلوك بحفظ الأمانة وهو نقيض للكفر والذي فيه إخفاء وتستر وتغليف للحقيقة الإيمانية وللأمانة التي أراد الله منّا لأن نستودعها عنده ونُبقيها في الحفظ والصون، ولكن المؤمن بحاجة إلى منهاج للتسليم يخضع ارادته الحرة ويسلمها من خلاله، ولكن لا يكون هنالك تسليم أي لأن يكون الإنسان مسلم حتى يكون أولاً مؤمن فالإيمان هو شرط لحدوث التسليم، ولأن تؤمن هو لأن تأتمن على نفسك من خلال الشعور القلبي الصادق الذي يدفعك للعمل على ترجمة ذلك عن طريق التسليم “الإسلام لله” بالفعل والعمل وعندها يرد المؤمن نفسه إلى الله حتى يحفظها ويسلمها من الشر
يعتقد البعض بأن المسلم الحقيقي يصبح مسلماً لله “أي يُسلم إرادته لله” بمجرد نطقه للشهادتين وكأن هذا هو معنى الإسلام الحقيقي .. ونسوا بأن الله يقول
 قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ” الحجرات 14
إذن فعلى المسلم لأن يقصد ربه مخلصاً له الدين قبل أي شيء آخر، قال تعالى “قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ” الزمر 11. فيكون مُسلِّماً له نفسه ومؤتمناً على نفسه عنده ومتيقاً بأن الله هو إله الخير والسلام وإلا فلن يكون اسلامه كامل حتى ولو نطق بالشهادتين وأقام الفرائض الركنية من العبادات وحافظ عليها لأن ذلك لا يعني بأنه استوفى كل ما عليه من دين، قال تعالى  “إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا” لأن دين الإسلام هو دين التسليم أي ما هو قائم على مبدأ التسليم لله فيما تدين وفيما تُدان به من كل شيء، ولذلك فأن تسلم ولا تؤمن على نفسك وتعهدها عند الله فهذا لا يعد بالكافي … وبالتالي فلا يمكن للإسلام لله أو التسليم له لأن يسبق الإيمان به لان الإيمان هو التصديق المصحوب بالتسليم وبالتالي فعلى المؤمن في البداية البحث عن المأمن من الشر والذي لن يلقاه إلا في حفظ ذاته عند الله ربه وخالقه، فيؤمن مُصدِقاً به وبأن الله هو صاحب يوم الدين … وهو يوم للحساب يقع في صحن الغيب وخارج تقديرات حساباتنا الدنيوية
إن كل ما / ومن في هذا الكون العظيم قد أسلم لله طوعاً أو كرهاً وكذلك الإنسان فهو يمكن لأن يأتي الله مُسلماً بإختياره، أو كرها .. أي فهو حتى ولو لم يستجب لنداء التوحيد والإسلام فهو ومع ذلك خضع وإستسلم لقدر الله وسننه فهو مُسلم لكل ما في هذا الكون من وجود … وبالتالي أسلم بقدرة الله على إحياءه ومماته ورزقه ومعاشه وفي مرضه وضعفه وقلة حيلته وبذلك اسلم بوجود قدرة الله عليه في حياته وليله ونهاره وعبّر عن تسليمه بطرق مختلفلة سواء كانت من خلال التسميات المختلفة أو العبادات والشعائر والنُصب والتي صنعها بحثاً عن هذا التسليم لهذه القدرة العجيبة والتي أبقت عليه في خضوع وإستسلام حتى على الرغم من رفضه لأن يأتي الله مُسلِماً ومستسلماً ومسالماً ولأن يكون في سلام وآلفة وإنسجام مع ما كان قد فطره الله عليه وأمره به
قال تعالى “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَ‌ٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”  الروم 30
إذن فإن للإسلام مفهوم يشمل على كل من اسلم نفسه لله فعبده وأطاعه وفقاً لمنهج وسنة التسليم التي فطر الله عليها الخلق ولذلك فإن هذا القول القرآني اي بأن الدين عند الله هو الإسلام لا يخص من أسلم بعد بعثة محمد ونطق بالشهادتين معلناً اسلامه لرب العالمين وبالتالي فهم وحدهم من سيدخلهم الله الجنة من دون الناس لأن كل من أّمّن على نفسه عند ربه فقد أسلمها ولو جزئياً أيضاً وبالتالي فإن الإسلام ليس حصرياً على أتباع محمد من المسلمين بل فهو يشمل على كل من أسلم نفسه لإرادة الله من قبل ومن بعد بعثة النبي الكريم ونحن المسلمين أتباع سنة التسليم وتسميتنا بالمسلمين كانت قد سبقت نزول القرآن على الرسول الكريم .. فخليل الله إبراهيم هو أول من سمّانا مسلمين وذلك من قبل نزول رسالة القرآن على سيد الرسل بالآف السنين
قال تعالى “وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚهُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ”  الحج 78
إن دين الإسلام هو الدين السماوي الوحيد والذي إختاره الله لأهل الأرض منذ أن فُطرنا على التوحيد
فقال تعالى ” وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ” الأعراف 72
وأورثنا خلافة الأرض فقال ” أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ”  النمل 62
لقد جعل الله في إسلام الناس إرادتهم له عبودية طوعية ليسير عليها الناس حسب طريقه وصراطه المستقيم والذي فيه تبنيه يكون الناس قد امتثلوا وأسلموا لواقع حياتي عابد بكل أشكاله ومعانيه السماوية القائمة على أسس التسليم وبالتالي يقيم الناس سلام مع الله يصحبه تسليم وإستسلام وإنصياع وخضوع لأوامره وحدوده، فتطمئن وتستسلم النفس لخالقها ويُصبح الإنسان المسلم في سلام مع ذاته البشرية ومع ما يحيط بها ويتفاعل معها من إنسان ونبات وحيوان وحتى جماد،  فالإسلام هو دين الله الوحيد لهذا المخلوق الآدمي ولا دين له من الله سواه وبالتالي فلا سبيل غير ذلك لنا سوى بإقامة ميثاق للسلام مع الله ملتزمين بطاعة أمره فهو من أمرنا لأن نُسلم له
فقال ” قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)” سورة الأنعام
وقال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”  البقرة 208
حيث كان الغرض من أمر الله لنا للإسلام له والدخول في سنة التسليم كدين هو من أجل أن يخضع الإنسان لإرادة الله ويأتمن على نفسه عنده
إذن فلقد أكدت الحقيقة السماوية الموحاة على وجوب اتباع دين التسليم والذي ارتضاه الله ديناً للناس وعرّفه بدين الإسلام والذي أساس وقواعد بناءه العقائدي وجوهره هو التوحيد وفيه
قال الله تعالى  “وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ”  سورة المائدة 73
وقال الله تعالى ”فاعلم أنه لا إله إلاّ الله واستغفر لذنبك” سورة محمد 19
فالتوحيد هو عقيدة الإيمان القلبي بالله الواحد الأحد والمبنية على أُحادية وانفرادية الله المطلقة في الخلق والأمر، أما الإسلام فهو المنهج التطبيقي والعملي للتسليم لله وطاعته من خلال العمل الإختياري والمبني على عقيدة التوحيد، بالإضافة على أن الإيمان بالله بالله الواحد الأحد يغني الإنسان عن سائر علوم الدنيا لأن هذا يفتح له الباب على مصراعيه في التفكر في خلق الله وبيان قدرته والتعرف على حقيقة خلقه فيتقاطع ذلك مع حقيقة وجوده الحياتي والغرض من مسألة تكليفه وإبتلاءه
فإذا كان هذا هو ما أمرنا به الله تعالى فمن أين نسبوا إليه ديانات ثلاث ..  أما إذا كان خطأهم ناتج عن عدم فهم حقيقة الكُتُب السماوية والموحى بها من عنده فهي لم تكن تعني يوماً ديانات سماوية إنما كانت رسالات سماوية حملت مضمون واحد منسجم ومتوافق ومُتحد في الدعوة الحصرية والهادفة للتوحيد الخالص والمصحوب بالأسلمة الشاملة والجامعة والمُطلقة إلى الله
قال تعالى  “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ”  سورة البقرة  146  …. وقال تعالى  “الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ”   سورة البقرة  147
حتى وعلى الرغم من شرك أهل الكتاب وكفرهم، وعلى الرغم مما أصاب كُتُبهم من التحريف ألا أنها لم تخلوا من ذكر التوحيد والذي بقي شاهداً عليهم ومثال على ذلك نراه في سفر أشعياء من الكتاب المقدس وفيه يقول
 الكتاب المقدس ” أُذكروا الأوليّات مُنذُ القديم لأني أنا اللهُ وليس آخر. الإلهُ وليس مثلي”  سفر إشعياء/العهد القديم 46: 9
ونراه يتكرر في كتاب التوراة وفي ذلك يقول الكتاب المقدس “إسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. فتُحب الرب إلهك من كُل قلبك ومن كُل نفسك ومن كُل قوتك ” كتاب التوراة / العهد القديم- تثنية 6: 4-5
ويتكرر ذكر التوحيد ايضاً في الكثير من المواقع في كتاب الإنجيل وفي ذلك
يقول الكتاب المقدس (( وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته. أنا مجدتُك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته  )) إنجيل يوحنا 17: 3-4
فهذا كلام الإنجيل الموجود اليوم بين أيديهم ومنقول عن المسيح نفسه وبكلامه، فلنسمع ما يقول: فالمسيح يُعرف لنا الله بالقول التالي”أنت الإله الحقيقي وحدك” مُشيراً على التوحيد، ويُعرف على نفسه بالمرسل وحامل الرسالة أي رسول الله لبني إسرائيل فيقول : ويسوع المسيح الذي أرسلته
ويقول الكتاب المقدس (( والمجد الذي من الإله الواحد لستُم تطلبونه )) العهد الجديد/إنجيل يوحنا 5: 44
ومرة أخرى يُشير الإنجيل على عقيدة التوحيد، أي الإيمان بالإله الواحد والتي هم بحاجة لأن يطلبوها ويسعوا إليها فينقل لنا الإنجيل ما هو منقول على لسان المسيح وفيه
يقول الكتاب المقدس (( حينئذ قال له يسوع اذهب ياشيطان. لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبُد )) العهد الجديد/ إنجيل متّى 4: 10
وهنا يعمل المسيح على توضيح حقيقة العبادة والسجود والتي لا تكون سوى لله الواحد الأحد والذي لا يشترك معه أو به أحد
يا عباد الله المؤمنين إن إدعاء تعدد الأديان السماوية باطل ولا أساس له
فالقرآن كما هو واضح من قوله تعالى “إن الدين عند الله الإسلام” يخبرنا بأن الإسلام هو الدين السماوي الوحيد الذي إصطفاه الله لعباده وقبله دين لأهل الأرض جميعاً وهذه خصوصية ودلالة واضحة لا غبار عليها، كما وحذرنا الله نفسه من عاقبة إتباع دين غيره وكان ذلك واضح وجلي من خلال قوله تعالى “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” ورضي به دين للعباد فقال “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” بالإضافة إلى توفر المزيد من الأدلة القاطعة على عدم تعدد الديانات السماوية وذلك من خلال حديث الله عن كتب سماوية فقط وليس ديانات سماوية وذلك كما يدعي زيفاً الكثير من المُضللين والجهلة
 يقول الله تعالى  ”آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ  كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ”   سورة البقرة 285
 ويقول “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا”  سورة النساء 136
ولذلك يجب التوقف الفوري عن وصف الديانات اليهودية والمسيحية بأنها ديانات سماوية وإعطائها صفة وصبغة القدسية وصِدق الوحي والمصدر، أما فيما إذا تم الإصرار من قبل بعض علمائنا المتعالين على أنها ديانات سماوية فعليهم بإحضار الدليل على ذلك وإلا فيجب عليهم الإعتذار عن تكذيبهم لكلام خالقهم وخداعهم للأمة وللناس أجمعين والإسراع بالإستغفار والتوضيح على أنها ديانات أرضية إبتدعها أصحابها وكتبوها بأيديهم وزادوا وأنقصوا من تعاليم السماء الحقيقية التي أنزلت على رُسلهم، ففقدت قدسيتها ومصداقيتها وأصلها التوحيدي المسلم واصبحت تفتقر للكفاية الروحانية وتعاليم السماء ورضى الله
قال تعالى “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ“  سورة البقرة 79
وقال تعالى ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ”  المائدة 68
وهاهم تتقطع بهم أسباب الظلام ولا يزالون يموجون في ظلمات بحر من الضلالة العمياء ويفتقدون لبوصلة القيادة الروحية الحقة والتي نبذوها وراء ظهورهم فضلّوا طريق الله وهُداه .. فبالتالي فمن العار لأن ندّعي زوراً بأن ديانات اهل الكتاب بأنها سماوية ومن عند الله وهم لا يدينون بما أنزل الله عليهم من رسالات تدعوهم إلى التوحيد
أخواني الأُمناء على دين الله لقد كان لإبراهيم قصة مع التوحيد وكان لنا عبرة فيها
قال تعالى  “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)”  سورة الأنعام
لقد كانت منذ البداية عقيدة التوحيد ورسالة الإسلام التي إختارها آباءنا إبراهيم وإسماعيل طريق للحياة لهم ولذريتهم، وكان بأن قص الله سبحانه وتعالى علينا أخبارهم وطلبهم ودعائهم
فقال تعالى “رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”   سورة البقرة  128
وكذلك كان لوط وأهله.. قال تعالى ” فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ”  الذاريات 36
كما وأوصى إبراهيم عليه السلام انبياء الله إسماعيل وإسحاق ويعقوب بالحفاظ على دين الإسلام وكان ذلك في
قوله تعالى “وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ”  سورة البقرة 132
وورّثها يعقوب لبنيه مؤكداً من جديد على التوحيد والأسلمة
بقوله تعالى “أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”  سورة البقرة  133
 وأكد على ذلك من بعده موسى لبني إسرائيل
فقال تعالى وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) سورة يونس
وآمن بها سحرة فرعون لرب العالمين
فقال تعالى “وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)” سورة الأعراف
وأعتنقتها من بعدهم بلقيس مع سليمان
فقال تعالى “قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”   سورة النمل   44
ولحق بهم عيسى ابن مريم وإنصاره وحواريه
فقال تعالى “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” سورة آل عمران 52
ووصى بها المسيح بني إسرائيل مؤكداً لهم تمسكه بكتاب التوراة وعقيدته التوحيدية “بالتصديق” وأخبرهم بقدوم نبي الرحمة لنا ولهم ولكافة الناس والعالمين
فقال تعالى “وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ”  سورة الصف  6
وأتت رسالة القرآن من بعده لتصدق على ما أًنزل من قبله من كُتب وما حملت من التوحيد، وعلينا بالإنتباه بأن القرآن لم يُشير على ديانات بل أشار على الكُتب، وتم إعطاء هذه الكتب التسميات المحددة كالتوراة والإنجيل، وكان آخرها القرآن والذي إحتوى على الشمولية والكمال، وهذا مهم من أجل التمييز بين هذه الكتب الموحاة بها لهم والتي دعتهم للتوحيد والأسلمة بالعمل لخالقهم وبين دياناتهم التي صنعوها وأتخذوها كبديل عن رسالة التوحيد وحملت أسماء سموها بأنفسهم
قال تعالى “وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ”   يونس 37 – 38
وهنا يقول القرآن “تصديق”  أي فإن نهج التوحيد واحد ومكمل لبعضه وما أتى القرآن سوى ليبني عليه ويكمله، فهو ذاته ما دعى إليه القرآن ودعت إليه الكتب السماوية من قبله
 فكيف لأي من الناس لأن يظلموا أنفسهم ويبتغوا ولياً أو حَكَماً غير الله صاحب الخلق والأمر
قال تعالى “أفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ”   الأنعام 114
فكان محمد خاتم المرسلين وأولهم فقال تعالى”وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ” سورة الزمر 12
وشهد الله وملائكته على ما أنزل على نبيه وشرّع لنا من الدين ما أوصى به أنبياءه من قبل
فقال تعالى “لَّـٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا” سورة النساء 166
وقال تعالى “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ”    سورة الشورى 13
وتبع المؤمنون نبيه بالحق يعلنون إيمانهم برسالة التوحيد ويُشهرون ويعلنون طاعتهم وولائهم وإسلامهم لله وفي ذلك كان
قوله تعالى “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ” سورة البقرة 285
وبشّر الله به الناس جميعاً
فقال تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ”  سورة يونس 57
إذن فعلينا كمُسلمين بدحض ورفض ومنع حتى فكرة الأديان اليهودية والمسيحية السماوية الملفقة والمبتدعة هذه وفضحها وتعريتها والتصدي لها لأن رسلهم الذين أتوا إليهم لم يُبشروا بها وإنما أرشدوهم وعلموهم وهدوهم إلى وحدانية الله والإسلام له بالعمل والعبادات ولكن أتى العابثيين وأعداء الله وساهموا وزادوا في تضليل الذين أوتوا الكتاب بإبتداعهم الديانات المزيفة هذه وتأليفهم للكتب والتي تخلوا من المصداقية ووحي االسماء وكانوا قد ابتدعوها وألفوها واعطوها قدسية مزيفة، وبالتالي لا يسعنى إلا بأن نُذكرهم مرة أخرى
بقول الله تعالى ”أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَـٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”  سورة الزمر  22
إذن وبعد أن وضّحنا حقيقة الدين السماوي الي ارتضاه الله للناس أصبح من الضروري لأن نطرح على القارئ السؤال التالي ألا وهو هل يجب علينا إحترام ملة النصارى واليهود وهي ملة أي طريق دنيوي مالو له يخلو من وحي السماء ونرضى خجلاً وضعفاً دعواهم على أنه دين سماوي ونقوم بإحترامه دون أن نقرأه ونتعرف على ضلاله وغرابته وشذوذه وهشاشته وإختلافه العقائدي الكبير مع معتقدنا وإيماننا بوحدانية الخالق
عباد الله والأُمناء على دينه، أرجوكم بعدم النفور أو التخوف من ديانة المبشرين بالمسيحية والتحفظ عليها وعدم التردد في قرآتهما وحتى دراستهما ونشرها على الملأ وذلك حتى يتعرف الناس من مسلمين ومسيحيين على هزالتها وضعفها وسذاجتها، ويجب علينا دراستها وشرحها وتقديمها للناس وذلك حتى يتعرف عليها الجميع، وهذا في الحقيقة ما سوف أقوم بعمله حتى يتحقق الناس على وضاعتها وقلة أهميتها وسذاجة وضلالة معتقداتها فيخجل بها أتباعها ويكفوا عن التدين بها ولتتاح الفرصة أمام المسلمين صغيراً وكبيرا لمحاجتهم ومحاورتهم بكل ما هو باطل بها، وكفانا قولاً بأن مشيئة الله أرادت تعدد الأديان وننسى قوله تعالى “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” وقوله تعالى “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” فكيف يصدر هذا الكلام عن أُناس مسؤولين وعلماء يثق بهم الناس، فالأجدر بهم الرجوع إلى الدين وفهمه قبل أن يخوضوا في كلام غير مسؤول وليتذكروا
قوله تعالى “أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً”  النساء 82
 وبالمناسبة فإن الإختلاف الكبير والمشار إليه في الآية الكريمة هو المقارنة بين ما هو مُنزل وموحى به من عندالله وبين ما هو كلام البشر وما كُتب بأيديهم، ونرى ذلك من خلال الأمثلة العديدة والتي لا تُحصى والموجودة في كتابهم المقدس “بالنسبة لهم” وحتى نتعرف على زعمهم الكاذب بوحيه وقدسيته سنعرض عليكم بعضاً من آياته أو الأصح أعداده الكتابية.. وسترى بنفسك) وسنُرى القاريء وحي أو إلهام الكتاب والذي يدّعون قُدسيته وذلك حتى يتعرف الجميع على ما يحمله الكتابي من عقيدة وتعاليم منحرفة وشاذة ولنمكنه من أن يقارنها بكلام الله وقرآنه، … فلماذا يستبدلون الكفر بالإيمان وما خطبهم، وكيف لهم لأن لا يتدبروا رسالة الله الحقة ويؤمنوا بها
قال تعالى “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” محمد 24
وليتعرف بعض من علماء المسلمين المُضَللين على القليل القليل من كتاب أهل الكتاب ويتحققوا من دينهم السماوي الإفتراضي هذا … فهل من المعقول بأن كلام من هذا القبيل الذي سوف أنقله لكم حرفياً من كتابهم المقدس يكون مصدره الله والعياذ بالله، فحاشا لله لأن يكون مصدر هذه الآيات المغموسة بالشهوات الجنسية هي من وحي السماء، بل على العكس فهذا دليل واضح وجلي ويثبت مصدره الإنسي الغريزي الساقط، فلنعمل على نشر غسيلهم الوسخ … فإنه ليس من العدل لأن نبقى صامتين وهم يهاجمون دين الله الحق دون أن نُطلع العالم كله على حقيقة دينهم وعقيدتهم الملتوية العفنة والتي طالما تغنوا بها وتفاخروا وتطاولوا … وليكن كما قال أبو القاسم الشابي “ولا بد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر” فآن أوان زوال الليل والقيد معاً………………..  وليكن القاريء هو القاضي والحكم
يقول الكتاب المقدس/ نشيد الإنشاد
الأصحَاحُ الأَوَّلُ
 1 نَشِيدُ الأَنْشَادِ الَّذِي لِسُلَيْمَانَ 2 لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلاَتِ فَمِهِ، لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْر . ……….    مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ. 13 صُرَّةُ الْمُرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ
الأصحَاحُ الثَّالِثُ
1فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. 2إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ، فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ، أَطْلُبُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. 3وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ، فَقُلْتُ: «أَرَأَيْتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي؟» 4فَمَا جَاوَزْتُهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِي
الأصحَاحُ الرَّابعُ
1هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ! عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ مِنْ تَحْتِ نَقَابِكِ. شَعْرُكِ كَقَطِيعِ مِعْزٍ رَابِضٍ عَلَى جَبَلِ جِلْعَادَ. 2أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ الْجَزَائِزِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْغَسْلِ، اللَّوَاتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ، وَلَيْسَ فِيهِنَّ عَقِيمٌ. 3شَفَتَاكِ كَسِلْكَةٍ مِنَ الْقِرْمِزِ، وَفَمُكِ حُلْوٌ. خَدُّكِ كَفِلْقَةِ رُمَّانَةٍ تَحْتَ نَقَابِكِ. 4عُنُقُكِ كَبُرْجِ دَاوُدَ الْمَبْنِيِّ لِلأَسْلِحَةِ. أَلْفُ مِجَنٍّ عُلِّقَ عَلَيْهِ، كُلُّهَا أَتْرَاسُ الْجَبَابِرَةِ. 5ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْ ظَبْيَةٍ، تَوْأَمَيْنِ يَرْعَيَانِ بَيْنَ السَّوْسَنِ. 6إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ، أَذْهَبُ إِلَى جَبَلِ الْمُرِّ وَإِلَى تَلِّ اللُّبَانِ. 7كُلُّكِ جَمِيلٌ يَا حَبِيبَتِي لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ. 8هَلُمِّي مَعِي مِنْ لُبْنَانَ يَا عَرُوسُ، مَعِي مِنْ لُبْنَانَ! انْظُرِي مِنْ رَأْسِ أَمَانَةَ، مِنْ رَأْسِ شَنِيرَ وَحَرْمُونَ، مِنْ خُدُورِ الأُسُودِ، مِنْ جِبَالِ النُّمُورِ. 9قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي بِإِحْدَى عَيْنَيْكِ، بِقَلاَدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُنُقِكِ. 10مَا أَحْسَنَ حُبَّكِ يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ! كَمْ مَحَبَّتُكِ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ! وَكَمْ رَائِحَةُ أَدْهَانِكِ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ الأَطْيَابِ! 11شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا. تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ، وَرَائِحَةُ ثِيَابِكِ كَرَائِحَةِ لُبْنَانَ. 12أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ. 13أَغْرَاسُكِ فِرْدَوْسُ رُمَّانٍ مَعَ أَثْمَارٍ نَفِيسَةٍ، فَاغِيَةٍ وَنَارِدِينٍ
الأصحَاحُ الْخَامِسُ
1قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي. أَكَلْتُ شَهْدِي مَعَ عَسَلِي. شَرِبْتُ خَمْرِي مَعَ لَبَنِي. كُلُوا أَيُّهَا الأَصْحَابُ. اشْرَبُوا وَاسْكَرُوا أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ. 2أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ. صَوْتُ حَبِيبِي قَارِعًا: «اِفْتَحِي لِي يَا أُخْتِي، يَا حَبِيبَتِي، يَا حَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي! لأَنَّ رَأْسِي امْتَلأَ مِنَ الطَّلِّ، وَقُصَصِي مِنْ نُدَى اللَّيْلِ». 3قَدْ خَلَعْتُ ثَوْبِي، فَكَيْفَ أَلْبَسُهُ؟ قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ، فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟ 4حَبِيبِي مَدَّ يَدَهُ مِنَ الْكَوَّةِ، فَأَنَّتْ عَلَيْهِ أَحْشَائِي. ……….  عَيْنَاهُ كَالْحَمَامِ عَلَى مَجَارِي الْمِيَاهِ، مَغْسُولَتَانِ بِاللَّبَنِ، جَالِسَتَانِ فِي وَقْبَيْهِمَا. 13خَدَّاهُ كَخَمِيلَةِ الطِّيبِ وَأَتْلاَمِ رَيَاحِينَ ذَكِيَّةٍ. شَفَتَاهُ سُوْسَنٌ تَقْطُرَانِ مُرًّا مَائِعًا. 14يَدَاهُ حَلْقَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، مُرَصَّعَتَانِ بِالزَّبَرْجَدِ. بَطْنُهُ عَاجٌ أَبْيَضُ مُغَلَّفٌ بِالْيَاقُوتِ الأَزْرَقِ. 15سَاقَاهُ عَمُودَا رُخَامٍ، مُؤَسَّسَتَانِ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ مِنْ إِبْرِيزٍ. طَلْعَتُهُ كَلُبْنَانَ. فَتًى كَالأَرْزِ. 16حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ. هذَا حَبِيبِي، وَهذَا خَلِيلِي، يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ
الأصحَاحُ السَّادِسُ
 أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِي. الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ. 4أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي كَتِرْصَةَ، حَسَنَةٌ كَأُورُشَلِيمَ، مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ. 5حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي. شَعْرُكِ كَقَطِيعِ الْمَعْزِ الرَّابِضِ فِي جِلْعَادَ. 6أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ نِعَاجٍ صَادِرةٍ مِنَ الْغَسْلِ، اللَّوَاتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ وَلَيْسَ فِيهَا عَقِيمٌ. ……………………..
الأصحَاحُ السَّابعُ
1مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الْحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. 2سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لاَ يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. 3ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. 4عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ. 5رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أُسِرَ بِالْخُصَلِ. 6مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلاَكِ أَيَّتُهَا الْحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! 7قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. 8قُلْتُ: «إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا». وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، 9وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ. لِحَبِيبِي السَّائِغَةُ الْمُرَقْرِقَةُ السَّائِحَةُ عَلَى شِفَاهِ النَّائِمِينَ. 10أَنَا لِحَبِيبِي، وَإِلَيَّ اشْتِيَاقُهُ…………
الأصحَاحُ الثَّامِنُ
1لَيْتَكَ كَأَخٍ لِي الرَّاضِعِ ثَدْيَيْ أُمِّي، فَأَجِدَكَ فِي الْخَارِجِ وَأُقَبِّلَكَ وَلاَ يُخْزُونَنِي. 2وَأَقُودُكَ وَأَدْخُلُ بِكَ بَيْتَ أُمِّي، وَهِيَ تُعَلِّمُنِي، فَأَسْقِيكَ مِنَ الْخَمْرِ الْمَمْزُوجَةِ مِنْ سُلاَفِ رُمَّانِي……… . 8لَنَا أُخْتٌ صَغِيرَةٌ لَيْسَ لَهَا ثَدْيَانِ. فَمَاذَا نَصْنَعُ لأُخْتِنَا فِي يَوْمٍ تُخْطَبُ؟ 9إِنْ تَكُنْ سُورًا فَنَبْنِي عَلَيْهَا بُرْجَ فِضَّةٍ. وَإِنْ تَكُنْ بَابًا فَنَحْصُرُهَا بِأَلْوَاحِ أَرْزٍ. 10أَنَا سُورٌ وَثَدْيَايَ كَبُرْجَيْنِ.
