Archive for the ‘الإشارة على الطور البدائي والمُهمش الذي عاشه الإنسان الأول’ Category

الإنسان الأول وطور حياته البدائي والمُهمش

لقد كُنّا قد تحدثنا عن الإنسان البدائي الأول والذي أطلقنا عليه في بعض الأحيان أسم الإنسان الدابة وأكدنا على حقيقة وجوده البدائي القديم وكان التعميم في الوصف على أنه دابه مبني على الإستنتاج والذي هو مصدره الله الخالق نفسه كما هو مذكور في كتابه العزيز حيث شمل الله سبحانه وتعالى في وصفه للدابة في بداية الخلق على كل الكائنات المخلوقة جميعها من أمم الحيوان كما سبق وذكرنا وهذا التعميم لا يُعتبر إهانة للجنس البشري بل حقيقة مادية لابد من التعرف عليها، ومع ذلك لم نتطرق فيما إذا كان له وجود ملموس أو مُميز أو إذا كان له دور حياتي بارز، كما وحين قمنا بالتعريف على أول البشر وما ظهر منها كنّا قد إقتصرنا الحديث على البشر الدابة وكان ذلك نتيجة الدور الجوهري والظاهر والبيّن والمتميز لها وأهملنا الحديث عن دور وأهمية الإنسان الدابة والذي كان له دور وجودي ثانوي متدني ووضيع لم يحظى أو يرتقي لمستوى حتى الذكر.

إن الإنسان البدائي الأول لم يكن من جنس البشر “الدابة” والتي كانت في قمة الهرم الدابي، بل على العكس فهو كان في أسفل وأدنى منزلات هذا الهرم القديم، فهو لم يكن له ظهور فريد ومميز ونوعي أو مسيطر، ولم يكن ذو منزلة أو كان قد حظي بالتكريم أو التفضيل، كما ولا يوجد أي من الدلائل والتي تُشير على أنه أول من ظهر من الكائنات الحية الدابة، فلقد كان من خلال دراسة أثره في بقايا المتحجرات “الفوصلز” بأن تعرفنا على وجوده والذي كان قد لحق وجود البشر “الدابة” أي أول ما ظهر من الدواب الضخمة بملايين السنين ولم يسبقها، فالدواب الحيوانية الضخمة كانت هي أول ما أعتلى سطح الأرض وقام مكان بشرتها فكانت هي البشر الدابة وذلك عززه وأثبته علوم الحفريات ودراسة المتحجرات، وبذلك أصبح يمكننا لأن نُشير على الإنسان البدائي الأول والذي لم يتزامن وجوده القديم مع أول البشر “البشر الدابة” بل أتى فيما بعد وكان خلقه ضعيفاً بالإنسان الدابة ولذلك فلن نطلق عليه تسمية البشر بعد إلى حيث وحتى حضور آدم عليه السلام ليبدأ دوره البشري والظاهر والجديد من خلال تكريمه وتفضيله.

أما فالإشارة الى حقيقة ظهوره المتدني والغير ملموس أو ظاهر فلقد كان  من خلال قوله تعالى،

“هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا” سورة الإنسان 1 .

