Archive for the ‘الفصل الثالث – اليهود والنصارى’ Category

الرد على الشيخ بسام جرّار في زعمه الخاطيء بأن المسيح مخلوق من مريم استثناءاً لقانون الزوجية

  يزعم الشيخ بسام جرّار بأن المسيح “مأخوذ” من مريم أي بأنه مخلوق منها وذلك استثناء لقانون الزوجية الذي يشترك فيه الخلق الآدمي كله، ويُشاركه هذا الزعم الخاطيء أي بأن المسيح مخلوق من مريم معظم علماء المسلمين ذو الاهمية والشأن ولكن إن خطورة الإدعاء بأن عيسى مخلوق من مريم يتفق مع عقيدة النصارى المسيحيين المبنية على ناسوت ولاهوت المسيح أي بأن المسيح مخلوق من مريم بنفخة من روح الله اودعها فيها حيث اشتركت مريم الآدمية مع الله في خلق المسيح ولكن فإن مثل هذا الطرح الضال والمُتسرع سيشجع من هُم على ضلالة في التمادي في طروحاتهم الخاطئة وإتهاماتهم الباطلة للقرآن بأنه يتناقض مع نفسه خاصة وأن القرآن يُخبرنا وبالشكل الصريح بأن المسيح مخلوق من تراب وليس مخلوق من مريم ولا هو مخلوق بنفخة من روح الله كما يزعمون باطلاً

–  يقول الشيخ بسام جرّار بأن كُل مخلوق له أب وأم حسب قانون الزوجية ويستشهد،

 بقوله تعالى ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا” سورة النساء  1

ويُكمل قائلاً: إلا آدم وعيسى عليهما السلام فكانا إستثناء للقانون، فنحن الآدميين “البشر” بدأنا من زوجية بدأت بفرد واحد أي آدم عليه السلام

كما ويزعم شيخنا الكريم بأن المسيح ليس مخلوقاً مباشرة من تراب بل على أنه مخلوق من مريم “أي من أُنثى” وكذلك آدم مثله فهو مخلوق من أنثى أيضا، ويعتقد الشيخ جرار بأنه يملك الدليل على ما يقول من خلال عقده لمقارنة بسيطة بين آدم والمسيح وذلك من خلال

 قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”  سورة آل عمران  59

ففي الآية الكريمة أعلاه ينسج الشيخ فرضية التماثل العكسي الكامل كما يُشير عليها ولكن في الحقيقة فالآية هي على العكس من ذلك خصوصاً لأنها تتعارض تماماً مع زعمه الخاطيء بالإضافة على أنها تُشير على خلق الله لعيسى من تراب وليس من أُنثى، وننقل قول الشيخ هذا إليكم كما هو مأخوذ عنه وفيه يقول: “طالما عيسى كمثل آدم إذن فإن عيسى مخلوق من تراب، ثم يكمل قائلاً: ولكن أنا أرى أنه من مريم والعكس صحيح ولذلك فسأعكسها، أي إن مثل آدم عند الله كمثل عيسى وأتى بذلك من أُنثى وبالتالي فإن التماثل كامل في كل الجوانب فعيسى مأخوذ من أُنثى أي مخلوق من مريم… ويُكمل قائلاً: إذن فممكن … ممكن لأن يكون آدم كان قد أُخذ من أُنثى” ..  ثم يضرب مثلاً على أن آدم لربما مخلوق من أُنثى إنسان النيندرثال والذي كان مخلوق من قبلِ آدم، ويُكمل قائلاً: “فلو أردنا لأن نأخذ آدم كعيسى بالضبط فهو إذن من أُنثى سابقة وكان وجودها أصلاً فقط من أجل أن يؤخذ آدم منها ومن ثُم بعد ذلك أُبيدت وبالتالي كان الأخذ من الأُنثى هذه هو خلاصة الخطة الإلهية” … كما ويتحدى الشيخ الكريم كُل من يزعم بأن آدم أُخذ من التراب مباشرة بأن يأتي بالدليل على ذلك ويقول بأن المسألة في كيفية خلق الإنسان تبقى غامضة وبأن نظرية التطور إذا كانت صحيحة وتجري في الكائنات الأُخرى فهي ليست بالضرورة تجري في الإنسان، فآدم لم يكن نتيجة تطور بل نتيجة أخذ خاص

