Archive for the ‘على ماذا يدل خلق آدم من تراب ومثله خلق المسيح عيسى ابن مريم’ Category

بحث تابع لـ : هل آدم هو أول البشر وأول إنسان خلقه الله أم لا … وهل البشر والإنسان يُشيران على الشيء نفسه
على ماذا يدل خلق الله لآدم من تراب ومثله خلق المسيح ابن مريم في قوله تعالى
“إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” آل عمران 59
 
في البداية نقول بأن الله قد  أشار على بدء خلقه للإنسان من طين في قوله تعالى “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” السجدة 7
حيث كانت الإشارة في الآية الكريمة وبدون شك هي على ابتداء خلق الجنس الإنساني بشكل عام ولم تكُن الإشارة فيها تعود على آدم بشخصه والدليل على ذلك وهو بأن الله لم يذكره هنا بإسمه الشخصي بل اشار عليه بإسم جنسه أي أتى على ذكر الإنسان فيها لا آدم – وبالمناسبة فمن الجدير بالذكر هنا وهو بأن الإشارة على خلق الله للإنسان “اي كجنس” من تراب لم يأتي عليه أي ذكر في القرآن الكريم ولا حتى مرة واحدة
أما حين أشار الله على خلق آدم بشخصه وليس بجنسه أشار عليه بالإسم العلم (أي آدم) وكان ذلك في
قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” آل عمران 59
فأتت الإشارة عليه بإسمه مُصاحِبة لذكر خلق الله له من تراب

 

كما وأشار الله عليه بلقب البشر وكان ذلك في
قوله تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ” ص 71
حيث كان في ذلك إشارة إلى مكانته وعلو منزلته، وأتت الإشارة عليه بذلك مُصاحِبة لذكر خلق الله له من طين وليس من تراب … وبالتالي إذن فآدم مخلوق من تراب ومخلوق أيضاً من طين ولكن ماذا يعني ذلك وعلى ماذا يُشير

.

يزعم علماء التفسير والدعاة بأن قول الله الذي يُشير على خلق آدم من طين حسب ما جاء في قوله تعالى “إني خالق بشراً من طين” لا يتعارض مع قوله بأنه مخلوق من تراب وذلك حسب ما جاء في قوله تعالى “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب” لأن التراب هو أحد مشتقات الطين، والطين هو مزيج الماء والتراب “هذا حسب الفهم التقليدي الذي يتبعه الكثير من الدعاة والمفسرين ولنا تحفظ عليه سنأتي عليه عند البحث في اصل الإنسان والتطور ” … إذن وبما أن آدم مخلوق من تراب أو طين فهو إذن وبلا شك ليس له أب أو أُم ولم ينحدر من أبوين أو ما شابه ذلك
 ولكن لنا تساؤل نود لأن نرفعه لعلمائنا الكرام وهو إذا كان الله يقول بأنه كان قد بدأ خلق الإنسان من طين وفي ذلك كان قوله تعالى “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” “ونُريد لأن نضع ثلاثة خطوط عريضة تحت كلمة – بدأ” فكيف نفسر خلق الله لآدم من تراب لأن الخلق من تراب أسبق من الخلق من طين حسب زعمهم القائم على أن الطين المُشار عليه في الآية الكريمة هو مزيج التراب والماء
ولكن الخلق من طين كما أخبرنا الله كان هو نقطة البداية التي بدأ الله بها خلقه للإنسان وبالتالي فإن الطين يُشكل نقطة البداية وحجر الأساس الذي اعتمده الله في تأسيس القاعدة الأولية للخلق الإنساني وليس الخلق من تراب ولذلك فلا يُمكن تفسير خلق آدم من تراب على أنه استمرارية للمراحل الخلقية لآدم … ويبقى السؤال وهو كيف يكون الإنسان الآدمي مخلوق من تراب
إذن إن في اعتماد الطين المذكور في الآيات الكريمة على أنه مزيج التراب والماء كما يزعم العلماء فيه تناقض واضح مع ما صرّح الله في خلقه لآدم من تراب ولذلك فإن الآية الكريمة بحاجة إلى المزيد من الدراسة الجدية والبحث التفصيلي والمسؤول والمعقول ولا يجب لأن تُحمل على وجه البساطة هذه
نعم .. لقد خلق الله آدم عليه السلام من تراب فقال تعالى  “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب” وأخبرنا ايضاً بخلقه لنا نحن الآدميين من نفس آدم  فقال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ.   الأعراف 189
 واتى التأكيد على ذلك في ما هو منقول عن النبي الكريم في الحديث كما أشرنا عليه سابقاً والذي فيه قوله: كلكم لآدم وآدم من تراب، وعزز ذلك العديد من الآيات القرآنية والتي أتت لتشهد على خلقنا من تراب
وقال تعالى “وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا … “  سورة فاطر 11
وقال تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ …”  سورة الحج  5
وقال تعالى “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ”  سورة الروم 20
ولذلك فنحن كأبينا آدم مخلوقين من تراب ولكن كلُنا نعلم بأن التراب لا يحتوي على الماء في تكوينه ولا هو أحد عناصره وبالتالي فالخلق من تراب لا يرمز للخلق الحي لأن توفر الماء هو شرط لوجود الحياة كما أخبرنا الله جل وعلا “وأكد عليه العلم” والذي لم يتوفر في التراب وحده قال تعالى “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ”  سورة الأنبياء 30
 أي إذن فآدم والمخلوق من تراب كان قد خُلِق مما لا حياة فيه وهذا ينطبق علينا أيضاً فنحن مثل أبينا آدم فنحن مخلوقين من ما هو ميت وهذا يقودنا لفهم ما هو المقصود
بقوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ”  سورة البقرة   28 
وقوله تعالى “وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ”  سورة الحج  66
إذن فلو دققنا في كل من قول الله تعالى مخاطباً بني آدم “وكنتم أمواتاً فأحياكم” وقوله تعالى “وهو الذي أحياكم” في الآيتين الكريمتين لرأينا بأن أصل خلق أبونا آدم هو من الموت والذي كان قد لحق به عملية إحياءه
 فعندما يموت الإنسان يتحلل جسده إلى تراب ومع عملية التحلل يبدأ الميت بالتواري عن الأنظار … ومع الوقت يختفي تماماً، ولكن فكما نعلم فإن التحول إلى تراب لا يعني العدم لأن العلم أخبرنا بأن قانون حفظ المادة ينص على أن المادة لا تفنى ولا تستحدث ولكن تتحول من شكل إلى آخر، ففي تحلل الجسد العضوي يتلاشى عن الأنظار ويتحول إلى عناصر المادة الاساسية المكونة له أي يُصبح جسده المتواري عبارة عن ذرات ترابية مجهرية مكونة من عناصر السيليكا والحديد والبوتاسيوم والكالسيوم والكربون  .. وغيرها من عناصر التربة بأنواعها المختلفة والتي يتشكل ويتكون منها الإنسان والتي بتحولها إلى تراب يفقد الإنسان معها آلية التفاعل بين ذراته المختلفة ويُصبح بلا جسد، وعند حدوث ذلك تبقى عناصر المادة الموجودة في الأرض بعد تحلل الجسد في حالة إنحباس ذري نتيجة توقف تفاعلها مع بعضها البعض حيث تنعدم بين ذراتها الطاقة الحركية التفاعلية فتبقى في مرحلة سكون ذري مرحلي أي في جمود وذلك على الرغم من استمرارية حركة جسيماتها الذرية والمتواجدة في أنويتها والغير مرئية بالعين المجردة، وبالتالي فإن في موت الإنسان وتحلله إلى التراب لا يعني نهايته وهلاكه لأن ذرات العناصر ومكوناتها من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات تبقى حبيسة لحياة البرزخ اي في ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة إلى أن يحين موعد إحياءه وقيامته من الموت مرة أُخرى