هنا وفي هذه الآية الكريمة يبدأ الله سبحانه وتعالى بقوله “هل أتى” وبالتعريف بـ “هل” نقول هو حرف استفهام يطلب به معرفة مضمون الجملة أي فهو يأتي للتوضيح ومن ذلك استعماله بمعنى ” قد ” كما ورد في هذه الآية الكريمة أعلاه وفي العديد من الآيات القرآنية الكريمة الأُخرى ومثال على ذلك نجده في قوله تعالى “هل أتاك حديث الغاشية” ومعنى “هل” في الآية “قد” أتاك حديث الغاشية وكذلك في قوله تعالى “هل أتاك حديث الجنود” .. أي إذن أتى هنا بمعنى (قد مضى) على الإنسان (حين) أي المدة والفترة، والدهر هو الزمان الطويل والمديد، ولكن من دون أن يُحدث له ذكراً أو يُحدِث ذكرا، فالإنسان لم يكن ظاهراً وبيّن أو مبشر به أو كان مسموع به أو كان قد حظي بأي شُهرة وذلك على الرغم من وجوده، فالآية تُخبرنا بأن الإنسان كان بالشيء أي إذن كان بالمخلوق وذلك لأن الشيء حتى يُصبح شيء لا بد وأن يكون مخلوق أولاً، ولكن هذا الإنسان على الرغم من وجوده وخلقه الا أنه (لم يكن شيئاً مذكورا) أي لم يكن بالمذكور “بالمُبلغ عنه” أو المُبشر به كما حصل حين بشّر الله الملائكة بخلقه لآدم عليه السلام، وبالتالي لم يكن الإنسان الأول له وجود مُعلن أو مُخبر عنه أو مُعرف به، ولم يكن ذو شرف ورفعة وتفضيل، فلو قال الله تعالى (لم يُك شيئاً) فقط أو قال (لم يكُ شيئاً مخلوقا) لخدم في المثال الأول معنى ومفهوم اللاوجود لهذا المخلوق، وخدم في المثال الثاني مفهوم عدم الخلق من أي مما كان مخلوق من قبل، ولكن فلقد كان قوله تعالى واضح وبيّن أي لم يكن “أي بحضور النون وفيه التوكيد على فعل الخلق” أي بالكائن فهو إذن وعلى الرغم من كونه كان مخلوق (أي شيئاً) لم يكن ذو قيمة تُذكر لأنه كان يفتقر للتعليم وحُسن وكمال التقدير ونعمة العقل والسماع والنطق أي لم يكن سميعاً بصيراً وعليما بل كان على العكس من ذلك فكان “ظلوماً جهولا” وبالتالي عجز عن بناء المجتمعات أو تطويرها وفشل لأن يكون له أي دور حضاري يُذكر، فكان هذا هو الإنسان الأول ومضى ورحل دون ذكر فكان إنسان ضعيف كما سبق وذكرنا ولم يكن له دور يُشرفه على العكس من قول الله تعالى لرسولنا الحبيب (الإستشهاد هنا هو بغرض التوضيح فقط وليس التشبيه)،

قال تعالى “وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ”   سورة الشرح 4 .

وهذا يعني أي زدنا في شرفك وصيتك وشهرتك وسُمعتك ومنزلتك ومقامك، وبالتالي فالإنسان كما تُصرح الآية الكريمة من سورة الإنسان كان قد مرّ بفترة من الزمان حينها (لم يكن شيئاً مذكورا) وهذا لا ينطبق ولا بأي شكل من الأشكال على آدم لان الله أعلن عن خلقه لآدم حتى قبل خلقه له، وعن تكليفه له بخلافة الأرض وتعيينه لهذه المهمة حتى قبل تكليفه بهذه المهمة وعرّف عليه بأنه كان سوف يخلقه بشراً أي ظاهراً على غيره وبشّر وعرّفَ به وبمجيئه وكرَّمَه وفَضَّله،

قال تعالى “إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”    سورة ص 71- 72.

فكان آدم عليه السلام وبدون أدنى شك على عكس الخلق الأول والذي لم يحظى بالتعريف أو الذِكر أو التسوية أو التكريم حيث كان قد تدخل الله تعالى وخلقه بنفسه واستودع فيه سره٫ وهذا حدث نادر خص الله به آدم وحده ولم يكن يُشير على الإنسان الأول والمخلوق من قبل.

قال تعالى “أولا يذكُرُ الإنسان أنّا خلقناه من قبل ولم يكُ شيئا” مريم 67.

فكان عليهم لأن يترقبوا هذا الحدث وهذا التحول العجيب للدور الإنساني القادم …..

صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل