Archive for the ‘هل آدم هو أول البشر وأول إنسان خلقه الله أم لا .. وهل البشر والإنسان يُشيران على الشيء نفسه’ Category

 التحقيق في خلق آدم عليه السلام وفيما إذا كان هو أول البشر وأول إنسان خلقه الله

 

 إن من أهم آيات الذكر الحكيم التي يرددها الكثير من العلماء والدعاة والشيوخ والباحثين هو قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” سورة آل عمران  59
ولكن ومع ذلك فهم يجهلون حقيقة مضمونها ودلالاتها الخفية ولذلك فهم يعملوا على تفسيرها حسب ظاهرها وحسب رأيهم والمبني على الفرضية وبدون تدبُّر حقيقي لما تحمله من الإبداع والبيان ثم يتخذوه في الرد
أولاً: على إدعاءات المُشككين بأن آدم هو أول إنسان وأول البشر، أما حجتهم على ذلك فهو قولهم: إذا كان آدم مخلوق من تراب إذن فليس هنالك إنسان أو بشر مخلوق من قبله
وثانياً: على إدعاءات أهل الكتاب بما يتعلق بطبيعة المسيح وهل هو إله أم إنسان، أما حجتهم على ذلك فهو قولهم: إذا كان عيسى مخلوق من تراب فهو إذن ليس بإله بل إنسان مثله كمثل آدم والدليل على ذلك بانه مخلوق من أُنثى آدمية
وثالثاً: على إدعاءات دعاة التطور ومُؤيديهم، أما حجتهم على ذلك فهو قولهم: بأن خلقْ الله لآدم كان خلقْ لحظي وهذا طبعاً حسب تفسيرهم لقول “كُن فيكون” وبالتالي فالإنسان إذن وبكل تأكيد لم يخضع لأي عملية تطور
ولكن فهل العلماء والمفكرين مُحقون بذلك أم هم على خطأ .. وخطأ كبير، وهم ونحن كُنّا ولا زلنا ضحية لضلالة تاريخية موروثة أصبح يزيد عمرها على ألألف وأربعمائة سنة
إن من المؤسف بأن الكثير من علماء المسلمين وأتباعهم لا زالوا ممن يرفضون حقيقة أو حتى فكرة وجود الإنسان الأول والمخلوق قبل آدم عليه السلام فضلّوا عن العبرة من خلقه .. وبذلك فهم يضللون الناس عن غير قصد ويتهمون كل من يطرح دراسة بأصل خلق الإنسان وتطوره على أنه يروج للتطور العضوي أو الداروينية ولكن طروحاتنا وأنا أتكلم عن نفسي لا ولن نطرح في أياً منها فكرة التطور العضوي أو أي من المفاهيم أو النظريات أو الأفكار الغربية المسمومة
أيُها الاخوة الأعزاء، نحن لنا فهم آخر في هذا الموضوع يفتح باباً آخر أوسع وأشمل للتفسير لأن حقيقة هذه النصوص القرآنية القطعية الدلالة كما أشاروا عليها واستشهدوا فيها هي نفسها القطعية الدلالة والتي سنعتمدها في بحثنا للتحقق من أصل خلق الإنسان، كما ومن الضروري توضيحه وهو بأننا لا نتبع للأحمدية القاديانية ولا نروج لها فنحن كما ذكرنا نحمل الجديد بالنسبة لهذا الموضوع والذي غاب عنّا فهمه لمدة تجاوزت الألف وأربعمائة عام ونحن اليوم سنعرضه بالكامل على العلماء وعلى العوام وبدون استثناء وسنرد وبالتفصيل على هذا الإدعاء الخاطيء كما وسناتي على كُل من ماذا يعني خلق آدم من تراب، ومن طين .. وماذا يعني إنشاءنا من ذرية قوم آخرين في هذا البحث المُفصل في خلق الإنسان وتطوره
.
إن غالبية الشيوخ وعلماء المسلمين وتابعيهم لا يعتقدون بضرورة وأهمية الدراسات والبحوثات التي تحاول الكشف عن فيما إذا كان هُنالك مخلوق إنسي بدائي كان قد خلقه الله من قبل خلقه لآدم عليه السلام، لا بل ومنهم من يعتقد بأن الموضوع لا جدوى منه سواء كان صحيح او خطأ فليس له أي تأثير على حياتنا كبشر وإنما سيجلب لنا الفتنة والإنقسام …. ولكن ومن باب الحرص على الحقيقة الموحاه والتي سنتناولها وبشهادتكم في بحثنا هذا رأينا من الضرورة توضيح الحقيقة لهم ولنا جميعاً ولكن يتوجب علينا في البداية لأن نشارككم ببعض من آراء شيوخنا الكرام في هذا الشأن القرآني العظيم
الفيديو الأول بعنوان “هل يوجد خلق قبل آدم” للشيخ عبد المحسن بن عبدالله الزامل
والفيديو الثاني بعنوان “هل كان هناك اي مخلوق على الارض قبل خلق الله لآدم” للشيخ عبدالله نهاري
والفيديو الثالث بعنوان “هل آدم أبو البشر، إليك الدليل من القرآن والسنة” للشيخ عثمان الخميس
وبالتالي فكما نفهم من أقوالهم فهم يرفضون حقيقة أو حتى فكرة وجود الإنسان الأول من أساسها وبذلك فهم يؤكدون على أن آدم عليه السلام هو أول البشر أو أول إنسان خلقه الله ويستشهدون على ذلك في
قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” سورة آل عمران  59
وقوله تعالى “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ”   السجدة 7
فهم يتساءلون: أي إذا كان آدم مخلوق من تراب ومن طين فكيف إذن يكون له أب وأم لان الخلق من تراب وطين يدحض فكرة الأبويين والسلف فهم لا وجود لهم فهو مخلوق من طين وتراب، بالإضافة على أن القول بأن آدم هو ليس بأول البشر ولا هو بأول إنسان خلقه الله يخالف العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة والموجودة في كتب السنة خاصة ما نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعتبر سندا قويا يدحض فكرة وجود الإنسان الأول ومنها حديث “أول من سن القتل” والذي فيه يقول رسولنا الكريم
لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل”  البخاري 6867، مسلم 1677  
وحديث آخر رواه أحمد في المسند عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
 إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك. رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني رحمه الله
وبالتالي فهل علينا إذن لأن نأخذ بنصيحتهم ونصرف النظر عن التعرف على حقيقة خلقنا والغرض منه أم نصغي لما يريده الله من خلقه لنا
فالله يقول في كتابه الكريم “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ”  المؤمنون 115
ولكن وقبل الإجابة على هذا السؤال المهم نود لأن نعرض عليكم المزيد من آراء وتصورات العلماء العديدة والمتناقضة في هذا الموضوع
 يقول المرحوم الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه أبي آدم “أما الإنسان فلا يُطلق بمفهوم القرآن إلا على ذلك المخلوق المُكلف بالتوحيد والعبادة لا غير وهو الذي يبدأ بوجود آدم عليه السلام، وآدم – على هذا – هو أبو الإنسان وليس أبو البشر، ولا علاقة بين آدم والبشر الذين بادوا قبله، تمهيداً لظهور النسل الآدمي الجديد، اللهم إلا تلك العلاقة العامة أو التذكارية، بإعتباره من نسلهم” ص 104
ويُضيف قائلاً
“لقد كانت ملحمة هائلة !! تلك التي استغرقها خلق البشر وتسويته وتزويده بالملكات العليا التي أصبح بها إنساناً تتألق فيه كمالات النبوة، فأختاره الله وأصطفاه كما قال “إن الله اصطفى آدم” … فصار آدم نبيا، كما قال سبحانه “ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى”. لقد إستغرقت هذه الملحمة – كما سبق أن قلنا ملايين السنين ولكنها مرت ظلاماً في ظلام، أو: غيباً في غيب، حتى أذن الله للصبح أن ينبلج – فأشرق الإنسان من سلالة البشر، واكتمل الخلق، وجاء آدم !! ليس غريبا أن نتصور – بناء على هذا – أن آدم جاء مولوداً لأبوين، وأن حواء جاءت كذلك، على الرغم مما سوف يلقى هذا التصور من معارضه تلقائية، ورفض عنيف !! وبلا تفكير !!” ص 122
ويرد عليه الدكتور زغلول النجار بالقول بأن: القرآن يقول لنا أن آدم أول الخلق بشراً وإنساناً، كما وأن القرآن لا يفرق بين البشرية والإنسانية
 ويتهمه بمخالفة نصوصاً قرآنية قطعية الدلالة مُشيراً بالتحديد على
 قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”  سورة آل عمران 59 
“وقوله تعالى “ألَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ”  سورة السجدة 7
ويُضيف متسائلاً .. فإذا كان: “هذا كلام الخالق رب العالمين“ أي بأن الإنسان مخلوق من التراب مُشيراً على الآية الكريمة من سورة آل عمران، وبأن كانت بداية خلق الإنسان طينية مُشيراً على الآية الكريمة من سورة السجدة، إذن فهل يستطيع مخلوق أن يناقض هذا الكلام ويدعي بعد ذلك أن آدم له بابا وماما
فيديو بعنوان كتاب أبي آدم
كما وهنالك الباحث عدنان الرفاعي – وهو ممن يحملون فكر وتصور الدكتور زغلول النجار في هذا الموضوع ويُشاركه زعمه هذا 
فهو يتساءل قائلاً: للذين يقولون بأن الذرية يخلف بعضهم بعضاً … آدم خليفة لمن، فالله يقول “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ..” فآدم هو أبو البشرية قولاً واحداً بدليل أنه خُلق من تراب وليس من تناسل أي ليس له أب أو أم، وبالتالي فإن معنى قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” لا يعني خليفة لمخلوق سابق وجعلناك خليفة تعني معك صلاحية تسخير الأسباب لتعمل بين يديك
فيديو بعنوان: لا آدم قبل آدم – عدنان الرفاعي
طبعاً فإن الكثير من علماء المسلمين يعتقدون بأن الآية الكريمة من سورة آل عمران تحمل الدليل الواضح والصريح بأن آدم هو أول البشر كُلهم لأنه مخلوق من تراب وبالتالي فهو إذن لم يكن بالمخلوق من قبل ولم يكن له أصل كان قد انسلخ عنه، واعتمدوها في الرد أيضاً على دُعاة القاديانية الأحمدية والذين لهم تصوّر في هذا الموضوع سنعرضه عليكم من خلال
فيديو بعنوان الرد على الأحدمية القاديانية في قولهم أن آدم ليس أول وأبو البشر
 –
ففي الفيديو يرد أحد العلماء “والذي لم نتمكن من التعرف على اسمه” من الذين يُشاركون كل من الباحث عدنان الرفاعي والدكتور زغلول النجار في زعمهم بأن آدم هو أول إنسان وأول بشر خلقه الله على قول للشيخ هاني طاهر يزعم فيه بأن: “القرآن الكريم لا يقول إن آدم أول البشر على الإطلاق …. لا يقول ذلك البتة” … وذلك كما هو منقول عنه
 إذن فإن الشيخ هاني طاهر يُنكر لأن يكون آدم هو أول البشر على الإطلاق، وهذا القول بالتحديد الذي نتفق معه به ونؤكد مرة أُخرى وبالتشديد على قول بالتحديد وذلك حتى لا يُعتقد باننا من دعاة القاديانية .. ولكن فهم على حق في هذا لأن القرآن لا يقول ذلك والله جل وعلا يقول “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” السجدة 7 وبالتالي فإذا كان هذا الإنسان الذي بدأ الله خلقه من طين هو نفسه آدم والذي خلقه الله من تراب كما جاء في
قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” آل عمران 59
فهذا فيه تناقض واضح، ولكن سيرد علينا البعض بالقول بأن ما الغريب في ذلك فالخلق من تراب جائز لأن الله يقول من طين والطين هو ماء وتراب، وبالتالي فهم يقولون بأن الله خلق آدم من تراب ثم أضاف له الماء فأصبح التراب طيناً ثم جف ويبُس فأصبح صلصالاً … ولكن نحن نقول لهم تمهلوا ولا تكملوا بالله عليكم وعليكم بالتوقف عن هذا القول الإرتجالي والغير مسؤول وفي الحال .. فإذا كانت نقطة البداية قد حددها الله وهي الطين فلا يُمكن إذن لأن يكون أول إنسان خلقه الله كان من تراب لأن الخلق من تراب أسبق من الخلق من طين من حيث الإعداد ويأتي قبله ولذلك ففي ذلك إما تناقض وخطأ قُرآني “استغفرالله العظيم” أو إشارة على شيء آخر كُنّا قد فشلنا في تدّبره وتحريه
إذن فلقد حدد الله نقطة البداية فقال “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” والتي لم يسبقها خلق فكانت هي المرحلة التأسيسية لخلق الإنسان، فالطين هو أول ما بدأ الله به خلق الإنسان وليس التراب إذن فكيف نُفسر خلق الله لآدم من تراب من قبل أن يبدأ بخلقه من طين أي بخلقه من قبل أن يبدأ بخلقه … ولذلك فعلينا التفريق بين خلق الإنسان إشارة على الجنس بشكل عام والذي بدأ الله خلقه من طين، وعلى خلق الإنسان الآدمي المنشق عنه بشكل خاص والذي خلقه الله من تراب، وبالمناسبة فالقرآن الكريم لم يُشير على خلق الإنسان من تراب ولا حتى بآية واحدة في القرآن ولكن كانت الإشارة على الخلق من تراب حصرية بآدم والآدميين والذين أخبرنا الله بإنشاءهم من ذرية قوم آخرين أي من سابقيهم من الإنس
قال تعالى ” كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” الأنعام 133
لقد أخطأ كل من المفكر والباحث عدنان الرفاعي والدكتور زغلول النجار ومن يؤيدوهم ويُشاركوهم زعمهم هذا التصور لأن الآية الكريمة لا تُشير على أن آدم هو ابو البشرية ولكن هي في الحقيقة على العكس من ذلك تماماً وتبطل هذا الزعم الخاطيء، وذلك مع العلم بأن آدم هو فعلاً أبو البشر وأول البشر ولكن حين يُشار على البشر الآدميين منهم فقط أي الجنس السوي منهم، أما البشر الغير سوي والذي سبق خلق آدم فمن المؤكد بأن آدم ليس هو بأولهم ولا هو بأبوهم ولا حتى هو منهم ولذلك يتوجب علينا التفريق بين من يُشار عليهم بالبشر لأن البشر يُقسمون من حيث الجنس إلى بشر سوي وبشر غير سوي، بالإضافة على أن الله جل وعلا أخبرنا بأنه بدأ خلق الإنسان وبالتحديد من طين وليس من تراب وهذه حقيقة قرآنية لا يمكننا تجاهلها بل على العكس علينا بتدبرها وفهمها وبالتالي فإن الخلق من تراب له أبعاد ومؤشرات تُخاطب العقل وتحتاج إلى وقفة مُطولة وبحاجة إلى المزيد من التوضيح ولذلك فإن هذا التفسير ليس بالكاف للرد على إدعاء من هذا النوع وبهذه البساطة التقليدية
وأما الدكتور عدنان إبراهيم
فهو يقول: بان آدم قد يكون حلقة ليست بالضرورة تطويرية لكن حلقة في سلسلة خلق شبيهة، حلقة متقدمة، زمنياً متأخرة أي أقرب إلينا. ويُفرّق بين البشر والإنسان فيقول بأن البشر أعم والإنسان أخص ويُكمل قائلاً بأن الناس هم بشر لأنهم بادوا البشرة والإنسان هو الخلق البادي البشرة على غير من الحيوانات الأُخرى فهي مغطاة بشعر أو صوف أو وبر ولكن الإنسان فهو بادي البشرة ونحن نقول بأن هذا تحليل ضعيف وبحاجة لإعادة تدبُّر، كما ويُضيف الدكتور قائلاً بأن العلاقة بين البشرية والإنسانية هي علاقة عموم وخصوص مُطلق اي عبارة عن دائرتان متداخلتان والمركز واحد، الدائرة الكبرى هي البشر والدائرة الصغرى هي الإنسان ونحن نرد عليه بالقول بأن هذا خطأ ولماذا التسرُّع بهذا القول .. لأن ليس كل إنسان هو بشر وذلك لأن قول  إنسان حين نطلقها على العموم كجنس فهي تشمل على الإنسان البدائي الأول والذي لم يكن بالبشر 
  فيديو بعنوان قبل آدم الف الف آدم
ولكن ومع ذلك فإن هذا الكلام لا يزال مقبول في سياق الحوار المُحفز على الإستنارة والإستنتاج
ولكن الخطير في أعمال الدكتور عدنان ابراهيم هو ما أصبح يُنظِّر له ويتبناه من الفكر التصادمي مع الحقيقة القرآنية ومحاولة تقويضها لا بل والإستعلاء عليها وذلك من خلال إدعاءه بأولية خلق الله لحوّاء حيث ينسب ادعائة الخاطيء والضال هذا إلى القرآن … فالدكتور العلامة عدنان إبراهيم يزعم بأن القرآن الكريم يؤكد أولية المرأة أي بأن حوّاء مخلوقة قبل آدم وأن النفس الواحدة التي خلق الله الجنس الآدمي منها تعود على حوّاء وليس على آدم
فهو يقول : وبعد تأملي في كتاب الله تبارك وتعالى وجدت أن القرآن العظيم يؤكد .. لا أقول أولوية ولكن أولية المرأة، طبعاً في مستوى حتى الوظيفي، في علم الأجنة كان يُظن بأن الجنين في البداية يبدأ كأُنثى، في آخر الأبحاث ثبت بأنه يبدأ أُنثى حقيقية، أُنثى ثُم يتميز بعد ذلك فأما بقي أُنثى أو إما يصبح ذكراً، هذا في مستوى الجنين .. ووجدت القرآن يقول
“هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا.. ”  سورة الأعراف  189
وفي مطلع سورة النساء، “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ..” سورة النساء   1
وسننقل لكم محاضرة موسعة للدكتور عدنان إبراهيم بهذا الخصوص وبالكامل وذلك نتيجة خطورة هذا الطرح الغريب والذي لا يخدم سوى الفوضى الفكرية والتي اصبحت اليوم وباء عام يُحيط بنا لا بل ويتقمصنا وعاد أشبه لأن يكون ألم فطري يولد معنا
أما مُحاضرته هذه فهي مُسجلة على اليوتوب وهي بعنوان “حواء – هل خلقت من ضلع آدم؟” والتي فيها وجدناه يقول ما يلي
يقول الله تعالى في كتابه العظيم بعد اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
“الم ………….  الذي أحسن كل شيء خلقه وبدا خلق الإنسان من طين* ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين”.  سورة السجدة
ايها الإخوة الأفاضل، أيتهاالأخوات الفاضلات، الإنسان حيثما ذكر في كتاب الله تبارك وتعالى ينطبق على وينصرف الى النوعين جميعا الذكر والانثى، ولا مشاحة في تقرير هذا المعنى ولا جدال فإذا قال سبحانه وتعالى :”وحملها الانسان إنه كان ظلوماً جهولاً” فهذا الامر لايتعلق بأدم وحده،أو بالذكر من بني أدم وحده وإنما يشهد ويضم حواء أو الإناث جميعا ًوإذ قال سبحانه وتعالى “خلق الانسان من عجل” يعني الذكر والأنثى جميعا أدم وحواء إذا عدنا إلى اصل النشأة وإلى أصل التكوين “إن الإنسان خلق هلوعا” الذكر والأنثى” يا ايها الإنسان ما غرك بربك الكريم” الى اخر هذه الآيات وهي كثيرة في كتاب الله تبارك وتعالى
والمراد انه سبحانه وتعالى حين قال في هذه الآية الجليلة من سورة السجدة “وبدأ خلق الإنسان من طين” فحتماً أن الانسان هنا على ماجرت به عادة النظم الكريم والذكر الحكيم تشمل وتضم النوعين جميعا،بدأ خلق آدم وخلق حواء من طين، إذا حواء مخلوقة من طين كما ان ادم مخلوق من طين، فهذا ما تعطيه ظاهر الآية الذي توشك أن تكون نصاً في الموضوع، ولكن سنتواضع ونقول ظاهر الآية بلغة الاصولين، ظاهر الآية يقول ان حواء مخلوقة من طين وابتدأ خلقها كما ابتدا خلق زوجها من طين. وهنا قد يعترض معترض ويقول هذا كلام غير صحيح لأنه مخالف لما شاع بين اهل الملل لدى اليهود والنصارى والمسلمين أيضا أن حواء مخلوقة من أدم ،من جزء من أجزاء أدم ،مخلوقة من ضلع ادم، والنبي هو الذي قال هذا في أحاديث صحّت عنه عليه الصلاة وأفضل السلام، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص)استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته،وإن تركته ظل أعوج فاستوصوا بالنساء. وهذا لفظ البخاري، وفي رواية الأعرج عن ابي هريرة في صحيح مسلم فإن ذهبت تقيمها- الضمير يعود على المرأة- كسرتها وكسرها طلاقها….   الآن قد يخرج واحد ليقول: ولكن يا أخي ،ابو هريرة في هذا الحديث الذي أخرجه في الصحيحين لم يأت بجديد لأن القرآن قرّر حقيقة أن حواء مخلوقة من ادم، وهي جزء منه ،وجماهير المفسرين على هذا…صحيح ،فهل هم مخطئون؟ والرأي هو في أول النساء “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها،وبث منهما رجالاً كثيرا ونساءً” الآية واضحة..ما هي أول نفس خلقها الله؟ أدم وخلق منها زوجها حواء، وهذا قول جمهرة المسلمين وليس بصحيح وهم مخطئون!!!!.   قد تقول الآن، ماأجرأك ايها الرجل، ما اشد جرأتك! لا أريد لا الجسارة ولا الجرأة ولا أن يقال إنه خالف فعرف، ولا أن أعلن وأستعلن بهذا اللقب، وإنما هو التحقيق فانتبهوا!!!” يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها” كلمة زوج في القرآن وفي اللغة العربية تطلق على النوعين،على الذكر وعلى الانثى “اسكن أنت وزوجك الجنة” أنت الذكر وزوجك الأنثى، وكلمة زوجة غير واردة في كتاب الله، وهي لغة رديئة، واللغة الفصيحة القويمة هي “زوج”الذكر زوج وهي زوج، وهذا ما يعرف من السياق،وأنتم ستقولون إن ما في الآية قطعاً “خلقكم من نفس واحدة” هو ادم وليست حواء،”وخلق منها زوجها” هي حواء،وأنا ساصدمك الآن وسأصدم تقريباً كل المفسرين لأقول: الذي استروح اليه وأبخع له أن النفس الواحدة هي حواء والزوج هو ادم، .. الآن الزوج كما أردفنا قبل قليل يمكن أن يكون الذكر، ويمكن ام يكون الانثى”اسكن أنت وزوجك” واضح أنه الانثى،لكن هنا” خلق منها زوجها” الذكر أو الانثى ؟هذا يعتمد، ولنعود الى القرآن فخير ما يفسر به القرآن هو القرآن،فالقرآن خير ما يفسر نفسه،ولنقرأ في سورة الاعراف “هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها” فالزوج واضح هنا أنه الذكر، وأية الأعراف هي آية النساء ذاتها ليس هنالك فرق بينهما، ولا نعرف كيف غفل المفسرون عن التقاط هذه الاشارة القرآنية.”خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها” “خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها” فقطعاً النفس الواحدة هي مؤنث وهي حواء ،والزوج المذكر هو أدم. قال” ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به”إلى أخر الآية وما يليها من آيات كريمات، وبذلك أصبحت القضية واضحة جداً بفضل الله تعالى وأستقامت على صراطها… إذاً الأرجح في اية النساء أن يراد بالنفس الواحدة حواء،وبالزوج أدم،فهل أدم خلق من حواء وهو جزء منها؟ غير صحيح طبعاً،ولم يقل أحد هذا،ولكن هذا لأن القار في اذهاننا جميعاً أن واحد منهما خُلق من الأخر، وهذه قضية غير صحيحة، فالله يقول “وبدأ خلق الانسان من طين” فكما خلق أدم من طين خُلقت حواء من طين. وقد تقولون فما موضع “من” هنا إذا “خلق منها” هذه ليست للتبعيض،فقد تكون”من” نشوئية ابتدائية،وقد تكون تبعيضية،وقد تكون بيانية، وقد تكون لغير ذلك،أما هنا ف”من” ليست تبعيضية، فقط على الرواية ،وعلى راي من يرى أن حواء خلقت من ضلع أدم،أي خلقت من جزء من أجزاء أدم،فيقولون “من” هنا تبعيضية وهذا غير صحيح ،وضعيف جداً،وسنقول لماذا وسننور المقام
قال الشيخ ابن عاشور يؤيد رايه الذي هو راي الجماهير وهو ليس جديداً،قال:أما قول من قال”خلق منها زوجها” بحيث تكون “من” لبيان أي خلق زوجا من جنسها،من نوعها وهو نوع الانسان،من نفس النوع الانساني،فلم تكن الزوجة تنتمي الى نوع أخر أو ملائكي أو شيطاني وإنما من نوع إنساني،وقال الشيخ عاشور:من قال هذا لم يأت بطائل… ….. إذاً “خلق منها زوجها” جعل منها زوجها ليس المراد البته،ولا يخطر هذا على بال من يعرف قراءة القرآن موضوعياً أن تكون “من” تبعيضية على أنه استهل جزء منها فأنشأه خلقاً أخراً..أبدا إنما “من” بيانية، أي خلق من جنسها، من نوعها زوجاً لها، وهذا هو الطائل الذي لم يجده الشيخ الامام ابن عاشور، ولا زال هذا الطائل يلحّ بتقريره الى اليوم ونحن محتاجون إليه
قضية ثانية: الإمام المفسر الاصفهاني وهو أحد الائمة المعتزلة وهو صاحب الراي الشهير في انكار النسخ في القرآن الكريم، وهوإمام جليل وأنا أرتاح له جداً، وهو له رأي تفرد به من بين سائر المفسرين في زمانه وقال “من” هنا بيانية كما نقول نحن اليوم، وقد فسر “النفس الواحدة” بآدم والزوج حواء وهذا ليس ظاهراً ولكن لاباس،قال المعنى أن الله خلق من نوعها زوجاً تأنس به..لماذا؟ لأن الإنسان لمّا يكون ينتمي على نوع واحد هي أدعى الى المؤانسة والتضان “لتسكنوا إليها” هن لباس لكم وأنتم لباس لهن” فلا بد من تقرير هذه الحقيقة، وهذه الحقيقة موجودة في سائر الأنواع، ففي كل الانواع إنما تكون الأنثى من نوع الذكر، وهذا معروف ومقرر بأنه أدعى الى التآلف والتساكن
قال الاصفهاني رحمة الله عليه: وفي مساق هذه الاية قوله تبارك وتعالى” والله جعل لكم من انفسكم ازواجا” وزوجتي ليست مخلوقة مني، ليست بضعا مني فما ينطبق على هذه الاية ينطبق على أية النساء نفس الشيء وإلا كيف خلق الله زوجتي مني،هل استلها مني؟ مستحيل،خلق لكم أي جعل لكم من أنفسكم أزواجاً كما في سورة الشورى ايضاً” جعل لكم من انفسكم أزواجاً ومن الانعام أزواجاً يدرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير” بمعنى خلقهن من نفس النوع للتجانس والمماثلة
نفس الشيء قال الإمام محمد عبده مفتي مصر في وقته رحمة الله عليه رحمة واسعة، وهو يؤيد هذا الرأي تماماً واطال النفس بطريقة عبقرية في تأيده، قال ليس المراد أن الله خلق ادم من حواء،وإنما المراد من نوعها،وقال :فمن فسر أية النساء بالمعنى الذي ذهب إليه جمهرة المفسرين فقد أخرج الآية من سبيل مثيلاتها ونظائرها بدون حجة، والقرآن مملوء من هذا”هو الذي بعث في الأمين رسولاً من انفسهم” فكيف رسول مني ،هل هو مخلوق مني أبداً، نحن عرب وهو عربي،نحن بشر وهو بشر،والمراد هنا من الأمّة الأمية،من العرب، ولهذا ذهب ابو بكر القفال الشيخ الكبير والمفسر الذي له أراء عريضة في التفسير قال: “من نفس واحدة وخلق منها زوجها” هي قصي من كلاب والمراد قريش، والخطاب لقريش، وهو راي ولكن عموم الأية وظاهرها هو ابعد من هذا
نعود مرة أخرى لنقول إذاً ليس في القرآن آية واحدة ولا شطر آية يمكن أن يتعلق به من ذهب الى أن حواء مستلة من أدم، انما خلقت خلقاً مستقلً”وبدأ خلق الانسان من طين ” كما خلق أدم … ويُكمل قائلاً: على كل حال ظاهر الآية عجيب ويحتاج الى إعادة بحث مطول في اية الاعراف وآية النساء، وفي أول آية استهلالية افتتاحية فإن أصررنا على أن المراد النشأة التكوينة أو البداية النشوئية أي أدم وحواء فالقضية خطيرة كأنها تقول لنا البداية كانت مع حواء وليس مع ادم، ولكن لماذا خصّ القرآن أدم بالذكر وأخبر الملائكة عن شأنه؟ لأن لله شأناً به وشأنا معه وهو الاستخلاف،وإسجاد الملائكة له… القضية خطيرة وتحتاج الى إعادة نظر. ويبقى السؤال مفتوحاً على جواب ليس حاضراً، انما يستدعي التحفيز والتوثب والبحث العلمي والفكري والجدلي
ولقد قمنا بالرد على هذا الزعم الضال من خلال مادة صفحتنا هذه وبالشكل التفصيلي والذي قدّرنا الله عليه
 أما الشيخ بسام جرار 
فهو يزعم بأن المسيح ليس مخلوقاً مباشرة من تراب بل على أنه مخلوق من مريم وكذلك آدم مثله فهو مخلوق من أنثى أيضا، ويعتقد الشيخ جرار بأنه يملك الدليل على ما يقول من خلال عقده لمقارنة بسيطة بين آدم والمسيح وذلك من خلال  قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”  سورة آل عمران  59
فيقول مستشهداً بالآية الكريمة والتي تتعارض تماماً مع زعمه الخاطيء والتي أيضاً تُشير وبكل وضوح على خلق الله لعيسى من تراب، وننقل قول الشيخ هذا إليكم كما هو مأخوذ عنه فيقول “طالما عيسى كمثل آدم” إذن فإن عيسى مخلوق من تراب، ثم يكمل قائلاً ولكن “أنا أرى أنه من مريم والعكس صحيح” …  ويُكمل قائلاً: ولذلك فسأعكسها. ويُكمل: أي إن مثل آدم عند الله كمثل عيسى، وأتى بذلك من أُنثى وبالتالي فإن التماثل كامل في كل الجوانب فعيسى مأخوذ من أُنثى أي مخلوق من مريم… ويُكمل قائلاً: إذن فممكن … ممكن لأن يكون آدم كان قد أُخذ من أُنثى” ..  ثم يضرب مثلاً على أن آدم لربما مخلوق من أُنثى النيندرثال والذي كان مخلوق من قبلِ آدم، ويُكمل قائلاً: “فلو أردنا لأن نأخذ آدم كعيسى بالضبط فهو إذن من أُنثى سابقة وكان وجودها أصلاً فقط من أجل أن يؤخذ آدم منها ومن ثُم بعد ذلك أُبيدت وبالتالي كان الأخذ من الأُنثى هذه هو خلاصة الخطة الإلهية” … كما ويتحدى الشيخ الكريم كُل من يزعم بأن آدم أُخذ من التراب مباشرة بأن يأتي بالدليل على ذلك
بالإضافة على ذلك فهو يدعي بأن آدم عليه السلام لم يكن حصيلة تطور بل كان حصيلة أخذ خاص وكان قد أُخذ من قمة الهرم مما خلق الله من الكائنات الحية وأخذت منه زوجته وعَمَل الله له زوجية جديدة والتي نحن منها وبذلك كان آدم قد انقطع عن كل ماضٍ من قبله، وبالتالي فهو يزعم بأن آدم لم يكُن حصيلة تطور إنسي كان قد سبقه، ونحن نقول له بأنه مُخطيء بزعمه بأن آدم يشابه عيسى بخلقه من الأُنثى استثناء لقانون الزوجية وكذلك خلق عيسى من مريم، ومُخطيء أيضاً في زعمه بأن آدم لم يكن حصيلة تطور لأن الإنسان فعلاً تطوّر وذلك حسب االنص القرآني الصريح والذي سنأتي عليه بالتفصيل
ولقد قمنا بالرد المٌبسط على شيخنا الكريم من خلال رد حصري بعنوان: الرد على الشيخ بسام جرار في زعمه الخاطيء بأن خلق المسيح من مريم بأنه استثناء لقانون الزوجية، وآخر من خلال بحثنا المطول والتفصيلي هذا
فيديو بعنوان كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين – الدكتور بسام جرار
وأما الشيخ عثمان الخميس
فهو يقول: بأن قضية وجود خلق قبل آدم هو غيب مع أن دلائل القرآن والسنة تقول لا، ويقول بأن الله حين ذكر آدم لم يذكر قبله أحد .. فالقصد أن آدم هو أصل خلق الإنسان ولذلك يُقال له أبو البشر، أما دعوى وجود بشر قبل آدم فهذه دعوى ويقول بأنه لم يثبت ابداً من حيث القرآن والُسنّة بل القرآن والسُنّة ظاهرهما يقول: بأنه لايوجد خلق قبل آدم
  ونحن نقول للأخ الكريم والذي نكن له كل إعجاب وتقدير بأن عليه إعادة التدبّر في كلام الله من جديد ولأن لا يعود للقول بأن دلائل القرآن والسنّة تقول لا لأن في قوله هذا تضليل للحقيقة القرآنية وتناقض معها وبالتالي فلابد من التوقف عنه وفي الحال
فيديو بعنوان: هل هنالك خلق قبل آدم
 وأما الدكتور الشيخ محمد المسعري
فهو يقول: “بما معناه ولم ننقل حرفيا عنه ويمكنك الرجوع إلى الفيديو” أين الدليل بأن آدم كان قد خُلق دفعة واحدة ولم يكُن حصيلة تطور ما، ويكُمل قائلاً: إذا صحّت الروايات عن ابن عباس: إن قبل آدم كان آدميون كثيرون .. فذلك سيجعلنا نشك في هذا الأمر لأنه ليس قطعي إذن، فابن عباس ذهنيته احتملت أن يكون قبل آدم آدميون كثيرون، وبالتالي فما الذي يجعل البعض يُشيرون على آدم أنه هو أول بشر على الإطلاق “أي بشكل قطعي” ولا يوجد قبله أشباه بشر ثم عمل الله على اصطفاءه … إذن فالمسألة ليست قطعية وتحتاج إلى إعادة نظر .. كلام منطقي
فيديو بعنوان بشر قبل آدم
وأما الدكتور محمد شحرور
فهو يقول: بأن نفخة الروح كانت طفرة للإنسان لأن الإنسان كان قد أمضى حوالي الخمسة ملايين سنة وهو بشر واكتشفوا استقامة قامته “مُشيراً للعلم الحديث” من خلال مئة الف سنة فقط حيث تحول وأصبح إنسان ولم يكن بالإنسان قبل ذلك، فنفخة الروح أخضعت الإنسان لطفرة وبذلك فهذه الطفرة حصلت للإنسان ولم تحصل للبهائم “البشر” ويكمل قائلاً: ويقولون ليش “لماذا” القرود بَقيَت قرود والإنسان صار إنسان، ويُجيب على ذلك بالقول: لأن الإنسان تحول من بشر لإنسان بطفرة
فيديو بعنوان تطور الإنسان والكون ويوم القيامة
لقد كان من الضروري لأن نرد وعلى عجل على إدعاء الدكتور محمد شحرور بأن االبشر تحول من بشر لإنسان بعد نفخ الروح فيه !! .. لان ما ذهب إليه هو تقَوّل من نفسه رفعه على النصوص القرآنية الواضحة الدلالة والتي عمل على تغييبها أو إسقاطها سهواً ولذلك فنحن نريد لأن نُذكّره بآيات سورة الحجر لأن الله يخبرنا فيها بان الإنسان كان بالمخلوق قبل خلق الله للبشر الآدمي الذي أُخضعه للنفخ
قال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) الحجر
إذن فالإنسان حسب النص القرآني المذكور أعلاه أقدم خلقاً من البشر الآدمي فهو مخلوق قبله و “الآية 26” هي أكبر دليل على ذلك ثم اراد الله لأن يخلق بشراً بعده كما أخبرنا في “الآية 28” ولم يكن قد خلقه بعد فإذا جاء موعد خلقه و(الفاء تفيد التعقيب وإذا تُفيد الإستقبال) فسيُخضعه الله للتسوية ونفخ الروح، ولكن هل عاملي التسوية ونفخ الروح سيحدثان الطفرة وهي تحوله من بشر إلى إنسان حسب ما ذهب إليه الدكتور الكريم، وللإجابة على زعم الدكتور فهو بالنفي وهذا نستمده من الإحتكام للنص الذي حدثنا عن البشر وخلقه منذ البداية وحتى الإنتهاء من عملية الخلق وأمر الله للملائكة بالسجود له … والقرآن يُخبرنا بأن البشر الذي أُخضعه الله للنفخ لم يتحول إلى إنسان بعد انتهاء عملية النفخ، فالله امرهم بالسجود للبشر الذي خلقه بعد أن تمت عملية النفخ وهذا واضح من قوله تعالى والمنقول لنا عن إبليس في رفضه للسجود لهذا البشر “قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) الحجر … فإبليس لم يقل لم أكُن لأسجد لإنسان كما هو مفروض لأن يحصل بعد النفخ وتحول البشر إلى إنسان حسب رؤية الدكتور شحرور .. إذن فما نُقل لنا في القرآن هو في غاية الوضوح ولا أعرف لماذا يتجرأ البعض ومنهم الدكتور الكبير محمد شحرور على الخروج عن النص الواضح فلقد نفى إبليس عن نفسه السجود لهذا البشر تكبراً بقوله – لم أكُن – وفي ذلك عدم الإستجابة للأمر وهذا نستمده من لام الأمر والتي صاحبت قول لـ أسجد، والأُخرى لام الإختصاص والتي صاحبت قول لـ بشر حيث حددت لمن كان الأمر بالسجود من قبل وبعد الإمتناع …. ولكن نتيجة عدم التفريق بين البشر “كمنزلة ومرتبة” والإنسان “كجنس” هو الذي تسبب في وقوع هذا الخطأ عند الدكتور، بالإضافة على أن الإنسان تحول من بشر إلى إنسان بطفرة بنفخ الروح  فيه لم يحصل لأنها لم تجعل من البشر إنسان كما أشار عليه الدكتور والدلائل القرآنية عديدة ونذكر منها قوله تعالى “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ” الكهف 110. فإذا كان هذا هو قول محمد بن عبدالله كما أمره الله لأن يُصرّح للناس على أنه بشر مثلهم وأرسله للناس جميعاً وبالتالي فكلهم بشر فكيف تفسر يا دكتورنا الكريم قول الله هذا .. فإذا كان الناس هم بني آدم وانحدروا منه وكلهم بشر فلماذا لم تؤثر فيهم النفخة ولم تُحدث الطفرة التي تتحدث عنها .. بالإضافة على العديد من الآيات الأُخرى والتي فيها كان 
قوله تعالى “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ” الروم 20
وقوله تعالى “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ” فصلت 6
وقوله تعالى “قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ” إبراهيم 11
 بالإضافة إلى ذلك نستشهد بالقول المنقول لنا بالقرآن عن مريم “قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ” آل عمران 47. ولم تقل لم يمسسني إنسان مثلاً، وقول “فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ” مريم 26. فرؤية البشر وكذلك لأن يمسها بشر هو دلالة على الوجود الحسي للبشر والذي لم تجعل النفخة منه إنسان .. إذن فعلينا لأن نبحث في معنى البشر ومتى وكيف يكون البشر إنسان، وكيف ومتى يكون الإنسان بشر ونكف عن العفوية والإرتجالية في التفسير حتى لا تصبح أعمال علمائنا سواء كانت القيَّمة أو ما دون ذلك ذات نتائج عكسية فتصبح مفسَدة وتؤجج من حدة الصراع الفكري وتزيد من الخربطة الفكرية بين الناس .. ولكن لسوء الحظ فهنالك إطلالة أُخرى للدكتور والباحث والمفكر الإسلامي محمد شحرور ولنا تحفظ على الكثير من بحوثه الإسلامية والتي يتخطى فيها حدود المنطق ويجعل من الحقيقة القرآنية أسطورة خُرافيه… ومن هذه الأعمال ما عرضه الدكتور على قناته على اليوتوب بأن آدم لا يعني آدم كما نعرفه ولكن آدم هو عبارة عن مجموعة من الناس وبأن زوجه لا يعني امرأته أو يعني الأُنثى أي حوّاء ولكن زوجه يعني جنس النيندرثال وبالتالي فآدم وزوجه لا يُشيران على إثنين الذكر والأُنثى بل على مجموعات بشرية، آدم كمجموعة بشرية كانت قد تزاوجت مع مجموعة بشرية أُخرى “مجموعة النيندرثال”  .. ولكن من أين أتيت بهذا يا دكتورنا الكريم هداك الله
 