أما بالنسبة لزعم الشيخ بسام جرّار الخاطيء على أن عيسى مخلوق من أُنثى فنقول بأن الله جل وعلا هو الخالق بنفسه وهو وحده من أشرف على خلقه يُخبرنا بأنه خلق كُل من آدم وعيسى من تراب لا بنفخة من روحه ولا من أُنثى وبالتالي فإن خلق آدم والمسيح من تراب يُشير بلا شك على خلقهم من تراب ما تبقى من قوم أولين كانوا قد ماتوا وتحولوا إلى تراب ولم يبقى منهم سوى الذرية والتي حفظها الله في عجب الذنب وأبقاها في التربة حتى اتى موعد إحياء الإنسان بصورة آدم فنسله الله منها، ثم إعاد الله خلقه للإنسان مرة أُخرى وبنفس الطريقة ولكن بصورة عيسى ابن مريم وليس بخلق آدمي ليكون مثلاً لبني إسرائيل وايضاً ليكون آية للناس، ويعطينا الدليل التوضيحي على ذلك من خلال ما سوف يحصل لنا بعد موتنا وتحللنا إلى تراب ثم قيامتنا من الموت وعند البعث فيقول “أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ” المؤمنون   35 … بالإضافة يُمكن الرجوع لأحاديث عجب الذنب والمنقولة عن الرسول الكريم للتأكد من ذلك

لقد كان خلق عيسى كخلق آدم من قبله من تراب وبنفس طريقة انشاءه كما في قوله تعالى”كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” الأنعام 133 اي قوم أولين وسابقين كانوا قد ماتوا وتحولوا إلى تراب، كما ونريد لأن نُذَكِر شيخنا الكريم بأن المُشبه به في الآية الكريمة هو آدم وهو الأصل أما الُمشبه فهو عيسى وهو صورة تمثيلية عنه وغير مطابقة له أي فهو “ثمثيل تشبيهي” فعيسى لا يساوي آدم بل هو قريب من خلقه فقط وبالتالي فلا يمكننا لأن نساوي الصورة بالأصل وإنما أتى غرض التشبيه في الآية الكريمة للمقاربة لا التساوي، بالإضافة على أن الشيخ سمح لنفسه بالتقول ونُذَكِّر بقوله: “طالما عيسى كمثل آدم إذن فإن عيسى مخلوق من تراب، ولكن أنا أرى أنه من مريم والعكس صحيح ولذلك فسأعكسها أي “إن مثل آدم عند الله كمثل عيسى” وأتى بذلك من أُنثى وبالتالي فإن التماثل كامل في كل الجوانب فعيسى مأخوذ من أُنثى أي مخلوق من مريم… إذن فممكن لأن يكون آدم كان قد أُخذ من أُنثى ..” وهنا وللأسف قلب الشيخ مكان كل من المشبه به والمشبه فأصبح عيسى هو الأصل وآدم هو الصورة عنه وبذلك غيّر محتوى الآية الكريمة وأفقدها ما حملت من معنى وكان المفروض منه التروي ولأن لا يتجرأ هكذا على كلام الله وكان عليه لئن يتذكر قوله تعالى “وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)” الحاقة. وهذا القول في حبيبه الذي اصطفاه واثنى على خُلقه فكيف يكون الحال في نحن مع العلم بأننا نتشرف بجهد وابحاث شيخنا الكريم الكثيرة والقيِمة والتي لا تُحصى ولا نشك بمصداقية شيخنا الكريم ولا بقصده فهو وللأمانة كما عهدناه مُحب لله ولرسوله وغيور وحريص على دينه ولا غبار عليه وإنما قصُدنا هو للتوضيح فقط ومن أجل إعادة التقييم لمثل هذا العمل الجريء

أما بالنسبة لقانون الزوجية والذي أشار عليه شيخنا الكريم وحصره في الآدميين فهو يكون على وجهين مختلفين وليس على وجه واحد 

أوله: قانون الزوجية حسب أصل الخلق، وثانيه: قانون الزوجية حسب التناسل والتكاثر

.