 فالجماد هو الميت والذي لا حركة فيه أو نقول لا حياة فيه وذلك على الرغم من بقاء مكونات كل ذرة فيه حيّة وفي حركة دائمة ولكن حياة لا تفاعلية، ولكن لا يمكننا الإشارة على ذلك بنفس الشيء حين تتحد ذرات المادة مع بعضها البعض وتتفاعل مكونة المركبات وتبدأ بالتفاعل والتجاذب والتنافر ولو حتى في أدنى حد من الوجود الكوني لأن بتفاعلها مع بعضها البعض يرتفع تمثيلها الحياتي ويتعقد ولو بنسب تقديرية ضئيلة فتُصبح بذلك محسوسة أو ظاهره والمثال على ذلك نأخذه من صدأ الحديد والذي نشهده في كل يوم وفي تكوين اللولؤ والألماس والمرجان، وفي حالات التصخر ومظاهر التعرية التي تحدث للصخور، بالإضافة إلى العديد من المظاهر الحياتية التي تُصاحب التفاعلات الكيميائية البسيطة والغير معقدة والتي لا نُعير لها أي اهتمام، كما ونُضيف إلى ذلك أحد أهم المظاهر الحياتية المتدنية والتي نشهدها في كل من صورتي الحيوان المنوي الذكري وبويضة الأُنثى حيث لا يوجد فيهما روح ولكن مع ذلك فهي خلايا حية … … ولذلك يُمكننا لأن نُدرك لماذا أطلق على الكون وما فيه بالحياة، فعند الموت ومع انقضاء الوقت يبدأ جسد الميت بالتحلل والتحول التدريجي إلى تراب وهي حقيقة قرآنية مُسطرة في كتاب الله
قال تعالى “وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا”  الإسراء 49
وقال تعالى “أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا” 3 سورة ق
كما وهي حقيقة مادية نشهدها من خلال تحلل جسد الميت وتلاشيه التدريحي وتواريه عن الأنظار والذي فيه
قوله تعالى “بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)”  سورة ق
 فبعد الموت يتم تحول الجسد تدريجياً إلى تراب ويكون هذا التحول عبارة عن النقصان والمتمثل بالتحلل او التلاشي المرحلي لجسد الميت وهو الذي تتحدث عنه الآية الكريمة، يقول الله تعالى “قد علمنا ما تنقص الأرض منهم” حيث يكون نقصان الأرض منهم هو من خلال تواريهم التدريجي وتحولهم إلى تراب شيئاً فشيئاً إلى أن لا يبقى منهم شيء يُرى بالعين المجردة والتي عندها يصبح جسد الميت لا يمكن تمييزه عن تراب القبر الذي دُفن فيه .. ولكن يبقى هنالك شيء مجهري يُبقيه الله من جسد الإنسان لا يمكن تمييزه من التراب وهو عجب الذنب الذي تُحفظ فيه الذرية والذي اشار الله عليه في قوله تعالى وعندنا كتاب حفيظ” حيث فيه حفظ الله الشيفرة الوراثية اللازمة لعملية إعادة بناء الإنسان ونشأته وقيامته من الموت والذي كان قد أتى الرسول الكريم على ذكره في الأحاديث النبوية على أنه هو أصل الإنسان والبذرة التى يبعث منها يوم القيامة وأن هذا الجزء لا يُبلى ولا تأكله الأرض أما قول “كتاب” فهو وصف للتأكيد على صفة المحكم والثابت في تقديره أي لما كتب الله فيه وشفّره، فالميت وعلى الرغم من أنه يفقد آلية التفاعل ويضمر ويُصبح في تحلل ذري وجمود الا أنه يعود بالظهور من خلال تفاعلاته البدائية والتي تبدا على المستوى الذري وذلك عند إحياءه من أدنى مستوى ”من عجب الذنب – مكان حفظ الذرية” حيث تبدأ طاقته التفاعلية بالعمل النسيجي أو النسل البنائي للإنسان ويبدأ معها نشوء طوره الحياتي التفاعلي وبروز طاقته الحركية وبذلك تبدأ معها الحياة المصحوبة بالقدرة على الظهور وتتطور وتتعقد لتُصبح كيان حي تفاعلي
 قال تعالى “أيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وكنتم تراباً وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ” سورة المؤمنون 35
وقال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ  النمل 67
إذن فعند حدوث الموت تتوقف معه عملية التفاعل الذري مع الذات “أي النفس” ومع ماهو خارجها وتحبس طاقتها الحركية الذرية بدون تفاعل في عجب الذنب وتبقى على ذلك حتى تؤمر بالتفاعل من جديد وذلك عن طريق الطاقة المحركة والموجودة في الماء
قال تعالى “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”  فصلت 39
ولنا عبرة يُمكننا لأن نستفيد منها وهي في قوله تعالى “قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَـٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ”  يس  52
حيث أن الرقود يُعبر عن توقف وسكون الذات اللا تفاعلي اي تحول الجسد إلى جماد لا حركة فيه
 قال تعالى ”وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ … (18) سورة الكهف
فالرقود يُعبر عن حالة سكون ذري لا تفاعلي تتوقف معه آلية العمل الجسدي والذري وتبقى على ذلك الجمود الحياتي “والمعروف بالموت” إلى أن يشاء الله لأن يُحييها وقوله تعالى “ونُقلبهم ذات اليمين وذات الشمال” لهو أكبر دليل على ذلك لان التقلب الحركي كما أخبرتنا الآية الكريمة كان قد أتى من خارج الذات حيث لم يكن للميت دور في عملية التقلب الذاتي من نفسه بل كان قد خضع لها من خلال تأثير خارجي عليه …. ولذلك يبقى الميت على ذلك في طور الجمود والسكون حتى يبدأ طور الحياة الحي من جديد اي حالة اليقظة …  وعندها تبدأ عملية تكوينه من عجب الذنب فينسله الله منها ليصبح كائناً حياً من جديد  
قال تعالى “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ”   سورة يس  51
إذن فإن قول الله فينا أي نحن الآدميين من البشر وكنتم أمواتا فأحياكم تُشير على الحالة التي كنّا فيها نحن ألا وهي حالة الموت والرقود السكوني وليس حالة اللا وجود وذلك لأنه لا يمكن وصف الغير موجود بالميت لأن الغير موجود وببساطة ليس له وجود من الأساس ….  فالموت يأتي بعد الحياة وليس قبلها إذن وحتى تموت الأنفس لابد لها لأن تكون قد وُهِبت الحياة أولاً اي من قبل وبالتالي فلقد تم إحياءنا في شخص آدم كما أخبرنا الله جل وعلا
 
كما ولقد كان لنا مثال آخر فيه الإشارة على إحياء الإنسان من الموت في
قوله تعالى “أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)” سورة القيامة
إن أول ما نُريد الإشارة إليه هو أسم السورة وهي سورة القيامة إشارة على القيامة من الموت ”فهل هذه يا ترى صدفة أم إشارة تستحق التأمل”…  بالإضافة إلى قوله تعالى “أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى” والذي فيه الدليل على أنه لم يكن بالخلق الحي لأن قول “يَكُ” اُسقط منها نون التوكيد وبالتالي فلم يشر الله فيها على التكوين أو احداث الكيان الحي أي لم يقل: أَلَمْ يَكُن نُطْفَةً، ثم أنهى الله الآيات الكريمة بالتذكير بقدرته على إحياء الموتى وهذا أيضاً ليس بصدفة بل فيه إشارة واضحة وتأكيد على إحياء الله للإنسان من الموت
