Archive for the ‘الإنسان والإنبات من الأرض’ Category

الإنسان والإنبات من الأرض

قال تعالى “اللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا” سورة نوح 17
ففي تصريح مدهش نرى بأن الله جل وعلا يُخبرنا بأنه أنبت الإنسان من الأرض كالنبات “أي لم يخلقه الله من أي شيء آخر بل أنبته من نبتة كانت هي أساس خلقه” حيث كان قد تم ذلك في مراحل الخلق الأولية والدليل على ذلك نستمده من

قوله تعالى “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ” سورة لقمان 10

ونلاحظ هنا بأن الآية الكريمة تُشير على بعض الأحداث الكونية التي اراد الله لأن يكشف عنها وكانت قد سبقت أول ظهور للدابة على سطح الأرض والتي كانت قد هيأت لها فأخبرنا الله تعالى
أولاً: بأنه كان قد خلق السماوات أي كوّنها بواسطة أعمدة خفية وغير مرئية وذلك إشارة على أعمدة الجاذبية الغير مرئية
ثانياً: وبأنه عمل على إستقرار الأرض وثباتها وذلك من خلال إلقاء الأثقال فيها، وهاذان الحدثان الكونيان مهدا لجعل الأرض لأن تصبح صالحة لإستقبال الكائنات الحية من حيوان ونبات وإنسان
ثالثاً: وبأنه عمل على البث في الأرض من كل أنواع وأشكال الدابة والبث هنا لا يُمكن لأن يكون إلا على شكل البذور فالآية تتحدث عن الإنبات من الأرض وعملية الإنبات تنشأ من البذور وهذا شمل على بذرة الدابة بكل أنواعها وأشكالها “وشمل هذا على بذرة تكوين الإنسان الأول “فقال تعالى “وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ” كمرحلة أُولى ولا يمكن لأن تكون الدابة التي بثها الله حية من قبل نزول الماء والذي لا تتوفر مظاهر للحياة بدونه ثم لحق بذلك قوله تعالى “وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً” كمرحلة ثانية حيث ولحق بذلك بفعل نزول الماء عملية الإحياء .. قال تعالى “وجعلنا من الماء كل شيء حي” حيث وبعد نزوله حصل الإنبات فعجّل ذلك في ظهور الحياة على سطح الأرض
أما قوله تعالى “فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ” فهو يُشير على عمليتي التنبيت والإنبات لأن لا إنبات بدون تنبيت أي لا يحصل الإنبات إلا في وجود نبتة مغروسة، والتنبيت هو الغرس ويُقال نبّت الناس الشجر إذا غرسوه ونبّتوا الحب إذا حرثوه فجهزوه للإنبات، وفي المحكم: نبّت الزرع والشجر تنبيتاً إذا غرسه وزرعه، أما الإنبات فهو الإنماء لما كان قد نُبّت وحتى تنبت النبات أو أي شيء آخر فهو يحتاج للنبتة وغرسها في الأرض والذي يسبق إنباتها، والنبتة هي كل شيء قادر على النبت او الإنبات أي مقدر لغرض النمو فكل بذرة هي في الحقيقة لها خارطة جينية مستقلة ومقدّرة فهي مُشفرة فبذرة القمح مثلاً تعطينا فقط قمح وبذرة الخوخ لا تعطينا قمح بل خوخ ويكمن في كل بذرة خصائص كل ما يتعلق بها ولا يفك شفرتها إلا الماء وعندها فقط نتعرف على ما هي وما لونها وما ريحتها وما هو طعمها وكم من الوقت تحتاج حتى تنبت وهكذا
فشمل الإنبات “على فترات متلاحقة ومختلفة” من كل زوج وصفه الله بالزوج الكريم فقال تعالى “من كُل زوج كريم” أي من كُل زوج مُعطي وله ثمرة وله دور مُكمل في تطور الحياة واستمرارها إشارة على من تتوفر فيها القدرة على التوالد والتكاثر كثمرة الأولاد أي التوالد والتكاثر عند الإنسان وعند الحيوان والثمار عند الشجر فشمل ذلك على كل الأزواج الكريمة من نبات وحيوان وهذا لا يعني بأن الدابة والنبات ينتمون لنفس العائلة بل نستخلص منها بأن عملية بناء الدابة في مراحل الخلق الأولية كانت قد تمت من خلال خروجها ونموها من الأرض كنمو النبات وهذا شمل على كل كائن حي له خصائص وصفات الدبيب من حيوان وهنا شمل على زوجي الإنس من الذكر والأُنثى ولم يُستثنوا من ذلك
وهذا الإنبات من الأرض مُماثل لما سوف يحصل لنا يوم نُبعث أي حين قيامنا من الموت، فنحن نؤمن بُاننا سنخرج من الأرض وننبت منها كالنبات وذلك بعد موتنا وتحولنا إلى تراب .. ألم يقل الله جل وعلى بأنه سيُعيدنا إلى الأرض ومن ثم يخرجنا منها .. قال تعالى “وَثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا” سورة نوح 18
فكيف لنا بالخروج منها بعد تحللنا إلى تراب قال تعالى “أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا .. ” سورة ق 3 أليس عن طريق الإنبات والخروج من الأرض كالزرع والنبات
وفي الحديث والذي أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والنسائي
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما تنبت البقل وليس في الإنسان شيء إلا بلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب

قال تعالى “اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” الروم 11
وللمزيد من التعرف على حقيقة الإنبات يمكنك أخي القاريء للرجوع لموضوع النسل والذي تعرضنا فيه لنفس الموضوع
ولنأخذ مثال على ذلك والذي فيه

يقول الله تعالى “وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ” سورة الأنعام 94

فهذه الآية أيضاً وعلى الرغم بأنها قد أتت لتخاطب الناس وذرية آدم ألا أنها تذكرة تُشير على الخلق الأول أي الأصل، فكل بذرة تُذر وتُغرس في الأرض تبقى وحيدة وتعبر عن كيان وكائن مستقل، فكانت البداية بأن أخرج الله الإنسان من الأرض عن طريق الإنبات وليس الولادة وذلك على إختلاف من الخلق الآدمي والذي تم عن طريق الولادة من الرحم وكان فيه الولادة الفردية أو التعددية كما في حالات التؤام والحالات الأخرى والتي تتعدد فيها مواليد الرحم الواحد حيث يمكن للمرأة لأن تحمل في بعض الأحيان لما يزيد عن الستة والسبعة وهكذا وليس فرادى كما خُلقوا أول مرة، كما ويوجد الحالات الأخرى والتي فيها يكون التؤام ما يُدعى السيامي ويكونوا بها المولودين (التؤام) ملتصقين معاً ولا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض وفي كل هذه الحالات لا يكون الإنسان مخلوق فرادى “فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ” ولذلك لا يُمكن لأن تكون هذه الآية تُشير على الجنس الآدمي ولكنها تُشير بالخصوص على وجه أوسع للمفهوم الإنساني وخلقه الأول، أما وإن أصّر البعض على أن القصد هنا هو آدم عليه السلام وحده، فآدم لم يكن بعد قد صيغ في صيغة الجمع أي هو ونسله وذلك نستخلصه من قول الله تعالى، جئتمونا ولم يخص آدم وحده بالحديث لأنه إن كان المقصود بالخلق الأول آدم فآدم فكان بأن خلقه الله بدون زوج وبدون ذرية بعد وبالتالي فكان القول بأن جئتمونا فرادى أيُها الإنس كما كنّا خلقناكم في بداية الخلق، وذلك كما خلقناكم فرادى يا معشر الإنس في أول مرة ومن قبل حيث خُلقتم فرداً فرداً وهكذا نبتم من الأرض فكان أول ذكر وأول أُنثى قد خُلق على حدة ومستقلين عن بعضهم البعض ولم تُخلق الأُنثى من الذكر كخلق الله لحوّاء من آدم ألا أن تناسلهم “بنائهم التكويني وتكاثرهم” فيما بعد فكان من اجتماع كل من الذكر والأنثى.

صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل

بتاريخ 29-6-2015