وللمزيد من شذوذ قصص الكتاب ( المقدس ) دعونا نعرض عليكم البعض القليل مما هو موجود في كتبهم
يخبرنا كتابهم المقدس بأن نوح عليه السلام كان قد شرب الخمر وسكر ولم يكفه ذلك بل تعرى أيضاً
يقول الكتاب المقدس (( وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. فأبصر حام ابوكنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً )) التوراة/تكوين-9-20-21
ولكنهم لم يكتفوا بذلك فنراهم يتهمون سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام في كتابهم المقدس بالتخلي عن إمرأته سارة ويدعي بأنها أخته ويقدمها لأبيمالك ملك جرارة ليتنعم بها
ويقول الكتاب المقدس (( وانتقل إبراهيم من هناك إلى أرض الجنوب وسكن بين قادش وشور وتغرب في جرار. وقال إبراهيم عن سارة أمرأته هي أختي. فأرسل أبيمالك ملك جرارة وأخذ سارة )) التوراة/تكوين20: 1-2
ويعودوا ليتهموه مرة أخرى بتكرار الوضع نفسه وإنكاره بأن سارة زوجته حيث يقدمها لفرعون على أنها أخته فيتمتع بها فرعون ويحصل الخير لإبراهيم بسببها
ويقول الكتاب المقدس (( وحدث جوع في الأرض. فأنحدر ابرام إلى مصر ليتغرب هناك. لأن الجوع في الأرض كان شديداً. وحدث لمّا قرُب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته إني قد علمت انك امرأة حسنة المنظر. فيكون إذ رآك المصريون أنهم يقولون هذه إمرأته. فيقتلونني ويستبقونك. قولي إنك أختي. ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك. …. فأُخذت المرأة إلى بيت فرعون. فصنَع إلى إبرام خيراً بسببها ….. فدعا فرعون أبرام وقال ما هذا الذي صنعت بي . لماذا لم تخبرني أنها امرأتُك . لماذا قُلت هي أختي حتى أخذتها لي لتكون زوجة . والآن هوذا امرأتك .خُذها وأذهب )) التوراة/ تكوين10: 12-19
ففي الحالتين إتهموا نبي الله وخليله إبراهيم عليه السلام بالإنحطاط الأخلاقي …  لا سمح الله
يخبرنا كتابهم المقدس بأن لوط عليه السلام كان قد أُغتصب من قبل إبنتيه بعد أن أسقياه الخمر وحملتا كلاهما منه بالحرام
يقول الكتاب المقدس (( وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وأبنتاه معه. لأنه خاف أن يسكُن في صوغر. فسكن في المغارة هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلُمّ نسقي أبانا خمراً ونضطجع معه . فنحيي من أبينا نسلاً . فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة ودخلت البكر وأضطجعت مع ابيها ولم يعلم بإضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة إني قد إضطجعت البارحة مع أبي. نسقيه خمراً الليلة أيضاً فأدخلي إضطجعي معه. فنُحيي من ابينا نسلاً ولم يعلم بإضطجاعها ولا بقيامها. فحبلت ابنتا لوط من أبيهما )) كتاب التوراة / تكوين 19: 30-36
ويخبرنا الكتاب المقدس بأن رأوبين ابن النبي يعقوب البكر أقدم على فعلة الزنى بسرية والده “إمرأة أبيه” وأم أخيه إبن أبيه
يقول الكتاب المقدس (( وحدث إذ كان إسرائيل ساكناً في تلك الأرض أن رأوبين (ابنه) ذهب وأضطجع مع بلهة سرية أبيه )) التوراة/ تكوين- 35: 21
ويقول الكتاب المقدس (( ودعا يعقوب بنيه وقال .. رأوبين أنت بكري قوتي وأول قُدؤتي فضل الرفعة وفضل العز. فائر كالماء لا تتفضّل. لأنك صعدت على مضجع أبيك. حينئذ دنسته. على فراشي صعد )) التوراة/ تكوين-49: 1-4
كما ويخبرنا الكتاب المقدس بان يهوذا ابن النبي يعقوب عليه السلام يزني بأرملة إبنه البكر عير وأُسمُها ثامار وتحبل منه بولدين هما فارص وزارح وكليهما أولاد زنا وهما لا يدخلان في جماعة الرب وهذا يشمل على الجيل العاشر من ذريتهم أي النبي داوُد عليه السلام
يقول الكتاب المقدس ((  ولما طال الزمان ماتت ابنة شوع امرأة يهوذا. ثم تعزّى يهوذا فصعد إلى جُزّار غنمه إلى تمنة هو وحيرة صاحبُهُ العُلاميُّ. فأُخبِرت ثامار وقيل لها هوذا حموِك صاعد إلى تمنة ليجُزّ غنمهُ. فخلعت عنها ثياب ترمُّلِها وتغطت ببرقع وتلفّفت وجلست في مدخل عينايم التي على طريق تمنة. لأنها رأت أن شيلة قد كبر وهي لم تُعط له زوجة. فنظرها يهوذا وحسبها زانية. لأنها كانت قد غطت وجهها. فمال إليها على الطريق وقال هاتي أدخُل عليكِ. لأنّهُ لم يعلم أنها كنّتهُ. فقالت ماذا تُعطيني لكي تدخُل عليّ. فقال أُرسل جدي مِعزى من الغنم. فقالت هل تُعطيني رهناً حتّى تُرسِلهُ. فقال ما الرهن الذي أُعطيك. فقالت خاتمك وعصابتك وعصاك التي في يدك. فأعطاها ودخل عليها. فحبلت منه. ثم قامت ومضت وخلعت عنها بُرقعها ولبِست ثياب ترمُّلها. فأرسل يهوذا جدي المعزى بيد صاحبه العدُلامي ليأخُذ الرهن من يد المرأة. فلم يجدها. فسأل أهل مكانها قائلاً أين الزانية التي كانت في عينايم على الطريق. فقالوا لم تكُن هُنا زانية. فقال يهوذا لِتأخُذ لنفسها لئلا نصير إهانة. إني قد أرسلت هذا الجدي وأنت لم تجدها. ولما كان نحو ثلاثة أشهر أُخبر يهوذا وقيل لهُ قد زنت ثامار كنتُّك. وهاهي حُبلى أيضاً من الزنى. فقال يهوذا أخرجوها فتُحرق. أما هي فلمّا أُخرجت أرسبت إلى حميها قائلة من الّجُل الذي هذهِ لهُ أنا حُبلى. وقالت حقق لمن الخاتم والعصابة والعصا هذهِ. فتحققها يهوذا وقال هي أبرُّ مني لأني لم أُعطها لشيلة ابني. فلم يعُد يعرفها أيضاً. وفي وقت ولادتها إذا في بطنها توأمان. وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يداً فأخذت القابلة وربطت على يده قرمزاً قائلةً هذا خرج أولاً. ولكن حين ردّ يدهُ إذا أخوهُ قد خرج. فقالت لماذا اقتحمت. عليك اقتحام. فدعي اسمهُ فارص. وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز. فدُعي اسمُهُ زارح )) كتاب التوراة/العهد القديم- سفر تكوين 38: 12-30
ويتهم كتابهم المقدس نبي الله داوود عليه السلام بإغتصاب إمرأة متزوجة وتحبيلها وقتل زوجها
 يقول الكتاب (( وكان في وقت المساء أن داوُد قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحمُّ. وكانت المرأة جميلة المنظر جداً. فأرسل داوُد وسأل عن المرأة فقال واحد أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة أُوريّا الحثي. فأرسل داوُد رُسلاً وأخذها فدخلت إليه فأضطجع معها وهي مُطهرة من طمثها. ثم رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داوُد وقالت إني حُبلى. فأرسل داوُد إلى يوآب يقول أرسل إلي أُوريا الحثّي. فأرسل يوآب أُوريا إلى داوُد. فأتى أوريّا إليه فسأل داوُد عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب. وقال داوُد لأُوريا انزل إلى بيتك وأغسل رجليك. فخرج أوريا من بيت الملك وخرجت وراءه حِصّة من عند الملك. ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل إلى بيته. فأخبروا داوُد قائلين لم ينزل أوريا إلى بيته.فقال داوُد لأوريا أما جئت من السفر. فلماذا لم تنزل إلى بيتك. فقال أُوريا لداوُد إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يُوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي …. وفي الصباح كنب داوُد مكتوباً إلى يوآب وأرسله بيد أُوريا. وكتب في المكتوب يقول. اجعلوا أُوريا في وجه الحرب الشديدة وأرجعوا من وراءه فيُضرب ويموت …. ومات أُوريا الحثي  )) صموئيل الثاني – 11: 2 -17
ويتهمون أيضاً أبشالوم أبن النبي داوود عليه السلام بالزنى بأخته ثامار وخداع والده النبي ليقوم بإرسالها له لخدمته
يقول الكتاب المقدس (( وجرى بعد ذلك أنه كان لأبشالوم بن داوُد أُخت جميلة اسمُها ثامار فأحبها أمنون بن داوُد. وأُحصِر أمنون للسقم من أجل ثامار أُخته لأنها كانت عذراء وعسُر في عيني أمنون أن يفعل لها شيئاً. وكان لِأمنون صاحب أسمُهُ يوناداب بن شمعي أخي داوُد. وكان يوناداب رجلاً حكيماً جداً. فقال له لماذا يا ابن الملك أنت ضعيف هكذا من صباح إلى صباح. أما ُتخبرني. فقال لهُ أمنون إني أُحب ثامار أخت أبشالوم أخي. فقال يوناداب أضطجع على سريرك وتمارض. وإذا جاء أبوك ليراك فقل له دع ثامار أُختي فتأتي وتطعمني خُبزاً وتعمل أمامي الطعام لأرى فآكل من يدها. فأضطجع أمنون وتمارض فجاء الملك ليراه. فقال أمنون للملك دع ثامار أُختي فتأتي وتصنع أمامي كعكتين فآكل من يدها. فأرسل داوُد إلى ثامار إلى البيت قائلاً إذهبي إلى بيت أمنون أخيك وأعملي لهُ طعاماً. فذهبت ثامار إلى بيت أمنون أخيها وهو مُضطجع. وأخذت العجين وعجنت وعملت كعكاً أمامه وخبزت الكعك وأخذت المقلاة وسكبت أمامهُ فابى أن يأكُل. وقال أمنون أخرجوا كُل إنسان عني فخرج كُل إنسان عنه. ثُم قال أمنون لثامار إتي بالطعام إلى المخدع فآكل من يدك. فأخذت ثامار الكعك الذي عملته وأتت به أمنون أخاها إلى المخدع. وقدّمت لهُ ليأكُل فأمسكها وقال لها تعالي اضطجعي معي يا أختي. فقالت له لا يا أخي لا تُذلني لأنه لا يُفعل هكذا في إسرائيل. لا تعمل هذه القباحة. أما أنا فأين أذهب بعاري وأما أنت فتكون كواحد من السفهاء في إسرائيل. والآن كلِّم الملك لأنه لا يمنعني منك. فلم يشأ أن يسمع لصوتها بل تمكن منها وقهرها واضطجع معها )) صموئيل الثاني 13: 1- 14
الكتاب المقدس .. والمزيد من شذوذه
يقول الكتاب المقدس (( وإذا برجل شيخ جاء من شغله من الحقل عند المساء. والرجل من جبل أفرايم وهو غريب في جبعة ورجال المكان بنيامينيون. فرفع عينيه ورأى الرجل المُسافر في ساحة المدينة فقال الرجل الشيخ إلى أين تذهب ومن أين أتيت. فقال له نحن عابرون من بيت لحم يهوذا إلى عقاب جبل أفرايم. أنا من هناك وقد ذهبت إلى بيت لحم يهوذا وأنا ذاهب إلى بيت الرب وليس أحد يضمني إلى البيت. … فقال الرجل الشيخ السلام لك. إنما كُل إحتياجك عليّ ولكن لا تبت في الساحة. وجاء به إلى بيته وعلف حميرهم فغسلوا أرجلهم وأكلوا وشربوا. وفيما هُم يُطيّبون قلوبهم إذا برجال المدينة رجال بني بليعال أحاطوا بالبيت قارعين الباب وكلّموا الرجل صاحب البيت الشيخ قائلين اخرج الرجل الذي دخل بيتك فنعرفه. فخرج اليهم الرجل صاحب البيت وقال لهم لا يا إخوتي لا تفعلوا شراً. بعدما دخل هذا الرجل بيتي لا تفعلوا هذه القباحة. هوذا ابنتي العذراء وسُرّيتُهُ ( عشيقته وزوجته ) دعوني أُخرجهما فاذلوهما وأفعلوا بهما ما يحسُنُ في أعينكم وأما هذا الرجل قلا تعملوا به هذا الأمر القبيح. فلم يُرد الرجال أن يسمعوا له. فأمسك الرجل سُريّتُهُ وأخرجها إليهم خارجاً فعرفوها وتعلّلوا بها الليل كلهُ إلى الصباح وعند طلوع الفجر أطلقوها. فجاءت المرأة عند إقبال الصباح وسقطت عند باب بيت الرجل حيث سيدها هناك إلى الضوء. فقام سيدها في الصباح وفتح أبواب البيت وخرج للذهاب في طريقه وإذا بالمرأة سرّيتُهُ ساقطة على باب البيت ويداها على العتبة. فقال لها قومي نذهب. فلم يكُن مُجيب. فأخذها على الحمار وقام الرجل وذهب إلى مكانه. ودخل بيته وأخذ السكين وأمسك سُرّيتُهُ وقطّعها مع عظامها إلى إثني عشرة قطعة وأرسلها إلى جميع تخوم إسرائيل ))  قُضاة- 19: 16-29
وقفة للتفكر: من يعامل المرأة بإحسان وعدل ويرفع من قيمتها، الإسلام أم هذه الخلفية الدينية الميتة، وما العبرة من ذكر هذه القصة الكريهة في كتاب يدّعون قدسيته .. حكِّموا ضمائركم أيُها المؤمنين .. ومع ذلك يريدون الحرية للمسلمات أي حرية يتكلمون عنها دعاة التخلف هؤلاء
اليهود والنصارى في الكتاب المقدس يتهمون الرب بالإدمان على الخمر والجُبن واللامسؤولية واللامبالاة
يقول الكتاب المقدس (( فاستيقظ الرب كنائمٍ كجبّار مُعيّط مِن الخمر )) كتاب الزابور/ مزامير78: 65
ويقول الكتاب المقدس (( حتّى متى يا رب تختبيء كُلّ الإختباء )) كتاب الزابور / مزامير 89: 46
ويقول الكتاب المقدس (( يا رب لماذا تقف بعيداً. لماذا تختفي في أزمنة الضيق ))  كتاب الزابور / مزامير 10: 1
فتطاولهم الرديء هذا هو نتيجة تخبطهم وضلالهم وكفرهم فهم لا مولى لهم
قال تعالى “ذَ‌ٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ” سورة محمد 11
يقول الكتاب القدس (( إذا تخاصم رجُلان بعضُهُما بعضاً رجُلُ وأخوهُ وتقدّمت امرأةُ أحدِهِما اكي تُخلِص رجُلها من يد ضاربهِ ومدت يدها وأمسكت بعورتهِ فأقطع يدها ولا تُشفِق عينك )) التوراة/ تثنية 35: 11-12
ويقول الكتاب المقدس (( وكان إليّ كلام الرب قائلاً. ياابن آدم كان إمرأتان ابنتا أُم واحدة. وزنتا بمصر. في صباهُما زنتا. هُناكَ دُغدِغت ثُدِيُّهُما وهُناك تزغزغت ترائبُ عِذرتِهما)) حزقيال – 23: 1-3
ويقول الكتاب المقدس (( للأجنبي تُقرض بربا ولكن لأخيك لا تُقرض بربا )) كتاب التوراة/ تثنية 23: 20
وهذه فقط جرعة صغيرة لما يحتوي عليه كتبهم من الضلال والضياع ……… ولذلك سنفضحهم وسننشر غسيلهم الوسخ وقاذوراتهم التي يدّعوا بقدسيتها وذلك حتى تتفهم الناس حقيقة تعاليمهم الفاسدة وعقلية أحبارهم وقسيسيهم ورهبانهم البهيمية الغليظة وعقيدتهم الضالة والمنحرفة
إذن ومرة أُخرى نُعيد على مسامعكم قول الله بان الدين عند الله الإسلام والذي يُشير على أن اعتناق المسلم لدين الإسلام كنهج وطريق حياة مشروط بإنسجامه التام مع مشيئة الله وسنته في التسليم حسب السنن والقوانين الكونية التي قدّرها الله على كل ما خلق فاسلمت بها لِلمَلِك وصاحب المُلك المعبود
قال تعالى الله الذي لا إله إلّا هو المَلِكُ “فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ”  المؤمنون 116
وقال تعالى الله صاحب المُلك “وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” سورة آل عمران 189
وقال الله الإله المعبود والرب المربوب وملك الملوك “إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا”  مريم 93
 فعبادة الله هو ما كان قد كلّف الله به الجن والإنس وهو ما كان قد خلقهم من أجله وبالتالي وحتى يكون الإنسان عبدا عليه لأن يكون عابداً ويُبقي على نفسه متعبدا قائماً بالعبادات والفرائض إلى أن تستقر به عبادته على نهج التوحيد والأسلمة الخالصة لله وينتهي طريقه بتقبل الله له في عباده وجنته … فعبادة الله كتبت على الانسان وبالتالي أُمر وكُلِف بها – فكانت صلاتنا تُحيي فينا الغرض من العبودية والتي خلقنا من أجله، قال تعالى “وما خلقت الجن والإنس إلّا ليعبدون .. ولقد كان من أهم ما فرض الله علينا هو الصلات “أي صلتنا به .. فهي عامود الدين” وذلك ليُعزز مفهوم العبودية – رمز الأسلمة والخصوع والطاعة المطلقة” فهي تُعزز من حقيقة خلقنا المسلم “القائم على نهج التسليم” والذي يتوافق مع السُنّة الكونية للخلق .. ونعود ونكرر وذلك لغرض التذكير”، فكانت الصلات تهدف لتحقيق ميثاق العهد والإتمان فتُبقي على الصلة والتواصل مع خالقنا وكانت فاتحة الكتاب وقولنا فيها “وإيّاك نعبد وإياك نستعين” هو من أجل تثبيت وتجديد العهد والمحافظة عليه في كل يوم … وكانت بمثابة قسم الولاء والخضوع والتسليم والذي نردده المرة تلو المرة وفي كل ركعة من صلاتنا والتي فيها نؤكد على التزامنا في الحفاظ على أنفسنا وإتماننا عليها عند خالقها ونختمها بالتسليم له بقولنا آمين لأن الله هو وحده الأمين على أنفسنا ولا أحد سواه فنطلب الأمن والأمان عنده
إن قراءة الفاتحة هي الأهم في صلاتنا ولا تصح الصلاة إلا بها، نفلا كانت الصلاة أو فرضا، وهي واجبة على الإمام والمنفرد على السواء، وتجب كذلك على المأموم، وعن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: “لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب” متفق عليه، وفي رواية أُخرى قال: “لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب” ايضاً متفق عليه، وللإقتداء به قال  صلى الله عليه وسلم: “صلوا كما رأيتموني أصلي” رواه البخاري
لماذا نسجد في صلاتنا وهل هنالك سجود لغير الله … تابع قريباً
 حمل الأمانة – قال تعالى: وحملها الإنسان .. ولكن
هل خيّر الله الإنسان بحمل الأمانة
قال تعالى “وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” وكما هو ملاحظ هنا وهو بان -الواو- والتي صاحبت وتقدمت قوله تعالى “وحملها” اتت لتُشير على الإستئناف لا العطف لأن الإنسان لم يُذكر من بين الذين عُرضت عليهم الأمانة فلم يعطف الله بها على الإنسان بل استأنف الحديث عن الأمانة من خلال موضوع آخر خصّ به الإنسان بدون أن يشمله لمن خصّهم الله بالعرض، فلو كانت واو العطف هي المعني بها لكانت الجملة معطوفة على ما قبلها وعندها لربما اعتقدنا بأن العرض شمل على الإنسان ولو ضمنياً ولكن من الواضح بأن الواو ليست للعطف فالواو العاطفة تدخل على المفرداتِ والجمل لتعطف ما بعدها على ما قبلها وتُشرِكَه في الإعرابِ والمعنى ولكن الواو هنا كانت بأن ابتدأت جملة جديدة أتت فيها على ذكر الإنسان والذي لم يكن قد ذُكر في الجملة الأولى وبالتالي فهي لإستئاف الحديث عن الأمانة وليس عن الإنسان، فالواو الاستئنافية تدخُلُ على الجمل “الجملةِ الاسميّة أو الفعليّة” ولا تدخل على المفردات وذلك لاستئناف معنى جديد، وهي الواو التي يكون بعدها جملة غير متعلقة بما قبلها في الإعراب، ومن أمثلة الجمل الاسمية قوله تعالى “ثم قضى أجلاً، وأجل مسمى عنده”، ومن أمثلة الجمل الفعلية قوله تعالى “لنُبيّنَ لكمْ ونقرُّ في الأرحام ما نشاء” وبالتالي يكون ما بعدها من المفردات غير معطوف على ما قبلها، إذن وبما أن العرض بحمل الأمانة في الآية الكريمة لم يشمل على الإنسان فلا يمكننا اشراكه بالمعنى ونفترض افتراضاً بأنها عُرضت عليه لأن الإنسان وبكل بساطة لم يُخير بحملها كما هو واضح من الآية الكريمة .. بالإضافة على ذلك وهو عدم استعمال فاء التعقيب في قوله تعالى “وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” .. حيث لم يقل الله فـ حملها الإنسان ليُعقِّب بذلك على الحدث وهو عرض الأمانة بل قال “وحملها الإنسان”” حيث استأنف الحديث عن الأمانة فأشار على حمل الإنسان لها ولكن بدون أن يكون الحديث تعقيباً على عرضها
هل كُلِّف الله الإنسان بحمل الأمانة
إذن فإن الله لم يُخيّر الإنسان بحمل الأمانة ولكن هل كلفه بحملها، طبعاً هذا لم تاتي عليه الآية الكريمة ولم توضحه بل اكتفت بالإشارة على أن الإنسان كان بالظلوم والجهول نتيجة حمله لها …  دعونا نتحقق من ذلك
اولاً: فلو افترضنا بأن “الأمر” والتكليف بحملها هو ما أراد الله به من قوله تعالى “وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” لتناقض ذلك مع وصف الله للإنسان بالظلوم والجهول والأهم لتناقض ذلك مع عدالة الله، …. فما ذنب الإنسان إذا كان الله هو من أمره وكلّفه بحملها “كما يزعمون” ثم يصفه الله بالظلوم والجهول بعد استجابته لأمر الله .. أي نرى الله يلومه ويذمه ويقبحه على حملها وبالتالي كيف يكون بالظلوم والله هو من تسبب في الظلم الذي أُوقِع عليه لأنه بذلك سيكون مظلوماً لا ظلوماً، ولكن هذا الإفتراض الخاطيء بالتأكيد لا يستوي مع عدالة الله فالله ليس بالظالم حتى يظلمه وهو من نزّه نفسه عن الظلم وكذلك حرّمه على نفسه وعلى عباده ونهاهم لأن يظلموا أنفسهم أو يتظالموا فيما بينهم
فقال تعالى “إن الله لا يظلم مثقال ذرة” النساء 40، وقال “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” يونس 44. وقال “وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ” غافر 31
وفي الحديث عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) أخرجه مسلم في صحيحه
ثانياً: هنالك دليل آخر على أن الإنسان لم يُكلف بها وهو بأن الله لا يكلف نفس الا وسعها والإنسان الجهول هو إنسان ضعيف وليس حمل للمسؤولية، قال تعالى “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا” سورة البقرة 286
فالإنسان الذي لا تتوفر فيه القدرات العقلية والأخلاقية الذكية، قال تعالى ” إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” كما كان عليه الإنسان البدائي الأول لا يمكنه توظيف ما لايملكه لمحاسبة نفسه الضميرية أي “النفس اللوامة” أخلاقياً وبذكاء وبالتالي فلم يكن هنالك دور لضميره للتقدير والمسائلة والمحاسبة فكانت بأن تُركت نفسه على هواها تقودها الشهوات
هل حمل الإنسان الأمانة من نفسه
يقول الله تعالى “وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” .. إذن فلقد حمل الإنسان الأمانة مع أن الإنسان لم يُخير بها ولم يُكَّلف بها كما وضّحنا وبالتالي إذن فإن حمل الأمانة كان ناتج عن تحميل الإنسان لنفسه بها وليس تحميل الله له إياها .. ولكن ما بقي بحاجة للتوضيح وهو كيف أتى على حملها
فلو تمعنّا في قوله هذا سنُلاحظ بان الله لم يقُل “وحملها الإنسان فكان ظلوماً جهولا” أي لم يأتي الله بفاء التعقيب لِتُعقب على ما تسبب بالظُلم الذي أُوقع عليه وهو حمله للأمانة بل قال “إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” فكان بعد أن أخبرنا الله بحمله للأمانة أراد لأن يُطلعنا على حاله التي كان عليها والتي دفعته لحمل الأمانة فاستعمل إنّ للتوكيد واستعمل “كان” للإشارة على الماضي وذلك ليؤكد على الحال التي كان عليها الإنسان والذي كان حاله يغلفه الظُلم والجهل، وبالتالي فجهله هو من تسبب بحمله للأمانة فهو لم يعي خطورة حملها وبالتالي حاد عن السبيل وتسبب في ظلم نفسه ..  ولقد كان حين أشار الله على ظُلمه وجهله بأن قدّم الظلم وأخّر الجهل فختم الحديث عنه بوصفه بالجهول مُفصحاً عن واقعه المتخلف والغير مبني على العلم والبصيرة وذلك حتى يًعرفنا على تدني وشُح قدراته العلمية والمعرفية، فكانت آخر ما أخبرنا الله عنه، فالإنسان الجهول هو وبكُل بساطة بغير العليم لأن الجهالة هي وصف لمن ينقصه العلم وكان يخلوا من المعرفة والبيان، كما أن الجهول عادة تسوده وتحكمه خصائص وصفات لا ترتقي إلى مستوى تَحَمُل المسؤولية “أي لأن يكون مُكلف بحمل الأمانة” فما بالك بهذا المخلوق البدائي والذي أخبرنا الله بانه كان “ظلوماً وجهولا”، فالله يعلم بقدرة النفس الإنسانية على الإفساد ويعلم ضُعفها وبالتالي فمن الطبيعي إذن لأن نستنتج بان الله لن ولم يُسلم الأمانة أو يُكلف الإنسان بصيانة وحفظ ذاته طالما إتصف بالظلم والجهل قبل أن يُعالجها ويوقع عليها التحسين والتسوية
الدابة والإنسان والملائكة والجن وواقع التسليم “الأسلمة” لله
يقول الملحدين: أُيها المؤمنون بوجود إله خالق لهذا الكون تزعمون بأنه إله كامل القدرة، وبأنه وبنفس الوقت إله مُحب، وكُلي العلم والمعرفة … إذن فهو وبدون شك يعلم بأن الشر موجود، ولكن إذا كان حقاً كامل القدرة كما تزعمون فلماذا لا يقضي على الشر ويمنعه أم هو في الحقيقة غير قادر على ذلك أم هو غير مُحب للخير كما تزعمون او وبكل بساطة لا يعلم بوجود الشر أو كل اولئك معاً … وللإجابة عليهم نستشهد بكتابه الكريم
أولاً: هل الله بالقادر على منع الشر .. الله يُجيب “بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” الأحقاف 33
ثانياً: هل الله هو إله محبة وخير، والله يُجيب “وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ” البروج 14 وهو “الرحمن الرحيم” وهو من بيده الخير كله
ثالثاً: هل الله يعلم بوجود الشر، والله يُجيب “يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” التغابن 4. ويقول “عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ” الأنعام 73
إذن فالله حتماً يعلم بوجود الشر … ولكن كيف نُفسّر وجود الشر وانتشاره في مُلكوته “الدنيوي أي عالم الأرض” وهو إله السلام، قال تعالى “لا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ”  الحشر 23…  وهو الداعي إلى دار السلام، قال تعالى “وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ”  يونس 25. وهو من بشّر عباده ووعدهم بها، فقال “لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” الأنعام 127 .. وتقول العرب: إن دار هي من دور وهو كل ما حاط بالشيء او رجع إليه بعد من أن ابتدأ منه دائرته وبالتالي فدار السلام هي ما حُوِطت بالسلام ولفته وغلفته، دار تعمها الأخلاق الحميدة ووليّهم فيها الله رفيع الدرجات فهو من جعل فيها الخير كله ولم يسمح فيها لأي وجود للشر …  ففي دار السلام لا طاغوت ولا فحش ولا فساد ولا معصية ولا حرام ولا ظلم ولا بغي ولا منكر بل دار يعمها الخير والسلام .. قال تعالى “تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ” الأحزاب 44 .. وقال ” وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ”  إبراهيم 23
ولكن هل يُمكن لله وهو السلام ومن يدعو لدار السلام ومن له المثل الأعلى، قال تعالى  “وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”  الروم 27. لأن يسمح بوجود الشر فيما يخلقه
 وللإجابة على ذلك نقول نعم فالله قادر على كل شيء، قال تعالى “.. وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” آل عمران 189، .. ولكن أليس القادر على أن يسمح بوجود الشر هو أيضاً وبلا شك قادر لان يمنع حدوث الشر وبالتالي إذن ففي حال وجود الشر في مُلكوته فمن المؤكد بأن الله هو من سمح وصرّح به …  ولكن إذن لماذا سمح الله بوجود الشر
 وحثنا إلى اللجوء فنؤمن على أنفسنا عنده تجنباً للشر ومحدثاته فقال “قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد ” وقال “قل أعوذ برب الناس. من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس”