وسنُضيف على أقوال علمائنا الأفاضل حديث للبابا شنودة “أيقونة وبابا الكنيسة المسيحية القبطيه ومثلهم الأعلى” يتناقض فيه مع كتابهم المقدس
فلقد وجّه للبابا شنودة أحد المشاركين في برنامجه التلفزيوني وعلى الهواء مباشرة السؤال التالي: بأنه قرا في كتاب روحي أنه يوجد إنسان قبل آدم … فهل هذا صحيح
وأجاب راعي الكنيسة القبطية آنذاك البابا شنودة عليه قائلاً: لأ مش صحيح .. ولا تُصدق كل ما تقرأه .. وطيب الإنسان اللي قبل آدم كان أسمه إيه وكان يؤمن بإيه … وفي ناس ساعات بيجيبوا بعض الآثار القديمة وبسموا بعض الحيوانات اللتي انقرضت بإسم إنسان
 فيديو بعنوان: سنوات مع أسئلة الناس – هل يوجد إنسان قبل آدم
وللرد على خطأ البابا شنودة وجهله في حقيقة خلق الإنسان سنستشهد بكتابه المقدس، ونتساءل كيف لرجل بهذه الأهمية في الوسط المسيحي بشكل عام والقبطي بشكل خاص يجهل ما يخبره به كتابه لا بل يضِل تابعيه ويزيد من ضلالتهم وجهلهم
قصة خلق الإنسان حسب الكتاب المقدس
إن قصة خلق الإنسان كما هي مسطورة عند أهل الكتاب تتكون من مرحلتين خلقيتين، مرحلة أولية يُشير بها الكتاب المقدس عليه بالإنسان وأُخرى لاحقة يُشير عليه الكتاب المقدس بإسم “آدم” ألا أن أهل الكتاب وقسيسيهم ورهبانهم وحتى باباواتهم ضلوا عن الحقيقة ولذلك اختلط عليهم خلقه
الكتاب المقدس عند المسيحيين
التوراة / سِفْرُ التَّكْوِينِ/ الأصحَاحُ الأَوَّلُ
24وَقَالَ اللهُ: «لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا». وَكَانَ كَذلِكَ. 25فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 26وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 27فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. 28وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 29وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. 30وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. 31وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا.
الأصحَاحُ الثَّانِي
1فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. 2وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. 3وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا.
4هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ. 5كُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي الأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ. 6ثُمَّ كَانَ ضَبَابٌ يَطْلَعُ مِنَ الأَرْضِ وَيَسْقِي كُلَّ وَجْهِ الأَرْضِ. 7وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً. 8وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ. 9وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. 10وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الْجَنَّةَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ رُؤُوسٍ: 11اِسْمُ الْوَاحِدِ فِيشُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ الْحَوِيلَةِ حَيْثُ الذَّهَبُ. 12وَذَهَبُ تِلْكَ الأَرْضِ جَيِّدٌ. هُنَاكَ الْمُقْلُ وَحَجَرُ الْجَزْعِ. 13وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِى جِيحُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشٍ. 14وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّالِثِ حِدَّاقِلُ، وَهُوَ الْجَارِي شَرْقِيَّ أَشُّورَ. وَالنَّهْرُ الرَّابعُ الْفُرَاتُ.
15وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا. 16وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، 17وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ». 18وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ». 19وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا. 20فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ. 21فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. 22وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. 23فَقَالَ آدَمُ: «هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ». 24لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. 25وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ.
إذن فالكتاب المقدس يُخبرنا في الإصحاح الأول – وبالتحديد الأعداد “26 و 27 و 28 و 31:   بتزامن خلق الذكر والأنثىى
الكتاب المقدس:   26 وقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 27فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. 28وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ …. 31وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا.
 إذن بالإضافة على تزامن خلقي الذكر والأُنثى أشار على الإنسان بصيغة الجمع وليس المفرد فقال: “فَيَتَسَلَّطُونَ” لحق بذلك أمر الله لهم بالتناسل والتكاثر والسيادة على أمم الحيوان، وكان قد تم ذلك في اليوم السادس .. وهو اليوم الذي انتهى الله فيه من عمله والذي استغرق ستة أيام خلق الله فيها البهائم والطير والسمك والدابة بأنواعها … وكان آخرها الإنسان
ثم انتقل بنا الكتاب المقدس إلى الإصحاح الثاني والذي أخبرنا فيه “وللمفاجأة” بأن الإنسان والذي كان قد خلقه الله في اليوم السادس لم يعد له وجود حي “ولم يذكر السبب” حيث كان في ذلك إشارة على انقطاع لهذا الوجود الإنساني
فقال:” 5كُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي الأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ
فعمل الله على جبل آدم من التراب  “وبذلك حتى يحل محل سابقه ويخلفه” … وهنا أشار عليه بالإسم في العدد السابع من الإصحاح الثاني
فقال: 7وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً. 8وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ
وكما نرى فإن الكتاب المقدس لم يتحدث عن أي نفخة حين تكلم عن الإنسان الأول ولم يتحدث عن جبله من التراب ولا عن خلق حواء من ضلعه في الإصحاح الأول كما في حديثه عن آدم في الإصحاح الثاني والذي اشرنا عليه في العدد الـ 7 من الإصحاح الثاني والذي أخبرنا فيه بأنه جبله من التراب ونفخ في أنفه نسمة حياة … ثم ألحق بذلك الحديث عن خلق امرأة  له من ضلعه
فقال: 21فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. 22وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. 23فَقَالَ آدَمُ: «هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ».
إذن أليس بخلق الله لآدم في الإصحاح الثاني من سفر التكوين هو الإشارة على خلق ثانٍ ومنفصل عن الخلق الإنساني الأول والذي انقطع وجوده قبل جبل الله لآدم فقال: وَلاَ كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ … وهذا يتناقض تماماً مع ما ذهب إليه البابا شنودة وإنكاره لهذه الحقيقة الكتابية والتي بقيت لتشهد على ضلالة رجال الدين المسيحيين
أما الآن فسنقدم لكم الحقيقة والتي تعتمد الوحي القرآني المنزل من عند الله … لا تقلب آراء الناس وعفويتهم
 إن أول ما انزل من القرآن هو الحديث عن خلق الإنسان وفي ذلك كان قوله تعالى “إقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق” فكان أول ما أنبأنا الله به هو خلق الإنسان كجنس قبل أي شيء آخر، ثم اشار الله من بعد ذلك على النبأ العظيم وخلقه لآدم عليه السلام والذي أهمله الكثير منّا ولم يأخذوه على محمل الجد، قال تعالى “قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) ص
ولكن وللأسف فها نحن لا زلنا معرضين وممتنعين عن فهم هذه الحقيقة القرآنية الثابتة وغيرها الكثير .. قال تعالى “اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ”  الأنبياء 1
ولذلك فنحن نرى بأنه من الضروري
أولاً: لأن نتعرف على قصة خلق الإنسان ومنذ بدايتها ونُجيب من خلالها على دعاة التطور والداروينية وهل كُنّا نشترك بسلف واحد مع القردة العليا أم كُنّا قد خُلقنا خلقاً مستقل
ثانياً: لأن نتعرف على مادة خلق الإنسان الطينية (الإنسان والخلق من طين) وعلى ماذا تُشير بالتحديد
ثالثاً: لأن نتعرف على حقيقة خلق آدم الترابية (آدم والخلق من تراب) والتي من خلالها سنتعرف أيضاً على طبيعة المسيح ونُجيب على إدعاء لاهوت المسيح
رابعاً: لأن نتعرف على حقيقة خلق حوّاء الإستنساخي (زوج آدم) والذي هو خلق لآدم ولكن بصورة أُخرى
خامساً: لأن نتعرف على حقيقة اصطفاء آدم وخلافته ونشأته من ذرية قوم سبقونا
سادساً: لأن نتعرف على الغرض من خلق الإنسان وماذا يعني حمله الأمانة
  ولذلك فيجب علينا نحن المسلمين الإصغاء لما يُخبرنا الله به ومن ثم العمل على توضيح قصة خلق الإنسان وهذا النبأ العظيم، فهي قصص أتت لتُحدثنا عن حقيقة خلقنا ونشأتنا نحن الآدميين ومما خلقنا وما أذا احدث خلقنا من إختصام بين الملأ الأعلى وكيف أراد الله به إمتحان أهل السماء وإبتلاء ابليس وما علاقة الأمانة فيه، فنحن من خلال توضيح قصة النبأ العظيم سوف نتمكن من حل لغز من هم البشر ومن هو الإنسان الأول وهل آدم والناس هم على علاقة ما بالبشر والإنسان الأول أم لا، وما هي طبيعة هذه العلاقة، وما علاقة هذا كله في هوية السيد المسيح والذي يتوجب علينا التعرف على أنسيته وخلقه الأرضي المُتدني ولا نكتفي بالقول بأنه نبي ورسول ومخلوق مثل آدم لأن هذا الكلام كان قد تكلم به القرآن منذ الالف واربعمائة سنة ورددناه على مدار السنين ولا زلنا نردده ولكن دون أن يُغير ذلك من كفر وشرك أهل الكتاب شيئاً أو يشهد على كفرهم فهم ما زالوا على شركهم وفي ضلالة وضياع أشد مما كانوا عليه من قبل، ونحن بدورنا لا نتميز عنهم بالكثير وذنبنا كبير وعظيم فتقصيرنا الواضح في القيام على أمور ديننا وفشلنا وعجزنا عن الحفاظ على دورنا كشهداء على دين الله عمل على إرساء المزيد من الضبابية على كل من هوية المسيح وآدم وبالتالي أكتفينا بالفهم الإرتجالي والعفوي والمريح ولم نتدبر القرآن بالشكل المطلوب كما أمرنا الله جل وعلا وذلك حتى نتعرف على كيفية خُلقهم وحقيقة أصلهم وجذورهم وما كانت العبرة من قول الله تعالى بأن المسيح وآدم هم كمثل بعضهم البعض بالخلق، فعلينا بالتوضيح وإكتشاف الحق وذلك حتى تهدأ نفوس الكفار والمشركين ونبشر أهل الأرض بالحقيقة ونزفها إليهم بالبينة والبرهان وينتهي معها زمن الضياع واللغط والحيرة في تحليل وفهم طبيعة المسيح والتي لازالوا يتخبطون فيها إلى يومنا هذا، فلو سلَّمنا بأن آدم هو الإنسان الأول “أول إنسان” وهو أبو الإنسان ولا إنسان غيره أي لم يخلق الله سواه كما يزعم معظم علمائنا المسلمين اليوم ويصرّون على ذلك بعناد غير مبرر لِفشلنا في التعرف على شخصية المسيح الحقيقية وإظهارها للخلق، ولكن إن بحثنا وتعرفنا وأقررنا بوجود الإنسان الأول والذي خُلق من قبل آدم لقربنا ذلك من فهم حقيقة هوية المسيح الإنسية الغير آدمية، فالحقيقة وهي بأن آدم ليس هو أبو الإنسان ولا هو بأول إنسان، ولكنه نعم هو أول آدمي وأبو الناس والبشر الآدميين أي فهو ليس من الأولين من البشر بل التالين واللاحقين والذين خلفوهم فكانوا الآدميين البشر من الإنس والذين خلقهم الله من ذرية من سبقهم من الإنس فعدل الله بخلقهم خلق الأوليين من الإنس وابتلاهم بجعلهم قادرين على تولي الخلافة من بعد البشر الأولين وحتى يكونوا قادرين على حمل  الأمانة وبالتالي يعملون بما أمرهم الله وهو العبادة والطاعة الخالصة له وحده، وحين نتفهم ونُدرك هذه الحقيقة فبها فقط نتمكن من التعرف على حقيقة المسيح الإنسانية الغير آدمية ونتعرف على قول الله تعالى فيه “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم” فابن مريم ليس بالآدمي ولا هو من ذرية آدم بل هو خلق مثيل له واستعمل الله هنا أداتي للتشبيه والتقريب وهما الكاف والمثل أي أداتين للتشبيه لأن خلقهما مشابه لبعضهما البعض لحد كبير وموازي لبعضه البعض ولكن لا يساويه وبالتالي فهو خلق إنساني شبيه ولكن ليس آدمي
إن آدم لم يكن وحده هو الإنسان، وجنس الإنسان لم يقتصر حصرياً على آدم وذريته وإنما تعددت الأجناس الإنسانية التي سبقته بالإضافة إلى خلق المسيح الذي خُلق من بعده قال تعالى ” بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ” ولكن لم يتكلف هذا المخلوق الجديد بخلافة الأرض وأبقى الله على خلافة الأرض بيد الجنس الإنساني الآدمي على الرغم من منزلة هذا الإنسان الحصري المتمثل بعيسى والذي إكتفى الله بحضوره المحدود من أجل لأن يكون مثلاً لبني إسرائيل قال تعالى ” وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ” وكانت آيته ليختبر بها الله إيمان الناس قال تعالى “وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ” وتوفاه الله أي أنهى مهمته وتكليفه ولم يبقيه على الأرض بل رفعه حتى تتم مشيئة الله بتوكيل خلافة الأرض للآدميين من البشر من جنس الإنسان وحدهم حيث كانت خلافة الأرض تكليف على الآدميين من الإنس ولا دور ولا تكليف لعيسى ابن مريم سوى هذا الحضور المدوي في الماضي ليمتحن الآدميين في توحيدهم والتكليف الذي حَمَّلَهم إياه الله وذلك حتى يعتبروا ويحفظوا أنفسهم من هذا الإبتلاء ويحافظوا على الأمانة التي عهدها الله إليهم ويأتوه مُهتدين وموحدين وعابدين ومسلمين إلى صراطه المستقيم قال تعالى “أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”  سورة الملك  22
ولكن وقبل التعمق في الحديث عن قصة خلق الإنسان وحقيقة ارتقاءه وتطوره وتكليفه حسب ما ورد في القرآن نرى من الضروري الإشارة على معنى كلمة إنسان وما هو المقصود بها
إن أصل معنى كلمة إنسان في كلام العرب يرجع إلى فرضيات عدة منها
الفرضية الأولى: وهي بأن معنى الإنسان يعني الظهور، ولذلك فبما أن الظهور هو أصل معناه إذن فيفترض به لأن يكون الظهور سمته البارزة فلا يستخفي ولا يتوارى كالجن
قال تعالى ” يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ……..” سورة الأعراف   27
وقال تعالى “فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ”  سورة الأنعام 76
ويُقال: جنه الليل، أي أخفاه، وجنان الليل بفتح الجيم وجنه: ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد. يقال: جنه الليل، وهو الأصل. ويقال: جن عليه الليل، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتى صارت كأنها غطاء، وقول الله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ هو دليل على تستر الجان، على العكس من الإنسان والذي يكون ظاهرا في حياته وأخلاقه ودينه الذي يؤمن به
الفرضية الثانية: وهي بأن كلمة إنسان مُشتقة من الأُنس وتعني الوناسة فهو الكائن الذي أنست الأرض بوجوده، وعكسها الوحشة والمكان الخالي والموحش والذي يخلو من وجود الإنسان
قال تعالى ” فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ” سورة القصص 29
الفرضية الثالثة: وهي بأن كلمة إنسان مُشتقة من النسيان لأن الله عهد لآدم ولكن آدم كان قد نسي ما عهد الله له
یقول الله تعالى “وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا”   سورة طه 115
ولكن فنحن لنا نظرة تختلف في هذا الموضوع وذلك لأن موضوع النسيان هنا متعلق بآدم عليه السلام وحده حيث يحدثنا الله بالخصوص عنه ولذلك لا يُمكن ومن غير المعقول لأن يشمل حديثنا عن النسيان إذن على الإنسان البدائي الأول والذي لم يكن الله قد عهد له …”أي أسدى له أي كلفه وحمّله مسؤولية” … كما وأنه ليس من العدل ربط الإنسان بالنسيان لأن التسمية لا تخدم المعنى، ولكن لو أتى التعريف ليخُص مصطلح الناسْ نقول نعم فهو أقرب للنسيان من الإنسان وذلك لأن آدم نسي فأصبح يمكننا القول بأنه الناسْ أي من نسي ما عُهد له، ونحن ذرية آدم “الناس أي الذي نسي ما  عُهد له”، فإذا كان آدم هو من لُقِب بالناسِ فنحن أيضاً ناس مثله، فكونه نسي إذن أصبح بالنسي أو الناسْ وأصبح مخاطبتنا نحن بذلك كما في مخاطبتنا بالآدميين نسبة لآدم وآدم نسبة للأديم، والناس هم البشر الآدميين وهذه دلالة وتعريف على الجنس، أما في قول الله تعالى “وما خلقت الجن والإنس” وعدم قوله “الجن والناس” سوى دليل يخدم الفرضيتين الأولى والثانية وهما الظهور والتوَنُس بوجوده، وليس النسيان كما أشرنا عليه في الفرضية الثالثة