أما قانون الزوجية حسب اصل الخلق ففيه كان بأن أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنه خلق زوجين من كُل شيء خلقه

قال تعالى “وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”  سورة الذاريات  49

فكما نرى إذن وهو بأن قانون الزوجية حسب أصل الخلق وقوله “ومن كُل شيء خلقنا زوجين” يتعارض مع قول الشيخ  حيث لا يعني بأن كل مخلوق حتماً يجب لأن يكون له أم وأب  .. فالله يقول بأنه خلق من كل شيء زوجين والزوجين يمكن لئن يكون أي اثنين من كل زوج حتى ولو من الزوج نفسه “ومثال على ذلك البكتيريا وحيدة الخلية” وبالتالي فمن الممكن لأن يكونا زوجين مثل بعضهما البعض أو يكونا زوجين مخالفين لبعضهما البعض كما في الزوجين كالسالب والموجب والحار والبارد أو زوجي الأجناس بشكل عام حيث يكون الزوجين منها زوجي الذكر والأُنثى ومن ذلك زوجي الإنسان وزوجي الحيوان وزوجي النبات … وهكذا ولكن الآية لم تحدد الإختلاف أو تؤكده أو تنفيه، وبالتالي فالأزواج ليست محصورة بزوجي الذكر والأُنثى ولكن تشمل عليها ولذلك فإن قوله تعالى في الآية الكريمة هو في غاية الوضوح فالله يقول “ومن كل شيء خلقنا زوجين” والإنسان هو أحد الأشياء التي خلقها الله كجنس وكما هو معروف فإن زوجي الإنسان هما الذكر والأُنثى وبالتالي فإن إعتبار آدم “المخلوق الذكر” على أنه مخلوق إستثناء لقانون الزوجية فيه مخالفة لقول الله جل وعلا لأنه حسب أصل الخلق هو من زوجية لأنه أحد الطرفين أي أحد الزوجين، قال تعالى “وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ”  سورة النجم  45

إذن فإن آدم وكذلك عيسى مثله ينتميان للخلق الإنساني الذكري منه وهذا بالنسبة لجنسهم الذي خلقهم الله عليه، ولكن كيف لنا لأن نستفيد من ذلك في التعريف بخلق كل من آدم والمسيح

لقد أخبرنا الله جل وعلا بخلقه للإنسان من نُطفة أمشاج فقال إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا”  سورة الإنسان 2

  فمن خلال قرآتنا التدبرية في الآية الكريمة يتضح لنا ثلاثة أمور مهمة أولها: خلق الإنسان من نُطفة أمشاج. وثانياً: خُلق الله للإنسان لغرض الإبتلاء أي “نبتليه” وهو”الإمتحان أو الإختبار وذلك ليُفتن بالخير والشر”، قال تعالى “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”  سورة الأنبياء. وثالثاً: بأن أوقع الله على الإنسان الجعل “مرحلة ما بعد الخلق” فأصبح الإنسان بالمُدرك اي “سميعاً بصيراً” أي لم يكن الغنسان مخلوقاً بهذه الكماليات بل تم إضافتها لاحقاً وأتت لتُوظف في عملية الإختبار… إذن ولا شك بأن هذا الإنسان هو آدم وذلك لأن جعله سميعاً بصيرا هو دلالة على الإنسان العاقل والمُدرك والذي وقع عليه الجعل أي التسوية فالإنسان الأول لم يكن مُدرِكا بل كان جهولا، أما والأهم في الآية الكريمة هو قول الله بأن خلقه من نُطفة أمشاج ولم تُذكر النطفة الأمشاج إلا مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك حتى توضح أصل آدم ومما خُلق، هذا بالإضافة إلى دليل آخر نستمده من قوله تعالى “أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)” سورة القيامة.

فقوله تعالى”أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى” أي هل يعتقد الإنسان بأنا خلقناه من دون أن يكون قد أتى خلقه لغاية ومراد أراده الله، قال تعالى “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” سورة المؤمنون 115 وبالتالي فلقد أتت افتتاحية الآية الكريمة من سورة القيامة هُنا لتكشف ماذا كان يعني الله بقوله في الآية 2 من سورة الإنسان “إنا خلقنا الإنسان من نُطفة أمشاج “نبتليه” أي فلم يكُن الله لأن يتركه دون أن يبتليه ويمتحنه ويختبره، وكما هو مُلاحظ فلقد أتت الآية 40 من سورة القيامة تُحدثنا عن قدرة الله على إحياء الموتى وختم الله في حديثه عن الإنسان هنا بها ثم قال “ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى” وذلك بالإشارة على آدم والهاء تعود عليه والذي اختاره الله واصطفاه لزوجية جديدة، قال تعالى “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ”، ثم شرح لنا ما كان عليه قبل إحياءه، فقوله “ألم يكُ نُطفة من مني يُمنى ” يُشير على أن قوله ألم يَكُ والعائد على النطفة كان قد خلى من نون التوكيد أي فلم يكن خلقه من كيان حي بل كان خلقه من كيان ميت فكان عبارة عن نُطفة كانت قد منيت أي خُصِّبت بالمني قبل موتها وليس من بويضة أُنثى فقط كما ذهب إليه الشيخ، وبالتالي فإن قوله تعالى في سورة الإنسان بأنه خلق الإنسان من نُطفة من مني يمنى هو بان خَلَقهُ الله من نُطفة كانت بأن احتوت على مزيج وخليط مائي الذكر والأنثى أي مادتهم الوراثية ، … وهذا أكبر دليل على أن آدم مخلوق من زوجية ومن ذرية السابقين من الإنس قال تعالى “كما أنشأناكم من ذرية قوم آخرين” وكذلك عيسى مثله