وللإجابة المختصرة نقول: هو من أجل أن نتعرف على الخير وإله الخير … وبالتالي فلولا وجود الشر لما عرفنا طريق الخير اي طريق الله وسبيله وصراطه ولا كُنّا لنتعرف على الأخلاق الحميدة التي أظلّ الله بها هذا الكون العظيم وسيّره  .. فقال “وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ”  الروم 27
 ولكن كيف يُمكننا لأن نتعرف على الخير
وللإجابة على ذلك وهو عن طريق الإبتلاء بالخير والشر والذي يُمتحن فيه الله إرادة المخلوقات الحرة في الإختيار فتعمل على تجنُب الشر وتبحث عن الخير والفلاح والذي سنعثر عليه بتحلينا بمكارم الأخلاق والتي من خلال تبنيها والعمل بها من خلال منهج التسليم الخالص لله سنأتيه طائعين من ذاتنا وبطوعنا
قال تعالى “وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” الأنبياء 35
وهنا وقبل أن نُكمل حديثنا في هذه المسالة نرى من الضروري توضيح معنى الفتنة والتي حسب لسان العرب أَصلها مُستمد من قول فتَنْتُ الشيء  بالشيء اي أذبتهما بالنار في بعضهما البعض وذلك من أجل تمييز الرديء من الجيِّدِ،.. وبالتالي فالفتنة هي ذوبان الشيء في الشيء وتداخله حتى يصعب تمييزه بدون غربلة وتمشيط واختبار، إذن فالفتنة تكون لغرض الابتلاء والامْتِحانُ والاختبار كمثل قول: نضع الشيء على المحك وذلك حتى نتبين من معدنه الحقيقي، كما ويمكن لأن يُفتن الناس بالمال، أو بالأَوْلادُ، أو بالخير والشر فيصعب تمييزهما ومثال على ذلك هو قوله عز وجل: ربَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنةً للقوم الظالمين، أي لا تُظْهِرْهُم علينا فيُعْجبُوا ويظنوا أَنهم خير منا، فالفِتْنة هنا هي إِعجاب الكفار بكفرهم إلى حد اختلاط الأمر عليهم  …   إذن فلقد اراد الله من ابتلاء الإنسان بالشر هو امتحان قدرته المُخيرة في الحفاظ والإتمان على ذاته فياتي الإنسان ربه بإرادته الحُرة وبطوعه لا مُرغم ومُسير
 لم يبتلي الله الإنسان بالخير والشر ويفتنه بهما فقط بل ألقى في روعه غريزة الفجور اي الإنبعاث في المعاصي والميل عن الحق
فقال “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا”  الشمس 7 – 8
كما ووصف لنا طبيعة النفس وقدرتها الآمرة لإحداث الشر والتسبب فيه
 فقال “إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي” يوسف 53
 وحتى ينبعث فينا فجور النفس زين الله لنا حب الشهوات
فقال “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗذَ‌ٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ”  آل عمران 14
وسمح للشيطان بإغوائنا والتسلُط علينا
 قال تعالى “قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ. قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ” الأعراف 14 – 17
وقال تعالى “لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا”   النساء  118 – 119
وزاد علينا من أمر الإبتلاء
فقال “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”  البقرة 155
فخالق هذا الكون العظيم ومن قدّر الحياة والموت عليه وعلى من فيه اراد لأن يمتحن إرادة الإنسان الحرة في التسليم له بطوعه وخياره فقال “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  ”  الذاريات 56 .. فهو إذن لم يخلق الإنس لأي غرض سوى ليُسلموا إرادتهم الحرة لخالقهم .. أي ليمتحن إرادتهم الحرة في التسليم له وبالتالي أراد الله لأن يُذكّر الإنسان بمن هو خالق هذا الكون العظيم ومن فيه ومدبره بمن فيه فيستسلم الإنسان لهذا الواقع الخلقي فيأتي الله متسابقاً على فعل الخير
فقال تعالى “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”  هود 7
وقال تعالى “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور”ُ   الملك 2
ولكن كما نرى فلم يجعل الله في إمكان الإنسان لأن يتغلب على الإبتلاء بدون مشقة فهو لم يبتليه بالشر فحسب بل وألهم نفسه بالفجور وسمح لها لأن تأمره بالسوء، ورضي للشيطان لئن يوسوس له ويفتنه، وزين له حب الشهوات، وابتلاه في النقص في الكثير من أمور دنياه، كل ذلك حتى يمتحن عزمه وإرادته الحرة في إختيار الطاعة على المعصية ولأن يُجاهد نفسه ويوظفها في البحث عن سبل التسليم لله والتي ستهديه لصراط الله المستقيم، قال تعالى “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا” العنكبوت 69. وحينها سيوفقه الله إليه ويحفظ له ذاته
ولكن كيف يكون للإنسان القدرة على التغلب على فجور نفسه والتي تامره بفعل الشر
وللإجابة على ذلك نقول بأن الله جعل في الإنسان المدركات العقلية والأخلاقية الذكية والتي إذا أحسن توظيفها اخلاقياً فستبعث فيه روح الخير …. فإله الخير ورفيع الدرجات وأعلاها اراد للإنسان الهداية فأرسل الله رسوله للناس كافة
فقال ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا” سبأ 28
وجعل الغرض من مهمته الرسولية هي لأن يكون رحمة للعالمين
فقال تعالى ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” الأنبياء 107
ولكن وحتى يجلب رسول الله وحبيبه الرحمة لنا امرنا بطاعته
قال “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”  آل عمران 132
وقال “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا”  الحشر 7
 ولكن وحتى يكون رسول الله رسول للرحمة يبعث فينا روح الخير ويحثنا على تبني الأخلاق الحميدة وتجنب الشر وصّانا الله على ضرورة الإقتداء به
فقال “لقدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  ” الأحزاب 21
فكان بأن تحلّى الرسول الكريم بخُلق الإسلام الحنيف وتجلّى ذلك من خلال ثناء الله على خُلُقه
فقال تعالى” وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”  القلم 4
وأتى التأكيد على مضمون ما حمل الحبيب لنا برسالته وعلى لسانه
فقال ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” صححه الألباني في الصحيحة
وفي الحث على مكارم الأخلاق كان لنا من أقوال حبيبنا عليه الصلاة والسلام ما يلي
 إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم” رواه أحمد
  أكثر ما يدخل الناس الجنة، تقوى اللّه وحسن الخلق ” رواه الترمذي والحاكم
  إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً ” رواه أحمد والترمذي وابن حبان
وأتى أمر الله لنا لأن نتمسك بالأخلاق الحميدة
فقال ” وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚوَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ” آل عمران 104
الإنسان وإمتلاكه للقدرات العقلية والأخلاقية الذكية
قال تعالى “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا”  الإنسان 2
إن ما يمنع المخلوقات المُخيرة والغير معصومة عن فعل الشر والقبائح هو أن تتوفر لديها القدرات العقلية والاخلاقية الذكية والتي لابد من العقل بها وتوظيفها لفعل الخير واجتناب الشر، حيث تبرز هذ القدرات من خلال قدرة المخلوقات على الإستيعاب والإدراك والبيان والحكمة والوعي والضمير .. ولذلك فحتى يكون للإنسان القدرة على فعل الخير والتغلب على الإبتلاء بالشر جهزه الله بقدرات عقلية وأخلاقية ذكية حتى تمكنه من البيان والتفكير والتمييز بين الأمور وبالتالي يكون بالقادر على التحليل والتمعن والتحري والتفحص والتدبر والتبصر بالأشياء واتخاذ القرار الصائب والتي لولاها لم يكن بإمكان الإنسان فعل الخير من نفسه
لقد كان بعد أن خلق الله الإنسان جهول وبدائي بأن عمل على تحسين صورته بشخص آدم فقال “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ” الإنفطار 7 – 8. ثم أخبرنا بتزويده له بالقدرات الذكية فجعله الله ذو بصيرة وقدرة على الإدراك فقال ” فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا” الإنسان 2.  ثم وبعد أن أصبح له القدرة على عقل ما يسمع وما يُبصر علمه الأسماء كلها فقال “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا”  البقرة 31
إذن فكان بأن جعل الله في آدم وذريته القدرات العقلية والأخلاقية الذكية التي تمكنهم من العقل بها فقال تعالى ” وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ” النحل 78. والتي لم نعهدها في الإنسان البدائي الأول وبالتالي كانت النتيجة بان فشل في الإبقاء على نفسه في مأمن من الشر ولم يطع خالقه .. وبالتالي جعل الله الآدميين كمثله ولكن هل المقصود بأنه اصبح مثله في ذاته .. طبعاً لا بل جعله له ما يشبهه في قدراته “وهذا مهم فهمه حتى لا يعتقد البعض بأننا نتعدى على ذات الله في قولنا هذا والعياذ بالله” وإنما جعل الله للإنسان القدرة لأن يكون “سميعا بصيرا”، والسمع والبصر هي في الحقيقة قدرات لا مكونات ذاتية، فأتت الفاء في قوله “فجعلناه” للترتيب مع التعقيب أي تعقيباً على ما أراد الله ابتلاء الإنسان به وبالتالي ليستعين بها وليكون لديه القدرة على اجتناب الشر وعمل الخير. إن الله هو وحده القادر لأن يجعل للإنسان قدرات ادراكية ذكية فجعل له القدرة على السمع والبصر ولكن بقدرات محدودة ومُتدنية ولا تقاس بما لدى الله من قدرات العلم المطلق واللا محدود .. فالله في الإشارة على ذاته
قال “إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” غافر 20
 وقال “قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ..” يونس 31
وهذا يعني بأنه لا يوجد هناك من يساوي الله بقدراته وبالتالي فهو من بيده القدرة المطلقة على الإدراك والبيان، وهو صاحب القدرات الذكية والأخلاقية العليا والتي تحقق كُل الخير وتوجده وتفّعله
ولكن لربما اعترض البعض وقال بأن الإشارة على أن الله جعله سميعاً بصيرا تخص الإنسان كما أشارت الآية الكريمة وليس آدم بشخصه وللإجابة على ذلك نقول نعم وهذا هو الأصح لأن تُشير عليه بالإنسان كما ولقد “أتت في سورة الإنسان” لأن الإشارة عليه بالإنسان تشمل على الجنس بشكل عام أي جنسه من الذكور والأناث معاً، أما فلو كاتت الإشارة على آدم وحده وبإسمه العلم وكان قوله تعالى “إنا خلقنا آدم نبتليه .. .. ” مثلاً لكان الإبتلاء في هذه الصيغة لرُبما سيُفهم على أنه لشخص آدم فقط أو على أنه يُشير على الذكور من دون الإناث” ولكن وبما أن الآية الكريمة كانت تُشير على القدرات العقلية الذكية لهذا الإنسان، قال تعالى “فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا” ونحن نعلم بأن سابقه إنسان جهول إذن فهي بلا شك تُشير على الإنسان بصورته الإنسانية المُحدثة والمُحسّنة والذي جعل له القدرة على التعلم واكتساب المعرفة أي آدم وذريته من ذكور وأناث وبالتالي فهم من وقع عليهم التحسين وجُعِلوا ذو قدرات ذكية من دون غيرهم من السابقين من جنس الإنسان أو الإنس
الإنسان المدرك العاقل ودور العامل الأخلاقي والمتمثل بتقوى النفس، وقدرة هذه النفس على مقاومة فجورها
قال تعالى “”وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا”  الشمس 7 – 8
 لقد ألهم الله الإنسان أي أوقع في روعه ” ليس فقط فجور النفس بل ما يُقَومها به ويُصلحها ألا وهو تقوى النفس “العامل الأخلاقي والذي تكمن فيه القدرة على الإتقاء من المفاتن والشرور” وذلك ليُعينه على حفظ نفسه والتغلب على ضعفه، وجعل من آلية عمل التقوى لأن تتشخص له من خلال قدرته على الوعي والتي أيقظت فيه الضمير والذي مكّنه الله من خلاله ليكون بالقادر على الإستماع لنداء العقل في الحكم على الأمور واتخاذ القرار الصائب، قال تعالى ” وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ”، وقال ” أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ”، وقال ” وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ “، وقال “..  أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُون”، وبالتالي يكون العقل بها فيعمل الإنسان على مساءلة ومحاسبة نفسه وملامتها، قال تعالى “وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” فيذكرون الله ويتفكرون في خلقه قال “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” وبالتالي تدفعه نفسه اللوامة “الضميرية” للعدول عن الشر بل واجتنابه والحرص على فعل ما هو حق وخير بنفسه المطمئنة
لقد أخبرنا الله في كتابه الكريم على لسان عباده المُكرمين بان بيده الخير فقال “.. “بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” آل عمران 26. وهو من أوصانا وحثنا على التسابق لفعل الخير فقال “وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ المائدة 48. وأمرنا بالعدل ونهانا عن فعل المنكر فقال ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” النحل 90. فالفحشاء والمنكر والبغي كلها مظاهر للظلم والفساد والشر والله لا يظلم مثقال ذرة وهو الرحيم والودوود والغفور والسلام فقال تعالى “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ”  النساء 40.
كما وأخبرنا بمكافأته لنا على فعل الخير ولو بمقدار الذرة الواحدة فهو لن يُضيعها علينا سًدى بل سيكافئنا على فعلها، مع أن الذرة هي رمز لأصغر لبنة في بناء المادة من حيث التكوين وهي لا ترى بالعين المجردة ومع ذلك فالله يحسبها على الرغم من ضئالتها وذلك حتى لا يُفوِّت على الإنسان الفرصة لدخول الجنة، فهو لن ينتقص حتى ولو مثقال ذرة واحدة من عمل الإنسان رغم ضئالتها ولن يفوت عليه القسمة بالحق فقال ” فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ” الزلزلة 7، وبالمقابل حذرنا من الشر ولو حتى مثقال ذرة لأن في ذلك الكثير من الخطورة علينا فقال “وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  ” الزلزلة 8. إذن فلو كان عمل الإنسان بمثقال ذرة من الخير أو الشر فسيكافئه الله على فعله للخير وسيُعاقبه على فعل الشر، كما وحذّر الله الخارجين عن الحق وعن أمره بان مهمة إصلاح أنفسهم تعود عليهم وحدهم فهم مسؤولين عن ذاتهم وحفظها لأن الله وفّر فيهم الإمكانيات الذكية والأخلاقية التي يحتاجوها في السعي إلى طاعته وعبادته ولكن جعلهم أحرار ومُخيرين
قال تعالى “قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ”  الشمس 9 – 10
بالإضافة على أن الله بشّر الإنسان بان ميزان ثواب عمل الخير والتسلح بالقيم والأخلاق الحميدة غالب حتى ولو تساوت كفتي ميزان الخير والشر في عمله لأن الله سيجعل من قيمة حسناته لأن تخضع لنظام حسابي جديد غير مألوف في القوانين والنظم الحسابية التي نعرفها، فالحسنة لا تؤجر عليها بمثلها بل بعشرة أمثالها أما السيئة فقط بمثلها، قال تعالى “مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” الأنعام 160. فهو إله عادل بكل المقاييس وذلك لأنه إله الخير ويُريد أن يجعل لك نصيب من الآخرة، قال تعالى “وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ”  الأعلى 17
ففي الإشارة إلى يوم الدين .. وهو يوم الحساب والفصل قال تعالى “وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” الأعراف 8. ففي ذلك اليوم جعل الله الجنة هي ثواب من عرف حقيقة وقدرة خالقه وكان قد نهى نفسه عن الضياع والسقوط في هاوية المعصية .. قال تعالى “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ” النازعات 40. فبشره الله بعيشة راضية فقال “فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ” القارعة 6-7. كما ووعد من خاف مقام ربه في الدنيا بماذا .. قال تعالى ” وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان ” الرحمن 46. إذن كما قال تعالى ” قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا” اي نمّا نفسه وجعل زادها التقوى فنزهه نفسه وارتفع وارتقى بها عن المعصية، ولكن من اسقط نفسه ضحية لهواه كان كما قال تعالى”وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا” أي من غمرها وغرزها في نفسه فلم يُظهرها أو يعلوا بها فلقد خاب أمله وقدره .. وبالتالي لا أسفاً على هذا الإنسان البغيض الذي لم يستمع لنداء العقل وترك العنان لغريزته لتفجر، فهو وبكل بساطة اختار لأن يمضي قُدُما في معصية الله لا يثنيه عنها شيء على الرغم من كل التسهيلات التي قدمها الله له، قال تعالى “بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ  القيامة 5…. وبالتالي فمن تساوت حسناته مع سيئاته أو نقصت عنها على الرغم من الكم الهائل من الحسنات التي وعده الله بها فإن ذلك سيدل على خيبته وضلاله قال تعالى “وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَـٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ” الأعراف 9. ولذلك فسيكون مصيره السقوط في الهاوية قال تعالى “وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ. نَارٌ حَامِيَة ” القارعة 8- 11. وبذلك يكون مصيرة حتمي ومؤكد قال تعالى “وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَـٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ” المؤمنون 103
ولكن وحتى يكون الإنسان بالقادر على نهي نفسه الأمارة بالسوء والمُلطخة بالفجور والهوى وجب عليه التسلح بعزيمة وإرادة قوية تحصنه، فلا يُقتتن بالشيطان أو يجعله ولي له، ولنا عبرة ومثال نستفيد منه في قوله تعالى “وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا” طه 115… ولذلك علينا بالعمل بإرادة قوية وعزم حتى نكون من عباد الله المُخلّصين
قال تعالى “إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ” الحجر 42. وقال “إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ النحل 99. وقال “إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ” النحل 100. وقال “قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ”  ص 82 – 83
أما للإجابة المطولة على لماذا سمح الله بوجود الشر … فسوف نبدأها بالحديث أولاً عن المخلوقات التي اسكنها الله في ملكوت السماء والتي سبق خلقها خلق الإنسان وهم يُقسمون إلى جنسين الأول منهم هو جنس مُسيّر أطلق الله عليهم تسمية الملائكة، والثاني هم جنس مُخير أطلق الله عليه تسمية الجان
جنس الملائكة
 لقد خلق الله الملائكة وجعلهم عباد مُسيرين مؤتمرين في أفعالهم وفي اعمالهم ومُستجيبين لحكم وسيادة القانون الإلهي
قال تعالى “لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) الأنبياء
 وقال تعالى “يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ”  النحل 50
يُخبرنا الله تعالى في الآيات الكريمة اعلاه على أنه هو الرب ذو السيادة المُطلقة على الملائكة فقال “وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ” وقال هو “من فوقهم” وفي هذا إشارة ورمز للنفوذ والقدرة المُطلقة فالله هو “ذو القوة المتين” الذاريات 58. “وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”  الروم 27. أما عباد الله الملائكة فهم كما أخبرنا الله فهم ” يَخَافُونَ رَبَّهُم” و “وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ” إذن فهذه هي مؤهلاتهم وقدراتهم المحدودة وهي كما تظهر لنا وظيفية خدماتية بالدرجة الأولى وفيها دليل الطاعة والإستجابة للأمر وبشهادة الخالق نفسه ..  فإله الخير هو من يأمر الملائكة بفعل الخير وهم بأمره يعملون ولم يكن تكليف الله لهم على سبيل الابتلاء والامتحان بل حتى يكونوا مُسخرين لأمره … نعم فلقد خلق الله الملائكة مُسيرين وذلك حتى يعملوا بمشيئتة وإرادته وحسب خطتة وسننه الكونية التي وضعها لهم ليُسيروا عليها لا حسب إرادتهم وخيارهم هُم وبالتالي فإن كُل ما يصدر عن الملائكة من فعل أو عمل لا يكون ناتج عن ذاتهم ولا بخيارهم وإرادتهم فهم وبكل بساطة لا يملكون الإرادة الحرة أو القدرة على فعل الخير من ذاتهم ولكنهم معصومين عن فعل الشر
 التعريف بالملائكة وعلى ماذا تعود التسمية
إن مصطلح الملائكة مُستمد من الـ “ملائك – كه”، أي “الـ ملائك” مُضاف لها ” كه” وذلك حسب ما كنّا قد استنتجنا من المراجع اللغوية. أما معنى الــ كه فنستخلصه من لسان العرب وذلك حسب ما هو منقول عن اللحياني وأَبو عمرو: يقال كَهَّ في وجْهِي أَي تنفَّسَ، والأَمْرُ منه كَهَّ وكِهَّ، وقد كَهِهْتُ أَكَهُّ وكَهَهْتُ أكِهُّ. وفي الحديث: أَن ملَكَ الموتِ قال لموسى، عليهما السلام، وهو يريدُ قبْضَ رُوحِه: كُهَّ في وجهي، أَي افْتَحْ فاكَ وتنفَّسْ ففَعل، فقبَضَ رُوحَه، ويُقال: كَهَّ يَكُهُّ وكُهَّ يا فلان أَي أَخْرِجْ نفَسَك، ويروى كَهْ بهاء واحدة مُسكَّنة بوزن خَفْ، وهو من كاهَ يَكاهُ بهذا المعنى، فالملائك تُطلق على كل ما أو من هو مملوك أي له مَلِك يملك عليه “ولا نتحدث هنا عن عبودية الرق لأن الله لا يمتهن العبيد ولا العباد” وبالتالي فهم من ملك الله عليهم من عباده فسيّرهم حسب مشيئته وأشار عليهم بذلك فقال تعالى “وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثًا” الزخرف 19. وهذا ليس محصور بالجنس بل يشمل على كل المخاليق التي تخضع لأمر الله فتُعبده وتكون عباد له وتسكن في عباده وملكوته الأعلى ولقد أتى في تسميتهم تصريفان
التصريف الأول: الملائكة وهو اسم جنس أصله من الملائك يشير على صفة للعبودية والطاعة “وهي صفة خلقية” ويُطلق بالخصوص على سكان ملكوت الله العليا وهو خاص بالعباد المُسيرين والذين خلقهم الله بإرادة مُسيّرة “ولا نقول بلا إرادة .. ولو حصل وأشرنا عليهم بذلك فهو عن طريق الخطأ” فأخضعهم لِمُلكه وحكمه ومفردهم ملَك، قال تعالى “قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا” الإسراء 95. وقال تعالى “مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ” يوسف 31. وبالتالي فهي مخلوقات مملوكة أي من فوقها ملِك يحكمها ويأمرها وكان أسمها دلالة على صفتها المملوكة لصاحب المُلك، إذن فإذا كان مُصطلح الملائكة يحمل الإشارة على الجنس فهو يُشير وبلا شك على الأنفس المملوكة المُسيرة والتي خُلقت على هذا النحو، فالمسير منها مخلوق دون إرادة إختيارية وهم بالتحديد المخلوقات النورانية والتي خلقها الله حصرياً للإستجابة لأمره وبالتالي ستكون مملوكة وخاضعة لإرادة ومشيئة الله وأمره ويُشار عليهم بالعباد والمفرد منهم عبد
التصريف الثاني: وهو تصريف يُشير على سمة وصِفة العباد المُخيرين والذين تمت الإشارة عليهم ضمنياً بالملائك وهي صفة مكتسبة للذين يأتون الله بإختيارهم وطوعهم فيتقبلهم الله ويُسكنهم في ملكوته ويجعلهم في صحبة عباده المسيرين فيقع عليهم الوصف وشملت عليهم التسمية بالملائكة لا لجنسهم بل لما اتسموا به من صفة الطاعة والتسليم أي سُموا بذلك نسبة لسِماتهم التي غلبت على سلوكهم لا نسبة لجنسهم ومنهم الجن، فالمملوك منهم هو من سعى لأن يُملِك نفسه لله ويأتمن عليها في مُلكه، قال تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” البقرة 34 . وهنا كما نرى فلقد شملت عليهم التسمية لأن سمتهم “اي ما اتسموا به من سمات الخضوع والطاعة” جعلتهم مع الملائكه في تسميتها
وهنالك تصريف آخر ليس بالبعيد بمعناه ولكنه يخص الحال ويُطلق على المملوكين لغير الله ليس بخيارهم بل مُكرهين ومجبرين وكارهين ويُشار عليهم بالمماليك أو الرقيق والعبيد ومفردهم عبد، قال تعالى “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا” النحل 75. وقال تعالى “وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ”  الشعراء 22
أما حين يُنسب لفظ العبيد إلى الله فهو يُشير على مسلوبي الإرادة ومن سقط عنهم التكليف كقوله تعالى “مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”  فصلت 46. وقوله ” ذَ‌ٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”  الأنفال 51. وهذا سنأتي على توضيحه
جنس الجان
لقد جعل الله المخلوقات على صورتين منها المسير ومنها المخير وذلك حتى يُحِدث التوازن الخلقي الذي تتجلى به عدالة السماء والذي ينسجم مع قوله تعالى “وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” الذاريات 49. حيث لم يُستثنى من ذلك شيء فخلق في السماء المخلوقات المُسيرة ومنها الملائكة “وهي من امتلك الله عليها فجعل من نفسه ملكاً عليها ومَلِكٌ لها فخصّها لنفسه وسيّرها كما سبق وذكرنا” ولكن فلقد كان في خلقها الحاجة للإستواء الخلقي مع نظيرها الزوجي، فالتسيير جاز لئن يقابله التخيير وذلك حتى يعادله ويوازنه … ولذلك فلقد قضت سنة الله في التسليم لخلق وجود مُخير يتم من خلاله احضار بديل للمقارنة والمثل فكان بأن خلق الله الجن وهم من المخلوقات المُخيرة حيث جعل الله فيهم الإرادة الحرة حتى يكون لديها القدرة على الإختيار فتُسلم ذاتها بطوعها واختيارها له ولكن أبقى الله عليها بدون اختبار تتجلى فيه حكمته بعد فعصمها وحفظها في مأمن عنده حتى تأتي ساعة إمتحان إرادتها على الإختيار والتي سنتعرف من خلالها فيما إذا ستُطيع الله وتُسلم ذاتها له بمحض اختيارها وطوعها .. أم لا