 

 

أما من حيث الجنس فيُقسم الإنسان إلى ثلاثة انواع
الأول – الجنس الإنساني البدائي: وهو الإنسان الأول “الغير عاقل” وهو الإنسان الدابة حيث إشترك مع الدابة في هذه التسمية من خلال ما شملت عليه الدابة من مفهوم، وغلب عليه التعدد والتنوع واتى على أطوار مختلفة ومنها وأهمها النيانتردال والذي إنقرض قبل حوالي  24000 عام  إلى 30000 مضت أو أكثر قليلاً … قال تعالى “أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن “قَبْلُ” ”  سورة مريم  67
الثاني – الجنس الإنساني السَوي: وهو آدم وحوّاء وذريتهم من الناس
قال تعالى “إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” سورة ص 71 – 72
ونقطة التحول كانت من خلال تسويته وجعله يتحلى بقدرات عقلية ذكية أي إنسان مُدرك –  سميعا بصيرا
وقال تعالى “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا”  سورة الإنسان 2
الثالث – الجنس الإنساني “الشبيه” لآدم: وهو المسيح عيسى ابن مريم والذي هو خلق إنساني حصري ووحيد أي من غير جنس الآدميين البشر، قال تعالى ” إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”  آل عمران 59

 

.
لقد كانت الإشارات والدلائل القرآنية التي تتحدث عن وجود خلق إنساني ابتدائي كان قد سبق خلق آدم وأصبح يُعرف في عصرنا الحاضر بالإنسان الأول كثيرة وعديدة ومنها
أولاً: التي نستمدها من خلال التصريح القرآني المباشر
ثانياً: التي نستمدها من خلال الإستنتاج والتدبر للإشارات القرآنية العديدة والواضحة

 

 

 

الدلائل والإشارات القرآنية العديدة التي تُشير على أن الإنسان هو أقدم خلقاً من آدم

 