ومرة أُخرى يمكننا أيضاً لأن نستفيد من إشارة ثانية على إحياء الإنسان من الموت وذلك في قوله تعالى
 وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47)”  سورة النجم
ففي هذه الآية الكريمة يبدأ الله تعالى بتذكيرنا بأنه كان قد أمات وأحيا وفي ذلك إشارة على موت الإنسان وإعادة إحياءه وهذا يؤكد عليه آيات سورة عبس وقوله تعالى ” ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) وهذا سنأتي عليه ونحاول لأن نتدبره، إذن ومن الملاحظ بأن تقديم الموت على الحياة في الآية الكريمة فيه إشارة على أن الوجود الحياتي للإنسان كان قد سبق موته وإحياءه وأن الآية الكريمة أتت تُحدثنا عن أن حدوث النشأة الأخرى والتي لابد منها أي أن الله متكفل بحدوثها ومن ثُم سيُعيد نشأتنا مرة أُخرى فقال: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى وهذا فيه إشارة واضحة على أن ما قد تم حدوثه من قبل (الإحياء في أول الآية) هو إذن نشأة أولية لهذا الإنسان والذي كان الله قد أماته وأعاد إحياءه فقال: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا
 
الحديث القرآني عن الإنسان والأجلين: أجله المُنقضي وأجله المُسمى
كما ولقد اتى دليل قرآني واضح يُشير على الوجود الإنسي الذي سبق خلقنا الآدمي وكان ذلك من خلال ذكر الله لأجلين للإنسان أحدهما أجل مُنقضي والآخر أجله مسمى عند الله لم يتم انقضاءه بعد، قال تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام 2
وللتحقيق في هذا الموضوع اخترنا تصوراً للدكتور صبري الدمرداش يُشير فيه على عالم الأرواح، والذي أشار عليه أيضاً الشيخ المغامسي في إحدى محاضراته بعالم الذر

ففي هذه المحاضرة المسجلة للدكتور صبري الدمرداش على قناة اليوتوب والتي هي بعنوان خلق ابونا آدم يوجه الدكتور على الحضور السؤال التالي: من خُلق أولاً بالإنسان ذاته أم بدنه؟ أي هل الذات مخلوقة قبل البدن أم البدن مخلوق قبل الذات، ويُجيب هو على السؤال بالقول: بأن من المؤكد بأن الذات خُلِقت أولاً وبالتالي وحين يأتي موعد خروج الإنسان إلى الدنيا يأمر الله الذات بان تلبس البدن، فالذات هي موجودة في الاصل أي كانت موجودة قبل البدن  …. ويتسائل الدكتور: ماهو الدليل على ذلك …  ويُجيب على نفسه بالإستشهاد بقوله تعالى
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ”   سورة غافر 11
ويعتبر استاذنا الكريم بأن هذه الآية الكريمة هي الدليل على ذلك، ويتساءل ثانياً: ماهما الحياتين وماهما الموتتين … ويُجيب على ذلك بالقول “.. قبل تواجدنا في الدنيا كُنّا نحيا حياة حقيقية في عالم الذر والدليل على ذلك وهو الآية 172 من سورة الاعراف
قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ  قَالُوا بَلَىٰ  شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ”  سورة الأعراف  172
ويُكمل قائلاً: “لقد كُنّا أحياء ليس بأبداننا ولكن بذواتنا، فحين خلق الله أبونا آدم مسح على ظهره فطلعت كُل الذرات الموجودة التي هي أولاد آدم من لدُن قابيل وهابيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها … وكانوا خرجوا بذواتهم الإنسانية المخلوقة ويُكمل: فلربما تسائل البعض عن كيفية إتساع الأرض إلى كُل هذا الخلق الإنساني منذ خلق آدم وحتى آخر آدمي …  ولكن لم يخرجهم الله بأبدانهم بل بذواتهم الإنسانية فالذات كانت مخلوقة
 ويُكمل الدكتور على أن اصل الذات ليس لها مكان فهي مثل الكهرباء غير مرئية وبالتالي فالمكان الذي حصلت فيه الواقعة يتسع لبلايين بلايين أمثال هؤلاء الذوات الإنسانية، وبالتالي فلقد كُنّا أحياء في عالم الذر وربُنا أخذ علينا الحُجة .. قالوا بلى
 ويزعم بأن كلمة “شهدنا” تعود على الملائكة والذين كانوا موجودين وبالتالي هم الذين شهدوا على الميثاق وهذا ليس من كلامنا نحن، ويقول بأن كان هذا هو عالم الذر .. عالم الميثاق وهذه هي الحياة الأولى حياة حقيقة كُنّا قد نسيناها
وبالتالي فلقد اعتبر الدكتور بأن حياتنا الأولى وموتتنا الأولى كانتا قد اقتصرتا على عالم الذر، وللتعليق والرد على قول الدكتور نقول
أولاً: بأن الله لم يقل بأنه مسح على ظهر آدم كما قال الدكتور بل قال أخذ، قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ” ومعناها القاموسي حسب لسان العرب وهو أي جمع وأمسك ويمكن الرجوع لقاموس لسان العرب ومعاجم اللغة العربية (كُلها) للتحقق من ذلك
ثانياً: نعم فلقد ورد في العديد من روايات الحديث ما يؤيد كلام الدكتور أي بأن الله تعالى أخرج الذرية من ظهر آدم وأخذ منهم الميثاق
ولنا مثال على ذلك الحديث التالي:  إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي
 الراوي:  عبدالرحمن بن قتادة  –  المحدث: الألباني –  المصدرصحيح الجامعالرقم 1758 – خلاصة حكم المحدث: صحيح
لكن القرآن الكريم والذي هو كلام الله لا يؤيد هذا الحديث ولا غيره من الأحاديث التي تقر بأخذ الذرية من ظهر آدم عليه السلام، فالقرآن الكريم يؤكد على أن الذرية أخذت “أي جُمعت” من ظهور بني آدم وليس من ظهر آدم وكان ذلك في
قوله تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)”  سورة الأعراف
ولكن لو وجّه لنا أحدهم السؤال التالي وهو ما الفرق حين القول من ذرية آدم إذا كان الله قد أخرجها من ظهر آدم أو أخرجها من ظهر بني آدم، وللإجابة على ذلك نقول بأن الفرق وهو إذا كان بأن أخرج الله الذرية من ظهر آدم فيمكن لئن تكون ذريته محصورة بابناءه المباشرين أي مثل قابيل وهابيل وبالتالي تُشير عليهم فقط .. أما في قول بني آدم “مِن بَنِي آدَمَ” كما هو مذكور في القرآن فله تفسير آخر لأن بني الرجل هم قومه وذلك كقولنا بني إسرائيل .. وبني حسن .. وبني أُميّة وبني النظير والقوم هم جمع لأفراد تربطهم صلة قرابة وعليهم قائم .. وبالتالي فأخذ الذرية من بني آدم هو الأخذ من كل فرد على حده
كما وعلينا بالإنتباه إلى صيغة الجمع في قوله تعالى: من ظهورهم، وقوله: من ذريتهم، وقوله: أشهدهم على أنفسهم، وقوله: وقالوا بلى شهدنا، والتي لم يأتي على أي منها بصيغة المفرد إشارة على آدم وحده، وبالتالي إذا تعارض الحديث مع الوحي القرآني أُسقط الحديث ولا يُمكننا لأن نأخُذ به حتى ولو اجتمع عليه ليس العلماء وحدهم بل أهل الأرض جميعهم بعلمائهم وعوامهم لأن الله أصدق حديثاً، قال تعالى “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا”  النساء 87، وقال تعالى “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا”  النساء 122