فالجان كالإنسان يتصف بصفة العقل والإدراك وبالقدرة على اختيار طريق الخير والشر ولكنه يخالف الإنسان في الظهور وسُمّوا بالجن لاجتنابهم أى استتارهم عن العيون، قال تعالى “إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ”  الأعراف 27. ومن هنا يمكنا لأن نتعرف على مصدر تسمية الجنين بذلك، قال تعالى “وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ” النجم 32. لأن الجنين لا يُرى بالعين المجردة وهو في بطن أمه، بالإضافة إلى أن خلق الجان متقدم عن خلق الإنسان وأقدم منه، قال تعالى “ولقد خلقنا الإنسان من حمأ مسنون، والجان خلقناه من قبل من نار السموم” سورة الحجر. وبالتالي فلقد جمع الله في عباده وملكوته الأعلى كُل من الخلق المُسير والخلق المُخير من قبل خلقه للإنسان، وكان بأن سمح الله للجن لأن يكونوا مع عباده من الملائكة المُسيرين وفي ملكوته وبذلك صُيّروا مثلهم وسُمّوا بذلك لأنهم اتسموا بصفات الملائكة كما سبق وأشرنا عليه لأن التسمية تقع على من سما وعُرف بها جنسه أو على من اتسم بالشيء وجاز عليه الوصف أي ليس فقط محصورة في الجنس
أما الفرق بين الجان والجن فهو إذا تم ذكر الجان وليس الجن فتكون الإشارة على إسم الجنس بشكل عام كما في الإشارة على الإنسان، أما إذا تم ذكر الجن فهو يُشير على المجموعة أو القوم وذلك كما في الإشارة على الإنس، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
لقد جعل الله الملائكة مُسيريين أي ذو إرادة مُسيّره وبالتالي لا يملكون القدرة على فعل الخير من ذاتهم ولكنهم معصومين عن فعل الشر وبالتالي فهم في مأمن عند الله وفي مأمن من غضبه وعذابه
أما الجن فهم على العكس من ذلك فهم مُخيرين أي أحرار لأن يطيعوا الله او لا يُطيعوه ويملكون الإرادة الحرة في اختيار عمل الخير أو الشر ولكنهم غير معصومين عن فعل الشر ولا حصانة لهم
ولكن فما هو الأفضل للمخلوقات: هل لأن تكون مُسيرة ومعصومة عن الشر اي خاضعة وتسير حسب سُنة التسليم الكونية ومنسجمة معها أم تكون مُخيرة لأن تُسلم لله أو لا تُسلم اي لتكون حرة وبإرادتها وبذلك تبقى بلا حصانة وغير معصومة عن الشر
امتحان المعرفة
إن مسألتي التسيير والتخيير تُذكرنا بأمر الله للسماء والأرض أي عالم الوجود الكوني بالإتيان والإستجابة حين دعاهم لأمره بالتسليم والذي صاحبه التحذير “فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” فُصلت 11. فالله أشار لهذه المخاليق العظام على الإتيان بخيارهم مع أن تسليمهم لله حاصل في كلا الحالتين أي سواء بالرضى والطوع أو بالإكراه والغصب، وبالتالي فلقد كان من الواضح بأن القصد من التخيير هو إبداء الغرض من التسيير لأن الله هو خالق الوجود وبدون تدبيره لا يكون للوجود قدرة على البقاء بل سيكون مصيره للزوال والفناء أي الفشل على الحفاظ على الذات
 قال تعالى “إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا” فاطر 41
 وقال تعالى “وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ” الحج 65
 إذن فإن سنة الله الكونية في التسليم والتسيير تتعارض مع مبدأ التخيير لغير القادر على الحفاظ على ذاته ولذلك فالله كان قد أراد لهم التسيير لا التخيير ولكن أراد الله لهم لأن يقرّوا ويشهدوا على عدم قدرتهم بحفظ ذاتهم لاوبالتالي يستسلموا لفطرتهم، وهذه السنة الكونية تتوافق مع اتخاذ الله لنفسه الملائكة عباد مُسيرين وطائعين وبدون أن يعطيهم الفرصة ليخيرهم أو لأن يكونوا أحرار وذلك حتى لا يكون للشر مكان في عباد الله وملكوته الأعلى وبالتالي إذن فإن الحق هو في جعلهم مُسيرين لا مُخيرين لأن طريق الاسلمة الخالصة لله هو الطريق الأسلم لنا ولباقي المخلوقات الكونية خاصة وأن الله هو وحده القادر على منع حدوث الشر
لقد شاء الله لأن يُبين لنا الحقيقة من وراء سنة التسليم “الاسلمة الكونية” التي أسس عليها هذا الوجود فالله يقول “وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا” آل عمران 83. وجعل من الممكن تَحَري سنته هذه وفهمها من خلال امتحان المخلوقات المُسيرة والمُخيرة في قدرتها الأخلاقية في الإتمان على الذات أو “حمل الأمانة كما أشار الله عليها” وبالتالي تُسلم لخالقها بطوعها لا مُكرهه ومرغمة على ذلك، فخلق الله من الأرض خلق ظاهر ومحسوس وأشهد الملأ الأعلى على تجربته معهم في الطاعة والمعصية وفي التسيير والتخيير وكان أول ما خلق الله من الأرض الدابة وجعل منها البشر الأولين، خلقها مُسخرة لإرادته ومشيئته وبدون قدرات إدراكية ذكية تمكنها من العقل بل زودها بقدرات غريزية تتجاوب مع متطلباتها واحتياجاتها الحياتية والمعيشية وتركها بدون أن يعصمها عن فعل الشر، وعمل على أن يُشهد الملائكة والجن على نتاج عملها واستجابتها لغرائزها الشريرة والتي دفعتها للفساد وسفك للدماء قبل أن يُهلكها ويستخلف من بعدها بشراً قادر على العقل والإدراك ويمتلك القدرة الأخلاقية لفعل الخير واجتناب الشر
ولكن لم تكن البشر الدابة هي وحدها التي شهدت الملائكة والجن على مسلكيتها البدائية واللاخلاقية، فلقد كان في خلق الإنساني البدائي الأول عبرة للملائكة والجن معاً، فكان الإنسان البدائي يختلف عن الملائكة وعن البشر الدابة بكونه خلق مُخير لا مُسير مثلهم … ولم يكن قد جعله الله بقُدرات إدراكية عقلية وأخلاقية ذكية بل أبقى عليه جهول وبدون قدرة أخلاقية ولم يعصمه عن فعل الشر بالإضافة على أنه كان قد كلّفه بالعبادة “طاعة الأمر” .. ولكن لم يتركه الله بدون ان يهديه إلى السبيل أي إلى طريق الحق والخير والصلاح فقاده إليه حتى لا يكون له حجة، قال تعالى “ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ” عبس 20. ولكنه ومع ذلك ظلم نفسه وحاد عنه وفشل لأن يُبقي على نفسه في مأمن .. فطوى الله صفحة زمانه وشهدت الملائكة “والجن” على انقضاء أجله وموته .. ، ولكن لم تكن تعلم الملائكة بخطة الله التي أخفاها عنهم وذلك بأنه سيُعيد إنشاء الإنسان بخلق جديد وسيُخضعه للتسوية والتحسين وذلك ليكون بالقادر على العقل والإدراك ويمتلك القدرة الأخلاقية على فعل الخير والشر
الملائكة وامتحان المعرفة
وبالتالي فحين أتى موعد خلق آدم أخبر الله الملائكة بأنه سيخلق بشراً من طين وامرهم بالسجود له في حال الإنتهاء من خلقه فقال “إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ. فإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” ص 71 – 72
ثم أخبر الله الملائكة بمهمة آدم البشر ألا وهي جعله على خلافة الأرض ” فقال “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ” البقرة 30 – 33
ولكن وإذ بالملائكة تتسائل عن أهمية هذا الدور الذي سيقوم به هذا المخلوق الجديد وما جدواه” .. “قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” وحكمت على هذا الخليفة بدون أن تعطيه الفرصة أي حتى من قبل قيامه بدور ومهام الخليفة في الأرض … فعلى ماذا كانوا قد بنوا إفتراضهم الخاطيء هذا وهل كان هذا نتيجة لربما
أولاً: أن الملائكة يعلمون الغيب وبالتالي حكموا عليه نتيجة لذلك، ولكن الجواب على ذلك وهو بالنفي لأن الله هو وحده له علم الغيب والذي لا يُظهرعليه أحداً
قال تعالى “عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا” سورة الجن 26
ثانياً: أم كان نتيجة علم الملائكة مسبقاً على طبيعة المخلوق الجديد أي أخبرهم الله به وبالتالي فهم كانوا على علم ودراية مُسبقة به، والجواب على ذلك هو بالنفي وذلك لأن الله هو وحده كان على علم حصري بما يخص هذا الآدمي ولم يطلع عليه الملائكة بعد وهذا نأخذه من قول الله لهم “قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” أي عندي من العلم مالم أطلعكم عليه بخصوص هذا المخلوق الجديد، وعزز ذلك رد الملائكة من خلال قوله تعالى “قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ” فكانوا إذن بدون علم مُسبق بطبيعة هذا المخلوق الجديد، فلم يُحطهم الله به خبرا …. قال تعالى  وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ”  البقرة 255
ثالثاً: إذن فإن هذا يقودنا إلى أن نستنتج على أن علمهم المُسبق بطبيعة البشر لم يكن نتيجة علمهم بالغيب ولم يكُن عن طريق إخبار الله لهم عنه أو كان قد أحاطهم بخبره وبالتالي إذن فلقد كان إتهامهم للبشر الجديد بصورة آدم بالدموية والفساد هو على الأغلب نتيجة خبرة وتجربة سابقة مع مخلوقات طينية بشرية أولية كان قد خلقها الله من قبل خلقه لآدم عليه السلام والتي تزامن وجودها مع بداية الخلق وكانت قد سبقت خلق آدم، إذن فهم لم يكونوا على علم بأمره وما أخفاه الله عنهم ولم يُطلعهم عليه …  ولكن ما الذي أخفاه الله عنهم ولم يُطلعهم عليه
 والجواب على ذلك وهو بأن الله كان قد جعل لآدم قدرات عرّف عليها بقوله تعالى “فجعلناه سميعاً بصيرا” أي قدرات ذكية وأخلاقية تمكنه من اكتساب العلم وتحصيل المعرفة والقدرة على البيان وجعل له ضمير يحاسبه ويُسائله، فهذا الإنسان ليس كسابقه بل فهو قادر على التعلم والإدراك وبالتالي فهو قادر على أن يملك قدرات أخلاقية حميدة تجنبه من القيام بالأعمال الشريرة … وحتى يُريهم لهم بأن لم يكن من الصواب اتهام آدم بالفساد وسفك الدماء لمجرد كونه من البشر أخضعهم للإمتحان
فقال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ
 وبالتالي فحين علم آدم الأسماء كلها أي أطلعه على كُل ما أوقع عليه التسمية وأصبح مُسمى، فكل شيء يبقى شيء غير مُعَّرف وغير معلوم مالم يحمل إسم يدل عليه سواء كان شيء مجرد أو حسي ولذلك فإن كُل شيء يُعطى أسم وذلك حتى يصبح يُعرف به أو يُشار عليه به أو يُعرّف عليه من خلاله وبالتالي فعند قوله تعالى “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا” اصبح آدم على علم باسماء كُل مُسميات الأشياء الحسية والمجردة على حد السواء وذلك قبل أن يعرضهم على الملائكة … ثم عرضهم الله على الملائكة فقال “ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” وهنا لم يقل الله – ثم عرضها – إشارة إلى الأسماء .. فهو وبكل بساطة علم آدم الأسماء ولكنه لم يعلمها للملائكة فكيف لها بالتعرف على الأسماء بدون أن يكون لهم علم بها وبالتالي قال الله “ثم عرضهم” أي إذن عرض عليهم ما هو منظور أو مسموع وبالتالي معقول لهم بدون أن يعلّمهم أو يُطلعهم على تسميتها وبالتالي فإن ما عرضه عليهم هو جوهر ما اصبح معلوم لآدم تسمياتها أو أسمائها فكان عرض للمحتوى والجوهر بدون أن يرمز لها بالإسم ولم يكن العرض يُشير فقط على المجرد بل شمل على ماهو حسي وغير حسي والذي قدمه الله بصورتي الفعل والقول فأعطاهم الله الفرصة للإطلاع عليه .. وبالتالي فلو عرض الله عليهم وأشهدهم رؤية ما هو حسي كالجبل مثلاً فهم كانوا قد رأُوه حسب شكله ومادته المركبة له ولكن لم يكن بمقدورهم الإشارة عليه بإسمه أو تسميته فهم لا يعلمون أسمه وبالتالي فلا يمكنهم التمييز بين شيء إذا كان على شكل الجبل أو الجبل نفسه وأمثلة أُخرى عديدة كالحيوان فهو اسم للجنس العام ولكن كيف يمكنهم التفريق بين الأصناف فكلها حيوانات ومنها المتشابه .. الخ. وكذلك في عرض الله للتوبة مثلاً من دون أن يُعطيها اسم وبالتالي يكون عرضها من خلال “الشرح المفصل” كالقول بان الشخص حين يُذنب يجب عليه مراجعة نفسه ومحاسبتها والتوصل إلى نتيجة بانه بحاجة لعلاج أخلاقي وإصلاحي بدون أن  يُسميها توبة أي يعطي لها أسم مختصر يُعرف بها، أو بأن السنين تُحسب من خلال تتابع الايام والتي تخضع مثلاً لتقلب الليل والنهار ودور الشمس والقمر بدون أن يقال بان هذا يخضع لنظام علمي دقيق يُسمى علم الحساب فكيف لهم بالإشارة على هذا العلم أو غيره بإسمه، مع العلم بأنه من الخطأ الإعتقاد بأن الله علّم آدم العلوم كلها لأن الله لم يعلمه ذلك بل علمه أسمائها فقط أي ما تُعرف به كباقي الأشياء وترك للإنسان فرصة التعرف عليها من خلال قدراته الذكية التي جعلها الله فيه .. فقدرته على البيان والإدراك واكتساب المعرفة من خلال علم التقليم هو ما جعله بالقادر على تحصيل العلوم
لقد أخطأ بعض العلماء ومنهم الدكتور المفكر محمد شحرور حين زعم بأن الله عرض على الملائكة الأشياء الحسية “الحسيّات” فقط لا المجردات وقال بأنه ليس من الممكن عرض المجردات مثل الحب والطاعة .. وغيره .. ونسي استاذنا الكريم بأن الله عرض الأمانة فقال “إنا عرضنا الأمانة ..: ” وبالتالي كيف يكون عرض الامانة على السماوات والأرض والجبال عرض حسي وليس هنالك القدرة للسماوات أو الارض أو الجبال على رؤية الأمانة التي عرضها  .. بالإضافة على أن الأمانة هي حفظ الذات والإتمان عليها وهي ليست بالشيء الحسي، وبالتالي فالعرض يمكن لأن يشمل على كل شيء وهو ممكن لأن يكون عرض للشيء بالعين أي لما هو مرئي أو محسوس أو عرض للشيء بالقول أي لما هو مسموع
إذن وبعد أن عرض الله عليهم محتوى وجوهر ما علّم آدم مسمياتها اشار على عدد منها وليس كُلها لأنه خصها بـقول هؤلاء ” ولكن لماذا اشار عليها بقول هؤلاء حيث أن قول هؤلاء يخص العاقل وما عرض الله كان يخص كل شيء أي العاقل وغير العاقل وللإجابة على ذلك وهي حين يوجد كل من العاقل وغير العاقل تُغلب صيغة العاقل على غير العاقل فأشار الله على ذلك به أي أشار على مجموعة منها “فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” أي فإذا كانت قدراتكم الذكية تسمح لكم بالتعرف على أسماء المسميات بدون أن أعلمكم بها وتنبئتم بأن آدم البشر سيكون كسابقيه من البشر أي متخلف وجهول وبدون قدرات ذكية فاثبتوا صدقكم، ولكن كيف يمكنهم اثبات ذلك بدون علم كان قد علّمهم الله إياه وبدون أن يكون لهم القدرة على الإبصار من أنفسهم .. خاصة وأن الأمر اختلط عليهم فاعتمدوا تسمية البشر وجهلوا بمضمونها وما تحمل من التكليف فاعتقدوا بأن البشر يعود على التسمية كحال وليس على الدور الذي اراده الله لآدم فلقبّه به وجعله خليفة في الأرض فكان لقب حمل الرفعة والتكريم والتكليف، ولكنهم تذكروا على الفور بأن النقص في علمهم هُم وهو من تسبب بحكمهم الخاطيء هذا فاسرعوا في تمجيد الله في علمه وحكمته “قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ” … ولكن لم ينتهي الأمر عند هذا الحد بل أراد الله لأن يريهم الفرق بين من هم مخلوقين بدون قدرات ذكية وبين هذا المخلوق الآدمي والذي جعله الله بقدرات إدراكية ذكية وأعلم منهم لا بل فهو يعلم أسمائهم فقال “قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ” .. لقد اعتقد البعض بأن الله والعياذ بالله من كل شيطان رجيم وكأن الله أراد لأن يًثبت للملائكة قدرته على علم الغيب من خلال قوله تعالى “َقالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ” ولكن الله ليس بحاجة لأن يثبت لهم أي شيء فهو صاحب الكمال المطلق ولا حاجة له عند أحد ولكن أراد لأن يُذكرهم بما فاتهم مما علّمَهُم إياه وأطلعهم عليه وهو قدرته على علم الغيب وبالتالي قال “َقالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ” وهو فعل ماضي ومنتهي للقول” فهل نسيتم ما كنت قد اخبرتكم به ولذلك شاء لأن يُذكرهم .. فالله على إطلاع بما يدور في ملكه والذي يشمل على ما يدور في خلدهم وما يتبادلونه بينهم من الحديث في السر والعلن
إذن فلقد أتاح الله للملائكة الفرصة في التعرف على فساد البشر الأولين ومسلكيتهم الدموية، وكذلك ظُلم الإنس الأولين لأنفسهم من خلال صورة حيّة بيّن الله فيها أهمية كل من دور عصمته لهم عن الشر وإرادة التسيير التي منحها لهم وكرّمهم بها، وذكّرهم بعلمهم المحدود وسيادته المطلقة عليهم وعلى كل ما في الوجود والتي تتوافق مع السنة الكونية للتسليم كما سبق وذكرنا
لقد اتى امتحان المعرفة حتى يُذكر الله الملائكة بطبيعتهم المسيرة وبحدود قدراتهم العقلية المحدودة وعصمته لهم عن الشر وذلك حتى لا يعودوا لمثل هذا القول الغير صائب لا في ما كانوا  يُبدونه أو ما كانوا يتكتمون ويتسترون عليه بدون أن يعقلوه حيث كان نتيجة تدني قدراتهم الذكية في عقل الأمور وقلة ما أحاطهم الله به من العلم بان اختلط عليهم مشهد تجربتهم مع كل من البشر الأوليين والإنس الأولين على حد السواء وبالتالي أخطأوا في الحكم عليهم
 فالبشر الأولين كانوا مسخرين بطبيعتهم الغريزية ويفتقدون للقدرات الذكية والأخلاقية وتقودهم الغريزة بدل من البصيرة ولم يكونوا معصومين عن فعل الشر فكانت النتيجة بأن افسدوا وسفكوا الدماء
 وكذلك كان الأمر في مع ما شهدوه من الإنس الأولين والذين كانوا مخلوقين بدون أي من القدرات الذكية والأخلاقية ايضاً ولكن كانوا قد خُلقوا لغرض العبادة فكلفهم الله بها ولكن جعلهم بإرادة حرة ومُخيرين لفعل الخير أو الشر والطاعة أو المعصية .. وكانت النتيجة بأن فشلوا في الحفاظ على أنفسهم فلم يمتثلوا لأمر الله ولم يُطيعوه فظلموا وحادوا عن سبيله
الجن وامتحان المعرفة
 إن امتحان المعرفة كان قد شمل على الجن فهم أيضاً كانوا قد أُخضعوا للإختبار –  لقد كان الشيطان جني بمنزلة الملائكة إلى أن عصى الله فيئس وخاب رجاءه أي أبلس ولذلك دُعي بإبليس، ثم خالف الله أي شطن فطُرده الله وأُخرجه من ملكوته الأعلى فأصبح يُعرف بالشيطان
لقد أراد الله لأن يُطلع الجن على تجربة تخص طبيعتهم الإختيارية التي جعلها فيهم وذلك حتى يتعظوا ويستفيدوا منها هم الآخرين ويحمدوا الله على عصمته لهم اثناء استضافته لهم في ملكه وفي عباده … فكان كما سبق وذكرنا بان خلق الله الإنسان ولكن على صورتين الأولى صورة بدائية “كانت على مراحل وحقب زمنية متتالية”، والثانية صورة مُحدثة ومُحسّنة ومُكمِلة للأولى، فالمخلوق الإنسي البدائي الأول كان مُخير ومُكلف بالعبادة كالجن قال تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” الذاريات 56. ولكن زوده الله بقدرات غريزية لا بقدرات عقلية واخلاقية ذكية فكان بدائي وجهول قال تعالى”إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” الأحزاب 72. أي فلقد كان بدون علم أو بصيرة أو قدرة على العقل والإدراك وأبقى الله عليه بدون أن يعصمه عن فعل الشر حيث أراد الله من ذلك حكمة مفادها بأن يُشهد الجن على ماذا سينتهي إليه مصير هذا المخلوق البدائي نتيجة عدم توفر القدرات الإدراكية والأخلاقية الذكية عنده أولاً، وعدم عصمة الله له ثانياً وذلك على العكس من ما كان ينعم به الجن والذين كانوا لا يزالون في مأمن وحفظ عند الله وفي عباده ومع ملائكته حتى أتى موعد امتحان إرادتهم الإختيارية بالسجود لآدم .. فسجد كل من في ملكوت الله إلا إبليس فرفض أمر ربه ولم يطعه وعندها فشل إبليس لأن يُبقي على نفسه بمأمن وفي رعاية الله وحفظه … إذن فلقد كانت النتيجة بأن أقدم هذا الإنسان البدائي على فعل الشر وظُلم نفسه، وكان الجان والمخلوق من قبل هذا الإنسان بصورتيه شاهداً عليه، قال تعالى “وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ..” الحجر 27 . وهذا سنأتي عليه بالتفصيل
إبليس هل كان من الملائكة وكان من الجن في آن واحد ..  دعونا نتدبر
لقد حدثنا الله عن أمره للملائكة بالسجود لآدم في آيات عديده منها
قوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” البقرة 34
وقوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا” الإسراء 61
وقوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ الكهف 50
لقد حدثتنا الآية الكريمة من سورة البقرة عن رفض إبليس للسجود واستكباره، وحدثتنا الآية الكريمة من سورة الإسراء عن الدافع والسبب من وراء استكباره، وحدثتنا الآية الكريمة من سورة الكهف عن جنسه، ولكن وعلى الرغم من أن الآيات الكريمة بدت وكأنها توحي لنا بأن إبليس هو من الملائكة ألا أن الآية 50 من سورة الكهف أشارت على مُكوِّن إبليس الجنسي أي بأنه من جنس الجن أي جنس آخر غير عن جنس الملائكة .. وهنا اختلط علينا الأمر فهل أمر الله إبليس أم لم يأمره بالسجود وإذا كان قد وقع عليه الأمر فهل ذلك يجعل منه لأن يكون من الملائكة مع أن الله يُخبرنا بأنه من جنس آخر .. كيف نحل هذا التناقض أو هذا اللغز
إن أول شيء نُريد لأن نتحقق منه هو هل أمر الله لآدم بالسجود كان قد شمل على إبليس أم لا .. وللإجابة على ذلك نستعين بما جاء في
قوله تعالى “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ” الأعراف 12
وقوله تعالى ” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ” الكهف 50
إذن فمن الواضح بأن الآيات الكريمة أعلاه لم تدع مجالاً للشك بان أمر الله للملائكة كان قد طال إبليس فقوله تعالى “إذ أمرتك” وقوله “ففسق عن أمر ربه” لهما أكبر دليل على ذلك خاصة وأن الفسق أيضاً “هو الخروج عن الطاعة” والذي فيه التأكيد على عصيان إبليس لأمر ربه .. وبالتالي إذن فالآيات الكريمة كشفت الغطاء عن الضبابية والحيرة التي كانت تُحيط بأمر السجود لآدم حيث أخبرتنا وبالنص الصريح بأن الأمر كان قد شمل على إبليس حتى مع أن الخطاب كان موجه بالتحديد للملائكة، فالله إذن أصدر الأمر للملائكة وليس للجن والذي لم يذكرهم في النص … إذن فثمة اعتبار ما كان قد جعل من إبليس وأهَلَه لأن يكون ممن شمل عليهم الأمر، ولكن فكيف بمقدورنا لأن نفسر بأن إبليس كان مع الملائكة على الرغم من اختلاف جنسه عنهم خاصة وأن الله هو من أخبرنا بأن إبليس هو من جنس الجن وليس من جنس الملائكة … الكهف 50
لقد زعم بعض المفسرين بأن إبليس كما أخبرنا الله “كَانَ مِنَ الْجِنِّ” أي فهو ليس من جنس الملائكة، إذن فلم يشمل عليه أمر الله للملائكة بالسجود لآدم وبالتالي اجتهدوا على أن أُمر الله له بالسجود كان منفصلاً عنهم معتمدين بذلك قوله تعالى “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ” الأعراف 12 .. وكأن الآية توحي بأن الأمر هنا يخص إبليس وحده من دون الملائكة ولكن هذا التخمين خاطيء وليس في محله لأن الآيات واضحة وبالخصوص قوله تعالى ” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ” الكهف 50. حيث نرى فيه بأن الملائكة كانت قد استجابت لفعل الأمر بالسجود قال تعالى “فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ” والفاء في قوله – فسجدوا – تُفيد التعقيب والترتيب أي فاء العاقبة وأتت لتفيد الاستجابة للأمر الذي أوقعه الله على الملائكة حيث كان الأمر ولحق به وعقبه فعل السجود مباشرة ألا أن إبليس امتنع عن السجود معهم مع أن الأمر كان قد شمل عليه
هل إبليس هل كان من الملائكة أم كان مع الملائكة وما الفرق بين قول من الساجدين … وقول مع الساجدين، وكيف نفهم ذلك وعلى ماذا يدل كل من القولين
لقد أخبرنا الله بعدم امتثال إبليس لأمره فقال “فسجدوا إلا إبليس” أي مستثنياً إبليس من السجود لآدم ولكن وما يُثير الإهتمام هو ما لحق بذلك من التوضيح حيث لم يتوقف قول الله تعالى عند هذا الحد بل أخبرنا في الآية 11 من سورة الأعراف بأن إبليس لم يكن من الساجدين
فقال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ” الأعراف 11
وأخبرنا في الآية 32 من سورة الحجر بان إبليس ابى أن يكون مع الساجدين
فقال تعالى “فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) الحجر
طبعاً فهذا الإختلاف بين قوله لم يكن “من” الساجدين، وقوله أبى أن يكون “مع” الساجدين يحمل الكثير من الفروقات والتي لابد لنا من التعرف عليها وتوضيحها
ففي البداية نقول بأن الـ (الفاء) والتي سبقت فعل السجود في كل من قوله تعالى “فـ سجدوا” وقوله تعالى “فـ سجد الملائكة” هي في العادة تفيد الترتيب والتعقيب وربط الجواب بالسؤال والأمر وبالتالي إذن أتت لتؤكد على إلتزام الملائكة بأمر الله، ولكن ومع ذلك ففي كُل مرة استُثني إبليس من السجود
قول: مع الساجدين
إذن فلقد أخبرنا الله بأن إبليس: ” أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ” .. ولكن ماذا يعني قول “مع الساجدين” وماذا نفهم منه
قال تعالى “فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) الحجر
إن من المُلاحظ هنا بأن بأن الله استعمل “أن” ليؤكد فيها على رفض إبليس للسجود مع الساجدين ولكن الله لم يسبق “أن” بلام الأمر وبالتالي فلم يقل الله تعالى “أبى لأن يكون مع الساجدين” والذي هو من استعمالات حرف – اللام – نحو: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، والذي في استعمالها ستؤكد وتُزيد من فعل الأمر ولكن الله اكتفى بالقول “أبى أن يكون مع الساجدين” وذلك لأن الله لربما اراد التخفيف من أمر السجود والذي شمل فيه على إبليس … ولكن لماذا يا ترى، وهنا علينا في المزيد من التدبر حيث ومن خلال تفحص النص مرة أُخرى نرى بان الله استبق الحديث عن رفض إبليس بأن يكون مع الساجدين بإخبارنا بان الملائكة سجدوا كلهم أجمعون فماذا يعني قول الله هذا .. وللإجابة على ذلك نقول بأن الملائكة هُنا أتت تُشير على الجنس خاصة وأن أل التعريف في العادة تُشير حصرياً على الجنس أو على أحد من افراده ونُريد لأن نُشير أيضاً على أن الله ألحق بذلك قول “كُلُهم أجمعُون” ونحن نعرف بان الكل والنصف والثلث والربع والخمس والسدس . .. والعشر كُلها تُشير على النسب وبالتالي فحين يُخبرنا الله بان كُل الملائكة سجدوا فهذا يعني بأن نسبة الذين سجدوا كانت مئة بالمئة أي 100% أي وبالتالي ولا حتى أقل من 1% من الملائكة كان قد تخلف عن السجود وأتى قوله “أجمعون” ليزيد في التأكيد على إكتمال جمعهم وقت سجودهم والذين سجدوا من أولهم لآخرهم فسجدوا في جمع واحد، كما ونلاحظ أيضاً استعمال كلمة يكون في قوله تعالى “ابى أن يكون مع الساجدين” ولم يقل مثلاً “أبى أن يكُن مع الساجدين” أي لم يختصر كلمة يكون مثلاً وأستعمل كلمة يكُن بدلاً منها وذلك لأن في زيادة حرف الواو في “يكـ ون” هو رمز للكثرة وبالتالي مرة أُخرى هو دلالة على الكُل “كُلُهم أجمعون” اشارة على التمام والكمال واتت بعدها “مع الساجدين” و “مع” هي في الاصل للإضافة والمصاحبة والمشاركة وفي ذلك ويكون إبليس بهذه الحالة هو زيادة وإضافة على جنسهم وليس منهم وبالتالي إذن فالإشارة هنا حتماً هي على جنس الملائكة فقط والذين كان فيهم قول الله تعالى “يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” سورة النحل 50