أولاً: الحديث القرآني الذي يُشير على أن الخلق الإنساني بصورة عامة هو أقدم خلقاً من الإنسان الآدمي
 لقد أتت الإشارة الضمنية على الخلق الأول للإنسان في أوائل سورة مريم وذلك من خلال قوله تعالى “قَالَ كَذَ‌ٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا” مريم 9  فمهدت هذه الآية الكريمة الطريق للكشف عن حقيقة وجوده البدائي القديم وكانت مقدمة لما أتى بعد ذلك في نفس السورة ليحمل الدليل المباشر على ذلك من خلال
قوله تعالى “أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا” سورة مريم 67
ثم أشار الله على طور حياتي مهمش كان قد عاشه هذا الإنسان القديم والذي بقي من دون أن يُسلط عليه ضوء فعاش في ظل صفحات من الزمان كانت قد بقيت بدون أن يسطر فيها قصته … وبقي على ذلك إلى أن إنتهى دوره من دون أن يحدث له ذكر، وفي ذلك كان
قوله تعالى “هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا” الإنسان 1
.
لقد أشار الله في الآية 67 من سورة مريم على أن الإنسان كان بالمخلوق من قبل خلق الله لنا نحن الآدميين فالله يقول فيها “أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ” … إذن فمن هو هذا الإنسان والذي كان قد خلقه الله من قبل خلقه لآدم “وذريته من بعده” ونراه في الآية الكريمة يُخبرنا عنه ويلفت نظرنا إليه، فقول الله تعالى “أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ” يدفعنا لأن نتفكر ولأن نتسائل من منا يذكر بأنه كان قد خُلق من قبل وهل هذا القول يعني بأن الإنسان كان قد نسي بأنه كان مخلوق من قبل أو أن المعنى الحقيقي لـ “أولا يذكر” يأتي بمعنى ألا يتحدث الإنسان أو يُشير على قصة ابتداءه أو ألا يجول بخاطره بأنا كُنّا قد خلقناه من قبل …. وبالتالي فإذا أصر بعض المفسرين على أن الحديث القرآني يُشير على خلقنا نحن الآدميين بالتحديد فنُريد لأن نُذكرهم بأننا لم نكن مخلوقين من قبل خلق الله لآدم، فالناس لم يكونوا بالمخلوقين من قبل خلق الله لأبيهم فكيف لهم بالتذكر وهم لم يكونوا بالمخلوقين، ولكن عند تدبر الخطاب على أنه يخص عموم الإنس والذين نحن من جنسهم فهذا فيه رؤية أُخرى، فلسان العرب يُخبرنا بأن الذِّكْرُ هو: الحِفْظُ للشيء وتَذْكُرُه وبالتالي يكون مفهوم الآية وهو لم لا يُحَدِث الإنسان عن خلقه السابق والمنُقضي، فما خطب الإنسان ولماذا لا يتكلم عن خلق الله له من قبل أي في الماضي وكنّا قد خلقناه من قبل من لا شيء، فالذكر بمعناه المُبسّط هو جَرْيُ الشيء على اللسان أي التحدث به وعنه، والمثال على ذلك نأخذه من
قوله تعالى “وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ” سورة يوسف 42
إذن فلو عُدنا وتدبرنا مرة أُخرى في قوله تعالى “أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن “قَبْلُ” “وَلَمْ يَكُ شَيْئًا” سورة مريم 67
لاستنتجنا بأن الآية الكريمة تتكون من شقين الشق الأول منها يتحدث عن خلق الإنسان ووجوده الأولي والذي سبق آدم وذريته “أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ”، أما الشق الثاني منها فهو نفي لأن يكون الإنسان قد تطور ليُصبح إنسان “وَلَمْ يَكُ شَيْئًا” وبالتالي ففيها الرد الواضح والصريح على الفلسفات الغربية والمتعلقة بتطور الإنسان. إذن فالإنسان كان بالمخلوق من قبل خلق الله لآدم فقول “خلقناه” هو فعل ماضي ومنتهي، أما في التعريف في قوله “من قبل” فيقول ابن هشام بأن استعمالات “من” في اللغة تأتي على عديد من الأوجه ورجّح لأن يكون عددها خمسة عشر وجهاً وأشار على أن أولها هو ابتداء الغاية والتي تُقسم إلى نوعين زمانية ومكانية، ولكن فالغالب عليها في هذه الآية الكريمة هو الحدث الزماني وبالتالي فهي زمانية تُشير على الماضي وهذا نستمده من قوله “من قبل” لأن قبل هو ظرف زمان أيضاً ولنا مثال على ذلك نأخذه من قوله تعالى “لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ” الروم 4 وبالتالي فمن قبل الشيء هو كل من كان أمامه وكل ما سبقه أي فنحن إذن نقع خلفه ونتبعه فهو في المقدمة وبالتالي فـ “من قبل” تُشير على الخلق البدائي للإنسان أو الخلق الأولي والذي سبق خلقنا نحن الآدميين، ونُضيف إلى ذلك أحد استعمالات – من- الأُخرى وهي لأن تكون بيانية وذلك لأنها قد أتت لتوضح وـُشير على أول وجود بدائي للإنسان وبالتالي فالإنسان الاول كان مخلوق من قبل خلق الله لآدم عليه السلام وهذه حقيقة قرآنية لابد لنا من ان نعترف بها ونقر بأن هذا الخلق والذي خُلِق من قبل لا ينطبق علينا نحن الآدميين لأننا لم نُخلق من قبل خلق الله لآدم عليه السلام ولكن خُلقنا من بعده ومن ذريته وذلك بالتوافق مع قانون الزوجية لآدم وحواء
قال تعالى ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً … ” سورة النساء 1
ثانياً: الحديث القرآني في سورة الحجر والذي يُشير وبُكل وضوح على أن الإنسان مخلوق من قبل خلق الله لآدم البشر
لم تكن الإشارة التي ذكرناها أعلاه هي الوحيدة بل لقد أتى التأكيد على خلق الإنسان الأول مرة أُخرى وذلك من خلال آيات سورة الحجر والتي فرّقت ايضاً بوضوح بين البشر والإنسان والتي كان فيها
قوله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) الحجر
فحين النظر في ترتيب الآيات الكريمة من سورة الحجر نرى بأن الله يُخبرنا في الآية الكريمة 26 بخلقه للإنسان وأشار على مادة خلقه وبينها لنا فقال “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ من صلصال من حمأ مسنون……” ولكن في الحقيقة لم يكن هذا وحده الذي أخبرنا الله به بل نرى بأن الآية وبكل وضوح تُخبرنا بأن خلق الإنسان بجوهره العام كان قد سبق خلق البشر الآدمي واستدللنا على ذلك من استعمال الله للفعل الماضي من خَلَق للإشارة عليه فقال “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ” وهو فعل ماضي ومُنتهي وسابق، فكان بأن ابتدأ الله بحديثه عن الإنسان بـ “ولقد” ولكن على ماذا يدل قوله هذا: وللإجابة على ذلك نقول بأن الواو هي للإستئناف، والـ لام فهي للابتداء أما قد فهي للتقليل … وبالتالي يكون المعنى الذي نستخلصه من قوله تعالى “ولقد خلقنا” يُشير على خلق الإنسان البدائي”في الماضي” مع تقليل الله من أهميته وشأنه
اما حين أخبرنا الله عن خطته لخلق البشر الإنسان “آدم” في الآية 28 من نفس السورة قال “وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون” وهنا حدثنا الله عن خلق حتمي ولكنه مستقبلي ومرتقب أي لم يحدث بعد فقال “إني خالق” أي لم أخلق بعد ولكن سوف أخلق بشراً إذن فهو فعل مستقبلي أو حدث مرتقب ومعناه بأني فاعل، وعرّف فيها على مادة خلقه والتي كانت من نفس المادة التي خلق منها الإنسان الأول
أما بالنسبة لقوله تعالى في بداية الآية الكريمة واستعماله لكلمة إذ: فهي تستعمل في تيقن وقوع الأمر … وهي ظرف زمان أخرج في صيغة الماضي ولكن غالبا يراد به الإستقبال “استقبال الحدث” فـ إذ موافقة لـ إذا في افادة الإستقبال كما في قوله تعالى “والليل إذ أدبر. والصبح إذا أسفر ” 33 – 34 المدثر
فالليل إذ أي في حال اقترب وشارف على الإنتهاء والمضي يكون وقته أقصر، وفي حال لحق به الصبح بعد مدة زمنية أطول إذا أسفر فهو سياتي بضياء النهار، وقوله تعالى “فسوف يعلمون. إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل” فمن قوله “فسوف يعلمون” نستخلص دليل استقبال الحدث
أما إذا فهي مستقبلية أي تُشير على المستقبل، قال تعالى “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” وبالتالي لم يكن آدم بالمخلوق بعد. إذن فاستعمال إذ هو للبشارة والإخبار والكشف عن حدوث الأمر فليتهيأوا لإستقبال هذا الحدث وهو خلقه للبشر آدم ثم استعمل “إذا” للإشارة على أنه لم يكن بالمخلوق على العكس من الإنسان الأول والذي كان بالمخلوق قال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ” وقال “أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ” ولكن قلل الله من أهمية وجوده البدائي والمنصرم وهذا يقودنا إلى الإشارة القرآنية الكريمة والتي تحدثت عن ماضي الإنسان المهمش فقال تعالى “هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا” سورة الإنسان 1
فأخبرنا الله في هذه الآية الكريمة بماضي الإنسان والذي لم يصحبه ذكر، فكان الإنسان في الماضي عديم الشأن وقليل الأهمية ولذلك لم يحظى بالذكر
الإنسان الأول والإشارة على طور حياته البدائي والمُهمش
لقد كُنّا قد تحدثنا عن الإنسان البدائي الأول والذي أطلقنا عليه في بعض الأحيان أسم الإنسان الدابة وأكدنا على حقيقة وجوده البدائي القديم وكان التعميم في الوصف على أنه دابه مبني على الإستنتاج والذي هو مصدره الله الخالق نفسه كما هو مذكور في كتابه العزيز حيث شمل الله سبحانه وتعالى في وصفه للدابة في بداية الخلق على كل الكائنات المخلوقة جميعها من أمم الحيوان كما سبق وذكرنا وهذا التعميم لا يُعتبر إهانة للجنس البشري بل حقيقة مادية لابد من التعرف عليها، ومع ذلك لم نتطرق فيما إذا كان له وجود ملموس أو مُميز أو إذا كان له دور حياتي بارز، كما وحين قمنا بالتعريف على أول البشر وما ظهر منها كنّا قد إقتصرنا الحديث على البشر الدابة وكان ذلك نتيجة الدور الجوهري والظاهر والبيّن والمتميز لها وأهملنا الحديث عن دور وأهمية الإنسان الدابة والذي كان له دور وجودي ثانوي متدني ووضيع لم يحظى أو يرتقي لمستوى حتى الذكر
إن الإنسان البدائي الأول لم يكن من جنس البشر “الدابة” والتي كانت في قمة الهرم الدابي، بل على العكس فهو كان في أسفل وأدنى منزلات هذا الهرم القديم، فهو لم يكن له ظهور فريد ومميز ونوعي أو مسيطر، ولم يكن ذو منزلة أو كان قد حظي بالتكريم أو التفضيل، كما ولا يوجد أي من الدلائل والتي تُشير على أنه أول من ظهر من الكائنات الحية الدابة، فلقد كان من خلال دراسة أثره في بقايا المتحجرات “الفوصلز” بأن تعرفنا على وجوده والذي كان قد لحق وجود البشر “الدابة” أي أول ما ظهر من الدواب الضخمة بملايين السنين ولم يسبقها، فالدواب الحيوانية الضخمة كانت هي أول ما أعتلى سطح الأرض فكانت هي البشر الدابة وذلك عززه وأثبته علوم الحفريات ودراسة المتحجرات، وبذلك أصبح يمكننا لأن نُشير على الإنسان البدائي الأول بالإنسان الدابة كما ولم يُطلق عليه تسمية البشر حتى حضور آدم عليه السلام وذلك حتى يبدأ دوره البشري والظاهر والجديد من خلال تكريمه وتفضيله
أما فالإشارة الى حقيقة ظهور الإنسان المتدني والغير ملموس وغير ظاهر فلقد كان من الممكن التعرف عليه من خلال
قوله تعالى “هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا” سورة الإنسان 1
ففي هذه الآية الكريمة يبدأ الله سبحانه وتعالى بقوله “هل أتى” وبالتعريف بـ “هل” نقول هو حرف استفهام يطلب به معرفة مضمون الجملة أي فهو يأتي للتوضيح ومن ذلك استعماله بمعنى ” قد “ كما ورد في هذه الآية الكريمة أعلاه وفي العديد من الآيات القرآنية الكريمة الأُخرى ومثال على ذلك نجده في قوله تعالى “هل أتاك حديث الغاشية” ومعنى “هل” في الآية قد أتاك حديث الغاشية، وكذلك في قوله تعالى “هل أتاك حديث الجنود” .. أي إذن فلقد أتى في الآية الكريمة من سورة الإنسان بمعنى (قد مضى) على الإنسان (حين) أي المدة والفترة، والدهر هو الزمان الطويل والمديد، ولكن من دون أن يُحدث له ذكراً أو يُحدِث ذكرا، فالإنسان لم يكن ظاهراً وبيّن أو مبشر به أو كان مسموع به أو كان قد حظي بأي شُهرة وذلك على الرغم من وجوده، فالآية تُخبرنا بأن الإنسان كان بالشيء أي إذن كان بالمخلوق وذلك لأن الشيء حتى يُصبح شيء لا بد وأن يكون مخلوق أولاً، ولكن هذا الإنسان على الرغم من وجوده وخلقه الا أنه (لم يكن شيئاً مذكورا) أي لم يكن بالمذكور “بالمُبلغ عنه” أو المُبشر به كما حصل حين بشّر الله الملائكة بخلقه لآدم عليه السلام، وبالتالي لم يكن للإنسان الأول وجود مُعلن أو مُخبر عنه أو مُعرف به، ولم يكن ذو شرف ورفعة وتفضيل، فلو قال الله تعالى (لم يُك شيئاً) فقط أو قال (لم يكُ شيئاً مخلوقا) لخدم في المثال الأول معنى ومفهوم اللاوجود لهذا المخلوق، وخدم في المثال الثاني مفهوم عدم الخلق من أي مما كان مخلوق من قبل، ولكن فلقد كان قوله تعالى واضح وبيّن أي لم يكن “أي بحضور النون وفيه التوكيد على فعل الخلق” أي بالكائن فهو إذن وعلى الرغم من كونه كان مخلوق (أي شيئاً) لم يكن ذو قيمة تُذكر لأنه كان يفتقر للتعليم وحُسن وكمال التقدير ونعمة العقل والسماع أي لم يكن سميعاً بصيراً وعليما بل كان على العكس من ذلك كُلُه فكان “ظلوماً جهولا” وبالتالي عجز عن بناء المجتمعات أو تطويرها وفشل لأن يكون له أي دور حضاري يُذكر، فكان هذا هو الإنسان الأول ومضى ورحل دون ذكر فكان إنسان ضعيف كما سبق وذكرنا ولم يكن له دور يُشرفه على العكس من قول الله تعالى لرسولنا الحبيب، والإستشهاد هنا هو بغرض التوضيح فقط، ونُكرر: بغرض التوضيح فقط وليس التشبيه، قال تعالى “وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ” سورة الشرح 4
وهذا يعني أي زدنا في شرفك وصيتك وشهرتك وسُمعتك ومنزلتك ومقامك، وبالتالي فالإنسان كما تُصرح الآية الكريمة من سورة الإنسان كان قد مرّ بفترة من الزمان حينها (لم يكن شيئاً مذكورا) وهذا لا ينطبق ولا بأي شكل من الأشكال على آدم لان الله أعلن عن خلقه لآدم حتى قبل خلقه له، وعن تكليفه له بخلافة الأرض وتعيينه لهذه المهمة حتى قبل قيامه بهذه المهمة، وعَرَّف عليه بأنه سوف يخلقه بشراً أي ظاهراً على غيره وبشّر بمجيئه وكرَّمَه وفَضَّله قال تعالى “إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” سورة ص 71- 72  فكان آدم عليه السلام وبدون أدنى شك على عكس الخلق الإنساني الأول والذي لم يحظى بالتعريف أو الذِكر أو التسوية أو التكريم حيث كان قد تدخل الله تعالى وخلقه بنفسه واستودع فيه سره، وهذا حدث نادر خص الله به آدم وحده ولم يكن يُشير على الإنسان الأول والمخلوق من قبل
قال تعالى “أولا يذكُرُ الإنسان أنّا خلقناه من قبل ولم يكُ شيئا” مريم 67
فكان عليهم لأن يترقبوا هذا الحدث وهذا التحول العجيب للدور الإنساني القادم ….. ولكن فلماذا أشار الله على الإنسان بالإنسان بخلقه العام كجنس في البداية ومن ثم أشار عليه بالبشر بخلقه الخاص حين قدمه لنا بصورة آدم لولا أن ألله أراد لأن يُفرِّق بين الإنسان كجنس والبشر كصفة ودور ظاهر يحمل تكليف لأن البشر بالمناسبة هو لقب يرمز للإعتلاء والظهور والمصاحب لعلو المركز والذي يُناسب مرتبة آدم ودوره كخليفة في الأرض وليس مؤشر على الجنس، وبالتالي فهل البشر هو لقب حصري للآدميين أم له دلالة أعم وأوسع من ذلك …  وهذا سنأتي عليه وبالتفصيل
 
ثالثاً: الحديث القرآني عن اصطفاء آدم، وإستخلافه، ونشأته من ذرية قوم آخرين
يقول الله تعالى “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ”  آل عمران 33
ويقول “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” البقرة 30
ويقول (مُخاطباً الآدميين/ الناس) “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” سورة الأنعام 133
إذن فالذي نستمده من الآيات الكريمة أعلاه وهو بأنها تُشير على ثلاثة مواضيع محورية أولها تُشير على إصطفاء آدم، وثانيها تُشير على جعله خليفة وثالثها تُشير على إنشاءه من ذرية قوم آخرين

 

 

الموضوع الأول: الإصطفاء

 

إصطفاء آدم عليه السلام
قال تعالى “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” آل عمران 33
وقال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ” سورة الأعراف 11
فمن خلال التدبر في الآيات الكريمة أعلاه نلاحظ بأن الله حدثنا عن إصطفاء آدم في سورة آل عمران، والإصطفاء كما نستمده من لسان العرب هو من اسْتَصْفَى الشيءَ واصْطَفاه: اختارَهُ. والاصْطِفاءُ الاخْتِيارُ، افْتِعالٌ من الصَّفْوَةِ. بالإضافة على أن الإصطفاء لا يحدث إلا من بين جمع وكثرة حيث يؤخذ صفوة الشيء منه، كما وإن إصطفاء الله لكل من نوح وآل إبراهيم وآل عمران يمكن إدراكه وهو الإصطفاء على غيرهم من الناس، أما بالنسبة لآدم وهو أول ما خلق الله من الآدميين فما هو تفسير إصطفاءه وعلى من كان قد تم إصطفاءه خاصة وأن الكثير من علماء المسلمين لا يؤمنون بوجود أي من الأجناس الإنسية “أو البشرية كما يُشيروا عليها” والتي سبقت خلق آدم وكان إصطفاءه عليها
إذن وبلاشك فإن اصطفاء آدم لا يمكن لأن يَحُدث بدون أن يكون الله قد أهلك الإنسان البدائي الأول بأنواعه وأشكاله المختلفة وأستخلف من بعده آدم وذريته وبذلك يكون قد إصطفاه منهم، ثُم من بعد ذلك أذاع خبر تكليفه في قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” وبالتالي عمل على إستبدال القوم الآخرين بالآدميين والذين أنشأهم من ترابهم ومن ذريتهم بعد أن أدخل على آدم المخلوق الجديد التعديلات والتحسينات والتغيرات والتي ستمكنه من القيام بدوره، وذلك نأخذه من قوله تعالى “الذي أحسن كُل شيء خلقه”، كما وكنّا قد اعتقدنا في البداية بأن الباقين هم قوم نوح فقط وأشرنا على ذلك خطأ ولكن حين أعدنا التدبر في الآيات الكريمة تجلّت الحقيقة والتي سنأتي على ذكرها قال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ”، إذن فالذي يستدعي الإهتمام والتحليل والتوضيح هنا وبدون أدنى شك هو قوله تعالى (ولقد خلقناكم) (ثم صورناكم) حيث وأن الله في هذه الآية الكريمة وبكل بساطة يُحدثنا نحن البشر الآدميين والذي خصنا برسالة القرآن عن خلق لنا “ذكره بصيغة الجمع” لحق به عملية تصوير لنا “أيضاً ذكرها لنا بصيغة الجمع” والحديث كُله نُسب للفعل الماضي والذي لحق به – ثم – أي بعد فترة من الزمان أمر السجود ليس لجميع وكُل من خلقهم الله ولا لجميع وكُل من صورهم ولكن فقط لشخص واحد وحدده الله بالإسم – آدم، فكان الحديث عن الخلق والتصوير قد سبق حضور وذكر آدم، إذن فما نستخلصه من قول الله هنا هو خلق الله للأجناس المتعددة والمتنوعة والتي سبقت خلقه لآدم حيث كان الجنس الآدمي هو أحد أصناف المخاليق الإنسية التي خلقها الله على صور متعددة والتي نحن شريحة منهم أي من حيث الجنس الإنساني العام
 ونحن نعلم بأن المخاطبين هنا في هذه الآية الكريمة وفي القرآن كُله هم الناس لأنهم هم المعنيين برسالة القرآن فأتى الحديث هنا عن أصلهم الإنساني
قال تعالى “هَـٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” سورة إبراهيم 52
وقال تعالى “إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ” سورة الأنبياء 106
وقال تعالى “لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” سورة الأنبياء 10
إذن فإن من غير المعقول لأن نزعم بأن هذه المراحل الخلقية والتصويرية المتعددة والتي ذُكرت بصورة الجمع تتكلم عنّا نحن الآدميين أي الناس على وجه الخصوص لأننا وبكل بساطة لم يسبق خلقنا خلق أبينا آدم فنحن ذرية آدم ولا يُمكننا لأن نسبقه بالخلق فنحن منه، فكيف نكون كما قال الله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ” ولم يكن لآدم ذرية إلا بعد أن أصبح له زوج وسكن الأرض، إذن فمن الخطأ الإدعاء بأن الآية الكريمة تُشير علينا ولم نكن بالمخلوقين بعد، كما أن الآية تتكلم عن من كانوا بالمخلوقين وعلى اشكال عدة ومختلفة من قبل خلق أبينا آدم وبالتالي فالحقيقة وهي بأن الله تعالى يُخاطب الناس على أنهم جزء من معشر الإنس كجنس عام. إذن فإن الحديث هنا هو في الحقيقة يُشير على العنصر الإنسي بشكل عام وليس على الناس بالشكل الخاص ولذلك أتى الحديث عن خلقهم وتصويرهم ثم إصطفاء آدم منهم وعليهم ليكون خليفة لهؤلاء الإنسيين والذين وجدوا من قبله، إذن فلابد وأن الذين خلقهم الله هم القوم الآخرين من الإنس فأتت صيغة الجمع حتى تحتوينا في هذه الصيغة الإنسية وتشمل علينا كجزء من الخلق الإنسي العام أي خلقناكم أيها الإنس وهنا المقصود الإنسان الأول بشكل خاص ثم اتبعها الله بالتصوير أي تعدد الأوجه الخلقية للمخلوق الأول والذي تعددت أشكاله والتي صاحبها العامل الزمني “ثم” فأتت المراحل التصويرية على مراحل وحقب زمنية مختلفة وسبقت التعريف بآدم حيث كان الخلق والتصوير أي التعددية في المراتب الإنسية وأشكالها قد سبق خلق آدم، فالناس (أي الجنس البشري الآدمي) لم يكن الله ليُخاطبهم بصيغة الجمع وذلك لأنهم وبكل بساطة لم يكونوا بالموجودين، فكيف لأن يفترض البعض بأن هذا الحديث القرآني يخُص الإنسيين من بني البشر “الآدميين” ولم يكن الله قد خلق آدم أو زوجه ولم يكن لهم ذرية بعد، وكان الترتيب للخلق الآدمي هو النفس الواحدة وهي شخص آدم عليه السلام حيث تم خلق زوجه حواء منه قال تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ .. النساء 1. وبعد ذلك تم بث الذكور والنساء منهما معاً فقال تعالى ” … وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً” سورة النساء 1، فكانا معاً مسؤولين عن بني آدم من البشر واشتركا في بثهما وتكاثرهما
وبالتالي فالسؤال هنا هو من هم هؤلاء الذين يُحدثنا الله عنهم ويشملنا معهم سوى أن يكونوا قد خُلِقوا قبلنا والفعل الماضي لهو أكبر دليل على ذلك، ومن ثم تعددت أشكالهم وهيئاتهم أي صورهم حتى تم الإصطفاء عليهم عن طريق إختيار الله لآدم، ثم لحق بذلك طلب السجود لآدم أي لشخص واحد من بين هذه الصور والهيئات المتعددة للخلق وتم تجاهل البقية، فلقد إصطفاه وأختاره الله فاصبح خليفة يخلفهم، وبما أن الله يحدثنا عنهم ويشملنا بالحديث عنهم وعن أنفسنا فلا يسعنى سوى إلا أن نستنج على أن هذا الخلق الإنسي هو أشمل وأوسع من الخلق الآدمي ويشمل عليه وهو أصله ومنه أُخذت الصفوة بعد ان أضاف الله التحسين عليها، إذن وبالرجوع للآية الكريمة وقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ  نرى بأن الله يُخبرنا عن مراحل تصويرية وتشكيلية متعددة كان قد تثوبها الإنسان حيث تعددت واختلفت وتأثرت حسب أماكن انتشارها وتناوب فترات حضورها الزمني حيث تم خلق النماذج والأشكال المتعددة من الإنسيين بِصُور عدة وعلى أشكال مختلفة، قال تعالى  وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا” والتي انتهت بالإصطفاء لصورة آدم منها “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ” والذي اراد الله لأن يجعله خليفة للبشر وللإنسان المخلوق من قبل
 إن من الملاحظ بأن صيغة المخاطبة اختلفت في الآية الكريمة حيث انتقلت من صيغة الجمع إلى صيغة المفرد فكانت ثمة إعلان عن البدء بمرحلة جديدة قدّم الله لنا فيها آدم عليه السلام بعد إختياره من بين هذه الصور المتعددة والمتنوعة والذي بإصطفاءه انقطع الحديث عن الخلق والتصوير فقال تعالى: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم
الموضوع الثاني: الإستخلاف والنشأة
إستخلاف آدم ونشأته من ذرية الآخرين
يقول الله تعالى “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” الأنعام 133
إن قوله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة أعلاه يُشير على استخلاف الآدميين لقوم كانوا قد قضوا وهلكوا ولم يعُد لهم وجود فأخذنا مكانهم، وهذا نستنتجه من النص والذي اعتمد التشبيه، وكان في قول “إن” في قوله تعالى “إن يشأ يُذهبكم” تفيد التوكيد ولكنها جاءت مخففة هنا وتكون بمعنى إذ وتُشير على المستقبل المحتمل أي لم تكن جازمة وهذا يتماشى مع النص،  أما “كما” في قوله تعالى “كما انشأكم” فالكاف “كـ” أوقعت التشبيه وأما “ما” فهي مصدرية تُشير على مصدر النشأة والتي هي من ذرية قوم آخرين أي من غير الآدميين، وكان إستعمال “من” في قوله تعالى “من ذرية قوم آخرين” يُشير على التبعيض، فمن ذريتهم أي من ما احتوى عليه تكوينهم الوراثي “الدنا”، ومن إذن أفادت الجزئية أي من جزء من ذريتهم ومن بعضها وبالتالي فلم يكن آدم نسخة مطابقة عن الإنسان الأول بل كان من بعض ما احتوت عليه ذريته وبالتالي فهو ليس نسخة مطابقة عن تركيبته الجينية “الوراثية”، ولكن بما أن الحديث عن النشأة هنا إذن فالقاعدة البنائية لآدم وأساسها هو المكون الوراثي لهؤلاء القوم وذلك قبل أن يعمل الله على تسويته وبذلك يكون قوله تعالى “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” مُوَجّه بالتحديد كما نرى لبني آدم أي الناس والذين كان قد وهبهم الله خلافة الأرض وخصّهم برسالة القرآن الكريم
كما ونلاحظ العلاقة بين الإستخلاف والنشأة من الذرية من خلال قول الله تعالى “إن يشأ يُذهبكم” وقوله تعالى (وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم) وفي ذلك إشارة للمقاربة على ما كان قد تم وحصل من قبل للأولين من الإنس الغير آدميين والذين كانوا قد سكنوا الأرض ثم أذهبهم الله واستخلف من بعدهم آدم وذريته، ولو تمعنا بقوله تعالى وبوعيده لهم بأنه إذا أراد لأن يُذهبهم أي لأن يُهلكهم فهو قادر لأن يستخلف من يقوم ويكون ويحل بمحلهم ممن أراد إستخلافه وهذا النذير والوعيد ألحقه الله بالتذكير بأصل الآدميين ومنشأهم وكأنه يقول بأنه كما عمل على نشأة آدم وذريته من الناس من قوم غير قومهم فهو بقادر لأن يقضي على البشر الآدميين ولأن يستخلف مكانهم من هم بديل عنهم ليخلفوهم، فهذا كان قد حصل معهم وكانوا هم قد خلقوا من ذرية هؤلاء القوم الآخرين الذين سبقوهم من الإنس، فكان من خلال قوله تعالى “أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” إشارة مباشرة وثابتة نستنتج منها بأن الإنسان الآدمي تمت نشأته من ذرية قوم كانوا قد هلكوا وماتوا وقوله تعالى (وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم) أتى على التذكير بالإستخلاف في هذا السياق فهو يتحدث وبوضوح عن ما كان قد حصل من قبل وهو نذير لما هو بالممكن لأن يحصل ثانياً للإنسان إذا شاء الله له بذلك
قال تعالى ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” البقرة 21
فالله يقول: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ” والخطاب هو للناس عامة إذن فقول “الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ” هو إشارة على من أذهبهم الله ومن ثم استخلف الناس من بعدهم وكان الدليل البيّن على الإستخلاف الذي حصل للأقدمين هو من خلال حضور آدم الخليفة عليه السلام .. وهذا يقودنا إلى
قوله تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً …” سورة البقرة 30
وبالتالي فإذا اردنا لأن نجتهد في تفسير هذا الخطاب القرآني والمتعلق بموضوع الخليفة فعلينا بتقصي معنى خليفة من لسان العرب والذي فيه قولين
القول الأول: استخلاف للذرية
 فالعرب تقول خِلفة فلان إشارة على ذريته وأولاده، واسْتَخْلَفَ فلاناً من فلان: جعله مكانه والخليفة هو من يخلف أباه ويكون خلف له وخليف يحل مكانه إذا قام مَقامِه والخَلْفُ: النَّسْلُ،. يقال: خَلَفه في قومه خِلافةً. وخَلَفْتُه أَيضاً إذا جئت بعده. ويقال: خَلَّفْتُ فلاناً أُخَلِّفُه تَخْلِيفاً واسْتَخْلفْتُه أَنا جَعَلتُه خَليفَتي.واسْتَخْلفه: جعله خليفة
إذن فمعنى قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” يحتمل معنى جاعله خليفة للإنس الذين سبقوه وكنّا اعتمدنا ذلك لأن اللغة تسمح بذلك بالإضافة على أن القرآن اشار على نشأتنا من ذرية قوم آخرين وبالتالي أتينا من بعدهم حتى نخلفهم وفي هذا إشارة على إستخلاف آدم “الإنسان العاقل” للإنسان البدائي الذي سبقه
والقول الثاني: استخلاف للمنصب وللدور
 فالعرب أيضاً تقول: خَلفَه يَخْلُفُه خَلَفاً: صار مكانه. قال ابن الأَثير: الخليفة مَن يقوم مَقام الذاهب ويَسُدُّ مَسَدَّه، والهاء فيه للمبالغ. والخَلَفُ والخَلْفُ: ما جاء من بعدُ، وجاء خِلافَه أَي بعده، قال تعالى ” وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا” الإسراء 76 .. وقُرئ: وإذاً لا يَلْبَثُون خَلفَكَ إلا قليلاً، وخِلافك. وخَلَفَه يَخْلُفه: صار خَلْفَه.. وخَلَفَ فلان فلاناً إذا كان خَلِيفَتَه وبالتالي فمعنى قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” أيضاً يحتمل معنى جاعله خليفة للبشر الذين سبقوه وكنّا اعتمدنا ذلك لأن قول خليفة يحتمل واللغة مرة أُخرى تسمح بذلك خاصة وأن القرآن أشار على وجود بشر كان قد سبق خلق آدم ولم يعودوا بالموجودين، قال تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” وبالتالي فتنصيب آدم بشراً جديدا جعل منه خليفة لمن سبقه وبالتالي أصبح البشر الآدميين هم خلائف الأرض الجدد من بعدهم وفي هذا إشارة على استخلاف آدم “البشر الجديد” للبشر الأولين من أمم الحيوان الدابة
 أما وبالرجوع إلى قوله تعالى إنّي جاعل أي إني حتماً فاعل حيث إنّ تفيد التوكيد على الفعل والياء تعود على الله “المتكلم” حيث عهد الله خلافة الأرض لآدم وذريته فورثوها عن سابقيهم من الأولين سواء من أتو من بعدهم من ذريتهم أو أتو حتى يخلفوهم في مرتبتهم السيادية والمهيمنة كبشر …
إن آدم عليه السلام هو خليفة الأرض الجديد وهو بشر ولكنه أيضاً إنسان كان قد جمع الله فيه ما بين البشرية والإنسانية وذلك حسب الخطة الإلاهية التي أرادها الله فأتى آدم من ذرية الأولين من السابقين من الأمم الإنسية حتى يخلفهم كأنسان أوقع الله عليه التحسين، وحتى يسود ويُهيمن على أمم الحيوان جميعها فيكون بذلك هو البشر الجديد
إستخلاف للذرية – وهو إستخلاف آدم لذرية الإنسان البدائي الأول الذي سبقه
قال تعالى “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  سورة الأنعام  133
إن الحديث عن نشأتنا من ذرية قوم آخرين في الآية الكريمة أعلاه لا شك بأن فيه الإشارة المباشرة على أن آدم “وذريته” هو خلق تابع لما سبقه وبذلك يؤكد هذا التصريح الرباني وبكل وضوح على أن ذرية الأولين من الإنس هي حجر الأساس الذي تم إنشاء الآدميين منه أو عليه وبالتالي إذن فأن آدم هو ليس بأول إنسان خلقه الله وهو بذلك ليس بأبو الإنسان، ولكن والمُثير للدهشة وعلى الرغم من كل هذا الوضوح في قول الله تعالى ألا أن غالبية علماء التفسير والشيوخ والدُعاة لا زالوا يزعمون بأن قول “ذرية قوم آخرين” في الآية الكريمة أعلاه تعود على ذرية نوح من ابناءه الثلاث سام وحام ويافث ويُصِّرون على القول بان الناس ينتمون بذريتهم لهم وحجتهم على ذلك وهي بأن ذرية نوح هم الوحيدين الذين أبقى الله عليهم وأنجاهم من بعد الطوفان واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” الصافات 77-81
وبالتالي إذن فإن ذرية نوح وهم – الباقين – الذين أشارت عليهم الآية الكريمة هم الذين أتينا نحن من ذريتهم أي فهم من تبقى من قومه من بعد الطوفان حسب زعمهم، وبالتالي فهم قوم آخَرين أي غير عن سابقيهم الذين أهلكهم الله في الطوفان، ثم أنشأنا الله منهم والذين أشارت عليهم الآية الكريمة من سورةالأنعام في قوله تعالى ” كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” الأنعام  133
وفي شرح وتفسير الآية الكريمة: يقول ابن عباس في قول “وجعلنا ذريته هم الباقين”: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه، فذلك قوله: وجعلنا ذريته هم الباقين
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام
وقال قتادة في قوله: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) قال: الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام
وقال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة، والناس كلهم من ولد نوح : فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالبة والترك واللان والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك …. ولحق بذلك تفاسير الغالبية من الدعاة والعلماء العصريين لقوله تعالى “كما أنشأناكم من ذرية قوم آخرين” على أنها تعود على ذرية نوح من أبناءه الثلاث أي اعتمدوا القول نفسه واستشهدوا بقوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” على أنهم هُم من أبقاهم الله فقط وبالتالي فهم يزعمون بأن الناس من بعد الطوفان أصبحوا ينحدرون من ذرية نوح من ابناءه ولكن وبقولهم هذا أو الأصح من القول وهو بتقولهم هذا فهم عملوا على تبني الرواية الكتابية كما هي مذكورة في  كتاب التوراة / سفر التكوين / الإصحاح التاسع
18وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَامًا وَحَامًا وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ. 19هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هؤُلاَءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ الأَرْضِ
ولكن حتى يصح قولهم هذا أي بأن قوله تعالى “كما أنشأناكم من ذرية قوم آخرين” تعود على نشأتنا من ذرية نوح من ابناءه والذين بقوا على قيد الحياة ولم يهلكهم الله بالطوفان وكانوا غير من سابقيهم الذين هلكوا عليهم لأن يحضروا الدليل على صدق روايتهم
ففي بداية تدبرنا للآية الكريمة من سورة الأنعام 133 سنتعرّض لموضوع النشأة أولاً وذلك حتى نفهم الفرق بينها وبين الخلق
يقول الله مُخاطباً الناس “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” وعلينا بالتذكير بأن الكاف في قوله تعالى “كما” أوقعت التشبيه وأما الـ “ما” فهي تُشير على مصدر الحدث وهو النشأة والتي هي من ذرية قوم آخرين أي من غير الآدميين وبالتالي إذن كما تُخبرنا الآية الكريمة فإن القاعدة البنائية “أي الأرضية وحجر الأساس” الذي تم بناء الإنسان الآدمي عليه هو الإنشاء من ذرية قوم غير منهم “اي الذين سبقوا الآدميين بالخلق” وهنا اختار الله القول “أنشأكم” ولم يقل مثلاً خلقكم أو جعلكم أو حتى أنبتكم من ذرية قوم آخرين إذن فإن اختيار الله لكلمة “أنشأكم” لم يكن بمحض الصدفة أو بدون معنى مُحدد أراد الله لأن يُشير عليه وأراد لنا لأن نتدبره
 تقول العرب: نشأ أي نما وشبّ … نشأ في الشيء أي شب فيه أما نشأ من الشيء أي شبّ ونما منه وبُني عليه أو من فوقه كالبنيان وغيره من المنشأت، فالنشأة في الأصل تُبنى من فوق قاعدة بنائية مجهزة وارضية حاضرة نُشير عليها بالاساس وذلك حتى يُبنى عليها فترفع المنشأة التي يُراد بنائها عليها، فالحديث هنا هو عن عملية إنشائية كان الله قد أخضع ذرية الآخرين لها فتسببت بإحداث خلق الآدميين، وبالتالي فإن نشأة الآدميين كانت قد بُنِيَت على ذرية هؤلاء الأولين
إذن فعلينا لأن نُفرِّق بين الخلق والإنشاء لأن الخلق يُستعمل عند الحديث عن الإخراج والإحداث الوجودي للشيء، أما الإنشاء فهو عند الحديث عن كل ما ارتفع من كل شيء وكان له أساس وبالتالي فهو الإقامة على الشيء أي من فوقه والذي حدده الله في الآية الكريمة حصرياً بـ الذرية
 