 إذن فالشهادة تمت على كل نفس بشخصه والتي صاحبها تحذير الله لهم من الكذب بعد قيامتهم من الموت وعند الحساب .. فكان قوله تعالى في سورة الأعراف
أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. 172 أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ 173
أما قول “أشهدهم على أنفسهم” فهو يشمل على شهادة كل فرد من ذرية آدم من أبناءه وذرياتهم، أما حين يقول الله بان الإنسان شهد على نفسه فإن الشهادة تتم في العادة من خلال توظيف وإعتماد قدرات النفس الذكية والتي جعلت منه بالسميع والبصير والكليم “الناطق المُعبر” وهذه هي قدرات الذات البشرية والتي تُعبر عن صفاتها … فالإنسان العاقل ذو القدرات الذكية “إشارة على الآدميين / بني آدم” هم من قالوا بلى وليس وهُم ذراري أي بالحجم الذري والذي لم يكُن قد أخضعه الله وهو في هذا الحجم للتسوية أو الجعل، ولأن العاقل المدرك هو من تحلى بهذه الصفات التي تمكنه من الشهادة فقط إذن فلابد وانه كان قد أخضعه الله لتسريع في عجلة الزمان فكونه وأشهده على نفسه قبل أن يُعيده ليبدأ مرحلة اختباره وابتلاءه
ولنا عبرة في قوله تعالى “أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖفَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”  البقرة 259
والذي فيه عطّل الله عجلة الزمان وأمسك عليها في التأثير على الرجل وطعامه وشرابه ولكن أبقى على أثرها الواضح على حماره والذي كان قد تحول إلى عظام
وفي ذلك أيضاً ما روى الإمام أحمد عن حبس الشمس ليوشع بن نون وفي ذلك تعطيل وتوقف للزمان
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار بها إلى بيت المقدس
ولنا عبرة أُخرى في رحلة الإسراء والمعراج ولما فيها تسريع لعجلة الزمان
وهذا يوضح لنا كيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم وذلك عن طريق تسريع عجلة الزمان فالله بيده القدرة على التسريع والتمهيل وتوقف لعجلة الزمان
كما ونرى الدكتور وبكل ثقة يقول: بأن الملائكة هي التي شهدت وليس نحن .. ولكن هل هو أعلم من الله حتى يتجرأ بهذا الكلام الغير مسؤول وذلك لأن كلام الله في غاية الوضوح فالسؤال موجه لذرية آدم وهم الذين أراد الله لأن يأخذ منهم الإعتراف بالشهادة على وحدانيته وقدرته وهم الذين يرجع لهم الضمير ولا ذكر للملائكة هنا ابداً حتى يحشره الدكتور بدون دليل ويجعل منه حقيقة وهمية وبدون علم أو وحي .. والله يسأل بني آدم بالتحديد: ألست بربكم .. والجواب على سؤال الله لهم هو بان الآدميين قالوا بلى أي شهدوا على أنفسهم .. إذن فلماذا اخراج النص الواضح عن حقيقته الموحاة وبالتالي لماذا اللجوء للتفسير بالرأي والمبني على الفرضية وما جدوى ذلك
ثالثاً: لم ينتبه شيخنا الكريم بأن قوله تعالى قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍسورة غافر11. هو قول منقول لنا يوم الحساب عن الكفار واشرار الناس والذين كانوا قد ماتوا وأتى موعد حسابهم وهم في الآية الكريمة يُشيرون على إنقضاء أجل الإنسان الأول وموته من قبل خلق الله لهم أي للإنسان كجنس وهو الموت الأول والذي فيه قال تعالى “قُتل الإنسان ما أكفره .. ثم أماته فأقبره .. ثم إذا شاء أنشره”، والذي لحق به إحياء الإنسان من الموت بصورة آدم في قوله “ثم أنشأناه خلقاً آخر”، ثم هنالك الحديث عن الموت الثاني وهو موت الإنسان مرة ثانية بصورته الآدمية وانقضاء أجله “المُسمى” ومن ثم بعثه وقيامته من الموت قال تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”  سورة البقرة   28
وكما هو مُلاحظ فلقد بدأت الآية الكريمة من سورة غافر بقوله تعالى “قالوا ربنا أمتّنا” أي إذن فحتى يكون الناس أمواتاً فلابد وإن يكونوا قد كانوا أحياء قبل إماتت الله لهم، إذن فلقد كان موت وحياة تبعه موت وحياة .. والمقصود بالحياتين والموتتين هو أجلي الإنسان .. الأول المنقضي من قبل والثاني وهو الأجل الذي لحقه وكان مُسمى عند الله وهو موت الآدميين ونهاية الحياة فكانتا حياتين ومماتين وهذا يخص الآدميين وليس عالم الذر والخيال وليس كما نسجه لنا الدكتور مع عظيم احترامي وتقديري لشخصه وعلمه، وللتذكير قال تعالى “وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ” في سورة البقرة، ثم ألحق بذلك قوله تعالى ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ” في سورة الحج، وبالتالي كيف يتجرأ دكتورنا الكريم على رسم لوحة تصويرية خيالية وبدون دليل حقيقي أو إشارة قرآنية واحدة تؤكد على حقيقتها وبنفس الوقت يحاول تسويق فكرته للناس وعلى قناة تلفزيزنية يُشاهدها الملايين من الناس بدون الأخذ بالإعتبار بأن فكرته ينقصها الدليل بالإضافة على أنها تحمل الإهانة لذكاء الناس وقدرتهم على التفكير السوي
رابعاً: يقول دكتورنا الكريم بأننا كُنّا أحياء ليس بأبداننا ولكن بذواتنا … وبأن أصل الذات ليس لها مكان فهي مثل الكهرباء غير مرئية .. ويقول: لقد كُنّا أحياء في عالم الذر وربُنا أخذ علينا الحُجة .. ويقول: بأن كلمة شهدنا تعود على الملائكة والذين كانوا موجودين وبالتالي هم الشاهدين على الميثاق وليس من كلامنا نحن … وللإجابة على ذلك نقول
أولاً: بإن من الخطأ التعريف بالذات على أنها ليس لها مكان وبانها مثل الكهرباء والقول بأننا كُنّا أحياء في عالم الذر أي في ذواتنا بدون أن يُحضر لنا الدكتور ولو دليل واحد قرآني أو علمي يستشهد به على ما يقول لأن الذات هي صفة تعود على الشيء وعلى النفس وهي صيغة لفظ مؤنث “كالنفس” تستعمل للمفرد وترفع بالضمة وتنصب بالفتحة وتجر بالكسرة والأمثلة على ذلك كثيرة منها
قوله تعالى سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ”  المسد 3 . فهنا كانت الذات هي صفة للنار
وقوله تعالى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ”  الفجر 7 . وهنا كانت الذات هي صفة لقبيلة إرم
وقوله تعالى وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ”  القمر 13. وهنا كانت الذات هي صفة للفلك
وقوله تعالى أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ”  النمل 60. وهنا كانت الذات هي صفة للحدائق
وقوله تعالى “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ”  الذاريات 7. وهنا كانت الذات هي صفة للسماء
وقوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ   فاطر 38. وهنا كانت الذات هي صفة لاسم محذوف مقدر هو ما يسكن في الصدور أي النفس أو الروح
وقوله تعالى “وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ”  الكهف 17. وهنا كانت الذات هي صفة لحركة الشمس