ولذلك فلقد كان من الضروري توضيح قول “ابى أن يكون مع الساجدين” خاصة وأن الساجدين في الآية الكريمة كما وضحنا هم الملائكة كجنس وهم المسيرون من الأنفس المملوكة أي من كان فيهم قوله “ويفعلون ما يؤمرون” وبالتالي فإن قول ” مع الساجدين ” أتت لتُضيف على سجود المُسيرين المأمورين إبليس والذي كان وجوده معهم بالإضافة كحال أي “كنفس مملوكة” وليس كجنس وكانت ” مع ” قد وضحت ذلك وبالتالي لا يتناقض هذا مع قول الله تعالى على أن إبليس هو من جنس الجن كما أخبرنا في سورة الكهف في قوله تعالى “إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ” سورة الكهف 50
إذن فخلاصة ذلك وهو بأن مصطلح الملائكة يٌشير على عباد الله من سكان ملكوت السماوات وبالتالي فهو يُشير على كل من المسير والمُخير منهم اي الملائكة المُسيرين والجان والإنس وكلاهما مُخيرين حيث يكون مُصطلح الملائكة يُشير على تعدد وشمولية صنف الأنفس المملوكة أي الأنفس العابدة والتي سكنت / أو تسكُن في ملكوت سماوات الله العليا وفي جنته وبالتالي لا يقتصر الوصف أو يكون حصراً على الجنس المُسير والمخلوق من النور وحده وإنما يشمل على كل من سكن ملكوت الله فتَكَفل الله به فسَيَّره وعَبَّده وملكه، وأما تحديد من المُشار عليه منهم فيكون من خلال النص
خطأ العلماء في تفسير قوله تعالى: “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ” الحجر 32
إذن وبالرجوع إلى آيات سورة الحجر مرة أُخرى نرى بأن الله ألحَقَ بما أخبرنا بخصوص السجود قول آخر والذي فيه “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ” ولكن ما الجديد .. وبذلك نقول بان الجديد وهو إختلاط أمر هذا القول على العلماء نتيجة عدم تدبرهم له جيداً وبالتالي عجزوا عن فهمه واعتقدوا مخطئين بأن المقصود هنا هو السؤال والإستفسار أي على نحو: ما الذي منعك يا إبليس من أن تكون مع الساجدين .. وفي ذلك
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) القول في تأويل قوله تعالى: فسجد الملائكة كلّهم أجمعون (30) إلاّ إبليس أبى أن يكون مع السّاجدين (31) قال يا إبليس ما لك ألاّ تكون مع السّاجدين 32
يقول تعالى ذكره: فلمّا خلق اللّه ذلك البشر ونفخ فيه الرّوح بعد أن سوّاه، سجد الملائكة كلّهم جميعًا إلاّ إبليس فإنّه أبى أن يكون مع السّاجدين في سجودهم لآدم حين سجدوا له، فلم يسجد له معهم تكبّرًا وحسدًا وبغيًا. فقال اللّه تعالى ذكره: يا إبليس ما لك ألاّ تكون مع السّاجدين. يقول: ما منعك من أن تكون مع السّاجدين؟ ف ” أن ” في قول بعض نحويّي الكوفة خفضٌ، وفي قول بعض أهل البصرة نصبٌ بفقد الخافض). جامع البيان: 14/66
ولكن الحقيقة هي غير من ذلك لأن قول الله هذا حمل التوبيخ والإدانة لإبليس لا السؤال والإستفسار وفيه إستنكار لعصيانه أمر الله، ولتبيان ذلك وتفسيره نبدأ أولاً بالتعريف بـ ما والتي من استعمالاتها بان تكون نافية نحو “مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ” يوسف 31 . أي ليس هذا ببشر وبالتالي نعود للآية الكريمة ونُعيد الرؤية فيها على هذا النحو وهو “ما لك” أي ليس لك يا إبليس الحق أو القدرة أو الإرادة الحرة و “ألّا” أي أن لا تكون مع الساجدين، ولنا مثال توضيحي نستفيد منه من خلال قوله تعالى “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ” طه 118 وذلك في مخاطبته لآدم ولمن سيدخله في عباده وجنته ولا يعني قول الله “إن لك .. فيها” وكأن ذلك هو حق من حقوق من يُدخِله في عباده بل هي عطية من الله أجازها لعباده وتعهد بها أي لك مني وليس لك علي، وهذا يوضّح لنا استعمال “لك” هنا و “ما لك” في آية سورة الحجر وقوله “مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ” أي ليس لك وليس بمقدورك وليس من حقك وأنت لست حر الإرادة في ملكوتي الأعلى يا إبليس وبالتالي فهي تُخبرنا بأن إبليس يملك الإرادة الحرة في الإختيار طالما هو خارج عباد الله أي خارج مَلَكوت الله الأعلى أما عند تواجده في عباد الله ومن ضمن عباده فلقد كان عليه لأن يسلم نفسه لله ويكون من الأنفس المملوكة العابدة
قول: من الساجدين
لقد أخبرنا الله بأن إبليس: ” لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ” .. ولكن ماذا يعني قول “من الساجدين” وماذا نفهم منه
قال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ” الأعراف 11
وهنا استعمل الله كلمة من “من الساجدين” بدلاً من كلمة مع “مع الساجدين” والفرق وهو أن من استعمالات “من” تختلف عن استعمالات “مع” حيث من استعمالات “من” هي لأن تكون تبعيضية حيث وعند استباقها بـ لم “والتي تأتي للنفي والجزم” تكون قد نفت عن إبليس لأن يكون من تبعيض أي بأن يكون من الساجدين، والساجدين كما اشرنا عليهم في شرح “مع” الساجدين هم جنس الملائكة المسيرين، ومن الملاحظ أيضاً وهو استعمال التقصير والتقليل من فعل يكُن هنا حيث حُذِفت الواو من وسطها أي لم يقل الله هنا – إلا إبليس لم يكون من الساجدين– بل اختصرها بقول – لم يكن – وفي ذلك إشارة على أن إبليس لم يكن من جنس الذين سجدوا “كُلُهم” لآدم فاشار الله عليه حصرياً بالتنقيص من الفعل

إن لفظ الملائكة كما سبق وذكرنا يكون إما يخص جنس الملائكة حصريا والذين خلقهم الله لطاعة الامر وسُيُّروا على ذلك أو يُمكن لأن يتصف الآخرين والذين عبَّدوا أنُفسهم لله فأطاعوا أمره بإختيارهم فأنعم الله عليهم وأدخلهم الله في عباده أي في ملكه “ملكوت السماوات” فجعلوا بذلك من الملائكة اي الأنفس المملوكة والمؤتمن عليها عنده .. وحتى نعمل على توضيح الفرق المسيرين من جنس الملائكة والمخيرين من ممن اتصفوا بسمات الملائكة سنستشهد
بقوله تعالى “لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ” النساء 172
ولكن كيف نتعرف على أن الملائكة المُشار عليهم هنا في الآية الكريمة أعلاه هم من لهم صفة الملائكة لا من هم من جنس الملائكة .. وللإجابة على ذلك نقول
عند الرجوع للآية الكريمة والبحث في معنى الإستنكاف نرى بأن العرب تقول: نَكِف الرجلُ عن الأَمر نَكَفاً واستَنْكَفَ أي أَنِف وامتنع، إذن فلا يوجد دليل على أن المسيح كان قد استنكف لأن يكون عبداً لله لأن أول ما كان قد صدر عنه هو قوله المنقول لنا في كتاب الله “فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) مريم
إذن فالمسيح كان قد أسلم ارادته لربه وهو في المهد وهذا حدث منقول لنا من الماضي، أما وعند الرجوع للآية الكريمة 172 من سورة النساء ومن خلال التدبر بقوله تعالى ففيه أتت (لن) في بداية الآية الكريمة لنفي المضارع ونصبه وتخليصه للاستقبال وهذا من استعمالات “لن” كحرف من حروف المعاني وبالتالي فهي تفيد الإستقبال وتٌشير على الحدث المستقبلي إذن فإن حديث الآية الكريمة يٌشير على ارادته الإختيارية اثناء وجوده في ملكوت الله الأعلى اي بعد رفعه إلى السماء
إذن وبعد أن أخبرنا الله بأن المسيح لن يستنكف أي لن يأبى ويستكبر “أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ” وهذا في إستقباله وفي خلال مكوثه في عباد الله حيث كذلك سيكون حال الملائكة المقربون والذين لن يستنكفوا لأن يكونوا عباداً لله، أما في قوله تعالى “أن يكون ” فلقد كان استعمال أن لتكون مُفسِّرة وبالتالي أتت لتُعرّفنا بحاله ولتنفي صفة الإستنكاف عنه وهو في ملكوت الله وفي عباده على الرغم من ارتفاع منزلته فهو “وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” آل عمران 45
ثم لحق بذلك (الواو) في “وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ” وذلك للاستئناف عما سبق من الحديث ولحق بها (لا) وهي نافية الإستنكاف عن الأنفس المملوكة من المقربين والمسيح هو أحدها، والذين هم من غير جنس الملائكة “المسيرين” لأن الملائكة كجنس كان فيهم قوله تعالى “ويفعلون ما يؤمرون” أما هؤلاء الملائكة والتي أشارت عليهم الآية الكريمة هنا هم من يتمتعون بالإرادة الحرة لانهم يقول الله لن يستنكفوا عن عبادته أي لن يمتنعوا عن الخضوع لأمر الله وبالتالي فالقرار هو قرارهم وبخيارهم وبالتالي فهم سيُمّلِكون انفسهم لخالقهم وسيعَبَّدون أنفسهم له وسيأتمنوه على أنفسهم ليسيرها ويملكها وبالتالي فهم في حال وجودهم في ملكوته الأعلى سيصبح حالهم كحال الملائكة المأمورين والمُسيرين
لقد أخبرنا الله بأن إبليس هو من جنس الجن وبأنه فسق عن أمر ربه
فقال تعالى “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ” سورة ص 75
وللتحقيق بذلك نبدأ بـ – أم – حيث أتت في قوله تعالى “استكبرت أم كنت من العالين” لتساوي بين الإستكبار وعلو المنزلة في النص لأن في كلاهما تعالي وبالتالي أتت لتكشف لنا بأن تصرف إبليس كان ناتج عن الإستكبار وليس العلو، ولكن لماذا ساوى الله بين الإستكبار وعلو المنزلة هنا سوى لأن يُخبرنا بأن علو المنزلة له وحده ولا يملكها أحد سواه قال تعالى ” وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ” البقرة 255 وبالتالي فلا ينطبق قول “العالين” على أحد غير الله
قال تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ” الأعراف 206
وحتى يتضح لنا الأمر اشار الله على امتناعه ورفضه للأمر وتكبره فقال تعالى “إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” سورة البقرة 34
حيث كان في ذلك إشارة مؤكدة على أنه كائن مُخير على العكس من جنس الملائكة المُسيرين وبالتالي فلقد كان إبليس هو صاحب القرار إذا شاء الطاعة والإستجابة لأمر الله أم عدم الإمتثال لأمره، إذن فهو برفضه للسجود كان قد عصى أمر الله ولم يُسلم أمره ونفسه لخالقه حتى يُدبرها ويُسيرها ويحفظها ويملكها كسائر من هم في ملكوته وبالتالي حمّل نفسه تبعات وعاقبة عمله وبذلك كان قد أبقى على نفسه الإختيارية لتقوده بدلا من يأتمنها عند الله ولأن يتركها وديعة بيده، ففي ملكوت السماوات لا يملك إبليس ولا غيره حرية التصرف والخيار لأن لا يطيع الله ولا يُسلم له نفسه ولذلك لم يعد له مكان في عباد الله وجنته فطُرده الله منهما
قال تعالى “قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ” سورة الأعراف 13
وبالتالي نقول: إذا أتى إستعمال لفظ الملائكة ليٌشير على عباد الله من سكان ملكوت السماوات بدون تحديد الجنس أو الإشارة عليه حصرياً يكون مُصطلح الملائكة عندها يُشير على تعدد وشمولية صنف الأنفس المملوكة أي الأنفس العابدة والتي سكنت / أو تسكُن في ملكوت سماوات الله العليا وفي جنته وبالتالي لا يقتصر اللفظ على الجنس المُسير والمخلوق من النور وحده وإنما يشمل أيضاً ن ة على كل من اتسمت صفته بذلك ممن اسكنه الله في ملكوته وتَكَفل به وسَيَّره وعَبَّده وملكه وكذلك الحال لكل من سيُدخَله الله في ملكوته وفي عباده من الناس بعد الحساب أيضاً
قال تعالى “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) الفجر
وفي النهاية أود لأن أختم بالقول بأن من الخطأ تجاوز النص القرآني وإخراجه عن حقيقته البيانية والواضحه كما يدّعي البعض من العلماء حيث يفسرون على أن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم شمل على إبليس لأنه كان في وسط الملائكة ومن بينهم وبالتالي زعموا بأن الخطاب كان للجمع والأكثرية ولذلك شمل عليه كواحد من كثرة … ولكن الحقيقة وهي بأن إبليس لم يكن من الساجدين وبالتالي فهو لم يكن من الملائكة “كجنس” بل كان مع الساجدين أي كان مع الملائكة وليس منهم، ولم تأتي ولا إشارة واحدة على أن إبليس كان من جنس الملائكة ولذلك نقول بأن الحُكم النهائي في هذا هو بالتأكيد ما حدثنا الله به وليس كما ذهب إليه العلماء
 التعريف بإبليس
لقد دعاه الله بإبليس لأنه حين رفض السجود أبلس، وتقول العرب: أَبْلَسَ إِذا يَئِس وانقطع رجاءه عند انقطاع حجته وإبليس لم يكن لديه حجة يحاجج ربه بها .. فهو لا يملك الإرادة الحرة في ملكوت الله وكان عليه الطاعة لا المعصية، وفي التنزيل العزيز
 قال تعالى “وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ”  الروم 12
وقال تعالى “وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ”  الروم 49
وقال “فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ” الأنعام 44
وقال “حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ”  المؤمنون 77
وقال “لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ”  الزخرف 75
والإبلاس هو يأس حسرة وانقطاع الحجة، وكل من انقطع في حُجَّتِه فقد أبلَسَ، قال العجّاج:  يا صاحِ هل تعرِف رَسماً مُكْرِسا، قال: نعم أعرِفُـه وأبـلَـسا، وقال ابن عرفة: الإبلاس هو اليأس، ومنه سُمِّيَ إبليس لأنه أبلَسَ أي انقطع رجاءه ويَئِس من رحمة الله
ومن دلائل إبلاس إبليس هو ما نراه في قوله تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا”  الإسراء 62
التعريف بالشيطان
تقول العرب الشَّطْنُ: مصدر شَطَنَه يَشْطُنُه شَطْناً أي خالفه عن وجْهه ونيته، ومن الشَّطْنِ أيضاً البُعْدِ أَي بَعُدَ عن الخير أَو من الحبل الطويل كأَنه طال في الشرّ. وشَطَنَ عنه: أي بَعُدَ. وأَشْطَنَه: أَبعده. وشَطَنَتِ الدارُ تَشْطُنُ شُطوناً: بَعُدَت. والشَّطِينُ: البعيد. وفي الحديث: كل هَوًى شاطنٌ في النار؛ والشاطِنُ: البعيد عن الحق ومن مال عنه
إذن فمن البحث القاموسي في أصل الكلمة وجذرها الثلاثي “شطن” يمكن لأن نستنتج بأن الشيطان هو
أولاً: المخالف لله، وهو من بَعُد عن الخير
ثانياً: من أُبعِد من رحمة الله فأخرجه الله من عباده وجنته وطرده منهما
أما بالنسبة إلى مصدر إسمه الشيطاني الذي لُقِّب به فدليل ذلك هو مخالفته لله والذي فيه
قوله تعالى “أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ” يس 60 – 61
وقوله تعالى “قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ”  الأعراف 16
وقوله تعالى ” وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ”  النساء 119
والدليل الآخر وهو إبعاده من رحمة الله وإخراج الله له من جنته وعباده وهذا نستمده من
قوله تعالى “قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ”  الأعراف 13
وقوله تعالى “قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ”  الأعراف 18
وقوله تعالى “قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ”  الحجر 34
 ولكن لماذا اختلط على إبليس أمر آدم وبالتالي رفض السجود له وللإجابة على ذلك نستشهد بالقرآن وما نقله الله إلينا من قول لإبليس
قال تعالى “قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ” سورة الحجر 33
وتسائل متكبراً ” … قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا” الإسراء 61
 إذن فلقد كان سبب عدم سجود إبليس لآدم كما هو واضح هو نتيجة خلق الله لآدم من طين والذي أشار إبليس لمصدره أي من طين صلصال من حمأ مسنون، خاصة وان ابليس كان له مرتبة تشريف فلقد كان في عباد الله ومع ملائكته المقربين فلذلك اعتقد إبليس مستكبراً بأن خلقه من نار دلالة على أن له ميزة وجودة أكثر من هذا المخلوق فقال معترضاً على خلق آدم كما اخبرنا الله في كتابه الكريم
قال تعالى “قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” الأعراف 12
فكانت إشارة إبليس تخص طين الصلصال والمستل من الحمأ المسنون ولكن كيف تعرف إبليس على خلق آدم الطيني
وللإجابة على ذلك نقول بأن الله كان قد خلق الجان من قبل خلقه للإنسان بصورتيه البدائية والآدمية
فقال ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ”  الحجر 26 – 28
ولكن ماهو دليل اختلاط الأمر عليه
الدليل الأول: وهذا سنأتي عليه بالتفصيل أما ملخصه فهو كما يلي: لقد كان الجان مُطّلع على خلق الإنسان الأول وكان قد شهده  والآن الله يخبر الملائكة وإبليس معهم بأنه سيخلق بشراً من نفس نوع الطين الذي خلق منه الإنسان الأول والذي كان أ- قد فشل في الحفاظ على نفسه وعصى الله خالقه ولم يقض ما أمره به، قال تعالى ” كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ” عبس 233. وبالتالي فهو لم يطع ربه وما كلفه به وهو عبادته قال تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” الذاريات 56.  ب – بالإضافة على أن الإنسان البدائي الأول كان كما أخبرنا الله ” إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” الأحزاب 72. ج – وزيادة على ذلك وهو بان الله ابلغهم بأنه سوف يخلقه من جديد ولكن سيجعل منه بشراً اي سائداً على مخلوقات الأرض، مع أن البشر الذين سبقوه كانوا قد أفسدوا وسفكوا الدماء من قبل” قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” البقرة 30 . وبالتالي وحسب اجتهاد إبليس فإن آدم لن يكون بالأفضل لأنه حتماً سيكون كسابقه .. إذن فلماذا تكريم الله له، قال تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ” سورة الإسراء 62. فهو اعتقد بأنه خير منه، قال تعالى “قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” الأعراف 12 . ولذلك نقول بأن أمر آدم كان قد اختلط على إبليس .. فتساءل إبليس بان كيف سيكون هذا المخلوق ألآدمي أحسن من سابقه البدائي الجهول والذي عصى ربه وكلاهما مخلوق من نفس الطين، وزيادة على ذلك فسيكون آدم من البشر والذين كان ماضيهم حافل في الفساد وسفك الدماء
وبالتالي حمّل إبليس الله مسؤولية ضلاله
قال تعالى ” قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ”  الحجر 9
وقال ” قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ”  الأعراف 16
بدلاً من الإعتراف بقلة علمه وضعف غريزته.. وبأن الإستكبار هو ما حمله على ذلك لا تضليل الله له كما زعم
قال تعالى ” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” البقرة 34
الدليل الثاني: والذي سنبدئه بقوله تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا” سورة الإسراء 62
حيث في أن هذه الآية الكريمة نلاحظ بأن إبليس قال (لأحتنكن ذريته) مُشيرأ على ذرية آدم مع العلم بأن آدم كان له زوج فقط وهو في الجنة، قال تعالى ” وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ” البقرة 35. ولم يكن له ذرية بعد وبالتالي فأي ذرية كان يتحدث عنها إبليس إلا ان كان قد اشتبه عليه أمر آدم وكان قد ربطه بماضي الإنسان الأول
ونُضيف على ذلك قول آخر لله تعالى منقول إلينا عن إبليس وفيه قول الله تعالى “قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)” سورة الحجر
وهنا في هذه الآية الكريمة يُشير إبليس على بعث الآدميين والبعث يأتي عند الإحياء بعد موت “وذلك بمعنييه الحقيقي والمجازي” أما هنا ففيه الإشارة على موت ذرية آدم ولكن من قبل أن يكون لآدم ذرية بعد، ومن قبل أن يكون آدم أو زوجه أو أحد من ذريته قد ماتوا، إذن فهو استبق الحديث عن الذرية والبعث
 ونُضيف على ذلك قوله تعالى والمنقول أيضاً عن إبليس اللعين، قال تعالى “قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ” وهنا أشار إبليس على أن الأرض ستكون سكناً لهم وسيصبحون جمع وجماعة من قبل أن يأمرهم الله بالهبوط إلى الأرض والخروج من جنته
إذن هل كان إبليس يعلم الغيب حتى يجزم بأن آدم سيُرزق بالذرية وستكون الأرض سكناً له ولذريته وبأن الموت كان قد كُتب عليهم لأن كلامه عن بعث آدم وذريته فيه الإشارة على موتهم ومن ثم بعثهم في الأرض من جديد والسكن فيها كسابقه.. والإجابة على ذلك وهو بـ لا وكبيرة أيضاً لأن علم إبليس المسبق بآدم وذريته حتماً لا علاقة له بالغيب لان إبليس هو من الجن وبالتالي فهو كباقي الجن لا يعلم الغيب والدليل القرآني على ذلك نستمده من
قوله تعالى “فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ” سورة سبأ 14
إذن ومن ذلك نستنتج بأن موضوع علم الغيب ليس الذي جعل من إبليس ليتنبأ بماذا سيحدث لهذا المخلوق الجديد وبالتالي فلابد وأن يكون حديثه قد نتج عن تجربة سابقة مع الإنسان الأول البدائي الضعيف والمخلوق على أطوار اي أحقاب زمنية مختلفة وكان قد شهد الجن دوره الحياتي والغير مميز والخالي من التكريم أو علو المنزلة وبالتالي شهد إبليس وهو من الجن ذريته وموته، إذن فإبليس يتكلم عن ذرية الإنسان الذي عرفه من قبل ولذلك اشتبه عليه خلق الإنسان من جديد بصورة آدم وزيادة على ذلك جَعْلِه بشراً وتنصيبه خليفة في الأرض أي مكان سكنه من قبل ولكن أين الدليل على أن إبليس كان قد شهد الوجود الحياتي للإنس الأولين
وللإجابة على ذلك نجدها في سورة الحجر وفيها
يقول الله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) سورة الحجر
فالله يخبرنا عن وقوع فعل الخلق لكُل من جنسي الإنسان والجان فبدأ حديثه عن الإنسان وعرّف بمادة خلقه حيث أتت – من- في صيغتها البيانية لتُبين لنا مما خلق الله الإنسان فقال من صلصال من حمأ مسنون ثم استأنف الله الحديث عن الجان فقال “والجان” والواو للإستئناف أي استئناف ما يريد ابانته عن ما يتعلق بخلق الجان وأوجه اختلافه مع الإنسان فكشف لنا الله عن أمرين أولهما وهو بأن خلق الجان أقدم من خلق الإنسان فقال “والجان خلقناه من قبل”، وثانيهما وهو الإشارة على مادة خلقهما فالإنسان مخلوق من طين والجان مخلوق من نار، طبعاً والحديث هنا وحتى الآية 27 يخص الإنسان والجان ويُبين من هو أسبق في الخلق ولم يشمل على ذكر الإنسان البشر والمتمثل بخلق آدم حتى الآية 28 والتي فيها بدء الله الحديث عن البشر الآدمي فقال”وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا” … إذن فإن آيات سورة الحجر تؤكد على اسبقية خلق إبليس للإنسان وبالتالي فلابد إذن لأن يكون إبليس قد بنى اجتهاده على هذا الأساس خاصة وأن إبليس لم يُبدي أي اعتراض على مسلكية البشر الهمجية كما فعلت الملائكة ولكنه إعترض على مادة خلق الإنسان
إذن فإبليس استكبر وعصى الله لأنه اعتقد بأن هذا المخلوق الجديد يجب لان يكون أقل منزلة ومرتبة منه، فكيف لأن يكون هذا الإنسان الجديد بـ “البشر” والذي معناه الظاهر على غيره من المخلوقات ويستحق هذا اللقب المميز وهو لم يطع الله، بالإضافة على أنه مخلوق من مادة طين الصلصال من الحمأ المسنون والذي إعتبرها متدنية ولا قيمة لها ولا ترتقي أو تصلح لمثل هذه المهمة الإستخلافية ولذلك أبى السجود لآدم وعصى أمر الله
ولكن سنوضح لك أخي القاريء لماذا إبليس والمخلوق من نار هو أقل منزلة من آدم المخلوق من طين وعلى العكس مما إدعى جهلاً …. ولذلك فلو قمنا بعمل مقارنة بسيطة بين النار والطين أي ما هو مخلوق منه إبليس وما هو مخلوق منه آدم لنتعرف على أيهم أعلى مرتبة في الخلق وفي ذلك سنرجع إلى كتاب آكام المُرجان في أحكام الجان للعلامة بدر الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالله الشبلي للقيام بذلك وفيه يقول
في خطأ إبليس في دعواه أنهُ خيرٌ من آدم عليه السلام وتعليله بأنه خُلق من نار (( أعلم أن هذه الشبهة التي ذكرها على سبيل التعنت وإلا فإمتناعه من السجود لآدم إنما كان عن كبر وكفر ومجرد إباء وحسد. ومع ذلك فما أبداه من الشُبهة، فهو داحض لأنه رتب على ذلك أنه خير من آدم لكونه خلق من نار وآدم خُلِق من طين ورتب على هذا أنه لا يُحسن منه الخضوع لمن دونه ومن هو خير منه وهذا باطل من وجوه
الأول: أن النار طبعها الفساد وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب
الثاني: أن النار طبعها الخفة والطيش والحدة، والتراب طبعهُ الرزانة والسكون والثبات
الثالث: أن التراب يتكون فيه ومنه أرزاق الحيوان، وأقواتهم ولباس العباد وزينتهم والآت معايشهم ومساكنهم، والنار لا يكون فيها شيء من ذلك
الرابع: أن التراب ضروري للحيوان لا يستغني عنه البتة، ولا عما يتكون فيه ومنه، والنار يستغني عنها الحيوان البهيم مُطلقاً، وقد يستغني الإنسان الأيام والشهور فلا يدعوه إليها ضرورة
الخامس: أن التراب إذا وضِع فيه القوت أخرجه أضعاف أضعاف ما وضِع فيه، فمن بركته يؤدي ما استودعته فيه إليك مضاعفاً، ولو استودعته النار لخانتك وأكلته ولم تُبق ولم تذر
السادس: أن النار لا تقوم بنفسها بل هي مُفتقرة إلى محل تقوم به يكون حاملاً لها، والتراب لا يفتقر إلى حامل، فالتراب أكمل منها لغناه وإفتقارها
السابع: أن النار مفتقرة إلى التراب وليس التراب مفتقراً إليها. فإن المحل الذي تقوم به النار لا يكون إلا متكوناً أو فيه من التراب، فهي الفقيرة إلى التراب وهو الغني عنها