لقد أشار الله في كتابه الكريم على حدوث نشأتين تخص الناس “والذين اشار الله عليهم وخاطبهم بـ بني آدم” ويُشار عليهم أيضاً بالآدميين أو الأوادم
أولها: نشأة أولى وهي النشأة الابتدائية او الأولية والمتقدمة
فقال “ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا  تذكَّرون” الواقعة 62
كما وحثنا على البحث في الأرض فقال “قُل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدا الخلق ..” العنكبوت 20
وقال “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها”  هود 61
ثانيها: نشأة آخِرة وهي “بكسر الخاء” أي تُشير على نشأة لاحقة ومتأخرة وأخيرة
فقال تعالى “.. ثم الله يُنشيء النشأة الآخِرة” العنكبوت 20
 إذن فما نفهمه من هاتين النشأتين بأن كلاهما يخصان الآدميين اي الإنسان العاقل وكان هذا واضح من خلال
قوله تعالى “قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ”  الملك 23
ونقول الإنسان العاقل هنا لأن ذلك ظاهر من خلال ما خصّه الله وذلك في تزويده بكماليات العقل الذكية فقال ” وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ”، فهذه القدرات على العقل والإدراك هي التي خص الله بها الآدميين عن سابقيهم من الإنس البدائيين حيث أتت صفات الجعل هذه وارتبطت فينا بعد نشأتنا، ونُضيف على ذلك أهمية دور – من –  في فهم النص القرآني في قوله تعالى “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” والذي يتعلق ببيان وبابتداء المشروع الآدمي، فالله أخبرنا بإنشاء الآدميين من ذرية قوم آخرين حيث أتى الله بـ  “من” البيانية وذلك حتى يبين لنا من ماذا كان قد أنشأهم فعرّفت – من- على أن منشأ الآدميين يعود على ذرية قوم آخرين أُستعمل كحجر الأساس الذي بنى الله عليه خلقه الآدمي وبالتالي وضّحت أصل منشأهم وأيضاً اتت لتوضح أولية وابتدائية المنشأ والذي كما أخبرنا الله يعود على ذرية هؤلاء القوم فنقطة البداية هي ذرية قوم وليس نتيجة تحول أو تتطور يمكن للتطوريين لأن ينسبوه لسلف مشترك أو انتخاب طبيعي عفوي فأشار الله على نشأة مدروسة ومُخطط لها وبعناية ربانية، فكانت – من –  تفيد بداية ظهورهم حسب خطة الله لا الطبيعة العمياء
كما ولقد أخبرنا الله جل وعلا عن حدوث نشأة أُخرى مستقبلية – بضم الألف
فقال تعالى ” وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ” النجم 47
ولكن لماذا وصفها بالأُخرى “بضم الخاء” وليس الآخِرة “بكسر الخاء” هنا وماهو الفرق بينهما
وهنا وللإستفادة نرجع لنُشير على قوله تعالى ” كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  الأنعام 133
وقوله تعالى “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَ‌ٰلِكَ قَدِيرًا”  النساء 133
فقول الـ آخرين بفتح الخاء هي جمع للمفرد ومفردها آخَر وتُستعمل للإشارة على الغير من، وعلى أَحد الشيئين، وتأتي لغرض إحلال الشيء محل الآخر والأخذ مكانه، وهو اسم على أَفْعَلَ ومثنّاها آخران كما في
قوله تعالى “فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا”  المائدة 107
وقوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ” المائدة 106
أما صيغة المؤنث من ذلك فيُشار عليها بالـ أُخْرَى والامثلة على ذلك كثيرة
كقوله تعالى ” وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ”   البقرة 282
وقوله تعالى “فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ”  الزمر 42
وقوله تعالى “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ”  الحجرات 9
وقوله عز وجل “وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ”  طه 18
وبالتالي فهذا ما نراه وبكل وضوح ايضاً في
قوله تعالى “وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ”  النجم 47 – بضم الخاء أي النشأة االتالية أو الثانية وهذا القول بالتأكيد يختلف عن قوله تعالى “.. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ” العنكبوت 20، أي بكسر الخاء لأن الآخِر تعني ما تبقى في ذيل الشيء أو آخره اي النشأة الأخيرة والتي لا يكون هنالك نشأة بعدها، وفي الصحاح في اللغة: الآخِرُ بعدَ الأول، وهو صفةٌ. ونقول جاء آخِراً، أي أخيراً، كما وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أَنه قال وهو يُمَجِّد الله: أنت الأَوَّلُ فليس قبلك شيءٌ وأَنت الآخِرُ فليس بعدَك شيء، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها
قوله تعالى “هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ”   الحديد 3
وقوله تعالى “َمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ”    البقرة 8
والمؤنث منه آخِرَة كما في قوله تعالى “لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”   البقرة 114
إذن فإن قوله تعالى” كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” بفتح الخاء يُشير على أن أول نشأة للآدميين وابتدائها كانت قد حدثت من ذرية الغير وفي ذلك كان قوله تعالى “وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ” الواقعة 62
ولكن كيف نفهم قوله تعالى “وأن عليه النشأة الأُخرى” النجم 47  خاصة وأن النشأة هنا تُشير على نشأة الغير من النشأة الأُولى أي فمن ماذا سينشيء الله الآدميين هذه المرة ولماذا هي غير عن الأولى، وللإجابة على ذلك نقول بأن النشأة الأولى للآدميين كانت من ذرية قوم آخرين أي من غير الآدميين، اما النشأة الُأُخرى للآدميين والتي أشار الله عليها ايضاً بالنشأة الآخِرة بكسر الخاء وهي المتأخرة والأخيرة كما في قوله تعالى “.. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ” العنكبوت 20 فهي تُشير على نشأة الآدميين من ذرية الآدميين أنفسهم والتي سيُحدثها الله عند القيامة من الموت وعندها يعود الله لينشئنا مرة أخرى ولكن هذه المرة ننشأ من ذريتنا نحن وليس من ذرية الغير والتي ابقى الله عليها في عجب الذنب وحفظها في التراب حتى ياتي موعد نشأتنا من جديد وتكون آخر نشأة لنا
ولكي نفهم موضوع نشأتنا من الذرية بشكل أوضح يجب علينا أن نأخذ العبرة من نشأتنا الآخِرة كما هي مذكورة في القرآن الكريم والتي أخبرنا الله بحدوثها عند قيامنا من الموت
قال تعالى ” وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُل يُحييها الذي أنشاها أول مرة وهو بِكُل خلق عليم”  يس 78 – 79
ومن الأحاديث النبوية التي أشارت على ما يتبقى من الميت بعد تحوله إلى تراب ألا وهو عجب الذنب والذي يحتوي على الذرية ونذكر منها ما يلي: عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ” كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب“  أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجه وأحمد في المسند ومالك في الموطأ
 وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ” ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما تنبت البقل وليس في الإنسان شيء إلا بلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ” أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والنسائي “
وروى أبو بكر بن أبي داود في كتاب البعث والنشور من حديث أبي سعيد أنه “قيل وما هو يا رسول الله قال مثل حبة خردل منه تنشئون” وعزاه أبوالعباس القرطبي لكتاب البعث لابن أبي الدنيا
وفي إحدى المقابلات مع الدكتور محمد جميل الحبال كان له القول التالي في الإشارة على”عجب الذَّنَب”، … يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب” وقد جاءت أبحاث علم الأجنة عن أن الشريط الأولي البدائي في الجنين في الأيام الأولى من تكوينه يكون هناك الشريط الأولي الذي هو مسؤول عن تكوين الأنسجة والخلايا في الجسم، وفي نهاية الأسبوع الثالث يضمر هذا الشريط الأولي، ويصبح في عجب الذنب قسم الخلايا الأم أو الـ ستم سلز، الخلايا الأم تصبح في المستقبل في عجب الذنب، فعجب الذنب يحتوي على الخلايا الأم كالصندوق..””آخر فقرة في العمود الفقري، فيها من الخلايا الأولية كالصندوق الأسود في الطائرة، كيف عندما تسقط الطائرة يأتوا إلى الصندوق الأسود يأخذوا هذا المعلومات، في عظم العصعص، عجب الذنب هناك المعلومات لذلك المعلومات الـ.. لأن الخلية كل خلية بدنا ناخد الخلية.. الإنسان، في الإنسان في نواة الإنسان –كما تعلمون- 23 كروموسوم زوج من الكروموسومات، فيها من الجينات العوامل المورثات أكثر من مائة ألف جين، لكل شخص له خارطته الوارثية، يعني أنت لك خارطة جينية وراثية تختلف عن خارطتي، وكل شخص له رمزه، كما أن لك الرمز البريدي فهناك الرمز الجيني، فهذا الرمز سيبقى في هذه الخلية في عجب الذنب””الآن العلم الحديث في الهندسة الوراثية والجينية عزز لنا مفهوم الآخرة، لأن القرآن، الكريم يقول على لسان الكافرين (إئذا كنا تراباً ذلك رجع بعيد) لأن الخلاف في ذلك وقت.. يوم القيامة كان يؤمنون بالله ولكن يشركون به، ولكن قالوا: (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد) لكن الآن جاء العلم أن هذه الخارطة الوراثية موجودة كالبذرة في التراب، (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) تأتي إلى منطقة صحراوية جافة ليس فيها حياة ولا نبات ولا حيوان، وتقع الأمطار، وتأتي بعد أيام وترى أن العشب قد نبت، من أين جاءت؟ هناك البذور التي حُفظت في التربة، فهذه الأنوية الموجودة في عجب الذنب تحوي الرمز الجيني لذلك الإنسان، فعند يوم القيامة الأساس موجود “منه خلق ومنه يركب” فالأساس موجود ويبعث الله، في حديث آخر يبعث مطراً يلقح هذه الأنوية فيحصل النبات وتنبت، تنبت الأجساد (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) ثم تأتي الأرواح الموجودة في السماء وتتزاوج مع هذه الأجساد (وإذا النفوس زوجت) فإذاً الهندسة الوراثية حفظت لنا هذا الشخص بأوصافه الدقيقة المتميزة، حيث لا يوجد في العالم منذ خلق آدم إلى يوم القيامة شخصين لهما نفس الخارطة الجينية” “وهناك معلومة مذهلة ومهمة طبياً، أسأل إخواني الأطباء خاصة في علم الأنسجة الأورام التي تحصل في أي نسيج تحصل من الخلايا لذلك النسيج، مثلاً في العضلات تكون الورم من العضال، وفي العظام الورم عظمي، في الغدد الليمفاوية أورام الغدد الليمفاوية، لكن الورم الذي يحصل في العصعص –سأذكر لك شيئاً مذهلاً- إنه ورم لأنه من الخلية الأم – إنه ورم متعدد الأنسجة يسمى تراتروما، يعني إذا حصل ورم في عظمة العصعص يكون يحتوي على عظم، على غدد ليمفاوية على عضلات، على غضروف، على غدد مخاطية فيسمى تراتروما يعني مشكل من اختلاف الأنسجة
وقد أثبت في عدد من التجارب المختبرية استحالة إفناء عجب الذنب (نهاية العصعص) كيميائيا بالإذابة في أقوى الأحماض، أو فيزيائيا بالحرق، أو بالسحق، أو بالتعريض للأشعة المختلفة، وهو ما يؤكد صدق حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) الذي يعتبر سابقة لكافة العلوم المكتسبة بألف وأربعمائة سنة على الأقل. إن أحاديث عجب الذنب من معجزاته صلى الله عليه وسلم. فقد أوضح علم الأجنة الحديث، أن الإنسان يتكون، وينشأ من عجب الذنب هذا (يدعونه الشريط الأولى )، وهو الذي يحفز الخلايا على الانقسام، والتخصص، والتمايز، وعلى أثره مباشرة يظهر الجهاز العصبي في صورته الأولية ( الميزاب العصبي، ثم الأنبوب العصبي ثم الجهاز العصبي بأكمله)، ويندثر هذا الشريط الأولى إلا جزءاً يسيراً منه يبقي في المنطقة العصعصية التي يتكون فيها عظم الذنب ( عظم العصعص )، ومنه يعاد تركيب خلق الإنسان يوم القيامة كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم
فالإنسان يبعث يوم القيامة من عجب الذنب وفيه كان قد خُلق
قال تعالى “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ”  سورة يس  51
وقال تعالى “ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ” سورة المؤمنون 16
فعجب الذنب يحتوي على الخيط والعقدة الأولية المحتوية على جين الصندوق وذلك مثله في النبات والذي ينمو من البذور بتنظيم وبتحكم من جين الصندوق، وكان من أهم المواضيح والبحوثات العلمية والتي كُتبت في هذا المجال كان من إعداد الدكتور/ عثمان جيلان علي معجمي والذي هو بعنوان الإعجـاز الطبـي فـي عـجـب الـذنـب
أما وللمزيد من عجائب القرآن الكريم فإننا نرى الله يُشير بالتحديد على مكان حفظ الذرية والذي كان فيه قوله تعالى
“وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ …….”   سورة الأعراف 172
فعند التدبر في قول الله تعالى هنا وبالأخص في قوله ”من ظهورهم ذريتهم” نتعرف على أن الله يُشير وبالتحديد على مكان حفظ الذرية والذي أكتشف وجوده في عجب الذنب والذي هو في آخر فقرات الظهر “العصعص –  وهو الضلع الأعوج الذي خُلقت منه حوّاء” والذي يحمل الخارطة الجينية الكاملة لكل فرد
لم يقل الله بأنه سيخلقنا من جديد بل قال بأن عليه النشأة الآخرة لأن النشأة تعتمد على البناء من فوق اساس وأرضية والتي هي الذرية والتي أبقى الله عليها في عجب ذنب الميت بعد تحوله إلى تراب والتي سيقيمه الله منها وهذا ما كان قد حدث للآدميين في النشأة الأولى حيث أنشأنا الله من ذرية الأولين من الإنس والذين كانوا قد ماتوا وتحولوا إلى تراب ثم أنشأنا الله من ذريتهم
أصل نشأة ذرية الناس “أي الآدميين وآدم معهم” على من تعود
يقول الله تعالى “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  سورة الأنعام  133
إن الناس من قبل ومن بعد الطوفان كلهم يجمعهم ذرية واحدة يعودون بها إلى أبوهم آدم من أولهم وحتى آخر واحد فيهم، وهي نفس الذرية التي حفظها الله وحملها مع نوح وأبقى عليها إلى يومنا هذا
 فقال “وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ”  يس 41
وقول “وآية لهم” أي عبرة وعلامة لنا نحن الناس لنستهدي بها وهي بأن الله حمل ذريتنا في الفلك، فنحن إذن من ذرية من حمل الله مع نوح سواء كانوا من أبناءه أو من غيرهم من الذين أنجّاهم الله وأبقى على ذرية آدم فيهم فنقلوها لنا .. وبالتالي فإن ذرية من تبقى من قوم نوح من بعد حدوث الطوفان سواء كانوا من ابناءه الثلاث أو من معه فهم من ذرية القوم نفسه أي قوم نوح فذريتهم واحدة يعودوا فيها إلى أبوهم آدم وبالتالي فإذا كُنا نحن قد أُنشئنا منهم كما يزعم علماء التفسير فنحن إذن نعود بذريتنا إلى ذرية القوم نفسه اي قوم نوح والقوم لفظ يُشير على كُل من لهم / أو كان لهم قائم إُقيموا من ذريته، ونوح عليه السلام هو من نفس القوم هو وابناءه أي فتجمعهم ذرية واحدة مع قومهم ويعودوا بها إلى آدم  .. وبالتالي فالناس يتبعون بذريتهم إلى آدم ويتشاركون بنفس الذرية مع بعضهم البعض وآدم هو القائم وهو أصل الذرية الآدمية
لقد خلق الله الناس “الآدميين” من نفس واحدة وهي نفس آدم عليه السلام فقال تعالى “يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ” النساء 1
وفي الحديث الشريف كما رواه أحمد في المسند (2 /361 حديث8721) عن أبي هريرة “إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي والناس بنو آدم وآدم من تراب …. بأنفها النتن” وقد حسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بابآئها كلكم لآدم وحواء ….  الى آخره
وأخرج البزاز عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب …. من الجعلان
وفي خطبة الوداع كما هو منقول عن رسولنا الكريم والتي ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة من جبل الرحمة قال فيها: أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب
وأتت الإشارة على أننا بنيه “بني آدم” في العديد من الآيات الكريمة نذكر منها
قوله تعالى “يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا”  الأعراف 26
وقوله تعالى “يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا”  الأعراف 27
وقوله تعالى “يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ”  الأعراف 35
وقوله تعالى “أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”  يس 60
فنحن الآدميين نرجع بذريتنا له، قال تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا” الإسراء 62
فقول – هذا –  وأيضاً الهاء في قول “ذريته” في الآية الكريمة تعودان على آدم عليه السلام
إذن فالآدميين يجتمعون كلهم على ذرية أبوهم آدم وهي ذرية واحدة
قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ” الأعراف 172
إذن فإن ذريتنا في الأصل تعود بنشأتها على قوم آخرين غير من الآدميين وليس على ابناء نوح لأنهم آدميين مثلنا والله يقول مُخاطباً الناس على أنه أنشأنا “من ذرية قوم آخرين” ….. إذن فمنشأنا كآدميين تعود في الاصل على السابقين الأولين من الإنس لا على نوح أو أبناءه أو قومه
.
ولكن ومع أن العديد من الآيات القرآنية توضح بأن ذريتنا وآدم هي نفس الذرية وبأن قوله تعالى “كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين” إذن لابد وأنها تعود على ذرية غير آدمية كنّا قد أنشأنا الله منها ألا أن العديد من العلماء لازالوا يُصرّون على أن قوله “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” هذا يعود على ذرية نوح لا على ذرية كانت قد سبقته وبالتالي كانوا هم المسؤولين عن الضبابية التي أحاطت بالآية الكريمة وبالتالي ضلّوا وأضلّوا الكثير من الناس معهم
وبالتالي وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح اصبح من الضرورة القصوى لأن نتعرف على ماذا يُراد بـ  الباقين الذين أِشارت عليهم الآية الكريمة، وكيف نفهم هذا القول القرآني العظيم
تفسير قوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” وعلى من تعود
قال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)” الصافات
فعند الرجوع وإعادة النظر في النص الذي أتى الله فيه على ذكر “وجعلنا ذريته هُم الباقين” نرى ما خفي علينا وفشل علمائنا في تبيانه وتوضيحه وذلك حين اعتقدوا بأن معنى قوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” على أنها تتحدث عن نجاة ذرية نوح فقط وهلاك الآخرين من الناس
التحقيق الأول في الآية الكريمة
  وهو التحقيق في الإشكالية التي يُحدثها هذا التفسير للآية على هذا النحو الخاطيء مع الآيات الأُخرى والتي تُشير على أن نوح حمل في الفلك بالإضافة إلى ابناءه من هم من غير ذريته وبذلك إذن فلم تقتصر النجاة من الطوفان على نوح وبنيه، ولكن كيف تعرفنا على ذلك وللإجابة على ذلك نستدل بها من خلال الآية الكريمة التالية
 يقول الله تعالى “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ”  الإسراء 3
ولكن هل حمل نوح معه في الفلك أُناس من غير ذريته حتى نستشهد بهذه الآية الكريمة على الرغم من أن الله يقول
“وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ.. ……. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ” الصافات 77-82  ..  وبكل وضوح
وللإجابة على ذلك نقول نعم وذلك على العكس مما زعم الكثير من العلماء والدليل على ذلك نستمده من
قوله تعالى في سورة هود وقوله تعالى “قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” هود 40
حيث أخبرنا الله فيها بأنه قد أمر نوح لأن يحمل معه أهله باستثناء من سبق عليه القول فقال “إلا” فأتت إلا بغرض الاستثناء الذي خص به بعض من أهله وكما نعرف فـ “من بينهم امرأته وأحد ابناءه” وهذا سنأتي عليه ونوضحه، ثم استأنف الله أمره لنوح فوصّاه لأن يحمل معه في الفلك من آمن من الناس “من قومه” وهذا واضح وجلي من خلال قوله “ومن آمن” والواو هي للإستئناف .. أي استئناف الحديث المتعلق بأمر الله وهو لأن يحمل معه من كُل زوجين “ومن آمن” وفي ذلك نجاتهم من الكرب العظيم ومن الطوفان