وقوله تعالى “يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا”  الحجر 2 . وهنا كانت الذات هي صفة للحامل
وقوله تعالى “وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ”   المؤمنون 50 . وهنا كانت الذات هي صفة للربوة
وقوله تعالى “فيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ”  الرحمن 11. وهنا كانت الذات هي صفة للنخل
وقوله تعالى “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ”  البروج 1. وهنا كانت الذات هي صفة للسماء
ومنها أيضاً الـ ذا – ذو – ذوا – ذواتا – ذوي كُلها ألفاظ تتبع بإعرابها اسماً يسبقها من حيث الرفع والجر والنصب وهي أيضاً سابقة تسبق لفظاً يأتي بعدها، ويأتي بحالة الجر، ويدل هذا التركيب أن هذا اللفظ المجرور الذي يأتي بعدها هو صفة ملازمة وعلامة فارقة لما قبلها ( الاسم الذي تتبعه بعلامة الإعراب) فتميزه وتفرقه عن غيره
فـ ذو: للمذكر المفرد المرفوع كقوله تعالى “كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ”  ص 12 وقوله تعالى “ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ”  البروج 15
وقوله تعالى “رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ”  غافر 15
و ذا: للمذكر المفرد المنصوب كقوله تعالى “قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ”   الكهف 86 وقوله تعالى “وَذَا النُّونِ”  الأنبياء 87
و ذي: صفة للمذكر المفرد المجرور كقوله تعالى “ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ”  التكوير20 وقوله تعالى “وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ”  الفجر 10
 وقوله تعالى “قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا”   الإسراء 42
و ذوا: صفة للمذكر المثنى، و ذواتا: صفة للمؤنث المثنى كقوله تعالى “ذَوَاتَا أَفْنَانٍ”   الرحمن 48
وقوله تعالى “فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ”    سبأ 16
و ذوي: للجمع كقوله تعالى ” …  وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَ‌ٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ”  الطلاق 2
وقوله تعالى “… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ..” البقرة 117
فالذات الإلهية هي صفة الله التي يعرف على نفسه بها أو نعرفه بها وذلك من خلال أسماءه الحسنى والتي اتصف الله بها فوصفته لنا .. اي فذات الله هي كل من صفاته وكذلك الذات الإنسانية والذات الحياتية والحيوانية ..  إذن فالذات حاضرة بحضور النفس لأنها تصفها وتُشير عليها وتُعرف بها وتُعَرِّف عليها وبالتالي غير موجودة قبلها لأن الصفة كما في كثير من الأمثلة التي بيّناها فهي لاحقة وتابعة ومُبينّة ومُعرفة لما هو موجود أصلاً لا سابق له، فلو قلنا الذات الحيوانية مخلوقة قبل خلق الله للحيوان لكان من الصعب التعرف على ماهو الحيوان وما هي صفاته … وكذلك الذات الانسانية فهي تصف الإنسان وتُعرّف عليه.. فالإنسان على سبيل المثال هو من خصه الله بالقدرات الذكية وهي التي جعلها الله صفات له بعد أن خلقه فقال “إنا خلقنا الإنسان من نطفة نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا” فأصبحت صفاته هي ذاته التي تُعرِّف به وعليه وبالتالي فالذات هي كل ما يشمل على النفس الإنسانية من الصفات
إذن وعند الرجوع للتدبر في قوله تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام  2،  نرى بأنها وبلا شك تُشير على أجلين للإنسان وليس أجل واحد، أحدهما كان قد إنقضى وأنتهى أما الآخر فبقي أجل مُسمى وغير منقضي بعد، بالإضافة على أن الله أخبرنا بأنه كان قد خلق الإنسان على أطوار، أي مراحل أو حقب زمنية وفترات مختلفة فقال تعالى “وقد خلقكم أطوارا”  سورة نوح 14
وللتعرف على معنى طور وأطوار في لسان العرب نرى بأنه يُشير على ضُرُوباً وأَحوالاً مختلفةً؛ وقال ثعلب: أَطْواراً أَي خِلَقاً مختلفة كلُّ واحد على حدة؛ الطَّوْرُ: التارَةُ، تقول: طَوْراً بَعْدَ طَوْرٍ أَي تارةً بعد تارة … ومنها ايضاً كما قال الفراء: خلقكم أَطْواراً، قال: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظْماً؛ وقال الأَخفش طوراً علقة وطوراً مضغة … وبالتالي فمن خلال التعريف بها نرى بأنها تُشير على المراحل الخلقية المنفردة والمتعاقبة والمحكومة للعامل الزمني، إذن فلا يتعارض مفهوم طور الحمل الجنيني للإنسان مع طور الوجود التاريخي للإنسان وكلاهما تم على أطوار وحقبات زمنية متتالية واللغة تحتمل التفسيرين وبدون تعارض أو تناقض مع بعضهما البعض لأن المعنى خاص بالزمن
أما التذكير في خلق الإنسان من الطين تحديداً في الحديث القرآني هنا في قوله “هو الذي خلقكم من طين” ففيه التذكير بأصل ومُبتدأ خلق الإنسان وإلا لكان قد خصنا الله نحن البشر الآدميين في الحديث حول خلقنا ونسلنا من الماء المهين وهو ما لحق بخلق الطين وأصبحنا نتكاثر بفعله، وبالتالي فالآية الكريمة تُشير على أول إحداث لعملية خلق للإنسان الأول والذي أشار الله عليها من خلال قوله تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ”  سورة السجدة  7
إذن فلقد أوضح لنا الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام آية 2 بأنه كان قد قضى أجل للإنسان وبلا شك فإن هذا الأجل المنقضي كان يعود على الذين بدأ الله خلق الإنسان بهم، كما وأخبرتنا الآية الكريمة نفسها من سورة الأنعام بوجود أجل آخر ينتظر الإنسان وبأن هذا الأجل الذي ننتظر إلى أن يحين قضاءه هو في المستقبل فيكون في موتنا نحن بني البشر أي الناس وبالتالي يعود علينا نحن وذلك حين يأتينا الأجل المُسمى عند الله والذي كان فيه
قوله تعالى “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا”  سورة فاطر 45
إذن وبالعودة إلى سورة الأنعام مرة أُخرى وقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام  2، نرى بأن الله اختتم الآية الكريمة بقوله تعالى “ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ أي ومع ذلك فأنتم تُشككون وتشكون وتُكذبون وتُجادلون، وبالتالي فأنتم في شك في أنفسكم من هذه الحقيقة التي لطالما سهوتم عنها أو غيبتموها عن أنفسكم، فإن كان هذا التبليغ وكلام الله والذي خلق الإنسان وأعلم به هو بغاية الوضوح والبيان فلماذا لا زلتم في شك منه
فكان إنقضاء الأجل الأول بالإشارة على موت الإنسان الأول .. وأتى التصريح بذلك في الآيات  17 –  23 من سورة عبس
 إذن فلقد اشار الله على انقضاء أجل الإنسان الأول من خلال إشارة الله على موته والذي كشف الله لنا ايضاً فيها عن خطته لإعادة انشاءه من جديد فقال تعالى “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)”   سورة عبس