الثامن: أن المادة الإبليسية هي المارج من النار وهو ضعيف تتلاعب به الأهوية فيميل معها كيفما مالت، ولهذا غلب الهوى على المخلوق منه فأسره وقهره. ولما كانت المادة الآدمية هي التراب وهو قوي ولا يذهب مع الهواء أينما ذهب قهر هواه وأسره ورجع إلى ربه فأجتباه وأصطفاه وكان الهوىء الذي مع المادة الآدمية عارضاً سريع الزوال فزال وكان الثبات والرزانة أصلياً له فعاد إليه، وكان إبليس بالعكس من ذلك فعاد كل منهما إلى أصله وعنصره آدم إلى أصله الطيب الشريف واللعين إلى أصله الرديء
التاسع: أن النار وإن حصل منها بعض المنفعة والمتاع فالشر كامن فيها لا يصدها عنه إلا قسرها وحبسها، ولولا القاسر والحابس لها لأفسدت الحرث والنسل أما التراب فالخير والبركة كامن فيه كلما أُثير وقُلِب ظهرت بركته وخيره وثمرته فأين أحدهما من الآخر
العاشر: أن الله تعالى أكثر ذكرها في كتابه وأخبر عن منافعها وخلقها وأنه جعلها مهاداً وفراشاً وبساطاً وقراراً أو كفات للأحياء والأموات ودعا عباده إلى التفكر فيها والنظر في آياتها وعجائبها وما أُودع فيها. ولم يذكُر النار إلا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب إلا في موضع أو موضعين ذكرها فيه بأنها تذكرة ومتاع للمقوين تذكرة بنار الآخرة ومتاع لبعض أفراد الناس وهم المقوون النازلون بالقرى، وهي الأرض الخالية إذا نزلها المسافر يمنع بالنار في منزله . فأين هذا من أوصاف الأرض في القرآن
الحادي عشر: أن الله تعالى وصف الأرض بالبركة في غير موضع من كتابه خصوصاً، وأخبر أنه بارك فيها عموماً فقال تعالى: (( أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ))، إلى أن قال: (( وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ))، فهذه بركة عامة. وأما البركة الخاصة ببعضها فكقوله تعالى : (( ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها ))، وأما النار فلم يخبر أنه جعل فيها بركة أصلاً بل المشهود أنها مُذهبة للبركات ماحقة لها . فأين المبارك في نفسه المبارك فيما وضع فيه إلى مُزيل البركة وماحقها
الثاني عشر: أن الله تعالى جعل الأرض محل بيوته التي يُذكر فيها أسمه ويسبح له فيها بالغدو والآصال عموماً وبيته الحرام الذي جعله قياماً للناس مُباركاً وهدي للعالمين خصوصاً فلو لم يكُن في الأرض إلا بيته الحرام لكفاها ذلك شرفاً وفخراً على النار
الثالث عشر: أن الله تعالى أودع الأرض من المعادن، والأنهار، والعيون، والثمرات، والحبوب، والأقوات، وأصناف الحيوانات، والمراكب البهية، والصور البهيجة ما لم يودع في النار شيئاً منه . فاي روضة وجدت في النار أو جنة أو معدن أو صورة أو عين خرارة أو نهر مُطرد أو ثمرة لذيذة
الرابع عشر: أن غاية النار أنها وضعت خادمة لما في الأرض . فالنار إنما محلها محل الخادم لهذه الأشياء فهي تابعة لها خادمة فقط إذا إستغنت عنها طردتها وأبعدتها عن قربها وإذا احتاجت إليها استدعتها إستدعاء المخدوم لخادمه
الخامس عشر: أن اللعين لقصور نظره وضُعف بصيرته رأى صور الطين تراباً ممتزجاً بماء فاحتقره ولم يعلم أن الطين مركب من أصلين: الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حياً، والتراب الذي جعله خزانة المنافع والنعم، هذا ولم يجيء من الطين من المنافع وأنواع الأمتعة. فلو تجاوز نظره صور الطين إلى مادته ونهايته لرأى أنه خير من النار وأفضل، ثم لو سلم بطريق الفرض الباطل أن النار خير من الطين لم يلزم من ذلك أن يكون المخلوق منها خيراً من المخلوق من الطين فإن القادر على كُل شيء يخلق من المادة المفضولة من هو خير ممن خلقه من المادة الفاضلة. فالإعتبار بكمال النهاية لا ينقض المادة، فاللعين لم يتجاوز نظره محل المادة ولم يعبر منها كمال الصورة ونهاية الخلقة والله أعلم) صفحات 153 – 155
كما ونُضيف على ذلك قوله تعالى “وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” سورة النحل 12
وقوله تعالى “أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ” سورة لقمان 20
فالنار والتي خُلق منها الشيطان مُسخرة لخدمتنا ولمنفعتنا ولحاجتنا عند الطلب فالنار مسخرة لنا فهي تنعم علينا بالدفء والظل والضوء فهل هذا يجعل منه أحسن خلقاً أم أدنى خلقاً من هذا المخلوق الأرضي الطيني … إذن فلقد أصبح من الواضح وبلا شك من هو أقل منزلة من الآخر
إذن فلقد فشل إبليس في التعرف على حكمة الله من خلقه لآدم ولم يعي الفرق بين الخلق الأولي الغير سوي وخلق آدم السوي حتى بعد أن اخبره الله بذلك فقال “إني خالق بشراً من طين فإن سويته فقعوا له ساجدين” فمن الواضح من قول – فإن سويته – بأن الله قد أوقع عليه التسوية وفي ذلك إشارة على التحسين، كما وقال تعالى ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” التين 4. فالإنسان في صورة آدم كان قد خلقه الله في أحسن صورة خلقية حيث كان قد أوقع الله على الإنسان التحسين بعد التحسين بعد التحسين إلى أن انتهى به إلى هذه المرحلة النهائية التي تتحدث عنها الآية الكريمة وهي الأحسن تقويم أي أعلى حسابات التعديل والتي لا يأتي بعدها ما هو أحسن منها أو يعلو عليها وبالتالي لم يُبق الله عليه كما كان عليه من الجهل والغُلظة بل رقّاه وحدثه، قال تعالى ” الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” السجدة 7. اي حسّنه وجعله بجودة أعلى مما كان عليه
 إذن فلقد أخطأ إبليس حين اعتقد بأن آدم البشر والمخلوق من طين لربما هو الإنسان البدائي الأول بعينه أو من هو مثله والمخلوق من طين هو الآخر ولم يعي التحسينات والتسوية التي زوده الله فيها … وبالتالي لم يستفد إبليس من العبرة والدرس الذي أشهده الله عليه فأنتهى حاله كحال الإنسان البدائي الأول والذي لم يُطع أمر خالقه وربه وهذا سنأتي عليه بالتفصيل
الإنسان والعبودية ……  قريباً
الإنسان البدائي الأول وعدم قضاءه لأمر الله … ثم موته … ثم إعادة إنشاءه وخلقه بصورة آدم
قال تعالى “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)”   سورة عبس
لقد كُنّا قد أشرنا من قبل على أن الإنسان البدائي الأول لم تُعرض عليه الأمانة ولم يكُن قد كُلِف بحملها أيضاً .. ولكن حمَّلَها لنفسه من نفسه ولذلك سنُكمل من حيث ما انتهينا
لقد وصف الله لنا حال الإنسان حين حمل الأمانة فقال “وحملها الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” … ونعود للتذكير بأن قول “كان” في الآية الكريمة هو فعل يفيد الحال وفيه يُخبرنا الله بأن الإنسان كان عند حملِهِ للأمانة ظلوما جهولا حيث أتى قول “كان” يحمل دلالة زمنية ليُعبر عن الزمن والفعل الماضي والمُنقضي إشارة على الإنسان الأول وانقضاء أجله، قال تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ “، وأتى قوله أيضاً خبري بياني فخبَّر عن ما كان عليه حال الإنسان في ذلك الزمان وهو ظلوماً جهولا، فصاحب الحال الزمان ونرى بأنه قد قرن الصفتين ببعضهما البعض فتلازمتا أي لم يفرق بينهم بواو العطف كقول إنه كان ظلوما وجهولا والتي لربما كانت قد تُفهم على أنه نُعت بالجهل نتيجة ظلمه أو يكون الجهل معطوف على الظلم ولكن تلازم الحال هو توضيح لحال فعله وخلقه فألصق الله الجهل بالظلم حتى يؤكد على الحال الذي كان عليه وكأن الله أراد لأن يعذره حتى يعمل على خلقه مرة أُخرى ولكن بنشأة جديدة، قال تعالى ” ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ” وقال تعالى “كمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِين”  وذلك حتى يعطيه فرصة ثانية، فأتت ملاصقة وملازمة الجهل لحاله لتُشير على ظلمه، وتقول العرب بان اصل الظلم هو وضع الشيء في غير محله وهو أن تحيد عن الحق ولا تعطي للشيء حقه وتقول: أظلم الطريق أي حاد عنه وفي حديث ابن زمل “لزموا الطريق فلم يظلموه” أي فلم يُحيدوا عنه، أما الجهول فهو غير من العليم وبالتالي فإن وصف الإنسان بالجهالة يتعارض مع ما ذكر الله لنا في القرآن بأنه ” خَلَقَ الْإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ” وقال “عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” … فإذا كان بعد أن خلق الله لآدم علمه وبالتالي لم يكُن الإنسان الآدمي بالجهول فمن هو هذا الإنسان الظلوم والجهول والذي تُشير عليه الآية .. فلقد علم الله الإنسان بصورة آدم الأسماء كلها بعد أن جعل له قدرات إدراكية ذكية تمكنه من تحصيل العلم وذلك ليبتليه بها اي ليختبره فقال “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ”  الإنسان 2 – 3
ولكن كيف تعرفنا على أن آيات سورة الإنسان تُشير على آدم وذُريته والجواب على ذلك وهو لأنها تُحدثنا عن الإنسان المُدرك العاقل والذي وقعت عليه التسوية والجعل قال تعالى “فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا” أي أصبح يتمتع بالقدرات الذكية والأخلاقية والتي تمكنه من اتخاذ القرار الحكيم والصائب، قال تعالى “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” إذن فإن عليه تقع مسؤولية حفظ ذاته وهو من يؤتمن عليها فالطريق أمامه واضحة وجلية وما عليه سوى لأن يُخضع لأمر الله ولا يعصيه فأصبح الإنسان على نفسه بصيره، فهذا آدم والذي مكنه الله بالعلم والقدرات الذكية المُدركة على العكس من سابقه الجهول والذي أخبرنا الله بكفر جنسه البدائي بأكمله وضلالهم الشديد
إذن فلقد أتت الآيات 17 – 23 من سورة عبس تُحاكي قصة الأمس وكان فيها صيغة ما حمل من ماضي الإنسان، فقال الله تعالى “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) فبدأت هذه الآية الكريمة بتقبيح الله للإنسان الأول وكأن اللعنة أصبحت تلاحقه نتيجة كفره الذي تسبب به ظلمه وجهله ففيها لعن الله الإنسان ووبخه وتوعده نتيجة ما أحاط بنفسه من الكفر الشديد، واضاف الله للتذكير والعبرة قول “مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) فذكّر برحلة الإنسان عبر هذه الحياة مبتدءاً من النطفة البالغة الدقة في الحجم المجهري .. إنسان لا يملك لنفسه نفعاً ومع ذلك يعصي الله خالقه ويكقر به بعد أن جعل الله منه واقع وحقيقة ومبتدأ قصة إنسانية
 ثم أضاف الله قائلاً ” ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) أي فلقد خلقه وسَهَل له السبيل وقاده إليه ووضعه عليه، والسبيل حسب لسان العرب: هو الطريقُ وما وَضَحَ منه، وكُلُّ ما أَمَرَ الله به من الخير فهو من سَبيل الله أَي من الطُّرُق إِلى الله، فأراد الله لأن يُسيّره ويقوده إلى طريق الصلاح ولِما في ذلك خير .. فقاده للسبيل وأوصله إليه وعرّفه عليه، وهذا يختلف عن ما حدثنا الله بخصوص الجنس الآدمي والذي فيه كان قوله تعالى “… فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)” سورة الإنسان
إذن فلقد كان من الواضح في كتاب الله بأن كان قد أتى في الإنسان قولين مختلفين أحدهما قول “ثم السبيل يسّره” ومع ذلك لم يُطع أمر لله فقال “كلا لمّا يقض ما أمره ” أي عصى أمر الله ولم يمتثل لعبادته، فقول يَسَّرَهُ أي هو الذي ساقه الله إلى السبيل وسهله عليه وذلك حتى يكون عابداً لخالقه ولكن عصى ربه، والقول الآخر هو قول ” إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ” وفي هذا اختلاف واضح مع الجنس الآدمي الذي خلقه والذي لم يسقه الله إلى السبيل كسابقه بل فقط هداه إليه وأرشده إليه أي بيّن له طريق الهداية فقال تعالى “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” الإنسان 3. فكان بأن هداه الله للسبيل أي اضاء له طريق المعرفة وانار له عقله ووجدانه فقال ” وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” وقال “فجعلناه سميعاً بصيرا” وجعل خيار حفظه لذاته بيده أي حملّه مسؤولية نفسه وكلفه بها فهو إما يكون شاكراً أي يكون كثير الثناء على المحسن إليه أي الله خالقه بما منّ عليه من المعروف فتكون بذلك صفته شاكراً، أو يختار لنفسه لأن يكون “كفورا” ولم يقُل الله هنا كافراً فقط لأن الكفور هو مصدراً للكفر والعصيان فهو يُصبح كذلك أي يتبنى الكفر ويعمل به ويُصدّره لغيره .. إذن فإما أن يكون شاكراً لما وفقه الله إليه أو يكون كفوراً جاحدا بربه، إذن فهو صاحب القرار في عمله وهو من يصنع قدره بيده فابقى الله على الخيار بيده حتى يبتليه أي يمتحنه بما آتاه
إن قوله تعالى “ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ” مسبوق بـ ثُم وهي كما نعلم تُفيد التراخي في الزمن أي لم ييسره الله للسبيل على الفور من خلقه له بل اخضعه لحسابات وتقديرات زمنية مختلفة، وبالتالي كان قد امضى الإنسان فيها حين من الدهر وهو على حاله البدائي، فهو لم يهتد إلى السبيل مرة واحدة وذلك على الرغم من تعدد هوياته وصوره وأماكن تواجده كما ولم يكن قد صاحب وجوده ذكر يُحمد عليه أو يُعرف به قال تعالى “هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا” ولكن الله لم يبقي شيء خلقه على حاله بل أضاف عليه مظاهر التحسين والإرتقاء
قال تعالى ” الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ” وبالتالي أخضعه الله للتحسين بعد التحسين حتى جهزه وأصبح الإنسان على درجة من الوعي التحفيزي والغريزي لأن يكون بالقادر على طاعة أمر خالقه، إذن أوجد الله عنده القدرات التي تمكنه من الإستجابة لما أوقع الله عليه من التكليف قال تعالى “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” وإلا لم يكن لأن يكلفه الله .. مع العلم بأنه لم يكن قد وصل إلى مرحلة الأحسن تقويم بعد
ثم أضاف الله قائلاً ” ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) سورة عبس، أي أنهى الله حياته فأماته وسدل الستارة عليه وحجبه عن الأنظار فجعل له قبر وسكن وموضع لا يغادره، إذن فلقد كتب الله عليه الموت وانتهى بذلك أجله وأحاطه بالغموض وهذا يتوافق مع ما تقوله العرب عند قول أرض قبور أي أرض غامضة، إذن فلقد أخفاه الله عن الوجود إلى أن يأتي موعد نشره وإظهاره والإعلان عنه حسب مشيئته فقال تعالى” ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) أي أعاد إحياءه وأقامته من الموت والقبر وبذلك أراد الله لأن لا يبقي هذا الغموض دون الكشف عنه فكان موت هذا الإنسان لا يعني نهاية قصته وأثره وما يؤكد على هذا القول هو استباق إذا بـ ثُم والتي تفيد التراخي بالزمن والتي أتت بعد ان أخبرنا الله بموت هذا الإنسان .. ، أما وللتعريف بـ إذا فنستشهد بالقاموس المُحيط والذي من خلاله نستدل على أن من استعمالاتها كما عرفها الزَّجاجُ: على أنها ظَرْفُ زمانٍ تَدُلُّ على زَمانٍ مُسْتَقْبَل، كما ومن الممكن بأن تأتي بمعنى “متى”  ولنا مثال في الآية الكريمة التالية، قال تعالى “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا”  سورة الجمعة  11
 فكان حديث من الماضي يتعلق بالخلق البدائي الأول والذي على الرغم من أن الله كان قد قاده إلى الطريق ووضعه عليه ألا أنه لم يعمل بما أمره الله سبحانه وتعالى، فأماته الله وواراه وأخفاه عن الوجود وابقى على نشره واعادته لهذه الحياة رهن مشيئته وامره وبالتالي إذن فإن قوله تعالى “ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ” يُشير على “متى شاء أو حين يشاء الله سينشره أي سيُعيد إحياءه وسوف يُذيع نبأ ذلك” .. ولكن كيف تعرفنا على أن الله سيعلن أولاً: نبأ قدومه، وثانياً: سيُحييه من الموت وللإجابة على ذلك وهي من خلال البحث القرآني والقاموسي لقوله: أنشره وما اتصل بها من معنى
فلقد أتى الحديث عن النشور والإشارة على كيفية حدوثه في قوله تعالى “وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَ‌ٰلِكَ النُّشُورُ”  سورة فاطر  9
وكما هو واضح إذن فالنشور هو احياء بعد موت ..  وفي لسان العرب نقول: ونَشَر الله الميت يَنْشُره نَشْراً ونُشُوراً وأَنْشره فَنَشَر الميتُ لا غير: أَحياه؛ قال الأَعشى: حتى يقولَ الناسُ مما رَأَوْا: يا عَجَباً للميّت النَّاشِرِ، وأَنْشَره الله أَي أَحياه؛ ومنه يوم النُّشُور. لأن العرب لا تقول: نشر الموت وإنما تقول: “أنشر الله الموتى” فنشروا” بمعنى: أحياهم فحيوا ويدل على ذلك إذن قوله تعالى “ثم إذا شاء أنشره” على إحياءه من الموت
وكان في خبر إحياء الإنسان من الموت قول الله تعالى “كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”  سورة البقرة  28
وكان في إذاعة ونشر خبر قدوم هذا الإنسان والذي سبق إحياءه فنستدل بذلك مرة أُخرى بلسان العرب حيث تقول العرب: انتشَر الخبرُ: أي بمعنى انْذاع وأُذيع ووزّع ونُشر ويُعمم، ونقول نَشَرت الخبرَ أَي أَذعته، والنشر هو التعميم والإخبار والإعلان عن الشيء أو إذاعته والإفصاح عنه.. ولنا مثال قرآني على ذلك من خلال قوله تعالى “وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَت” سورة التكوير  10
ومثال آخر في قوله تعالى “وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ” الشورى 28
وبالتالي فقول الله تعالى “أنشره” يعني نشره: وكان في نشر وإذاعة خبر قدومه والتبشير به هو عزم الله على خلقه له فقال تعالى“وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا …” سورة الحجر 28 حيث لم يكن الله جل وعلا كان قد خلق آدم عليه السلام بعد والدليل على ذلك هو قوله “إني خالق” … اي إني أُبشركم بحتمية خلقه المستقبلي وفي ذلك إذاعة ونشر خبر قدومه، كما وأتى في نشر خبر تنصيبه خليفة قوله تعالى ”وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” سورة البقرة 30.  حيث لم يكن الله سبحانه وتعالى كان قد جعل آدم عليه السلام خليفة في الأرض بعد ولكنه أذاع عزمه على جعله خليفة لمن سبقه
كما ولقد كُنّا قد تعرُفنا على ما أعد الله للإنسان من خطة مستقبلية إتضحت من خلال ما كان قد صاحب قوله تعالى “إذا شاء أنشره” والتي فيها إشارة على عزم الله على إحياءه وذلك حتى يقضي ما لم يكن قد قضاه من قبل … فأبقى الله على الإنسان البدائي الأول على ذلك الحال أي مقبور ومخفي ويُحيطه الغموض حتى أنشأه الله ثانياً بخلق جديد “أي بصورة آدم عليه السلام” فأنبأ الله الخلق بمجيئه بنشأة جديده فقال: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ
أعادة إنشاء الله للإنسان بخلق جديد قال تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ
يقول الله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) سورة المؤمنون
تُشير هذه الآيات الكريمة على مراحل تطور الخلق الإنساني الأول منذ حداثته وحتى تحوله وإنشاءه بصورة جديدة، لقد كان هذا الإنسان مخلوق من الأرض بسلالة من الطين أي تركيبة وخارطة جينية من مكونات الأرض نفسها ثم تم جعله أي تحويله إلى “نُطفة” أي خلية حيّة ثم بعد ذلك استبدل الله النطفة بتكوين وخلق جديد هو العلقة ومن ثم إستبدل الله العلقة بتكوين وخلق جديد هو المُضغة ومن ثم إستبدل الله المُضغة بتكوين وخلق جديد هو العظام والتي ما انتهى من تكوينها حتى عمل على كسوتها وتغليفها باللحم فكانت آخر مرحلة اكتمل فيها ومعها خلق وتكوين الإنسان هذا، ثم أخبرنا الله بأنه أجرى عليه تغيير أساسي وجذري يختلف عن أصله والذي كان قد خُلق عليه فأنشأه بنشأة وخلق جديد يختلف عما كان عليه فكان قوله تعالى “ثُم أنشأناه خلقاً آخر” بأن أتى بعد إنقضاء وقت من الزمن فأعاد الله بناءه “إشارة على الإنسان الأول” وإنشاءه بخلق آخر إشارة على خلق آدم الإنسان ….  ولكن كيف تعرفنا على أن الله أعاد خلق الإنسان بنشأة وخلق جديد، والجواب نأخذه من سياق الآية نفسها وقوله تعالى “ثم أنشأناهُ خلقاً آخر فقوله “أنشأناه” فالهاء فيها تعود على الإنسان والمخلوق بالأساس من “سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ” والذي بدأ الله خلقه للإنسان كجنس منها … ، فالخلق كان قد تم بفعل السلالة (الدي إن إيه) والتي كانت مسؤولة فيما بعد عن نسج الإنسان وتكوينه، فكان خلق الإنسان عبارة عن خارطة إبتدائية مكونة ومُصاغة بالكامل أي كان الإنسان المُقدر عبارة عن خارطة جينية دقيقة “بلو برنت” تحمل كل أوصافه ثم بعد ذلك أتى عليه الجعل والذي تمثل في عملية النمو والتكوين المادي الحي فقال تعالى “ثُم جعلناه نُطفة” ولم يقُل جعلنا السلالة نُطفة بل قال ثم جعلناه مُشيراً على الإنسان أي جعلناه على الرغم من تكوينه الدقيق والمجهري فهو أصبح بالمخلوق ويحمل كل ما هو عليه من الصفات “الجينات” والتي سيحتاجها في تكوينه فصيّره نُطفة أي خلية أولية إشارة على حجر الأساس ولبنة البناء الأولى اللازمة في عملية التنمية الجسدية وبناءه العضوي التناسلي “التكاثري” الذي ينتظره والتي تشكلت بعد الكم من الزمان والوقت الغير مُعرّف أو مُحدد بالنسبة لنا، ولذلك فالأقرب للعقل وهو بأن قوله في الآية الكريمة “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ” تعود على جوهر الخلق الإنساني واصله والدليل على ذلك فهي تُحدثنا عن الخلق من سلالة من طين أي مما استل من طين والتي بدأ بها الله الخلق الإنساني فالسلالة أدت إلى صياغة النطفة أي لبنة البناء الأولى “الخلية الأولى” للإنسان وتشكيل مادتها العضوية لأن الله أشار على بدء خلق الإنسان من طين قال تعالى “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ”  سورة السجدة  7
فكان بها أول ما أبتدأ الله بخلقه للإنسان قبل أن يجعل منه نُطفة فـ “من” في قوله تعالى من سلالة هي نشؤئية ابتدائية أما في قوله تعالى “من طين” فكانت استعمال “من” فيها بيانية أي أتت لبيان مصدر السلالة أي من أين استلّت، ومن خلالها تعرفنا على أنها تعود على طين ما لم يُحدده الله بالإسم لأن الطين ياتي على أشكال وأنواع مختلفة ويتنوع بتنوع التربة وخصائصها، ومن الطين أيضاً ما هو غير من الطين المتعارف عليه أي مزيج التراب والماء فبعض المركبات الطينية لا تحتوي على الماء وهذا نُريد لأن نبقيه في أذهاننا حين التعَرُض لحقيقة خلق الإنسان فكان استعمال – من – للتعريف على مادة الطين بشكل عام، إذن والخلاصة هي بأن الله يُخبرنا بخلقه للإنسان من سلالة طينية
ولكن ماذا يعني قوله تعالى “فكسونا العظام لحما” وكيف نفهمه
لقد كان بأن إنتهى الله من خلقه للإنسان الأول حين أخبرنا بقوله تعالى “فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا” لأن من الثابت علمياً بأن عملية إكتمال تكوين الجنين والذي سيخرج للعالم طفلاً تتم بعد الإنتهاء من عملية تغليف اللحم للعظام وهي المرحلة النهائية والتي ينتهي طور الحمل النهائي عندها ويكون بذلك قد استقل الجنين بشيفرته الوراثية “الدنا” المميزة عن غيره وتحدد من خلالها لون عينيه ولون شعره ولون بشرته وفصيل دمه .. وبهذا يكون قد تكوّن عندنا الإنسان الكامل المواصفات بتركيبته الجينية الكاملة ويكون الفرد المولود مميز عن غيره وكائن له مواصفاته وفوارقه عن غيره حتى عن أخيه التؤام وبالتالي فعند الإنتهاء من تكوين العظام تكون الذرية قد حُفظت في عجب الذنب وهو مكان حفظ الذرية وفي أسفل الظهر والذي أتت الإشارة عليه من خلال قوله تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ” الأعراف 172. فبعد موت الإنسان وتحوله إلى تراب يُعيد الله إنشاءه منها كما بينا واشرنا عليه سابقاً … وبالتالي ففي حال الإنتهاء من تكوين العظام يمكننا لأن نحتفل بتكوين الإنسان لأن الجنين يكون بعد الإنتهاء من هذه المرحلة تام الخلق، أما مسألة محياه ونموه ونضجه والتي تلحق بذلك فهي لا تغير من شيفرته الوراثية ولا من فصيل دمه ولا من لون عينيه ولا بصمة أصبعه “بنانه” وغير ذلك مما أشرنا عليه فالجنين في مراحل الحمل المتأخرة لا يختلف بتكوينه لاحقاً ولا يخضع لتغيرات جذرية في كيانه المركب ويبقى على ذلك حتى يموت
ففي تتبع مراحل خلق الإنسان وتطوره الإنشائي نرى بأن الإنسان يُصبح بالمخلوق الكامل ويحمل هويته الجينية المستقلة عن غيره بعد مروره بمرحلة خلقه من العلقة وهذا نستمده من قول الله تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” 677  غافر
إذن فبعد مرحلة التحول إلى علقة يُصبح المخلوق الجديد يتمتع بكامل الصفات التي تميزه عن غيره كإنسان، قال تعالى “ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا” والملاحظ بان الله في الآية الكريمة لم يذكر مرحلة المضغة والتي تلحق بالعلقة وتحول المضغة للعظام وكسوتها باللحم بالمثل كما كان في قوله “ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا” واكتفى بإستعمال ثُم والتي تُفيد التراخي في الزمن فسمح بذلك بفترة زمنية سبقت إخراجه طفلاً ولم يذكرها لعدم أهميتها بإحداث أي تغيير لتركيبته الوراثية ومخطط بناءه التكويني
إذن فالخلق من المضغة كما أشار الله عليها والتي تأتي بعد الحديث عن خلقه للإنسان من العلقة لا تُغير من تكوينه الجيني ولا تؤثر عليه حتى ولو ولد بإعاقة خلقية يقول الله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا”  الحج  5