قال تعالى “كَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ”   يونس 73
وقال تعالى “فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ”  الشعراء 119
إذن فلقد أخطأ العلماء في تصورهم على أن من بقي بعد الطوفان هم وحدهم من ذرية نوح لأن قول ذرية من حملنا مع نوح تحتمل الإشارة على من حمل مع نوح من ذريته “ابناءه” ومن غيرهم ممِن آمن معه من غير ذريتة وبذلك فهي شملت على من هم من غير ذرية نوح ايضاً وكان الدليل على نجاتهم من خلال قوله “فنجيّناه ومن معه” وقوله “فأنجيناه ومن معه”… ومن كان مع نوح هم من المؤمنين وأزواجهم أيضاً والذين أمره الله لأن يحملهم معه في الفلك مع أهله .. وهذا يتناقض مع ما ذهب إليه العلماء في تفسيرهم لقوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ”  كما ويُمكن لأن نستشهد بدليل آخر نستمده من
قوله تعالى “قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك” هود 48
فقوله تعالى “وعلى أُمم ممن معك” فيه التأكيد على تنوع الأُمم التي حملها نوح معه في الفلك وبالتالي كيف أشار الله على من حمل نوح معه بالأُمم إذا كانوا ابناءه فقط والذي هو إمامهم ولم يكونوا قد تفرعوا في الأرض وأصبحوا امماً بعد، فالأمم ومفردها أُمة تُشير بالعادة على من أم بقوم وكان إمام لهم قال تعالى ” إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً”  النحل 120. فاقتدوا به وتبعوه وآمنوا بدعوته –  وهنا كانوا على نفس عقيدة التوحيد،  وقال تعالى ” إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” الأنبياء 92 . ومِنهُم مَن هُم على غير ذلك، قال تعالى “وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ”  غافر 5 أي من لهم إمام ومعتقد يؤتمّون به وبالتالي فالأمم تُشير على فروع كثيرة ومتعددة ونوح كان إماماً لابناءه ولمن آمن به وبدعوته، ولكن الإشارة هنا هي على من آمن معه من المؤمنين وقول “معه” هو للمصاحبة أي لم يكن هو إمامهم فآمنوا به بل اشتركوا في الإيمان بعقيدة التوحيد وكانوا ينحدرون من أمم أُخرى كانت تأمهم أي كان لهم رُسُل كانوا قد آمنوا بهم وكانوا قلة، قال تعالى ” وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” هود  40
فقوم نوح تعددت لهم الرسل ولم يكن نوح هو رسولهم الوحيد وإمام لمن تبعه وآمن به
قال تعالى ” وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً”  الفرقان 37
وقال تعالى ” كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ”  الشعراء 105
ولكن ومع ذلك فالعلماء أنكروا وجود أي تناقض هناك وزعموا بأن قول “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ”  لا يتعارض مع كل من قول “ذرية من حملنا مع نوح” وقول “فنجيّناه ومن معه” وقول “فأنجيناه ومن معه” وقول “على أمم من معك” لأن الناجين من الطوفان ممن حمل معه نوح في الفُلك من غير ذريته كان مصيرهم الموت من قبل أن تصبح لهم ذرية أي فهم لم يتناسلوا ويتكاثروا وأعتقد العلماء بأن تبنيهم لهذا التفسير الفرضي قد يُزيل الضبابية وعدم الوضوح عن هذا التناقض، ولكن بقي كلامهم هذا يحتاج إلى الدليل الصادق والذي عجزوا لأن يقدموه لنا ونسوا بأن التأكيد على ان الباقين لم يكونوا وحدهم من أبناء نوح لأن التصريح في
قوله تعالى ” كَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا”  يونس 73
واضح من خلال قوله تعالى “وجعلناهم خلائف” وذلك حين أشار بالجمع على نوح ومن معه” حيث أتت واو الإستئناف لتوضح بأن الإستخلاف كان لنوح ولمن حمل نوح معه في الفلك بدون استثناءات ولم تذكره وابناءه فقط من دون الآخرين ولو أراد الله لأن يُشير على الخليفة كمرتبة لقال وجعلناه أي لأشار على نوح لوحده فهو المعني بالتكليف أي في تبليغ الرسالة من بعد حدوث الطوفان ولكن الله اختار لأن يقول “وجعلناهم” وهنا شمل ذلك على من حمل معه في الفلك فكانت الإشارة على أنهم خلائف أي من يخلفون بعضهم بعضاً في الذرية أي خلفاء لسابقيهم فخلفوهم وحلوا مكانهم كُل في ذريتهم وهنا الإشارة لم تكن حصرية على نوح وذريته بل شملت على “ومن معه في الفُلك” أي فشملت على كلٍ من المؤمنين والذين نجّاهم الله في الفلك مع نوح وعلى نوح وذريته والذين يرجعون جميعاً في ذريتهم في الأصل إلى ذرية آدم
ولكن لم تكن هذه الإشكالية الوحيدة مع قوله تعالى في هذه الآية “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” التي تبنوها كمرجعية لما ذهبوا إليه بل كان فيها اشكاليات اُخرى وهذا يقودنا إلى
التحقيق الثاني في الآية الكريمة
 وهو بأن قول “وجعلنا ذريته هُم الباقين” أتت ملازمة للحديث عن هلاك وإغراق الله للآخرين
فقال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ … (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82) الصافات
ولكن الآية الكريمة تتحدث عن حدوث الغرق كان أتى بعد ما كان قد أخبرنا الله بجعل ذرية نوح هم الباقين بوقت من الزمان، فكما نعلم فإن –  ثُم – تأتي للحديث عن انقضاء الوقت وتفيد التراخي في الزمن، إذن فلم يتم إغراق الآخرين في نفس الوقت الذي ابقى الله على ذرية نوح والدليل هو استعمال – ثم – بدلاً من استعمال حرف الفاء فـ للدلالة على الترتيب مع التعقيب وقصر الزمن أو استعمال حرف الواو للإستئناف، إذن كيف يكون ذريته هم الباقين أي من أبقى عليهم الله حسب زعم العلماء ولم يكن قد أغرق الآخرين بعد، فبقاء الشيء وما تبقى منه يتم بعد انقضاء وانتهاء ونفاذ معظمه ولا يسبقه أو يكون قبله .. إذن فمن المنطقي لأن يحدثنا الله عن الإغراق ثم يخبرنا عن من تبقى ونجا من قوم نوح
ولكن فإذا اعترض البعض على أن الإشارة على غرق الآخرين بهذه الأسلوب اللغوي أي بعد نجاة نوح وأهله لم يكن الوحيد الذي أتى ذكره على هذا النحو في القرآن الكريم بل فلقد أتى ذكره مرة أُخرى في سورة الشعراء وقدموا الدليل على ذلك من خلال
قوله تعالى “فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) الشعراء
حيث أكد الله على حدوث الغرق للآخرين مرة أُخرى بعد انقضاء الوقت من الزمان وكان ذلك بعد أن أنجى الله نوح ومن معه في الفُلك فقال “ثُم أغرقنا بعدُ الباقين” وقال بعدُ أي بعد ما أنجيناه ومن معه … ولكن كيف نفهم ذلك
فالآية الكريمة من سورة الصافات تُخبرنا بالتالي
 قال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)” الصافات
ولكن بعد تدبرنا في الآية الكريمة نلاحظ بأن الآية يمكن لأن تُفسر على الشكل التالي
الوجه الأول: وهو التصريح فيها بأن من تبقى من قوم نوح “ولنا تحفظ على المعنى اللفظي لكلمة الباقين سنأتي عليه” هم فقط من ينتمون لذريته لا غير فقال “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” … إلى قوله تعالى ” ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ” ولكن لم يُحدد الله ذرية نوح إن كانت من ذكور أو أناث، ولكن من اعتمد الرواية الكتابية من علماء التفسير اشاروا على هلاك قوم نوح أو الناس كافة بإستثناء ذريته من بنيه فقط أي الذكور فجعل الله الذكور من ذرية نوح سام وحام ويافث هم وحدهم من تبقى من قومه .. ولكن أين الأناث من ذرية نوح أو من قومه أو من الناس “والذين افترضنا وجودهم بعد الطوفان على الرغم من تغييبهم واستثنائهم من التفسير …  والذين من دون حقيقة تواجدهم وبقائهم لن يكون هنالك تكاثر
ولكن إن بقاء ذرية نوح من الذكور فقط حسب ما ذهب إليه البعض من علماء التفسير وأهل الكتاب لا يتعارض مع ما نستدل عليه من الآية الكريمة لأن استعمال ضمير – هُم – في الآية الكريمة في قوله “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ” يُمكن لئن يُشير على جمع الذكور … ولكن فإن مثل هذا التهور واللا عقلاني في التفسير سيضعنا أمام إشكالية التكاثر من جديد وذلك نتيجة عدم بقاء أي من الأناث بعد الطوفان وبالتالي فعلى أي مبدأ ستكون إستمرارية النسل خاصة وأن قانون الزوجية “أي تزاوج الذكور مع الإناث” هو شرط لحدوث كل من عمليتي التناسل والتكاثر وانتقال الذرية من الآباء إلى الأولاد والأحفاد ولا يوجد سوى الباقين أو الناجيين وهم ابناء نوح أي من الذكور
 أما في حل هذا الإشكال فعلينا بتوضيح قول “وجعلنا ذريته هم الباقين” بعقلانية وبصيرة، فنقول بأن ضمير الفصل “هُم” في قوله: (هُمُ الْبَاقِينَ ) فأُريد به الحصر، فـ هم: يُشير على الجمع للمذكر الغائب وبالتالي فـ هُم هو ضمير للتوكيد يُشير في الاصل على المذكر نعم وبلا شك ولكنه يأتي في العادة ليُشير على الجنسين بالخصوص إذا كان لفظ للعموم كما في الآية الكريمة فيأتي اللفظ المذكر ليشمل على الذكور والأناث وهذا نشهده في عموم القرآن ودليل على ذلك نأخذه من قوله تعالى “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” آل عمران 104. وقول “الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ” المؤمنون2. وقول “لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” البقرة 27. وبما أن الحديث في الآية الكريمة يدور حول الذرية والذرية تشمل على الذكور والإناث ولنا مثال في قوله تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ” الإسراء 62. وقوله تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ” الأعراف 172. وفي ذلك الإشارة على كل من الذكور والإناث إذن فلابد وأن يكون استعمال هُم هو للإشارة على ذرية نوح من الذكور والإناث وبالتالي يكون قوله تعالى “وجعلنا ذريته هُم الباقين” لا تجعل من الذرية محصورة في الذكور وحدهم ولذلك لا يمكن لأن نفترض خطأً بأن – الباقين – تخص أولاد نوح الذكور منهم دون الأناث
الوجه الثاني: وهو التعرف على حقيقة قول الباقين الذي أشارت عليه الآية الكريمة
إن المُراد بالـ “باقين” فهو يعود على الفعل الثلاثي من باق وأبق ويحمل أكثر من معنى، فالباقين حسب لسان اللغة تأتي بمعنيين الأول: وهو الإشارة على ما تبقى من الشيء، والثاني: وهو الإشارة على اللجوء للشيء، ولذلك فالذي يحدد معناها وما تُشير إليه هو النص أو السياق وبالتالي نبقى محكومين لذلك، ويمكن للكلمة “المفردة” في القرآن لأن تأتي بأكثر من معنى، ولكن لا يوجد ترادف في القرآن أي وهو لأن تأتي كلمتين أو أكثر بنفس المعنى إلا بحالات استثنائية وقليلة وذلك حين يختلف اللسان العربي في الإشارة على الشيء نفسه بين قبيلة وقبيلة أُخرى ويأتي القرآن مخاطباً كُل منها على حدة فيُخاطبها بلسان حالها العربي وذلك بغرض الإستمالة والتحبب
أما ولتوضيح ما تحمله كلمة الباقين لأكثر من معنى سنستشهد مرة أُخرى بقوله تعالى “ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ”  الشعراء 120
حيث هنا كان الباقين والذين أشار الله عليهم في هذه الآية الكريمة هم من أغرقهم الله، والذين وصفهم الله بـ “الآخرين” في آية أُخرى
فقال تعالى “ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ” سورة الصافات 82
إذن فإذا كان الذين أغرقهم الله وهلكوا نتيجة الفيضان هم من وصفهم الله بـ الآخرين في سورة الصافات، وهم أيضاً الذين اشار الله عليهم بالباقين في سورة الشعراء فهذا إذن يتعارض مع تفسير العلماء على أن “الباقين” كما أُشير عليهم في الآية 77 من سورة الصافات في قوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” هم وحدهم من نجى من قوم نوح عليه السلام
فكيف يكون الباقين هم من غرقوا وبنفس الوقت يكون الباقين هم من نجوا، إذن فما الصحيح وكيف نحل هذا الإشكال ونوضحه خاصة وأن العلماء وبكل أسف لم يتدبروا قوله تعالى “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ …… ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ” بالشكل الصحيح ولذلك أوقعوا انفسهم بالخطأ وضللوا الناس عن غير قصد
نَجَّيْنَاهُ و أَنْجَيْنَاهُ
ولذلك وحتى نتعرف على الأصح من القول علينا بالرجوع إلى سورتي الصافات والشعراء من أجل تمحصهما وتدبرهما من جديد
ففي سورة الصافات يقول الله تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)” الصافات
وفي سورة الشعراء يقول الله تعالى “فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) الشعراء
إذن كيف نميز بين القولين: نَجَّيْنَاهُ و أَنْجَيْنَاهُ .. وعلى ماذا نستدل بهما
نلاحظ بأن القرآن استعمل كلمة “ونجّيناه” في سورة الصافات ولكن استعمل كلمة “فـ أنجّيناه” في سورة الشعراء فهل يا ترى يوجد فرق بين الكلمتين كان قد تسبب في عدم وضوح الرؤية بالنسبة لمعنى الباقين
وهنا نستعين بالدكتور الكريم فاضل السامرائي ادام الله في عمره وحفظه ورعاه فهو يرى بأن القرآن الكريم كثيراً ما يستعمل (نجّى)  للتلبّث والتمهّل في التنجية والتي تكون المعاناة فيها على فترة زمنية مُطولة
 ويستعمل (أنجى) للإسراع في التنجية – التخليص قبل المعاناة، ويقول فـ (أنجى) أسرع من (نجّى) في التخليص من الشدّة والكرب
وبالتالي فإذا تم إنقاذ شخص وهو في محنة أو بعد أن كان قد وقع في خطر ما وبعد معاناة تم تخليصه منه أي بعد زمن يستعمل فعل نجّى وتكون التنجية من العذاب والمكروه الواقع ومثال على ذلك نستمده من
 قوله تعالى “وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116)” الصافات
حيث هنا استعمل الله جل وعلا لفظ “ونجّينا – هُما” فكانت تنجية من عذاب وقهر كانا واقعَين على بني اسرائيل حيث كانوا في عذاب واقع من أسر وعبودية وقهر تحت حكم فرعون على مدى مئات السنين
 وكذلك كان القول في نوح عليه السلام حيث لبث في قومه 950 سنة وهو في المشقة والعذاب
قال تعالى “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ”  العنكبوت  14
وقال تعالى قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)”  نوح
وقال تعالى “قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)”  نوح
إذن فاحتمل في حقه ومن آمن معه قول “نجّينا” فقال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77 )” الصافات
ولنا ملاحظة أُخرى تدعم هذا التوجُّه التفسيري وهو بأن تنجية نوح لم تكن من الطوفان حيث لم يقل الله “ونجيناه وأهله من الطوفان” بل قال تعالى “وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ” 76 من سورة الصافات، وهذا نسمع له أصداء في تنجية بني إسرائيل من المعاناة والقهر “أي الكرب” على يدي الفراعنة في
 قوله تعالى “وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ” الآية 115 من نفس السورة وكلاهما اشتركا في النجاة “من الكرب العظيم” لذلك فالكرب وهو الغم والهم الشديدان الذان يأخذان بالنفس ومصدرهما المعاناة المستمرة والتي كانت بطيئة وشديدة وامتدت لمئات السنين في كلا الحالتين هو ما حدد تفسير الآية بالإضافة إلى قول نجينا بدلاً من أنجينا
.
أما إذا استُعمِل لفظ “أنجينا” فيكون إنجاء قبل وقوع أي مكروه أو عذاب كإنقاذ شخصا من محنة قبل أن يتعرض لها .. فالإنجاء قبل وقوع العذاب أو المكروه أو الأذى وكذلك فلقد أنجى الله نوح ومن معه في الفلك قبل حدوث الطوفان
مثال على ذلك كما في قوله تعالى “فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) الشعراء
إذن فكانوا بأن حُملوا على سفينة النجاة وهنا أتت ثُم لتوضح التراخي بالزمن أي بعد أن لجأ نوح ومن معه للفلك بزمن أي أصبحوا في مأمن حدث الفيضان ومن ثم أغرق الله الباقين من قومه
 وكذلك فلقد استعمل الله سبحانه تعالى أنجينا في الحديث عن إنجائه لموسى وبني إسرائيل قبل أن يدركهم فرعون
فقال تعالى “وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ”  البقرة 50
وكذلك أتى القول نفسه عند حديثه عن لوط  قبل أن يُهلك قومه
فقال تعالى ” فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)  الأعراف
وقال تعالى “قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) هود
.
إذن فلقد كان بأن نجّى الله نوح ومن حمل معه من المؤمنين من المعاناة والشدة التي أوقعها عليهم قومه فلجأوا إلى الفلك ثم من بعد ذلك أنجاهم الله من الطوفان فلم يلحقهم أذى ومن ثم أغرق الله الباقين أو الآخرين  وبالتالي فيكون بعد أن نجّاهم الله من ما كانوا يتعرضون له من قومه من أذى – وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ – أي نجّاهم من المعاناة والشدة ولا تتحدث الآية الكريمة عن تنجيتهم من الغرق لأن الطوفان لم يكن قد حدث بعد وبالتالي فالباقين هُم من أبق إلى الفُلك، وأبق هنا بمعنى لجأ واستتر أو هرب، والتأبق في اللغة هو اللجوء، وتأبق أيضاً أي استخفى وتوارى
ولتوضيح ذلك أكثر نأخذ مثال على ذلك قصة يونس وفيها كان
 قوله تعالى “وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140)  الصافات
فذرية نوح هم الذين خصهم الله في هذا الذكر وهُم الباقين وهي جمع باق، والباق هو من أبق إلى الشيء وهنا هو من لجأ إلى الفُلك، وكما نُلاحظ فلقد أتى الحديث عن ذرية نوح على أنهم الباقين قبل بدء الحديث عن الغرق ولذلك قال نجيناه أي من الكرب ولم يقُل أنجيناه .. فلابد إذن وأن يكون المعنى هو اللجوء أي لجوء ذريته إلى الفلك كما في قصة يونس ولجوءه للفلك، وأتت الفائدة من “وجعلنا ذريته هم الباقين” حتى تبين لنا بأن الذين لجأوا إلى الفلك هم من ذريته من أولاده الشرعيين وبيّن ذلك قول – هُم – للإشارة عليهم أما من غرق من أولاده هو أحد ابناءه وذلك حسب ما كان يعتقد نوح خطأ لأنه لم يكن من ذُريته
قال تعالى “وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)”  هود
أما فيما يتعلق بفعل الخيانة قال تعالى ” قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ”  فنبدأ بـ ليس وهي هُنا تعود على فعل ماضٍ يفيد النفي، إذن فنفى الله لأن يكون ابن نوح هو ابنه من صلبه بل وأخبره مؤكداً على أنه عمل فاسد “غير صالح” واستعمل قول “إنه” حيث أتت إن للتوكيد والهاء لتعود على ابنه ولكن كما نُلاحظ بأن الله وصف العمل بالتحديد على أنه غير صالح والعمل هنا الخيانة والمتمثلة بفعلة الزنى والدليل على ذلك نأخذه من
قوله تعالى “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ”  التحريم 10
ولنا عبرة نستمدها من سورة يوسف وفيها قال تعالى “ذَ‌ٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ”   يوسف 52
وبالتالي أتى التصريح الرباني بخصوص أولاد نوح الشرعيين من ذكور وأناث على أنهم الذين أنجاهم الله وحدهم في الفُلك ولم يُنج معهم من كان حصيلة خيانة أقدمت عليها إمرأته، وأراد الله بذلك لأن تكون بداية من سيخلف نوح في ذريته هم من أولاده الشرعيين فتكون ذرية صالحة يبارك الله فيها ويرضى عنها
إذن فمن اعتمد الرواية الكتابية وزعم بأن من تبقى على وجه الأرض هم من ذرية نوح خاصة من الذكور فقط “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” ولا زال يُصّر على ذلك فيكون قد أوقع نفسه في جهل وحرج حين اعتمد ذلك
وبالتالي فإن قوله تعالى في الآية الكريمة “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”  يُشير على أن نشأة الآدميين كانت من ذرية قوم آخَرين هم ليس بالآدميين، وهذا يقودنا للتَعَرُف على وجود جنس إنسي آخر كان قد سبق خلقنا الإنسي الآدمي حيث أنشأ الله آدم من ذريتهم فجعله بصورة مُحسّنة ومُسويّة ومُحدثة، فكان بأن جعل الله آدم خليفة لهم في الذرية وجعل له ذرية تخلفه وبذلك يكون هو وذريته خليفة للأولين بالذرية: كإنسان وبالتكليف: كبشر
 