أما لو تدبرنا آية أُخرى يحثنا الله فيها على تقصي حقيقة خلق الإنسان ويُعاتبنا لِما لم تخطر على بالنا أو لماذا قصّرنا في البحث والتسائل عنها … والتي لماذا يا ترى غابت حقيقتها عنا ولماذا لا زالت، فيقول الله عز وجل مخاطباً الإنسان الآدمي

أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا”  سورة مريم  67

فقوله تعالى “أوَلا” معناه أي ألا “أولم” يخطر على بال الإنسان ايضاً أو لم نُخبر الإنسان بأنّا خلقناه من قبل “إشارة هنا على أصله وخلقه الأولي” ولم يكُ شيئا وذلك على الرغم من كُل هذه الدلائل والإشارات العديدة التي ملأنا القرآن بها، ففي لسان العرب: قال الفراء: الذِّكْرُ ما ذكرته بلسانك وأَظهرته وهو الخبر والحديث، ونقول بالعامية ذكرت فلان أي جبت سيرته أو طريته على لساني أو تحدثت عنه أو خبّرت عنه، وبالتالي وبما أن المخاطب في القرآن هو الإنسان الآدمي إذن فإن الإنسان بجنسه العام كان بالمخلوق من قبل خلق الله لآدم وذريته، فأتت الآية وكأنها تتهمنا بالتقصير والإهمال الفكري … فهذه الآية الكريمة من سورة مريم هي دليل واضح على خلق الإنسان البدائي الأول والذي سبق خلقه الآدمي، هذا بالإضافة على الدلائل العديدة والتي حدثنا بها القرآن ومنها قوله تعالى “من ذرية قوم آخرين” وقوله تعالى “وكنتم أمواتا فأحييناكم” وبالتالي فإن قوله تعالى إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ” تُحدثنا بأن خلق آدم يرجع في أصله لنُطفة كانت قد مُنيت أي خُصبت بالمني واشتركا بها كل من ذكر وأُنثى الإنسان الأول ثم مشجت هذه النطفة لينشيء الله بها خلقه الآخر أي آدم … فآدم إذن مخلوق من زوجية وليس استثناء أو أخذ خاص، وبالتالي فآدم وعيسى كلاهما ينتمي للخلق الإنساني “الزوج الذكري منه” إذن فهم ليس إستثناء من قانون الزوجية حسب ما أشار عليه الشيخ حيث لم يتنبه الشيخ للفرق بين الزوجية حسب خلق الله للأشياء، والزوجية والقائمة على الجعل والمحصورة في عملية التناسل والتكاثر، أما الإنسان الذي كان بالمخلوق من قبل خلق آدم فيخبرنا الله بأن خلقه لم يكن يعود على زوجية أو أي خلق أو شيء آخر

 

أما قانون الزوجية حسب التناسل والتكاثر

فلقد أخبرنا الخالق بأن عملية التكاثر التي قدّرها الله علينا تحتاج إلى توفر وإجتماع الزوجين حيث يشترك كُل من الذكر والأُنثى لإحداث الحمل ونحن نتفق مع الأخ الشيخ في ذلك … وكان لنا عبرة ومثال مُحدد نستمده من قوله تعالى

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً”  سورة النساء  1

فقوله تعالى “وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً” لهو أكبر دليل على ضرورة وأهمية حدوث التزاوج كأساس للتكاثر، وأوضح لنا الله ذلك مجازيا، من خلال مثال تقريبي لعملية التزاوج والتكاثر في قوله تعالى

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَة.. سورة الأنعام  101

وبالتالي فحتى يكون لله ولد كما يدّعون باطلاً فلابد أولاً لأن يكون له صاحبة “استغفر الله” ولكن قال تعالى “وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ” ولذلك إذن فإن إحتمالية حدوث حمل مريم بعيسى قائمة فقط بتوفر شرطين مُهمين وهما