فإذا كان هذا الإنسان قد أصبح مستقل الخلق بتكوينه الوراثي والبنائي وهو في مرحلة العلقة فهو يبقى على ذلك هو نفسه حتى مماته وهذا ثابت علمياً ويتفق مع ما أشارت عليه الآية الكريمة وبالتالي فهو كائن مميز ومحدد التركيبة الوراثية المستقلة كان قبل تحوله لمخلوق آخر إذن فماذا يعني قوله تعالى ” ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ” سُوى إنشاءه بتكوين جديد غير مما كان عليه في الاصل
إذن فلقد كان بموت الإنسان الأول بأن تحولت عظامه إلى رميم قوله تعالى ” وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ .  قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ”  يس 78 – 79. والرميم حسب لسان العرب هو الخلق البالي من كُل شيء وبالتالي إشارة على تآكل عظمه بالكامل وبالتالي فالحديث هنا عن موت الإنسان الأول وفناء عظامه ثم أتى الحديث عن العظام والتي أحياها الله واستعمل مصطلح النشأة واشار عليها بنشأة العظام لأول مرة تزامناً مع نشأة الخلق الآخر وهو نشأة آدم من ذرية السابقين من الإنس، والملاحظ ايضاً والذي نستمده من سورة المؤمنون وهو بأن حين أتت نقطة التحول لنشأة الخلق الآخر انتهى معها الحديث عن الإنسان كجنس عام وبدأ يحدثنا الله مباشرة فاختلفت معها صيغة الكلام من الحديث عن الإنسان وبالشكل المفرد في الآية (14) إلى الحديث المباشر وبشكل حصري مع وإلى الآدميين بصيغة الجمع فقال تعالى “ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)” فكان الحديث يُعبر عن انتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة انتهى بها دور الإنسان البدائي الأول وبدأ بها دور الإنسان الآدمي الجديد وذريته
وبما أن الموضوع هو موضوع إنشاء له أي لنفس المخلوق الأول بنشأة جديدة إذن فالمخلوق الذي نشأ عنه يختلف في تركيبته الوراثية فهو مُختلف التكوين فهو خلق آخر حسب ما صرّح الله به، بالإضافة على أن الإنشاء تقوم على الذرية لأن المنشئات “وهذا للتذكير” تقوم على حجر الأساس وهنا تقوم على اللبنة الأساسية والمسؤولة عن تكوين الإنسان “وهي هنا ما أشار الله عليها وبالتحديد بالذرية” وبما أن الحديث هنا هو عن إنشاء وخلق آخر فهو بلا شك قائم على لبنة الأصل فالقول يعود عليه “فأنشأناهُ” بخلق آخر أي إشارة على وجود وإحداث جديد يختلف عن ما كان عليه من قبل
وفي هذا الآيات دليل آخر على نشأة آدم وذريته من ذرية سابقة، وللتذكير الم يقُل الله تعالى “كما أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  وبالتالي فلقد كان قد مات الإنسان الأول بعد اكتمال خلقه وكان على الأغلب لا يزال في المرحلة الجنينية، وكان بموته بأن تحول إلى تراب ومن ثم أعاد الله إحياءه بصورة آدم أي بخلق ونشأة جديدة والتي تم فيها عملية الإنتقال إلى مرحله خلق الإنسان الآدمي وبالتالي فإن آيات الإحياء من الموت والتي بدأنا فيها بحثنا هذا كان فيها الإشارة على صلتنا بالإنسان الأول والمنقضي أجله وموته وتحوله إلى تراب ثم إعادة إحياءه ونشأته الجديدة ولكن بصورة آدم
قال تعالى “كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”  سورة البقرة   28
وقال تعالى “وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ”  سورة الحج  66
 لقد عمل الله على إنشاءنا من ذُرية السابقين من الإنس ولكن بخلق جديد وبما أنه هو خلق جديد فهو إذن خلق مستقل الذرية وغير من سابقه أو من ما أخذ منه
فالإنسان الآدمي هو من أوقع الله عليه التسوية وخصه بها فقال “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”  الحجر 29 وص 72
والذي في خلقه وتسويته وعدله كان قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)  فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) الإنفطار
فأعاد الله صياغته للإنسان بصورة جديدة فقال “فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ” فتمثل في صورتي آدم وزوجه الذكر والأُنثى وفي ذلك قال “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا” النساء 1 .. ثم حين انتهى الله من خلقه للإنسان قال “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”  التين 4، فالله لم يُبقي على شيء كان قد خلقه بدون أن يُحدث عليه التحسين والتطوير وكذلك كان في خلقه للإنسان فقال “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” السجدة 7، وكان بأن حسّن الله خلقه للإنسان وطوره من إنسان بدائي إلى إنسان مُبصر وعاقل
أما وبالرجوع للآية 23 من سورة عبس نرى بأن الله يُقول فيها “كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ” ولكن إن ما يستدعي الإنتباه وهو بأن الله لم يقُل “كلا لم يقضِ ما أمره” .. وللتوضيح  نقول: بأن الله استعمل قول “لمّا” بدل من استعمال قول “لم” في الآية الكريمة، ولكن ماذا يعني هذا وعلى ماذا يُشير وهل سيقودنا هذا لفهم أعمق وأهم للآية الكريمة أم لا، وللإجابة على ذلك نقول نعم وذلك لأن من استعمالات لمّا وهو بأن تأتي بمعنى إلا وتاتي أيضاً بمعنى إذا، وسنبدأ بلسان العرب وفيه قال ابن بري: وحكى سيبويه نَشدْتُك الله لَمّا فَعَلْت بمعنى إلاّ فعلت، والدليل القرآني الذي يمكننا لأن نستشهد به وهو قول الحق جل وعلا والذي فيه يقول الله تعالى
“إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ” سورة الطارق 4 .. ومعنى ذلك أي أن كل نفس إلا عليها حافظ، وكذلك قوله تعالى “بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَ‌ٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ”  يونس 39 فقول “ولمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ” أي إلّا سوف يأتيهم تأويله أو “إذا” لأنه ومن الواضح من الآية الكريمة لم يكن قد أتى ما كانوا قد كذبوا حدوثه ولكن حتماً سيأتيهم وهذا هو عاقبة الظالمين
 إذن كذلك فلقد أتت لمّا ومعناها إلّا في قوله تعالى “كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ” حتى تستوفي بلاغ خبر أمرين: أولهم لتُخبر عن أمر يتعلق بالماضي وهو بأن الإنسان لم يقضي أمر الله وتكليفه له بالعبادة، قال تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”، والآخر وهو لتزف لنا خبر أمر مستقبلي لا بد من حدوثه ألا وهو إلزام الإنسان بما قضى الله عليه وأوقع عليه من التكليف أي فهي تُعبر عن أمر حتمي كان قد كتبه الله على الإنسان وبالتالي فإن معنى الآية الكريمة أو تفسيرها هو “كلّا إلا يقضى الإنسان ما كان قد أمره الله به” وهو تكليفه بالعبادة اي بالتسليم والطاعة لخالقه مع العلم بأن الله لم يكن قد حمله الأمانة بعد ولكن نتيجة رفضه للعبودية أي لأن يكون عابداً مؤتمناً على نفسه عند خالقه فسيعيده الله ليتم أمر الله فيه، ولذلك فلقد أعاد الله خلق الإنسان بصورة آدم وابتلاه وجعل له القدرات الذكية والأخلاقية وبالتالي أصبح لا عذر له ولا سبيل امامه سوى التسليم والإستجابة للأمر، وهذا يتفق تماما مع أمر الله للسماوات والأرض والجبال في قوله “إتيا طوعاً أو كرها” فعلى كلا الحالتين فهو لا مفر من الإتيان، وبالتالي فلن يفلت الإنسان من قضاء الله عليه بالعبودية أي بتسليم إرادته له وهنا نُعيد ونُذكر بقوله تعالى “إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا”، وبالتالي فلقد كان الإنسان الأول هو من أوقع الظلم على نفسه، والظلم هو الحياد والتقصير عن إداء الحقوق، فالظلم هو نقيض العدل وهو أحد أهم مظاهر السقوط الإنساني والإجتماعي وهو أشد على الإنسان من الجهل ولذلك لربما كان سبباً في تقديم الله الظلم على الجهل، ومع ذلك لم تكن هذه هي خطة الله في خلقه للإنسان ولم يكن هذا ما أراد الله له فأبقى له الله على فرصة لإنقاذه من هذا الثقل الكبير فختم حديثه عنه بالقول “جهولا” وذلك رحمة به أي وكأن الله عَذَرَه نتيجة جهلة وقلة علمه وأتى وصف الله له بجهولا لتُعَبر وتشرح حاله على مر الزمان الذي كان عليه فلم يكُن بالعليم، كما ومن المُمكن بأن الله كان قد أخَّر الكلام عن جهله في الآية الكريمة لأن جهله نتيجة عدم إلمامه بالعلوم والمعرفة، وبالتالي فلم يكن قد تسبب به من نفسه وذلك لأنه لم يكن قد تعلم على يدي خالقه بعد ولهذا أُعطي فرصة جديدة وشاء الله لأن ينشره من جديد ويُعيد خلقه وإحياءه، وبالتالي لقد كان الإنسان الأول هو الذي يسره الله إلى السبيل أي قاده إليه وسهله عليه، وكان هو الذي أماته الله وأقبره بعد أن فشل لأن يُبقي نفسه على الطريق السوي، وكان هو الذي “إذا شاء أنشره” فأذاع خبر إحياءه وأقامته من الموت بخلق جديد .. وذلك من أجل أن يُعيد خلقه بصورة جديدة مُحدثة يكون فيها إنساناً مُدركاً بصيراً وقادر على حمل الأمانة وهي حفظه لذاته
الأمانة وتكليف آدم بحملها
قال تعالى “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)”   سورة عبس
إذن فمن قوله تعالى ” كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ  .. تعرفنا على أن الإنسان كان قد تخلف وقصَّر عن عبادة خالقه وما الزمه به من مشروع العبودية وبالتالي فشل الإنسان في ابقاء ذاته تحت امر الله ليقودها ويحفظها فلم يُتم أمر الله وأنقطع عن عبادته وهذا الوحي القرآني يعود على الإنسان الأصل والمتمثل بالأجناس الإنسية البدائية بأكملها ومحصور بها ولا يشمل على الآدميين من الإنس لأن الآدميين وبكل بساطة لا زالوا ينتظرون أجلهم والذي لم ينقضي بعد، بالإضافة إلى الإشارة عليه في الآية الكريمة بالكفر لا يُمكن لأن يكون بالآدمي، فالآدميين منهم الأنبياء والرسل والصالحين والمتقين والأولياء والمؤمنين والوجهاء والمقربين والقديسين والأبرار من الناس وبالتالي فمن الواضح بأن تكون الإشارة على جنس جاهل وظلوم كان قد أهلكه الله وأراد لأن يستبدله بجنس آخر تكمن فيه القدرة على التعقل ويمتلك القدرات الذكية والتي تؤهله لأن يكون بالعابد والمؤمن على نفسه عند خالقه .. وبالتالي فالكفر في الآية 17 من سورة عبس والسياق الذي تبعها لا يطول جميع الجنس الآدمي حتى ننسبه لأنفسنا وبالتالي فعلينا لأن نُدرك بأن قوله تعالى  “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ” ..  لا يعود علينا نحن الآدميين بالإضافة على أن العرب تقول: قاتل الله فلاناً أي لعنه نحو قوله تعالى ”قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ” التوبة 30. ويُقال تقتل الرجل في مشيته إذا تثنى وتكسر أي لم ينضبط وبالتالي لم تقوم له دعوة فبطلت .. وهنا كما هو واضح نتيجة لكفره وبالتالي فهي لعنة حلت بهذا الإنسان وكان فيها ذم له يعيبه الله عليه فاستحقره وانتقصه ولامه
وبالتالي إذن فالآيات هذه كانت تشير على الخلق البدائي الأول من الإنس والذي لم يقضي ما أمره الله وتخلف عن عبادته والذي سبق خلق الآدميين فهو الذي يسّره الله إلى السبيل وهو الذي أماته الله وهو الذي أقبره الله أي تم إحتواءه وإحكام الإغلاق عليه وطي صفحته وزمانه إلى أن عاد ونشره، حيث بقيت عملية إنشاءه هي جزء من خطة الإبتلاء والتي وضعها الله ليمتحن فيها الإنسان، فكان بأن سبق بقوله “لمّا يقض ما أمره” النفي التام فقال “كلا” أي نفى عنه الخضوع للأمر حتى لا يعتقد البعض بأن هذا يخص حادثة عابرة أو شخص معين فرد أو جماعة لأن الحديث عن عموم هذا الإنسان البدائي فهو كلا لمٓا يقضي ما أمره الله، فكلا هي زيادة في التأكيد والمبالغة والتشديد على عدم طاعته لأمر الله والتشديد على تقصيره وبما أنها تحدثنا عن الإنسان فهي ليست حصريا على قوم أو أفراد بعينهم بل تشير على الجنس والذي اخبرنا الله بموته ومواراته عن الأنظار أي أخفاءه وإقصاءه عن الوجود بعد فشله في إبقاء ذاته على طريق الله فقُضي بذلك أجله
لقد قال الله تعالى “ثم السبيل يسّره” ويسّر أي قاده للسبيل وأوصله وعرّفه عليه ووضعه عليه ومع ذلك لم يقضي ما أمره الله، فلقد كفر الإنسان الأول بخالقه لأنه لم يسعى للإتمان على نفسه أو ليحفظها في رعاية الله وبالتالي حاد عن صراطه حتى بعد أن وضعه الله على السبيل وقاده إلى ما فيه الخير له حيث ساعده في رحلته وطريقه وعبوره في هذه الدنيا ومع ذلك كان ناكراً لأوامر الله، فأنهى الله على وجوده الحي وجعل منه ماضي مُغلف ومحكم الإغلاق وبقي على ذلك الحال حتى إختار الله لأن يُعيده ثانياً بخلق آدم وفي ذلك كان قوله تعالى “ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) سورة المؤمنون
وأراد الله لأن يزود الإنسان في خلقه الجديد بالكماليات ويُكلفه بالأمانة ويمتحنه فابتلاه حين خلقه بالصورة الجديدة أي بشخص وصورة آدم عليه السلام، قال تعالى “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا”  سورة الإنسان   2
فكان بأن أعاد الله خلقه للإنسان بنشأة وصورة جديدة، وكان أساس بناءه الإنشائي هو من النطفة الأمشاج والتي أصلها كان من زوجية تعود على ذرية القوم الآخرين، قال تعالى “كما أنشأناكم من ذُرية قوم آخرين” أي إشارة إلى الخلق الإنساني الأول، وهذا رد على بعضاً من الدُعاة والمُفسرين والذين يدّعون خطأ بأن آدم كان قد خُلق من العدم، فآدم لم يُخلق من العدم بل من نُطفة كانت في الأساس قد احتوت على مائي الرجل والمرأة أي ذُريتهم فخلق الله منها الجنين ثم أماته الله وحوّله إلى تراب ثم أعاد خلق الإنسان من نطفته الميتة التي تركها في عجب ذنبه فقال تعالى “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ..”  ثم سوّاه وعدل في تركيبته الخلوية فأصبح المخلوق الجديد بالسميع والبصير نتيجة وقوع التسوية والتعديل والتركيب عليه ، إذن فلقد عمل العلي القدير على تزويد الإنسان وتجهيزة بالإمكانيات التي تُمكنه من مواجهة غرائزه وكبح جماحها وتذليلها بإرادة عقلية ذكية فزوَده بكماليات السمع والبصيرة والضمير وعَلَمّه وذلك حتى يبتليه أي يمتحنه من جديد فعمل على تحسينه وتسويته وتزويده بما يمكنه من إجتياز إمتحان الإيمان
فقال تعالى “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ”  سورة الإنفطار   7 – 8
وقال تعالى “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”  سورة الحجر  29
فكانت مرحلة التحسين والتسوية مرافقة للخلق الإنساني ومنسجمة مع اختلاف أطواره الخلقية المختلفة على مر الزمان إلى أن بلغ أعلى مراحل التحسين وارفعها وأرقاها إشارة على الخلق الآدمي السوي .. وفي ذلك ما أطلعنا الله عليه
فقال تعالى “ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”  سورة التين  4
أما أحسن تقويم أي أحسن تعديل خلقي “مبني على القيم الحسابية المقدرة بالتمام والكمال” فكان بأن قوَّم وعدّل وحسّن الله تعالى كُل إنسان كان قد خلقه من قبل آدم بخلق إنسي آخر حل محله وتكررت العملية حتى بلغ أحسن وأعلى مرتبة إنسية مخلوقة أي بصورة الخلق الآدمي والذي ساد به على من كان قبله من المخاليق الإنسية فوصل به إلى مرحلة “أحسن تقويم” أي أعلى مرتبة وأعلى درجة في التحسين، فلم يُبقيه الله على جهله وظُلمه لنفسه بل أتت مرحلة التغيير فخلق الله آدم الإنسان سميعاً بصيرا وذلك حتى يُمكنه من الإدراك والعقل وبالتالي كان قادراً على تحصيل العلم والمعرفة ومتسلحاً بالأخلاق الكريمة … ومنه ومعه كان قد بدأ مشروع تعليم الإنسان
إذن فلقد كان في جهل الإنسان الأول دليل وشهادة على تدني علمه ومعرفته بالإضافة على أنه كان ينتقص للخبرة وللقدرات الإدراكية والمُصاحبة لآلتي عمل السماع والبصيرة، فكان قليل العلم والإدراك وكان كثير الظلم والجهل وهاتان صفتان لا يتفقان مع الخلق الآدمي الذي كان عليما والذي كان نتيجة ما أوقع الله عليه من الجعل والتحسين بأن تحول من إنسان جاهل لإنسان قادر على التَعَلُّم والإدراك، قال تعالى “عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم” العلق 5، وقال تعالى “وعلم آدم الأسماء كُلَّها” البقرة 31. فكان بأن أعاد الله خلقه للإنسان بإنشاءه من التراب وأوقع عليه التسوية وأحسن تصويره ورَفَع درجة تكريمه وتفضيله فاسجد الملائكة له وجعل منه بشراً “أي سيداً وسائداً” على مخلوقاته الأرضية
إن وصف الله للإنسان الذي حمل الأمانة بالظلوم والجهول هي صفات للإنسان البدائي الأول وليس للإنسان الآدمي الذي كرمه الله وفضله وعلمه، كما ونحن نعلم بأن الإنسان إذا إتصف بالظلم يكون قد أسقط إنسانيته إلى مستوى الدابة وهذه صفة كانت قد صاحبت الإنسان الجاهل والذي لم يُعَلِمُه الله فكانت حيوانيته وغريزته سبباً في ظُلمه لنفسه ولمن حوله وبالتالي تسببت في كُفره ….. وفي ذلك كان لنا عبرة نأخذها من قوله تعالى “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ” الأنفال 55
 فلفظ الدواب هو جمع دابة، وأما تشبيه الكفار بالدواب فهو يُقربنا من فهم طبيعة المخلوق البدائي الإنسي حيث أخبرنا الله عن كفره، فكان قصة في الظلم والجهالة احاطت به من كل جانب وكان قول الله تعالى في كُفره ” وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ” النحل 61 . فكان ما تسبب في هذا الوصف هو الظلم الذي أوقعه الناس فيها، وبالتالي أصبح بإمكاننا لأن نرسم العلاقة بين الدابة والظلم وعلاقة ذلك بالناس
ولكن إذا كان الإنسان الأول قد حمل الأمانة من نفسه فكيف حمّل الله آدم الأمانة وكلفه بحفظ ذاته
 لقد أطلع الله الملائكة والجن على مشاهد حية سبقت امتحانه لهما كان أولها ما أشهدهما على مسرح الخلق البشري، وثانيها ما اشهدهما على مسرح الخلق الإنسي البدائي فاستثنى الله من رحمته وعصمته كل من البشر الأولين والجنس الإنسي البدائي والذين خلقهم بإرادة غزيزية مختارة وغير مُسيّرة كانت خطورتها تكمن في خلوها من القدرات الذكية والأخلاقية التي تحتاجها لفعل الخير وتجنب الشر .. فأشهد الملائكة والجن على حياتهم الدنيا السفلى والمليئة بالجهل والفساد وسفك الدماء وذلك حتى يعتبروا ويتنبهوا لأهمية العصمة التي منحها الله لهم، ولعلهم يدركوا أهمية تسليم ذاتهم لله ليديرها ويُشرف عليها ويحفظها من الشر ومن كل ما هو مرتبط به  .. حيث كان تسليمهم أو اسلامهم لله في ملكوته الأعلى يتفق مع سنة التسليم وواقع الأسلمة التي فطر الله عليها الخلق كله … ولكن مع ذلك رأينا بأن كل من الملائكة وإبليس كانا قد فشلا في الإمتحان
آدم وحياة التجربة والإعداد
أما آدم والذي جعله الله أداة للإمتحان فكان هو نفسه كان قد خُلِق للإبتلاء .. فلقد خلقه الله وجعل له ذرية وكلّفه بالعبادة كسابقه فقال “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” .. ولكن كيف لآدم لأن يعبد ربه بدون أن يتوفر له عرض محسوس يتعرف به آدم على مفهوم العبودية لله والذي يلزمه بطاعته بدون أن يشهد ماضي الإنسان او البشر ولم يكن قد تعرف على مسلكياتهم الهمجية .. وبالتالي لم يكن على إطلاع على أهمية العصمة والتسليم لله وخطورة الإرادة الحرة والإبقاء على النفس بلا مامن وخارج حفظ الله له .. فهو لم يكُن قد حظي بمشهد حسي حقيقي ودرس عملي يشهده ويتعلم منه
ولكن الله لم يكن ليتركه على هواه وبدون دليل وهدى ولذلك فلقد كان بأن أعد الله لآدم أيضاً خطة عملية حسية وذلك بقصد إعداده لما ينتظره من حياة الإبتلاء .. وكان بأن جعل الله لآدم الدور الأكبر فيها  .. فاخبرنا بان أول ما كلف الله آدم به بأن عهد له نفسه ليرعاها ولكن لماذا .. وللإجابة المختصرة نقول: وذلك حتى يمتحن إرادته الأخلاقية وقدرتها على إختيار الخير ونبذ الشر وبالتالي التحقيق فيما إذا كان سيُقبل على الله مُسلماً له ومؤتمناً على ذاته عنده أم ستقوده ذاته الإختيارية والمحفوفة في المخاطر إلى المعصية وظلم نفسه
ولكن فلقد كانت النتيجة بأن الله لم يجد عند آدم العزيمة أي لم يكن عنده الثبات والقدرة على التحكم بارادته
 فقال تعالى ” وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا”  سورة طه   115
وبالتالي فشل آدم في الحفاظ على ما عهد الله له وجعله مسؤول عنه، وعلينا بالإنتباه لقول “من قبل” لأنه هذا القول فيه الإشارة إلى عامل الزمن وهو “ظرف زمان” والذي فيه الدليل على حدوث فترة تحضيرية تدريبية تعليمية كان قد أخضعه الله إليها حيث كان الغرض منها هو لأن يُطلعنا وأبونا آدم وزوجه على اهمية وضرورة التسليم لخالقنا وذلك                                                       حتى نكون منسجمين “ونُعيد ونُكرر” مع سُنّة التسليم الكونية والتي توفر لنا الأمان والحفظ
 إذن فلقد أراد الله لآدم الإنسان لأن يتعرف على عظم مسؤولية الحفاظ على نفسه من خلال التسليم لإرادة الله في فعل الخير والإبتعاد عن الشر فكان بأن حضّر له درس عملي تحضيري وذلك ليُعده لدوره المستقبلي الذي ينتظره حيث لم يكن من اسلوب الله العادل لأن يُكلفه الله بدون أن يُعلمه ويُعده عملياً له .. وبالتالي فلقد اراد الله قبل أن يوقع التكليف على آدم بالعبادة لأن يرشده إلى أهمية الطاعة والعبودية
ولكن فلقد كانت نتيجة الفحص الأولي بأن آدم فشل ….  ولكن ما الذي عهده الله لآدم
قال تعالى ” وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ .. ” ولم يقل الله عاهدناه ولكن عهدنا اليه أي لم يكن باتفاق وبموافقة وقبول ادم ولكن القى الله اليه العهد أي ما معناه وهو حمّلناه العهد والقينا إليه مسؤولية الحفاظ عليه، أي قدمنا العهدة ودفعنا بها إليه حتى يتعهد بها وجعلناه مسؤول عنها وذلك حتى يعمل على حفظها ورعايتها وحمايتها …. ولكن آدم فشل في الحفاظ على ذاته وظلم نفسه على العكس مما حذره الله منه ونبهنا الله لذلك فقال “مِن قَبْلُ”، فآدم نسي لأنه وبكل بساطة لم يكُن قادر على المقاومة والثبات في وجه إغواءات الشيطان ووسوسته
إذن وبالرجوع للآيات الكريمة من سورة طه نرى بان بعد أن أخبرنا الله بأن آدم لم يكن يتمتع بالثبات والإرادة القوية وبالتالي فشل لأن يؤمن على نفسه ويُسلمها إلى خالقها ليعهدها عنده  “طه 115”  … ثم عاد الله بنا للقصة من أولها ليُخبرنا بان إبليس أبى لأن يسجد لآدم حين أمره الله
فقال تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ”  طه 116
ولكن إبليس كما نرى أبى أي رفض وبشدة وإصرار وهذا نأخذه من مفهوم الأباء أي المنعة الشديدة، والابي وهو المتنع وبإصرار، حيث كان نتيجة ذلك بأن طرده الله وأمره بالخروج من جنته وعباده
فقال “قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ” الأعراف 18
ثم لحق بذلك مرحلة إعداد آدم لخلافة الأرض من خلال إسكان الله له ولزوجه في الجنة والتي كانت بمثابة إعلان عن ابتداء المرحلة التحضيرية
قال تعالى “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ”  البقرة 35
وقال “وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ” الاعراف 19
فإذن فلقد صاحب التصريح بالسكن في الجنة النهي عن الإقتراب من الشجرة والتي لم يُعرف لها أصل .. سوى أنها شجرة وكان الخطاب الرباني محصور بآدم ولكن النهي كان يشمل على كل من آدم وزوجه  … ثم لحق بذلك التحذير لآدم وزوجه من إبليس “ولكن الخطاب مرة أُخرى محصور بآدم” مُشيراً عليه بـ هذا أي للتعريف عليه شخصه
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ  طه 117
إذن فمرة أُخرى لقد كان الخطاب مع آدم مع أن التحذير من الشيطان كان قد شمل عليه وعلى زوجه، ولكن كيف نفهم ذلك
يشير كل من القرآن الكريم والكتاب المقدس إلى أن الله تعالى بعد أن خلق آدم وحواء أسكنهما الجنة وعندها عصيا الله تعالى بأكلهما من الشجرة فأخرجهما الله منها وأهبطهما إلى الأرض
ولكن أهل الكتاب يزعمون بأن الخطيئة الأولى كانت قد تسببت بها حوّاء أي زوج آدم وهذا نجده في كتابهم المقدس من سفر التكوين الأصحَاحُ الثَّالِثُ
1وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» 2فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، 3وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا». 4فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! 5بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». 6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. 7فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. 8وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. 9فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». 10فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». 11فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» 12فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». 13فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ». 14فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. 15وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». 16وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ». 17وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. 18وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. 19بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».
ولكن فإن تداعيات الأكل من الشجرة تختلف من الكتاب المقدس عن القرآن الكريم، فالكتاب المقدس يحمل المرأة مسؤولية الوقوع في الخطيئة الأولى فهي من أكل ثم أعطت آدم منها فأكل
 6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ.