فلقد أمات الله الإنسان حتى يُعيد خلقه بصورة جديدة يكون فيها قادر على حمل الأمانة، وهذا سنأتي عليه في حديثنا عن الأمانة وما معناها
 
لقد كان في قوله تعالى ثم أماته فأقبره”  الإشارة الصريحة على موت الإنسان ومواراته عن الأنظار حيث أحاط الله موته بالتستر والغموض، ولو افترضنا بأن هناك من جادلنا بالقول بأنه لا يمكن لوجود أي من الإنس كان قد سبق خلقهم لآدم عليه السلام وقدموا الدليل على زعمهم هذا عن طريق الإستشهاد بآية تعليم الدفن والمأخوذة من سورة المائدة 31 والتي فيها
 يقول الله تعالى ”فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ“  سورة المائدة 31
 وتم التساؤل على أن لو كان لآدم أم وأب كما تزعم لعلماه الدفن …، فنجيب على ذلك بالقول بأننا لا ندعي بأن آدم كان له أب وأم أو أي شيء من هذا القبيل، فلقد خلق الله آدم من ذرية سلفت وكانت ميتة وصنعه الله بخلق ونشأة جديدة من ذرية من تراب الموتى السابقين والذين لم يكونوا أحياء وموجودين حتى يعلموا آدم الدفن هو وذريته، فأرسل الله تعالى الغراب ليُعلمهم وهذا أيضاً لا يعني بأن كل الطيور والحيوانات تدفن موتاها فمنهم القلة ممن يدفن موتاه وأكثرهم يتركه يتعفن أو تأكله الحيوانات الأخرى ونحن لا نعلم فيما إذا كان الله قد علم الإنسان الأول الدفن أم لا ولكن نعلم بأن الله أخبرنا بأن الله أماته وبعد أن أماته أقبره “ثم أماته فأقبره” أي واراه وأخفاه وأحاطه بالغموض وهذا نشهده من خلال تحول الميت إلى تراب، فالإقبار هو بأن لا يعود ظاهراً وقوله “فأواري سوءة أخي” أي أُخفيه عن الأنظار، أما القبر والمتمثل في البناء التقليدي والذي أصبح متعارف عليه بين الناس فهو ليس إلا مكان الدفن الذي يتوارى الميت فيه عن الأنظار فيصبح تراب كباقي تراب القبر ويختفي ويتوارى ولا يُمكن تمييزه فيصبح يحيطه الغموض وهذا هو مفهوم الإقبار الحقيقي، وهذا لا يتناقض مع إشارتنا على مكان الدفن كما هو متعارف عليه بالقبر فقدرة الله على هذا التحول العجيب أي إلى تراب جعلت من الإنسان يتوارى ويختفي وبالتالي بأن يصبح مقبور، حتى ولو إذ بقيت رفات الإنسان والحيوان فوق الأرض لوقت من الزمان فهي في النهاية ستذوب ويختفي أثرها وتُصبح متوارية أي مقبورة وغير ظاهرة، ولذلك لا فرق بين من يدفن في حفرة أو يوضع في كهف أو يُسدل عليه التراب فقط أو حتى يُحرق ويُذر رماده، فتحوله للرماد هو ستر له وتخفي لما كان عليه وعند إختلاطه بتراب الأرض لا يمكن التعرف عليه فيُصبح مقبور وخفي
لقد أشار بعض القرّاء الكرام على وجود العديد من الأخطاء في هذا الموضوع وخصوا بالذكر وبالتحديد ما أشرت عليه بالقول: فخلق الله آدم من ذرية سلفت وكانت ميتة وصنعه الله بخلق ونشأة جديدة من ذرية تراب الموتى السابقين
وفي الرد البسيط على هذه الجملة التي خُصّت بالذكر وهو بأنها كانت في الحقيقة مستلهمة من قول الله تعالى
 فقولي “خلق الله آدم من ذرية سلفت” هو مُستمد من قوله تعالى “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” سورة الأنعام 133
وقولي “وكانت ميتة” هو مُستمد من قوله تعالى وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ”  سورة البقرة   28
 أما قولي “وصنعه الله” فهو مُستمد من قوله تعالى ” قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ”  سورة ص  75
وقولي “بخلق ونشأة جديدة” هو مُستمد من قوله تعالى ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ..”  سورة المؤمنون  14
وقولي “من ذرة من تراب الموتى السابقين – هو إشارة على ما تبقَّى من عظام الميت والتذي أصبح تراب وهو “عجز الذنب” فهو مُستمد من قوله تعالى  “قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ”  سورة ق  4
وما ورد من الحديث الشريف: عن أبي هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ”وإن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة قالوا أي عظم يارسول الله ؟ قال عجب الذنب. رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجة واحمد في المسند وأخرجه مالك
 
الرد على الأحاديث التي تم الإستشهاد بها “حديث أول من سن القتل، وحديث إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏” والتي زعموا بأنها تؤكد على أن آدم هو أبو البشر وأول إنسان خلقه الله
ففي الرد المختصر عليها نقول بأن هذه الأحاديث لا تنفي خلق الإنسان البدائي الأول بل هي على العكس من ذلك تماماً فهي في الحقيقة تُثبت وتؤكد على حقيقته المجهولة
فلو في البداية تناولنا حديث أول من سن القتل وأردنا التحقيق فيه لرأينا بأن الإجابة عليه تكمن في قول الله تعالى
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”  سورة البقرة 30
ولكن كيف نستهدي إلى ذلك  .. وللإجابة على ذلك نقول بأن هذه الآية وحدها قد تكون رداً كافياً وذلك لأنها تُشير ضمنياً على أن سفك الدماء كان قد حصل قبل جعل الله خليفة في الأرض، فسفك الدماء كما أشار عليه الملائكة وبكل وضوح في الآية الكريمة هو أقدم من خلق آدم وذريته وبالتالي فسواء كان قد اقترف القتل الإنسان البدائي الأول والمخلوق قبل آدم أو البشر الأولين فالقتل كان قد تم والدليل هو الآية نفسها ولذلك لا يمكن لأن يكون أول من سَفَك الدماء وقَتل هو من ذرية آدم .. إذن فابن آدم ليس هو أول من قتل أو سنّه وأباحه وقام به لأن الدماء كانت قد سُفكت وسالت من قبل أن يُخلق قابيل ونأخذ ذلك من قوله تعالى والمنقول عن الملائكة “أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء”، فلقد كان إحتجاج الملائكة فيها على سفك الدماء على يد السابقين ممن خلق الله وتحديداً من جنس البشر والذين سبق خلقهم للبشر الجديد أي آدم نفسه فأتى التحفظ عليهم وعلى مسلكيتهم الدموية وبالتالي فالحديث الشريف لا يفي بهذا الغرض إذا كان قد فسره البعض من الناس ليُنكر وجود السابقين الأولين من الإنس أو البشر والذين كان قد إنقضى أجلهم قبل خلق الله لآدم وذريته، وبما أن الحديث عن ابن آدم فهو يخص الآدميين وحدهم وسُننهم ولا علاقة للإنسان الأول أو البشر بأجناسهم المختلفة عامة بهذا الأمر حتى يُشمل عليهم السن في هذا السياق، كما أن الحديث ذو خصوصية حصرية لجنس واحد من البشر “الآدمي منه” وهذا الحديث يهُمهم وحدهم، وبذلك فإن الخوض والبحث في هذا الموضوع يفتح أمامنا حقيقة ثابتة وآفاق جديدة حتى نتفهمها بالشكل الصحيح وليس الفهم السطحي والعفوي والتقديري والبعيد كل البعد عن الحقيقة
 قال تعالىوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)”  سورة المائدة.