أولاً: حدوث عملية الجماع مع الذكر ومُساهمته بحيوانه المنوي والذي لم يتوفر في حمل مريم حيث نَقَل الله لنا قول مريم في كتابه الكريم فقال تعالى “قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ”  سورة آل عمران 47

 وثانياً: نجاح تخصيب بويضتها بالحيوان المنوي والتي كانت لتفشل بسبب حصانتها لفرجها، قال تعالى “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ” سورة التحريم  12. وبالتالي فتحصينها لفرجها كان قد منع وصول المني إلى جوف رحمها ولم يسمح بتخصيب بويضتها

وبالتالي فحسب قانون الزوجية لم يتحقق أي من الشرطين لأن تلقيح بويضتها يحتاج إلى تخصيبها بمني الذكر

قال تعالى “وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) من  نُطْفَةٍ إِذا تُمْنَى (46) سورة النجم

وبالتالي فهو شرط اساسي لحدوث الحمل أي “مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى” إذن فلم يكن بإمكانها لأن تحمل بالطريقة العادية، وهذا النص القرآني في غاية الوضوح وبما أنها عاجزة لأن تحمل به من وحدها ومن دون الحيوان المنوي ليلقح بويضتها فهي إذن ليست مشتركة في خلقه، وبالتالي فمن خلال مراجعة الآيات السابقة نرى بأن الله يُخبرنا بأن قانون الزوجية “حسب التناسل” هُنا هو شرط وأصل حدوث عملية التكاثر والتوالد وبدونه لا يتم ذلك، ولذلك وبما أن ولادة المسيح من مريم هي ولادة دون عملية تزاوج أي بدون توفر عامل التلقيح الذكري “الحيوان المنوي” إذن فلا يمكن لمريم لأن تحمل بالمسيح من نفسها وهذا أثبته العلم

لقد إكتشف العلم الحديث بأن الأُنثى تحتوي فقط على كرموسوم إكس اكس الجنسي وبالتالي لا يمكن لأن تتم عملية الحمل عند الأنثى دون توفر عامل التلقيح أو التخصيب الذكري كروموسوم اكس واي لبويضة الأُنثى. أما لماذا بدأ الله زوجية جديدة من آدم، وذلك لأن الله أعاد إحياء الإنسان ليبتليه ويختبر إيمانه وطاعته ويُحمله الأمانة فكان في هذه المرة بأن خلقه بشراً “أي سيداً على مخلوقات الأرض” وخلق له من نفسه زوج حتى يكون بداية لخلافة الأرض وعمارتها عن طريق التكاثر والتوالد الآدمي فقال تعالى

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا”  سورة النساء  1

وبالتالي بدأت زوجية جديدة من آدم وحوّاء لتكون أساس عملية تكاثر الآدميين من بعد آدم وحوّاء فقال تعالى “وبث منهما”، أما بالنسبة لعيسى فهو ليس ممن عُهد له بمهمة خلافة الأرض وبالتالي ولحكمة من الله لم يجعل له زوج ليتكاثر ويتوالد به، كما ولم يكن خلق عيسى يتناقض مع قانون الزوجية كما أوضحنا ولا هو إستثناء لأن الزوجية كما قلنا تُشير على الخلق الإنساني العام والذي جعل الله منه الذكر والأنثى وكان عيسى هو إنسي ويرمز بجنسه الذكري لأحد الزوجين كآدم من قبله وبالتالي فلم يخرج عن القاعدة أو شذ عنها أو أُستُثني منها ولو كانت القاعدة هكذا كما نص عليها الشيخ جرّار فحوّاء أجدر لأن تكون إستثناء لأنها خُلقت من زوج آخر وليس من أم وأب، قال تعالى “خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا”، والإنسان البدائي الأول أيضاً فهو لم يُخلق من أب وأم فهو لم يكن بالمخلوق أصلاً وكان قد بدأ خلق الله له من سلالة من طين وبالتالي لم يكن مخلوقاً من زوجية قال تعالى “أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا”  سورة مريم  67 .. فهو أيضاً إستثناء للزوجية

ولقد أبقينا على المزيد بخصوص هذا الموضوع حتى نأتي على توضيح “ماذا يعني حمل مريم للمسيح

 

صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل

آخر تحديث 19- 11- 2016