بالإضافة على أن كتابهم المقدس يُخبرنا بأن آدم تبرأ من فعلة حوّاء أي فهو أيضاً حمّلها الخطيئة لوحدها
 12فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». ومن ثم الله يُشير عليها بالتهمة 13فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» ولعنها 16وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ». ولقد كان للمرأة نصيب الأسد في هذه العواقب، بخلاف آدم الذي يصوره الكتاب المقدس على أنه ضحية حواء. فجعل الله الرجل هو السيد على المرأة وهي عبده عنده تخدمه ومع ذلك يتجرأون بالقول بان الإسلام يضطهد المرأة
أما بالنسبة للمسلمين فهم يزعمون بأن آدم وزوجه كلاهما كانا قد تسببا في الخطيئة الأولى ولكن وضعوا اللوم على آدم لأن الله خاطبه وشمل في خطابه معه على زوجه ضمنياً إذن فكان هو المسؤول عنها .. ولكن إذا كان كذلك اي تسبب كلاهما في الخطيئة فلماذا إذن أخبر الله آدم بأنه الوحيد الذي سيشقى بدون أن يشمل الشقاء على زوجه وبالتالي فالشقاء سيكون من نصيب الرجل وحده
 ولكن هذا الخطأ الموروث هو ناتج عن عدم فهمنا لحقيقة حوّاء وكيف خُلقت وما هي  .. إن آدم في الحقيقة هو ادم وهو زوجه ايضاً اي ادم نفسه بصورتيه الأصل والصورة المنسوخة عنه، وأتى الحديث القرآني ليُخبرنا بأن نفس آدم هي النفس الواحدة والتي خلق الله منها زوجها، فكان خلق زوج آدم قد اعتمد على النسخ من الأصل حيث لم تُخلق حوّاء من زوجية أي من أب وأُم بل خُلقت من نفس آدم فاصبح لدينا كيان آدم الأصل وكيان آدم المنسوخ أي الصورة المنسوخة عنه..  (ويقول العلامة الشيخ محمد متولي شعراوي رحمه الله بأن قول “أنت وزوجك” يُشير على الفرد ومعه مثله) وبالتالي إذن فمنهما أي من آدم وزوجه المنسوخ عنه ابتدء الله الزوجية التي بث منها الرجال والنساء الآدميين .. فكان الخطاب الرباني موحد فهو مع آدم ولكن يشمل على الزوجين الإثنين فكلاهما آدم اي آدم الأصل وآدم الصورة المنسوخة مما احتوى عليه آدم من الخلق والتكوين ولذلك سُميت حوّاء بذلك مع العلم بأن القرآن لا يذكرها بهذا الإسم وإنما يصفها بزوج آدم ويُشير عليها بالأب كما يصف آدم بالضبط …. ولذلك فإن في قول “فتشقى” اي يا آدم بصورتيك المخلوق ومُركب بهما .. قال تعالى: في اي صورة ما شاء ركبك
إذن فلقد أراد الله لأن يخضع آدم لمنهاج تعليمي عملي يعيش من خلاله مرحلة تجريبية تحضيرية تسبق ما أوقع الله عليه من التكليف .. فالله لم يكتفي بتعليم آدم من خلال منهاج شفوي ينتقص التجربة على أرض الواقع بل اختار الله له لأن يُشارك في هذا المنهاج التفاعلي حيث جعل من آدم أحد عناصر الحدث الكوني وذلك حتى يستفيد آدم من هذه التجربة العملية في رحلته الحياتية والدنيوية التي أعدها الله له، ولذلك سمح الله وأجاز له لان يُخطيء وحتى يرتكب المعصية اثناء هذه المرحلة التدريبية وذلك حتى يُبيّن الله له ولنا الفرق بين توكلنا عليه والتسليم له بإرادتنا الحرة والإختيارية بما يتفق مع سنته الكونية، وبين الإبقاء على مهمة حفظنا لأنفسنا رهن أيدينا .. فكانت النتيجة بان أقدم آدم على المعصية وابلغنا الله بضعف إرادته وقدرته على مقاومة غريزته حيث أوقع نفسه ضحية لهوى الشيطان ووسوسته
لقد كان خلقْ الله لآدم منذ البداية حتى يستخلفه في الأرض لا لأن يجعل من جنة السماء سكناً دائماً له بعد لأن سكنه الأبدي في جنة الله العليا مشروط بتحلي الإنسان بالأخلاق الحميدة وفعل الخير واجتناب الشر وبالتالي تسليم الإنسان لخالقه وتأمينه لنفسه عنده
ولكن ما هي حقيقة الشجرة .. ولماذا أتى التحذير والنهي من الإقتراب منها وإلى ماذا كانت ترمز
قال تعالى “وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ” الأعراف 19 – 24
لقد كان في بداية حياة التجربة بان ألبس الله آدم وزوجه لباس التقوى فوقاهما الله الشرور وسترهما عن الأذى وعن رؤية عوراتهما .. فكان الله هو المؤمن عليهما كباقي مخلوقاته ممن هم في ملكوته الأعلى فجعل ما في الجنة من مأكل ومشرب تحت تصرفهما .. وفاض عليهما من نعمه التي لا تنقطع وجعل ابواب الرزق كلها مفتوحة أمامهما، فكان آدم يأكل ويشرب منها ما شاء، ويجول فيها حيث شاء ولا يفكر في قوت يومه ولا يكّد ولا يتعب لتحقيق رزقه حيث لم يكن قد نزع الله عنه لباس التقوى بعد أي لم يكن قد رفع الله الغطاء عن غريزتهما هو وزوجه بعد
فقال تعالى “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ”  طه 118
كما فهو لا يظمأ فيها أي فهو لا يشتد عطشه فليس هناك ضُحى أي لا شمس هناك تزيد من عطشه ولا حساب للأيام والسنين التي يقضيها فيها لان الأيام لا معنى لها .. فوفر الله له الغطاء الكافي الذي يحتاجه في سكنه فيها فلا يشغله عن عبادة ربه شيء، فكان كما تعهد الله له بالطعام والمأكل ولأن يحفظ له عورته تعهد له ايضاً بالمشرب ودوام الوقت فلم يكن هنالك حساب للأيام فبدون حدوث الضُحى لا ينقضي يومه أو ينتهي
فقال “وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ”  طه 119
هل جنة آدم كانت على الأرض أم في السماء .. يتبع قريباً
ولكن فلقد كان سكن آدم في الجنة والتنعم بما فيها مشروط بحفظه لنفسه وكان هذا ما عهد الله له وبالتالي فلقد كان عليه الإمتثال لأمر الله ولأن لا يقترب من الشجرة أو يأكل منها أو يتذوقها
قال تعالى “وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ” البقرة 35، والأعراف 19
ولكن إلى ماذا كانت ترمز الشجرة
يقول الله تعالى في التنزيل العزيز “فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ” النساء 65
وفي ذلك قال الزجاج: أَي فيما وقع بينهم من الاختلاف في الخصومات…. وتقول العرب: وشَجَر بينهم الأَمْرُ اي تنازعوا واختلفوا فيه. واشْتَجَرَ القوم وتَشاجَرُوا أَي تنازعوا وتشابكوا. والمُشاجَرة: المنازعة وكلُّ ما تداخل ببعضه البعض، وكذلك كل شيء يأْلَفُ بعضُه بعضاً، فقد اشْتَبك واشْتَجَر. وسمي الشجَرُ شَجَرَاً لدخول بعض أَغصانه في بعض وكذلك من عُلُوٍّ في شيءٍ وارتفاع والشجرة لا تخلو من ارتفاعٍ وتداخُلِ الأغصان بعضها ببعض؛ ومن هذا قيل لِمَراكبِ النِّساء: مَشاجِرُ، لِتشابُك عِيدان الهَوْدَج بعضِها في بعض .. إذن فكما هو واضح وهو بأن الأصل في الشجرة هو من التشاجر وهي ترمز لحياة النزاع والإختلاف والتي على الرغم من أن أصلها واحد لكنها متفرعة وقائمة على التطاول والعلو والتفرع والتشابك والذي نهى الله عنه حيث أراد الله لأن ينهاهما عن تذوق طعم الخلاف والتشعب “ونُعيد مرة أُخرى” وذلك حتى يبقي عليهما في مأمن عنده يُبين لهم أهمية التسليم والإتمان على أنفسهم عنده بما يتوافق مع السنة الكونية للتسليم لجميع مخلوقاته
لم يُطلع الله آدم على أهمية عدم الإقتراب من الشجرة فهو لم يكن بحاجة لأن يوضح لآدم السبب وكان على آدم لأن يطيع ربه بدون الحاجة لتوضيح منه ولأن يثق ويتوكل على الله وكان هذا واضح من قول “وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ” فلم يكن النهي عن الإقتراب المكاني لأن الله لم يستعمل من الإبتدائية في قوله أي لم يقل “ولا تقربا – من – هذه الشجرة” بالإضافة على أن الله لم يستعمل من البيانية لتشير على شيء ما يتعلق بهذه الشجرة وتوضحه ولكن ابقى الله على حقيقتها خفية واراد من آدم لأن يطيعه ويسلم له نفسه بطوعه وبدون تردد أو شكوك ولكن آدم اختار لأن يكون ضحية لوسوسة الشيطان وبالتالي نسي حفظ نفسه
قال تعالى “وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا” سورة طه  115
لقد اعتقد بعض من المفسرين بأن آدم قد نسي ما كان قد “عهد الله له” أي ما كلفه الله به ألا وهو بأن لا يقترب هو وزوجه من الشجرة ولكنهم أخطأوا بإعتقادهم هذا، فكيف يكون آدم قد نسي بانه كُلِف بالإبتعاد عن الشجرة والشيطان في نفس الوقت يُذكره به، قال تعالى “فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا” … إذن فلقد وسوس لهما الشيطان وذكّرهما بما حذرهما الله منه وكان ذلك قبل أن يأكُلا من الشجرة، قال تعالى “وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَة ” ومع ذلك تجاوزا أمر الله وذاقا الشجرة، إذن فالذي نسيه آدم وكان الله قد عهده له هو حتماً لا يُشير على الإقتراب من الشجرة أو الأكل منها أو تذوقها
ولكن فماذا كان سيحصل لهما إذا حصل واقتربا من الشجرة وتذوقاها، وهنا أتى بيان ذلك من خلال قوله تعالى “فتكونا من الظالمين” …. أي سيوقِعون الظلم على أنفسهم فإستماعهم لوسوسة الشيطان ستؤدي إلى الوقوع في فخه وهو ” لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا” حيث كان ما وُرِي عنهما من سوأتهما محفوظ ومؤتمن عليه عند الله، وبالتالي كان الشيطان يهدف إلى تجريدهم من رحمة الله وحفظهما لنفسيهما عنده، فالله عهد لآدم حفظ وصيانتة نفسه وحذرهما هو وزوجه من أن يتجردا من لباس التقوى الذي كان يُحصنهم ولكن الشيطان اراد لأن يُعريهما من لباسهما وما كان ليُقيهم ويحفظهم …. وبالتالي أصبح من الواضح إذن التعَرُف على ما عهد الله لآدم وكلّفه به وهو نفسه وذلك حتى لا يوقع نفسه بالظلم، وبما أن ما عهد الله لآدم هو مسؤولية وتكليف حفظه لنفسه فالأمانة إذن هي نفس آدم وبالتالي ختم الله الآية 15 من سورة طه. بالحديث عن إرادة آدم الضعيفة والتي لم تُمكنه من مقاومة غريزته ففشل في الحفاظ على نفسه وبذلك اضحى آدم مهزوم الإرادة أمام فِعل وطلب الغريزة فتغلب عليه الشيطان باللهو فأنساه أمر ربه
قال تعالى “ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) الأعراف
فكما نلاحظ من الآية الكريمة وهي بأن الله أخبرنا بأنهما ذاقا الشجرة
فقال “فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ”  .. ولكنه يُخبرنا أيضاً بأنهما أكلا من الشجرة
فقال “فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ”   طه 121
ولكن فما هو الفرق بين الأكل من الشيء وتذوق الشيء
إن من الممكن لأن تأكل من الشيء ولكن بنفس الوقت لا تتذوقه لأن الأُكل هو القضم من الشيء سواء كان ما يتذوق طعمه من الطعام وما يعود عليك بالفائدة كالخضار والفواكه “وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الفرقان 20. وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ  يس 33. أو غيره من ما ليس بالطعام كقوله تعالى “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ  التوبة 34. إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا  النساء 20. ومن ذلك تآكل الأموال وما يأكله الصدأ .. وغيره وبالتالي فالأكل يُطلق على كل ما يُعرّض للنقص فيتآكل ويتناقص وبالتالي فإن من الممكن لأن تأكل شيء ما ولكن ومع ذلك لا تتذوقه أي لا يقع في نفسك شيء منه أو يترك أثر ما عندك، أما التذوق ففيه يُجمع الأكل والحس بالشيء فيُطعم عندك ويقع تأثيره عليك ويترك أثر في نفسك وبالتالي فهما لم يأكُلا من الشجرة فحسب بل ذاقا طعمها أو تذوقاها، فالذال والواو والقاف له أصلٌ واحد وهو الذوق، وهو الحس بالشيء وما يوقعه على النفس منه وهو اختبار الشيء والإحساس به من جِهَةِ تطَعُّمٍ الشيء وبالتالي فحين اختار آدم لأن لا يُبقي على نفسه مُسلماً لصاحب الخلق والأمر بأن سمح لنفسه ليكون ضحية لشهوته وبالتالي يعمل بما ترضاه نفسه فلا يعلم ماهو الخير له لأن الذوق يكون في الإحساس والشعور كما فيما يُكره كالعذاب، قال تعالى” فأَذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ” أَي ابْتَلاها الله بسُوء ما خُبِرت من عِقاب الجوع والخَوْف .. وقال تعالى “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا” النساء 56. فلو ابقى آدم على نفسه في مأمن عند الله ولم يتذوّق الشجرة لما تركت فيه من الإحساس  والشعور بخروج الفضلات والروائح الكريهة منه، إن كل ما يتذوقه المؤمن على نفسه من طعام وهو في ملكوت الله يأمنه الله شره من الخبث لأن الله طيب ولا مكان للخبث عنده وبالتالي فلن يكون هنالك فضلات لطعام آدم وزوجه لو ابقيا على نفسيهما في حفظ ومأمن ومسلمين لأمر الله وإرادته لأن كل ما يستهلكه من طعام يعود عليهم بالخير والفائدة ولا يكون فيه ما يضرهم ولكنهم حين اختاروا المعصية على الطاعة واختاروا لأن يكون خارج سنة التسليم اصبحوا يتحملون تبعات عملهم وبالتالي كان عليهم لان يحفظوا أنفسهم من الشرور واللا اخلاقيات وعليهم بالتسليم لخالقهم أي الإسلام له من ذاتهم ويأتوه مؤمنين على أنفسهم عنده من جديد وبطوعهم مزكيين أنفسهم من فعل الشر والمنكر والمعصية، قال تعالى “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”  الشمس 8 – 1
 لقد أبقى الله على طبيعة الإنسان اللا إرادية بيده فهي مُسيرة كهضمه للطعام وامتصاص الغذاء فهي مأمورة ولا تعمل حسب إرادة وطوع الإنسان هذا الكائن المُخير بل تعمل حسب سنة التسليم التي جعلها الله فيه وهي خارج ارادة الإنسان وهنا آدم فهو غير قادر لأن يتحكم بها وبالتالي فهي تقبل الغذاء والطيب وترفض الخبيث والفضلات وتتخلص من السموم إلى خارج كيانه .. وهنا تنبه آدم إلى ما كان عليه من الخير والحفظ حين كان مُسلم بإرادته لربه يقودها ومؤمناً على نفسه عنده ليحفظها بالمقارنة بما هو عليه حاله الآن … فالله كشف عنهما لباس التقوى الذي كان يلبسهما ويحيطهما ويغلفهما به .. فهما كانا في تقوى كاملة تغلفهم عن الخبث … ولكن هاهو الخبث بدأ يخرج منهما ويروه بأعينهم ويشموا رائحته الكريهة والضارة وهاهما عُراة لا يستر عورتهما والتي يخرج منها الفضلات أي شيء … ولنا مثال على ذلك في قوله تعالى “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ  ” المائدة 31. فخرجت منه الفضلات والروائح الكريهة
 وبالتالي فلقد تعرى آدم وزوجه مما كان يقيهم ويحصنهم .. فتعرى آدم من كل أسباب التقوى والتي وقاه الله شرها وكان قد أحاطة الله به ووقاه شره وخبثه وعندها حاول لأن يخصف من أوراق شجر الجنة حتى يستعيد بها تقوى النفس معتقداً بأنها ستعيد له ما عهد الله له وكان في مأمن وحفظ عند ربه  .. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة لأن الأمر كان قد قُضي وأصبح آدم يحتاج إلى التوبة فلقد عصى آدم ربه …  ولكن كيف له بالقيام بذلك بدون هُدى الله .. وهنا تدخل الله ليعلمه كيف يرجع عن المعصية ويعود إلى ربه ليسلم نفسه ويستودعها مؤتمناً عليها عنده مرة أُخرى
فقال تعالى “فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ” سورة البقرة 37
إن لباس التقوى يحتاج إلى تزكية النفس بالأخلاق الحميدة مصحوبة بلباس الحشمة في آن واحد وفيهما معاً يقي الإنسان نفسه من شر الوسواس الذي يدفعهم للمعصية  .. وبالتالي أخبرنا الله بان مقومات نجاح المؤمنين “أي الذين يأتون الله ليؤمنوا على أنفسهم عنده أي يعهدوها إليه التسليم بسنته المبنية على الخير والفلاح والإتقاء من الشر والمعصية وعمل المنكر” فهي تعتمد على تقوى النفس وتزكيتها من خلال التحلي بالأخلاق الحميدة وفي ذلك اكتمال لسنة التسليم وحفظ الأمانة من شرور النفس
 فقال “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَ‌ٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖوَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ”  النور 30 – 31
 وكما نلاحظ في الآيتين الكريمتين فإن الله يُخاطب فقط المؤمنين والمؤمنات وليس كل الناس وهم أي المؤمنون هم وحدهم من خصّهم الله بتزكية النفس والفلاح فخاطبهم الله وحدهم من دون الناس لأنهم وحدهم هم المعنيين بطاعة الله وتسليم إرادتهم له بطوعهم وخيارهم والإتمان على أنفسهم عنده فوضّح الله لهم ما يلزمهم من الفريضة والذي يحصنهم بلباس التقوى فيقيهم من الشرور والخبائث
قال تعالى “يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖوَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَ‌ٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَ‌ٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  الأعراف 26.
فالله يخبرنا بأنه كان قد أنزل من اللباس ما أخفى به عورات الادميين “حدث في الماضي” بالإضافة إلى الملابس والحلى الثمينة والتي كرّم الإنسان بها “الريش” وأضاف معلومة قيمة هنا وهي قوله “ولباس التقوى ذلك خير” أي جعل في تغطية العورة أو ما يُخفى به العورة من أخير الأعمال لأنه حدده بالإشارة والتخصيص “ذلك” خير والله هو إله الخير ولكن كيف تعرفنا بأن حدوث إنزال اللباس كان قد حدث في الماضي .. هذا نستمده من الآية الكريمة لأن الله استعمل “قد” ملحوقة بالفعل الماضي “أنزلنا” وهذا يُفيد التحقيق كما علمتنا اللغة أي إذن وبلا شك قد تحقق هذا وذلك لأن هذا هو مراد الله إله الخير وهو الذي أشار على اللباس الذي يوراي سواتهم بلباس التقوى أي ما يتقوا به ويقي أنفسهم من الشرور وألحق ذلك أيضاً بقول “ذلك خير” .. إذن فلقد كانت الحكمة من إنزال لباس التقوى على الآدميين من قبل حتى يستتروا وبذلك تصبح ستر العورة سنة ننتهجها ونعمل بها ونحافظ عليها فهي من أعمال التقوى والحفظ والتي تُشير على فعل الخير وبالتالي لا نتصرف كالحيوانات والتي لا تستر عوراتها ولا تعرف تقوى النفس أو الملبس، ولكن يا للعجب فهم في المجتمعات الغربية العلمانية واليهو مسيحية الكافرة والتي لا تؤمن على أنفسها عند الله “أي لا تؤمن” لا يسترون عوراتهم بل يتسابقون لعرضها كالبهائم ويعتبرون تخلفهم هذا على أنه حضارة وتقدم وحرية شخصية وبالتالي فبدون ملابس تقي عوراتهم “سواتهم” تراهم يعيشون حياة غريزية أشبه للحيوانات منها للآدميين الذين أكرمهم الله وستر على عوراتهم وجعل من ستر العورة هبة وعطية وآية من آياته أكرمنا بها فعمل بها المؤمنين وتركوها الكفرة فتبنوا التخلف والحيوانية ولذلك قال الله تعالى “ذلك من آيات الله لعلهم يذكّرون” أي يتعظوا ويعتبروا ويرجعوا إلى فطرتهم السليمة … ولكن لا حياة لمن تنادي …  ولذلك فإن لباس التقوى مطلوب من المؤمنين فقط الذين يرجون تقوى النفس وحفظها عن فعل السوء وليس من الكفرة
إن أهمية لباس التقوى تتجلى في غض البصر وحفظ الفرج وستر العورة فإذا تغلبت على ضعف نفسك وقاومت الغريزة فهذا هو الخير بعينه فيحصن الإنسان نفسه بأخلاقه الحميدة فيقيها من فعل الشر وقباحة الخُلق وسنأتي على موضوع اللباس الشرعي بالتفصيل وسنجيب على من يزعمون بأن الحجاب “اللباس الشرعي” عادة وليس فريضة وعبادة، وعلى الذين يدّعون بأن فريضة الحجاب غير موجودة في القرآن .. وسنثبت لهم وبالدليل بأنها فرض وبالنص القرآني ولكن ليس على كل الناس بل على المؤمنات فقط أي على كُل من شاءت لأن تؤمن على نفسها عند ربها وأسلمت له إرادتها وبالتالي كان بأن فرض الله عليها لباس التقوى ليحصنها ويحفظها من أي ضرر فيكتمل بذلك تسليمها  إلى الله
إذن فحين فشل آدم بالحفاظ على نفسه تعرى من التقوى أي ما يقيه شر ظُلم نفسه ففقد وقاية وتحصين الله له والتي كان قد احاطه الله بها فاصبحت نفسه عارية مكشوفة وأصبح بدون حفظ ومأمن، وبقي على حاله خالي من لباس التقوى حتى تاب الله عليه وورث عهده الأمانة لذريته وكلفهم بالعبادة إلى أن يتم انقضاء أجلهم وذلك حتى يعطيهم الفرصة ليلبسوا أنفسهم بلباس التقوى ويأتوه مُسلمين له إرادتهم بطوعهم فكتب عليهم عبادته وحده وبين لهم طريقه ونهاهم عن عبادة الشيطان وحذرهم منه
فقال ” أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ”  يس 60 – 61
فالله يقول ها أنا أعهد إليكم يا بني آدم ما كُنت قد عهدته لأبيكم من قبل بشرط أن تحفظوه وهنا أتت – أن – الشرطية لحقها نهي – أي على أن لا تعبدوا الشيطان وهو النهي عن التسليم لإرادته فان اخللتم في ما عهدت لكم فإن مصيركم سيكون جهنم  … وبذلك  فلقد كانت ذُريتة آدم من بعده مسؤولة عن حمل الأمانة ومُكلفة بها
ثم ألحق الله بذلك التحذير للآدميين
فقال “يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَ‌ٰلِكَ خَيْرٌ   ۚ ذَ‌ٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ” سورة الأعراف 26 – 27
 وقال “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ”  سورة الجاثية  15
كما وألقى علينا كلمات من الذكر لنتتوب إليه بها عند الوقوع في النسيان أو الخطأ  فنستجدي عفوه ومغفرته ورحمته
فقال “رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ”  البقرة 286
وقال ” وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا”  الكهف 24
مع أن الله يتسامح بالخطأ
فقال ” وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” الأحزاب 5
 ولقد كان لنا عبرة من خطأ الملائكة في حكمهم على آدم وزعمهم بأنه سيكون كسابقيه من البشر حيث لم يحاسبهم الله على خطأهم أو يطردهم من رحمته بل بيّن لهم خطأهم وقلة علمهم وحدود ذكائهم .. فذكرهم بما كان قد أحاطهم بخبره وكانوا قد نسوه، وهذا يختلف عن المعصية عن عمد كما فعل إبليس اللعين
أما بالعودة إلى آدم فلقد عَهِد الله سبحانه وتعالى له الأمانة أي كفّله وكلّفه ووكله وذريته بها وكان ذلك بغرض أن يحافظ الناس على أنفسهم ويُقبلوا على صراطه المستقيم ليسلموا إليه فيأتوه بخيارهم مؤمنين على أنفسهم عنده ليحفظها ويسيرها بأمره
إذن فلقد أراد الله امتحان إرادة آدم في نهجي التسليم والتأمين .. أما في التسليم فلقد كان “ذلك حتى يتفق مع سنة الخلق والتكوين التي فطر الله الخلق عليها” وبالتالي فلقد كان إذن على آدم لأن يُسلم لله بطوعه فيستجيب لما نهاه الله عنه ولا يعصيه، وأما في التأمين فلقد كان على آدم لأن يُبقي على ما عهد الله إليه في مأمن عنده فيحفظه
لفد كان بأن بقي صك الأمان الذي منحه الله لآدم قائم وساري المفعول مادام آدم “المعهود له” يمتثل لشرط العهد الذي اشترطه الله عليه، فالله نهاه عن الإقتراب من شجرة وكان قد خصّها بالإشارة فقال “وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ” فأتى النهي عنها حتى لا يتذوقا طعم الخلاف والتفرقة والتشعب حيث كان قد حذرهما الله من ذلك فقال الحق جل وعلا “فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ” أي فإن النتيجة في حال إخلالكما بهذا الشرط بأنكما ستوقعا الظلم على نفسيكما، إذن فلقد كان الغرض مما كان قد عهده الله إليه وحمّله مسؤوليته هو الحفاظ على نفسه وزوجه، وبالتالي فإن سلامة آدم وزوجه كانت مرهونة بحفظهما لأنفسهما من الظلم، وكان حفظ النفس أو “الذات” هي الأمانة التي كلف الله آدم الإنسان بحفظها
إن أجمل ما قيل في هذا الموضوع على الإطلاق هو للعلامة الشيخ الشعراوي
فيديو بعنوان: آية خروج آدم وحوّاء من الجنة
وأضل ما قيل في نفس الموضوع وأبعد ما يكون عن الحقيقة هو للدكتور محمد شحرور والذي هو بأشد الحاجة لأن يكف عن الإعتقاد بأنه ذو علم مُطلق وصاحب نظرية في علم اللاهوت .. ونرجوه للكف عن نشر الحماقات تلو الحماقات مع العلم بأننا لا ننكر عليه الكثير من أعماله والتي تعود علينا بالفائدة والحث على التفكير والتدبر ولكن عليه بتقييم أعماله أولاً والكف عن الإرتجالية والعفوية ثانياً قبل أن يسعى لمحاولة تسويقها كحقيقة واقعة … فالدكتور يخالف القرآن بالكثير من الأمور منها الإشارة على أن آدم ليس شخص بل قوم وزوجه هم قوم آخرين كانا قد تزاوجا .. ويعتقد بان الإنسان تحول من بشر بهيمي إلى إنسان بنفخة والتي يُشير عليها بالطفرة، كما بالإضافة إلى ذلك فهو لا يعي الحكمة من قصة آدم ويُصرّح وبدون أي تحفظ على أن القصة لا تتعدى كونها قصة رمزية لا أكثر… كما ويعتقد هذا الرجل لا بل يُروج لمفاهيم خاطئة مثل أن الحجاب هو عادة وليس عبادة وبأن الجنس من غير زواج جائز، ولا يعتقد بحرمة شرب الخمر، والكثير الكثير .. ويمكن التحقق من ذلك من قناة اليوتوب فهي مليئة بتصريحاته الضالة هذه، ولا أعرف لماذا هذا الإقبال الشديد عليه من الفضائيات وفي اليوتوب سوى لغرض بث ونشر الفوضى الفكرية  .. ولكن ومع ذلك نسأل الله له الهداية ولمتابعيه ولأبواقه الإعلامية
هل يجوز السجود لغير الله … يتبع قريباً انشاءالله
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
آخر تحديث وإضافة تم في 28 – 04 – 2017