إذن ومن خلال ما أطلعتنا عليه هذه الآيات الكريمة يُمكننا لأن نستنتج على أن قابيل كان يعلم ماهو القتل فلقد هدد أخاه به، وكذلك الحال بالنسبة لهابيل فهو أيضاً كان على علم مُسبق به وكنّا قد تعرفنا على ذلك من خلال حديثه عن أن قتل النفس البريئة هو ظُلم وبأن مصير القاتل لأن يكون من اصحاب النار، إذن فمُلخص هذا الحديث بأن دليل القتل وسفك الدماء كان قد حصل وكان قد شهده كلاهما من قبل حدوثه على يد قابيل، وبالمناسبة فلقد غفل المفسرون عن حقيقة قتل قابيل لأخيه هابيل كما أتت بالقرآن الكريم وإدعى الكثير منهم خطأ بأنه كان من أجل امرأة وأخذ يردده وللأسف الكثير من الناس بلا هُدى مع العلم بأن ذكر المرأة لم يرد إلا في الروايات الإسرائيلية والقرآن أصدق حديثاً ولذلك فلا يُلتفت إلى ما جاء عن بني إسرائيل في هذا المقام خصوصاً لصراحة الآيات ووضوح معانيها
ولقد روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قرّب هذا كبشا، وقرب هذا صُبرة من طعام، فتُقبِّل من أحدهما. قال: تَقَبّل من صاحب الشاة، ولم يَتَقبّل من الآخر
وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتُقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر؛ كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وأنهما أُمِرا أن يُقربا قربانا، وإن صاحب الغنم قرّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب شَرّ حرثه الكوزن والزوان غير طيبة بها نفسه، وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث
إذن فلقد كان قابيل مُدرك وعاقل وكان بأن عمل على سن قدره المؤسف بيده فهو من تحكم في صنع وإتخاذ قرار وفعلة القتل سواء كان ذلك نتيجة الغيرة أو الحسد وبالتالي فلم يكن قتله لأخيه عفوي أو من غير عمد ولذلك نقول نعم إن ابن آدم كما قال رسولنا الكريم هو أول من سن القتل أي أباحه وأجازه وسمح به وأقره بين الآدميين وبالتالي ومن قوله “سنَّ” القتل نفهم بأنه أتخذ قرار القتل بنفسه وأقدم عليه وتحمل مسؤوليته وبذلك إذن كان قابيل يمتلك إرادة عقلية وإختيارية ذكية حُرة كانت مسؤولة عن صنع قرار القتل المدروس وعن تصميم وتدبير وتخطيط له فهو أول من أقدم عليها من المدركين العاقلين والمخيرين من الإنس الآدميين “البشر الجدد” فسَنّها، وفي لسان العرب: وفي الحديث: من سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً فله أَجْرُها وأَجْرُ من عَمِلَ بها، ومن سَنَّ سُنَّةً سيّئَةً يريد من عملها ليُقْتَدَى به فيها، وكل من ابتدأَ أَمراً عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سَنَّه؛ فابن آدم هو أول من إبتدأ القتل من الآدميين ومن ثم عمل به الآدميين من جنسه من بعده
 وبالتالي فهذا الحديث يخُص فقط وبالتحديد الآدميين وحدهم وهم المعنيين به ولم يشمل أو يُشير الحديث الشريف على الأجناس الأخرى من الإنس أو الكائنات والدواب البشرية الآخرى التي رامت الأرض وعمرتها من قبله، فالمخلوقات الإنسية والبشرية التي تعددت وسبق خلقها خلق آدم وبنيه كانت غير عاقلة وغير مُدركة فلم تسن أو تجعل القتل من سُننها فبدائيتها ووحشيتها غريزية فطغت دمويتها ووحشيتها على مسلكيتها دون قيد أو حسبان، فالسنَّ بحاجة للإدراك والتفكير والتدبير وهذا من خصائص الإنسان المعاصر والذي أضاف الله عليه وسوّاه وحسنه وميزه بتحليه بالقدرات العقلية الذكية فقال “فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا” والتي أتاحت له القدرة وأهَلَته ليكون قادر على السن اي وضع السنن والقوانين وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى إتخاذ القرار .. فكان مصدر قرار ابن آدم الخاطيء ينبع من مقدمة رأسه وفي ناصيته “الفرونتال لوب كما اكتشف ذلك العلم الحديث والذي سبقهم إليه القرآن الكريم” وكذلك المجرمون من مثله
قال تعالى “يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ” الرحمن 41
قال تعالى “كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ. نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ” 15 – 16 العلق
 
أما بالتعريف بإسمي قابيل “القاتل” و هابيل “المقتول”: وهي ليست من الأسماء التي تم ذكرها في كتاب الله فنقول
بإن اسم قابيل “على الأغلب” يتكون من مقطعين أي من قاب – إيل أو ءيل
إن القاب من الناس في “لسان العرب” هو صفة للصاخب في الخصومة، كما ويقال في وصف الأسد، قب الأسد وذلك إذا سمعت قعقعة أنيابه، والقبة من البناء: معروفة وهي التي مصنوعة من الأدم خاصة، مُشتق من ذلك “وقابيل كما نعرف هو من آدم” والبيت المقبب أي الذي جُعل من فوقه قبة، والإيل من الآل والولي وهو الله وبالتالي يمكننا لأن نستنتج بأن معنى أسم قابيل إذن هو خصيم الله أو عدو الله
وبالتالي فإن إسم هابيل يتشكل من مقطعين أيضاً  أي هاب – إيل أو ءيل
إن الهيب في (لسان العرب) من الـهَيْبةُ: وهي الـمَهابةُ، وهي الإِجلالُ والـمَخافة. والـهَيْبةُ التَّقِـيَّةُ من كل شيءٍ. هابَهُ يَهابُه هَيْباً ومَهابةً، والأَمْرُ منه هَبْ، بفتح الهاءِ، لأَن أَصله هابْ، ويمكننا لأن نستنتج إذن بأن معنى أسم هابيل هو صفة لمن جل الله وعظمه وخافه وبالتالي لربما يكون معنى أسمه هو تقي الله أو جليل الله
.
أما حديث أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏
ففيه ذكر الإمام أحمد عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه،‏ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم‏ قال‏:‏”إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏،‏ فجاء بنو آدم علي قدر الأرض:‏ جاء منهم الأحمر‏،‏ والأبيض والأسود وبين ذلك‏،‏ والخبيث والطيب وبين ذلك”  والحديث أخرجه كل من أبي داود والترمذي / حديث حسن صحيح‏
فسنحاول الرد عليه من خلال فهم ما هو المقصود بقبضة الله وبذلك سنستشهد بالآية الكريمة التالية وفيها قوله تعالى
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ”  سورة الزمر  67
 فلو تمعنا بقول الرحمن لرأينا بأنه يخبرنا بأن “الأرض جميعاً قبضته” والأرض تُذكر في القرآن على وجهين خاص وعام فالخاص هو ما يتعلق بكوكب الأرض، والعام هو ما يُشير أو يتعلق بكل مادة هذا الكون الواسع من مادة صخرية أو ترابية وبذلك يشمل ذلك على كوكب الأرض فهو كله رهن قبضته وممسك به فكيف للمفسرين بتعليل قول رسول الله الكريم بقبضة قبضها من الأرض وتحميل ذلك على أن قبضة الله هي بحجم قبضة الإنسان .. كما أن مفهوم القبض على الشيء حسب لسان العرب وأقوالهم هو المسك والحبس على الشيء، وقبض أي أمسك وضم
قال تعالى “وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”  البقرة   245 .. ويقول “ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا” الفرقان 46
ويقول “أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَـٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ”  الملك 19
ومن ذلك كما تعرفه العرب من استعمال للقبض كما في القاء القبض على السارق وقبض الروح وبالتالي فالمقصود بقبضته أي مُمسك بها فهي في مُلكه وتحت أمره ومحبس عليها ومالك لها ومتحكم بها ومقبوض عليها وبذلك احتواها، أما من فسّر قبضة الله على أنها تُشير على قبضة اليد أو هي بحجم قبضة اليد فعليه لأن يفسر تناقض قوله هذا مع ما أخبرنا الله وهو خلقه للإنسان من النطفة، قال تعالى “مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ  ”  عبس 19
 والنطفة مجهرية ولا تُرى بالعين المجردة ويُقدر حجمها في الاسبوع الأول من الحمل بحوالي الواحد بالعشرة من المليميتر أي فهي بذلك أصغر بكثير من إتساع أو عرض شعرة الرأس فما بالك بقبضة الإنسان، بالإضافة على أن الله لم يُشر على خلقه للإنسان من أي قبضة في أيٍ من القرآن الكريم بل قال خلقه من نُطفة وعلينا بالإلتزام بالقول الموحى والذي مصدره الله في الدرجة الأولى، والنطفة هي الخلية والتي لا تُرى بالعين المجردة والتي نحتاج إلى تقنية المجهر “الميكروسكوب” للتعرف عليها ورؤيتها ولذلك فالقبضة هنا في الحديث الشريف لا يتعدى كونها تُشير على المسك على النطفة والتي جمعت الصفات المتعددة والجينية في محتواها الخلقي الدقيق، وبالتالي فلم يكُن التصوير هنا سوى تصوير مجازي وتعبيري بغرض التقريب من فهم التكوين العام والشامل الذي إحتوته النطفة في بناءها الخلوي وتكوينها السلالي ذو الشيفرة الوراثية وما حملته من صفات وراثية متعددة مما يختص في بناء الإنسان الآدمي بأكمله…. فالله يقول خلقه من نطفة وهي مجهرية وهم يصرّون على القول من قبضة كقبضة اليد .. ولذلك فعلينا بتذكيرهم بقوله تعالى “وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا”  الكهف 54
ففي الحديث نرى بأن كل ما بحوزة القبضه كان هو ما مسكت وامتلكت عليه من التراب وبالتالي فإذا ما قارنا ذلك بما أخبرنا الله تعالى في الآية الكريمة وذلك بأن ألأرض جميعاً أيضاً قبضته أي كل اليابسة المخلوقة والموجودة في هذا الكون في ملكه وفي قدرته لاستنتجنا بأن القبضة هي رمز للقبض والمسك والتملك بكل منهما فقط ولا تعني قبضة إشارة على الحيز الضيق بمفهومنا الدنيوي البسيط وبمقارنته فينا أي ما تحتوي عليه يد الإنسان من السعة والحجم، فالله ليس كمثله شيء حتى نعتقد ظالمين لأنفسنا بأن قبضته تساوي أو حتى تُشبه قبضتنا، فهو بالتعريف بذاته يخبرنا بالآتي
قال تعالى ” فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”   سورة الشورى 11
فالله يخبرنا بالآية الكريمة بأن “ليس كمثله شيء” وبالتالي فأين وجه المقارنة خاصة وأن قوله هذا أتى بعد حديثه عن الأزواج “إشارة على أزواج الكرموسومات المجهرية” المسؤولة عن حمل الصفات الوراثية ومنها المسؤول عن تحديد اللون “كما أشار عليه الحديث” وقوله: فجاء بنو آدم علي قدر الأرض:‏ جاء منهم الأحمر‏،‏ والأبيض والأسود وبين ذلك وذلك حتى يُنبهنا ويحذرنا من الخلط لأن التشبيه مجازي، وأنتهى الله جل وعلا بالتعريف على نفسه على أنه لا يمكن إدراكه أو قياسه بمفاهيمنا المحدودة والبسيطه، وتبع ذلك بقوله على أنه هو وحده الـ سميع الـ بصير فعلمه وقدرته لا نقارن بها
أما قوله تعالى “يُذرؤكم فيه” فمعناه أي يذُرُكم ويكاثركم ويتوالدكم من الذرية من خلاله “وهذا سنُبينه بالتفصيل عند الحديث عن الذرية والنسل”، وبالتالي يُبين الله لنا بأن هذا الخلق لا يُشبِهكُم بالخالق لا من بعيد ولا من قريب فالله ليس له مثيل ولا يوجد من هو مثله أو من يشابهه فالله هو منبع القدرة والإدراك وحده، ولنتذكر بأن الله أشار على الذره لنا بقوله “يذرؤكم فيه” أي التكوين الخلقي من وعلى المستوى الذري وبالتالي أي بخلقه لنا من الذرية، والذرات هي أصغر شيء في المادة “اصغر مكون للمادة”، فالله يخلقنا من النطفة والتي لبنة ووحدة بناءها الأولي الذرات ومكوناتها وهي لا تكون بحجم قبضة يد الإنسان ولا تُرى سوى بالمجهر وبالتالي فإن الإشارة في الحديث على القبضة التي قبضها الله من الأرض أي مما أمسك الله في قبضته “أي مُلكه” ليبدأ به خلق الإنسان الآدمي كان ذري أي من ذرات الأرض وتكوينها الذري والمعنى وهو بأن شاء الله لأن يخلق الإنسان من خليط مادي أرضي شمل على ما احتوت عليه ذرات التربة من ما أحتوت عليه الأرض من العناصر التكوينية فكان خليط فيه من كل الصفات الوراثية في تركيبتها الخلوية والذرية وبالتالي جعل في حوزته خلطة مركب سواء كان طيني/ أو ترابي متعدد الخواص ومتنوع العناصر فشملت عليه القبضة أي المسك والحوز من التركيب وتنوع العناصر، ولذلك كيف لنا حتى نعتقد جهلاً بأن قبضته هي حفنة من التراب كقبضة أي منا فقال “ليس كمثله شيء” ولذلك فلا يمكن تشبيه الإنسان بالخالق حتى نقارن قبضتنا بقبضته خاصة وأن الأرض الكونية كلها في قبضته، فكيف يفسر علمائنا هذا الحديث إذن، وهل الإنسان والذي قبضه الله بقبضته هو من حجم الأرض جميعها .. إذن فعلينا بإستعمال المنطق والحكمة والذكاء في بيان حقيقة رسالة إقرا وحقيقة خلق الله  للإنسان وبأن لا نكون عفويين وعبثيين ولكن هذا الخطأ الموروث في فهم حقيقة خلق آدم والمسيح يرجع طبعاً لعدم وضوح الرؤية في فهم حقيقة هذه الآيات القرآنية وعلى ماذا تُشير
لقد أتى التأكيد على خلق عيسى من تراب أيضاً من خلال اسمه الثلاثي الذي سمّاه الله به، فالرجاء الرجوع إلى موضوع البحث بالإسم الثلاثي للمسيح عيسى ابن مريم في قوله تعالى “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ”بعنوان الإسم الثلاثي للمسيح عيسى ابن مريم بين التسمية والمعنى وعلاقة ذلك بخلقه من التراب
إذن فإذا كان خلق آدم من تراب هو نشأة للإنسان من جديد كما بينّا، فماذا يعني قوله تعالى في ابتداء خلقه له كبشر من طين في قوله تعالى “إني خالق بشرا من طين” وقوله “وبدأ خلق الإنسان من طين …. وهل هذه المقارنة ستقودنا للبحث في اصل خلق الإنسان وتطوره وعلى ماذا تعود مادة خلقه الطينية وهل يدل خلقه من طين على تحوله من طين إلى مادة عضوية متماشياً مع الرواية الكتابية والتي تبناها شيوخنا الكرام أم ماذا يعني خلقه من طين لازب وصلصال من حمأ مسنون .. في القريب الإنسان والتطور: مادة خلقه وتطوره
  
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
 بتاريخ 3- 11 – 2017