.
 من هم البشر … وعلى من تعود التسمية
 ثانياً: استخلاف للمنصب ويحمل التكليف – استخلاف آدم البشر الجديد لمن سبقه من البشر الأوائل أو الأولين
والذي سنوضح من خلاله فيما إذا كُنّا نحن البشر الوحيدين أم هناك من سبقنا من البشر … وبالتالي على من تعود هذه التسمية في الأصل
لقد كان في نبأ خلق آدم البشر في صورته السوية قول الله تعالى
 “قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) …… إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)” سورة ص
وقوله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)” سورة الحجر
وبالتالي وعند التدبر في هذه الآيات الكريمة أعلاه نستنتج ما يلي
 أولاً: تبدأ هذه الآيات الكريمة من (سورة ص) بالحديث عن قصة خلق البشر الإنسان والذي أشار الله تعالى عليه بالحدث الكوني الهام والعظيم فقال تعالى “قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ” .. ومُعرضون أي رافضين له ولا تتبعوه وغير معنيين به ولا بخبره
ثانياً: تُخبرنا بأن المخلوق الذي بشّر به الله هو من نوع يُطلق عليه تسمية البشر (في سورتي ص والحجر).. وهذا سناتي على توضيحه
ثالثاً: أما قوله تعالى “إني خالق بشراً” في (سورتي ص والحجر) فهو يوحي بأنه لم يكن قد خلق هذا البشر بعد أي فهو حدث مرتقب ومستقبلي لم يكتمل حدوثه ولم يتحقق بعد
رابعاً: وهو ما تُخبرنا به الآيات في (سورتي ص والحجر) بما يخُص وقوع التسوية والنفخ والسجود لهذا المخلوق الجديد
خامساً: يختم الله سبحانه وتعالى هذه الآيات الكريمة من (سورة ص) والتي تحدثت عن قصة خلق آدم بأنها ذكر للعالمين وسوف يعلم الناس حقيقة هذا النبأ الإخباري بعد حين من الزمان وليس في وقت نزول الرسالة
كما ولقد كان في نبأ جعل هذا البشر خليفة قول الله تعالى
“وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)”.  سورة البقرة 30- 34
حيث من خلال هذه النصوص القرآنية يمكننا تحري ما يلي
أولاً: وهو بأن هنالك الإشارة الضمنية على نوعين من البشر، النوع الأول وهو البشر الذي له علاقة بالماضي وكان بالمخلوق من قبل آدم والذي أُشير عليه بالفساد وسفك الدماء، والنوع الثاني وهو آدم البشر والذي لم يكن قد أوكل الله له مهام خلافة الأرض بعد وهذا نستنتجه من قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” والذي هو إذن مُستثنى من سفك الدماء والفساد لأنه وبكل بساطة لم يكن بالمخلوق بعد ولم يكُن قد كُلِّف بخلافة الأرض، وكونه خليفة فهو حتماً حتى يخلف من سبقه ولم يعد له وجود
ثانياً: وهو خلو الأرض من الأحياء البشرية المتقدمة عن البشر الجديد والتي كان يحكمها شريعة الغاب وتعتمد القتل وسفك الدماء فيما بينها وبالتالي لم يكن هنالك وجود حي لها وهذا نستمده من قوله تعالى ” قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” فالآية وبلا شك تُشير على انقراضهم وتلاشيهم قبل بدء خلافة آدم للأرض فتسائل الملائكة يفيد بعدم تزامن وجود المفسدين وسفكة الدماء من البشر في الأرض مع خلق آدم عليه السلام
إذن وبالعودة إلى سورة الحجر مرة أُخرى وقوله تعالى
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)” سورة الحجر
نرى بأن الله كان قد أخبر الملائكة بعزمه على خلق البشر فقال “إني خالق بشراً” وقال “فإذا سويته” وقال “ونفخت فيه” فالهاء في سويتـ ـه وفي نفخت فيـ ـه، وكذلك في “فقعوا لـ ـه” تعود على المفرد من البشر وهذا معناه بأن الذي أراد الله خلقه هو مخلوق واحد “اي آدم” فأشار عليه على أنه بشر وبالتالي فلفظ (بشراً) في الآية الكريمة وكما هو واضح يعود فيها على الجنس .. ولكن حين أخبرهم الله بخلقه لهذا البشر اضاف معلومة مهمة جداً وهي بأنه سيُخضع هذا البشر للتسوية فقال “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ” مما جعلنا لأن نستنتج بأن البشر إذن هم على نوعين فمنهم السوي “آدم” والذي سيتم معالجته بالتسوية والنفخ وهو البشر الجديد والذي سيجعله الله بالجدير بالتقدير والتفضيل والتشريف ولذلك أمرهم بالسجود له، ومنهم الغير سوي وهم الذين أعترضت عليهم الملائكة وهم من كانوا قد أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء وشهدت الملائكة مسلكيتهم الدموية هذه ولذلك أهلكهم الله وأتى بهذا البشر الجديد “آدم” السوي حتى يخلفهم
وبالتالي أصبح يُمكننا لأن نستنتج من خلال هذه الآية الكريمة على أن طبيعة البشر هي في الأصل غير سوية، أما البشر الآدمي فجعله الله بالبشر السوي … وبالتالي إذن فلقد فشلت الملائكة في التعرف على حقيقة هذا الخلق السوي الجديد لأن كلاهما (البشر القديم والجديد) حمل صفة ولقب البشر ولذلك اختلط عليهم أمره خاصة وان علمهم محدود ومحصور بما علّمهم الله فقط لا غير
كما ولقد أتت الإشارة في القرآن على أن آدم “وذريته الآدميين” هم البشر السوي من خلال قوله تعالى “فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” سورة مريم 17
فلقد تمثل جبريل عليه السلام لمريم على صورة الخلق الآدمي أي وكأنه بشراً سوي وليس النوع الآخر من البشر، فقال تعالى “بشراً سويا” حيث كان في ذلك إشارة على البشر الآدمي والذي سوّاه الله وكانت مريم ونحن من ذُريته ….. ولو قال الله  – فتمثل لها بشراً – واكتفى بذلك أي لم يصف طبيعته السوية لأختلط علينا حقيقة هذا البشر ولكن الله حدده بالبشر الآدمي حيث لم يكُن بإمكان مريم لأن تُفرق جبريل عن بقية الخلق الآدمي فهي لم تتعرف على حقيقته بأنه ملاك بل اعتقدت بأنه أحد البشر حين خاطبته ولم تشك فيه، وبالتالي إذن فإذا كُنّا نحن الآدميين بالبشر السوي، فإذن بقي لأن نتعرف على من هم البشر الغير سوي والذي سبق خلقهم خلقنا وتعود عليهم مسلكية الفساد وسفك الدماء
لقد استعمل الله تسمية البشر للإشارة على آدم عليه السلام في
قوله تعالى “إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ”  ص 71
وقوله تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ” الحجر 28
ولكن على ماذا تعود تسمية البشر
ففي البداية نقول بأن البشر: هو لفظ في الأصل مُشتق من البشرة، والبشرة هي أعلى ما هو ظاهر من الجلد وبالتالي فهي سطحه وما اعتلاه فسبق باقي الجلد بالظهور، وتُطلق تسمية البشرعلى الذكر والأُنثى على حد السواء ويُراد بها عموم ويُراد به خصوص وهذا يُمكننا الإستدلال عليه من خلال النص و/ أو السياق
أولاً: إذا كان المُراد بالـ بشر العموم فيكون يُشير على الجنس ولا يتغير لفظ مفرده ولا جمعه كما ولا يأتي بصيغة المثنى
 ومثال على لفظ ألجمع منه نستمده من
 قوله تعالى ” وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ” المدثر 31
ففي سورة المدثر أتت الإشارة على عموم البشر واضحة
ومثال على لفظ المفرد منه نستمده من
قوله تعالى ” قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ” الكهف 110
أما في سورة الكهف ففيها قال تعالى: إنما – وقال أيضاً أنما في نفس الآية الكريمة على التوالي … وبالتالي وعند الإستدلال بحروف المعاني نرى بأن قول إنما – هو عبارة عن حرفي إن و ما، كان قد أتى هنا ليكون جواب على تساولاتهم وبالتالي ليؤكد على أن الرسول هو أحد البشر وذلك حتى يحصره في جنسهم أي فهو واحد منهم وفي ذلك إشارة على عموم الجنس، أما قول أنما فنرى بأن أنما أتت بـ – أن – وذلك للشدة في التوكيد و – ما – للحصر اي في وحدانية الله، أي فيكون القول: أنا بشر مثلي مثلكم ولكن الله فهو لا إله لكم سواه فاعبدوه
ثانياً: إذا كان المراد بالـ بشر الخصوص والحصر فيكون المعنى يُشير على علو المكانة والمنزلة والمرتبة السيادية الظاهرة، ولا يتغير لفظ جمعه ولا مفرده، ولكن يُثنّى على غير من الجنس
المثال الأول: وهو في قوله تعالى “فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ” المؤمنون 47
فمن النص القرآني أعلاه نفهم بأن فراعنة المصريين القدماء هم الأسياد وبني اسرائيل هم العبيد وبالتالي كان وصفهم لموسى وهارون بالتماثل معهم في السيادة على بني إسرائيل، فقول فرعون وملئه ” أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ” هو إشارة إلى ارتفاع وعلو مرتبة موسى وهارون على قومهم فهم أشراف القوم والممثلين عنهم وكل منهم بالبشر أي بشريف القوم وكل منهم له مرتبة مشرفة في قومهم، ففرعون وملئه لم يقولوا أنؤمن لبشر كما هو جائز ومتعارف عليه حين الإشارة على البشر كجنس سواء المفرد منه فهو بشر أو المُثنى أو الجمع فهم بشر، ولكنهم اشاروا على موسى وهارون على أنهم بشرين وقولهم ” أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ” وإضافتهم لقول “مِثْلِنَا” يُعبِّر عن استثناء موسى وهارون من الخضوع لفرعون وملئه كباقي بني إسرائيل والذين وصفوهم بالعبيد فقالوا ” وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ” وبالتالي فقولهم ” مِثْلِنَا” أي من مستوانا في علوهم وتشريفهم على قومهم وهذا فيه إشارة على ارتفاع المرتبة والتشريف، إذن فالبشر كلقب يُثنى على غير من الجنس كبشرين، وفي ذلك فالبشر كلقب هو وصف لعلو المرتبة كما كان في تنصيب موسى لإخيه هارون خليفة يخلفه على بني إسرائيل ونرى ذلك الدور بكل وضوح من خلال قوله تعالى “وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي” الأعراف 142
المثال الثاني: فنستمده من قوله تعالى “فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) سورة مريم
لقد أوصى جبريل مريم بأن تقول حين لقائها بالبشر من قومها بأنها ممتنعة عن الكلام مع أياً من الإنس، فلو كان قولها موجه لعموم البشر وكانوا هم المقصودين به كجنس لكان قول جبريل “فإما ترين أحدا من البشر بدلاً من فإما ” فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا” لأن لو كان الطلب هو لأن تقول فإما ترين أحداً من البشر لتناول قولها عموم البشر أي أياً من البشر .. أياً منهم وفي ذلك إشارة على أن قول “من” هي للتبعيض أي من جنس البشر سواء كان من قومها “وهم المعنيين وحدهم بقصة حملها” أو من غير قومها كالكنعاني من البشر أو الفلسطيني أو الفنيقي .. وغيرهم
 ولكن فلقد كان قوله تعالى “مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ً” حيث قَدَم الصفة والاسم المصاحب لدور البشر وهو لقب الأشراف من قومها فأتت “من” بيانية لتوضح مرتبة الأشراف من قومها، فالبشر هنا هم أعيان القوم وشرفائهم وأي واحد منهم يُمثلهم ويتحدث بإسمهم فكان قوله تعالى ” فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا” هو إشارة على أحد المسؤولين “أو أكثر” من بني إسرائيل ومن علمائهم على وجه الخصوص
ولكن لماذا اعتمدنا بأن استعمال “من” في قوله تعالى “مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ً” كان قد أتى للتوضيح والبيان لا للتبعيض اي أتى للإشارة على الدور والمنصب … لا على جنس البشر
أولاً: لأن الآية 26 من سورة مريم إحتوت على مُصطلحي كُل من البشر والإنس في آن واحد، فلماذا لم توصف الآية كلاهما بالبشر أو كلاهما بالإنس مثلاً سوى لأنها تفرق بين الإنس والبشر
ثانياً: أظهرت الآية دور البشر من قومها وميزته عن باقي الخلق من الإنس لأن القول موجه لهم حصرياً من دون الناس، ولكن كيف نتعرف على ذلك .. وللإجابة على ذلك هو في تدبر
قوله تعالى ” فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا” مريم 26
وفيه نُلاحظ بأن التعليمات الربانية تُملي عليها لأن تبلغهم من خلال “القول لا الكلام” بإمتناعها عن الكلام معهم ولكن كيف نفهم الفرق بين القول والكلام بحيث أنها قولها سيكون كالآتي “إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا” ومع ذلك فهو ليس كلام معهم بل قول تتلفظ به .. إذن فهنالك ما يستدعي الإهتمام ألا وهو بأن القول في العادة إما يكون املائي إلقائي ويحمل صيغة تعليمية بيانية توضيحية وغالباً ما تكون آمرة أي لا تحتاج إلى رد كما ويمكن لأن يكون القول وعظي وإرشادي، ويأتي القول على نوعين
النوع الأول: وهو يكون من طرف واحد ويحمل رسالة أو عنوان قصير ويكون بغرض إيصال معلومة محددة ولا يحتاج للرد عليه وبالتالي لا يحتاج إلى كلام أو حديث متبادل
أما النوع الثاني: فيكون بين طرفين يتبادلان القول ويكون فيه القول محدد الغرض والموضوع، أما الكلام فهو ما اتسع من الحديث المتبادل وتنوع ويشمل على كل شيء ومنه القول
لقد أخبرنا الله بأن مريم رجعت بابنها إلى قومها
فقال “فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا” مريم 27 – 28
وهنا نلاحظ بأنها لم تتبادل معهم الكلام بل بقيت صامته وهم يكيلوا لها الإتهامات…. فهم قالوا يا مريم والحديث هنا من طرف واحد .. وهي صامتة محتسبة وملتزمة بتعليماتها الربانية .. تتحمل أذاهم .. ولكنهم ابقوا على مضايقتها فأشارت إلى عيسى فردوا عليها باستهزاء واستنكار واستهتار “كيف يا مريم نكون بهذه السذاجة حتى نُكلم هذا الصبي .. فلما لا تتكلمي وتوضحي للناس حقيقة بغيك وجرمك والذي سيكون عقابه الرجم حتى الموت …. ولكن الله الذي اصطفاها وآل عمران لن يتركها بل سيُبرءها وبرسالة قوية .. وإذ بالآية يتلفظ بالقول وهو لا يحتاج للكلام معهم بل للقول وذلك حتى يُملي عليهم وهم في المقابل تغلب عليهم الدهشة والحيرة
قال تعالى ” قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . ذَ‌ٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ”  مريم 30 – 34
المثال الثالث: والذي نأخذه من قوله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28)” سورة الحجر
فهو حسب جنسه كإنسان مخلوق من طين صلصال من حمأ مسنون، والذي سيخلقه الله ايضاً كبشر من نفس مادة خلقه وما كان عليه من قبل .. ولكن ما الفرق بين الإنسان والبشر ولماذا أشار عليه بالإنسان وبالبشر
الإنسان حتى تأنس أو كانت قد أنست الأرض بوجوده، أما البشر فلأنه من قشرتها واعتلى ظاهرها
إذن فلقد لُقّب الإنسان بالبشر نتيجة دوره الجديد وليس جنسه واللَّقَبُ حسب اللغة هو: اسمٌ يوضع بعد الاسم الأوَّل لِلتَّعْرِيفِ و/ أَو التشريف .. فكان أول ما حدثتنا عن خلق الله للإنسان “آية 26” ثم تبعه الحديث عن خلقه للبشر الإنسان “آية 28” فكان أسمه الجديد والذي أتى بعد أن عرّف عليه الله بأسم الأول من خلال الإشارة على جنسه أي “الإنسان” بأن أشار عليه بالبشر فحمل أسمه الثاني التشريف الذي أراده الله له فهو البشر والذي أخبرنا الله بأنه سيُعينه بالخليفة على الأرض والخليفة هو القائم بأعمال الأرض ومن فيها فهو الحاكم والراعي لشؤونها والمُكلف بالإشراف عليها وهو الذي اصطفاه الله لهذا العمل من بين جميع مخلوقاتها الأرضية الحية فارتفع بدوره ولقبه ليسود على غيره من المخلوقات، ولكن هذا لا يعني بأن البشر لم تكن مخلوقة من قبل فلقد كانت الأرض تغلب عليها الشريعة الحيوانية وتسودها وتحكمها شريعة الغاب وكانت الحيوانات الدابة تسود الأرض وهي من أتى البشر الإنسان ليسود عليها بدوره الجديد
وللمزيد في التعريف بمصطلح البشر نقول بأن الله عز وجل كان قد قدم خلقه الجديد على أنه بشر فقال تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا” فما المقصود بهذه التسمية وعلى ماذا تُشير
فعند التحقيق بمعنى التسمية يجب علينا في البداية لأن نُخرج مفهوم البشرة إلى مفهوم أعم وأوسع وأشمل مما يتعلق حصرياً بالجزء الظاهر من جلد الإنسان والذي يغطي ويعم ويعتلي سطح الجسد وأول ما يلامس به الأشياء ويتفاعل معها وأول ما يُعرف به الإنسان على نفسه نتيجة ظهوره به كقولنا فلان ذو بشرة بيضاء أو آخر ذو بشرة حنطية أو ذو بشرة سوداء وهكذا أي إلى إحداثي آخر ليكون ذو صياغة ومفهوم جديد وذلك ليشمل على كل ما هو مصنوع من الأرض خاصة من بشرتها، ثم التعريف بمفهوم البشر من خلال علاقة البشر بالأرض أي خارج حدود بشرة الإنسان وإلى ما هو أعم وأشمل. فالإنسان والبشر كلاهما سواء إجتمعا في المفهوم أو تفرقا كانا حصيلة ونتاج الصناعة الأرضية وبالتالي لو عرّفنا على من هم البشر بشمولية واوسع لتشمل على المفهوم العام لكان البشر هو إشارة على الكيان وليس على الجزء السطحي من الجسد أو العضو في الجسد بل ليكون البشر عضو في كيان أشمل أي كيان الأرض وسطحها وإعتلاءه وبيانه فيها وعليها وبالتالي فلو أردنا للتعرف على معناها التقريبي يُجدُر فينا الرجوع إلى معناها القاموسي “اللغوي” وبذلك سنتناول قاموس لسان العرب وفيه نرى بأن مُصطلح البشر والبشرة تصب في ثلاثة معاني تقديرية نستخدمها لإستنتاج المعنى الأعم
أولها: وهو التبشير والبشارة بما هو حدث جديد، وأول الأشياء إبتداء وحدوث
ثانيها: وهو السمو والإعتلاء والظهور كما في بشرة الإنسان
ثالثها: وهو الوضوح والبيان وذلك نتيجة انفراد البشرة في مرتبتها بالمقارنة مع غيرها من الأشياء
وملخص ذلك كله وهو بان البشر هم اول من ما بشرت بهم الأرض وهم بشرتها، فالإعتلاء والظهور والبيان هو من صفات البشرة قبل كل شيء وهي مبتدأ وظاهر الشيء ولا يسبقها شيء آخر قال تعالى “فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ”  البقرة  187.  وقال تعالى “لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ” المدثر 29 . وعن قتادة قوله: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ أي حرّاقة للجلد. وعن ابن عباس: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ يقول: تحرق بشرة الإنسان، أما قول “باشروهن” فهو إشارة على ملامسة البشرة للبشرة، إذن وبما أن البشرة هي ظاهر الإنسان البشري، والإنسان البشري هو مخلوق من الطين أي من الأرض فبشرة الارض هو ظاهرها وأول ما يظهر منها أو ظهر عليها وأعتلاها، وبما أن أصل ما كان هو الدابة والتي خلقها الله سبحانه وتعالى فهي كانت دابة بشرية عموماً ولذلك فإن سُمي البشر بشراً هو لظهورهم وسيادتهم، أما وما مراد فيه هو أول الظهور والبيان وإعتلاء السطح هو نتيجة ملامسة هذه الدواب لسطح وبشرة الأرض وهذا فيه ملامسة ومباشرة كما في الجماع بين البشر ومباشرة الزوج لزوجته والذي فيه تلامس سطحي الجسد وذلك التشبيه هو فقط في غرض التقريب لا أكثر فهي تكون بشر وأول ما بُشرت به الأرض واعتلي بشرتها وسطحها ونتيجة قوتهم وشدتهم وإستعمارهم للأرض والبقاء فيها مسيطرين كان لهم الظهور الأعظم والسائد على غيرهم من الكائنات الدابة فظهروا وسادوا وأعتلوا على غيرهم وباشروا الأرض بوجودهم وإعتلائهم على سطحها
فحسب (مقاييس اللغة) فإن البشرة هي ظاهِرُ الجلد في كل من الإنسان والأرض، وسُمِّيَ البشرُ بشراً لظُهورِهم وهو أول ما يُبشر به وفي (لسان العرب) نقول أبشرتِ الأَرْضُ إِذا أَخرجت نباتها، إذن نقول والعكس صحيح أي إذا أخرجت الأرض نباتها فقد أبشرت أي جعلت من فوقها بشرها أي البشر
قال تعالى “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ” سورة لقمان 10
فالدابة كما أشارت عليها الآية الكريمة  بأشكالها المتنوعة هي أول الكائنات الحية التي أسكنها الله في الأرض واعتلت بشرتها وبالتالي كان منها أول الأمم التي سكنت الأرض والذي في وصفها
قال تعالى “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم” الأنعام  38
 فشمل قوله هذا على أمم الديناصورات الدابة وأنواعها المتعددة من زواحف وطيور “الدواب البشرية العظام” كما نستدل على ذلك من علم الحفريات وبقايا الفوصل وهي أمم البشر التي رامت الأرض لملايين السنين وبدون منازع وبالتالي فهم على الأرجح من أشار عليهم الملائكة بالفساد وسفك الدماء
لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى للسير والبحث في الأرض وذلك بقصد التعرف على بدء الخلق
فقال الله تعالى ” قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” سورة العنكبوت 20
إذن فلو أردنا التعريف بمصطلح الدابة الذي نستمده من نص الآية الكريمة من سورة لقمان فنقول بأنه لابد وأن يشمل على جميع الكائنات “المخلوقات” الأرضية الحية التي بدأ الله بها الخلق بشكل عام وكان ذلك نتيجة تحليها جميعا بصفة وخاصية الدب والدبيب وهذا يشمل إذن على كل ما دب على الأرض من الأحياء الأولين، وبالتالي يكون من الممكن الإستدلال على أن الدابة هي الحيوان أو الكائن الأرضي بجميع أصنافه وأشكاله وأحجامه وذلك ما شمل عليه من إنسان غير عاقل أو حيوان وهذا ناتج من خلال قول الله تعالى بأنه أول ما بث في الأرض هو الدابة حيث لم يُشير على الحيوان أو الإنسان بالتحديد “ونُشير هنا بالطبع على الإنسان الغريزي أي الإنسان البدائي الأول وذلك نتيجة تدني قدراته العقلية الذكية وتعاظم دور الغريزة في مسلكيته وتركيبته النفسية الوحشية بالإضافة إلى إشتراكه مع الدابة بالخواص الفيزيائية والجسدية المنسجمة مع ظاهرة الدبيب والتي اراد الله ليُخبرنا بخضوع الأحياء المخلوقة جميعها لتأثير عامل الجاذبية الأرضية وتوضيح آلية التفاعل معها عن طريق خاصية الدب.
كما ولقد وضّح الله تعالى لنا تعدد أشكال الدابة وطبيعة تفاعلها مع الأرض فكان منها التي تمشي على بطنها، وكان منها من يمشي على رجلتين إثنتين كالإنسان وغير ذلك من الحيوان والطير، وكان منها التي تمشي على أربع والأخر مما خلق الله، فالدابة (وجمعها دواب) إذن هي كل ما دب من غير العاقل من الأحياء سواء كانت من الإنس أو البشر الأولين أو من امم الحيوان العديدة، وكان في ذلك
قوله تعالى “وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” سورة النور 45
فنحن لم ندعي ولن ندعي من خلال مادة هذا البحث ولا حتى من خارجه بأن أصل الإنسان هو قرد أو غيره من الحيوان وبالتالي كان بأن تطور وتحول ليصبح إنسان، ولكن فإن نفس الإنسان “العاقل وغير العاقل” هي في أساسها كانت ولا زالت غريزية فهي أمارة بالسوء وهذا ما يُفطر عليه الإنسان ومغروس ومُتأصل في كيانه وذاته وهذه صفة حيوانية تقربنا أكثر من مفهوم وفعل الدابة حين تنحدر فيه إنسانيتنا وتسقط بفعلها وسلوكها، فالدابة وما كان عليه الإنسان الأول والذي لم يكن يملك آلية للإدراك السمعي والبصري وعاش بغريزته حتى تم إرتقاءه بشخص آدم وهذا لا يعني بتاتاً بأن أصل آدم الإنساني هو حيواني بل أصله الإنساني الأولي التحضيري كان دابة من الإنس الغير عاقل ولذلك أطلقنا عليهم في بعض الأحيان مصطلح الإنسان الدابة حيث كان وصف الدابة “مرة أُخرى” قد شمل على كل شيء كان قد إتصف بخاصية الدبيب وانسجم في تكوينه وتعايشه مع باقي الدواب من خلال وجود مادي مصحوب بواقع غريزي ووحشي متفاوت وذو قدرات عقلية محدودة وغير عاقلة
إن من عجائب خلق الله تعالى وقدرته خلقه للدابة … دابة كانت تحكمها الغريزة لا غير، فقادتها لتعبث في الأرض فساداً ولتُسفك الدماء كغيرها من الدواب لا تعرف التقديس والطهارة …. ثم ولحكمة من الله يُعيد الله خلقه لهذا الإنسان الدابة بنشأة جديدة ويهبه مرتبة البشر “أي الخليفة”، إنسان عاقل “بشخص آدم” مُحدَّث وجديد يتحلى بسلاح العلم والقدرات الذكية وذلك حتى يتغلب على همجية وبدائية إنسانيته الدابة والتي بقيت ولا زالت مغروسة ومستأصله ومتجذرة في داخله وفي تكوينه، فهل سينجح الإنسان الآدمي أمام صراع الإرادات هذه وهذا الإبتلاء وهل سيكون بالقادر على حمل الأمانة الآن خاصة وأن قوته في عقله وضعفه في غريزته ويُكلف هذا الإنسان الجديد والمعاصر بالعبودية لخالقه ولان يتغلب على بدائية إنسانيته وينتصر عليها ويكبح قدرتها وسيطرتها العدوانية عليه ويعمل على سلخها عن نفسه ويتركها وراء ظهره كحلّة بالية لتُصبح نفسه إنسانية طاهرة صافية من الشوائب والخبث، وحينئذ وحينها فقط يتقبله الله ليكون ممن يُدخلهم في عباده وجنته
إن المُسْتَحَاثَات “أو الأَحَافِير والمُتَحَجِّرَات كما يُشار عليها أيضاً” هي بقايا حيوان أو نبات كانت محفوظة في الصخور أو مطمورة تحت الأرض تم تحللها على مر الأحقاب الزمنية والجيولوجية المختلفة فباتت تظهر لنا أشكال الحياة بالأزمنة السحيقة وظروف معيشتها، لقد أثبت لنا العلم الحديث نتيجة دراسة المتحجرات والمستحثات على وجود إنسان أولي دابة وله خصائص بدائية تجعله أقرب للحيوان منه للإنسان المعاصر، ولقد تم إلى حد الآن اكتشاف العديد من أنواع هذا الجنس البدائي الأول ومنه: إنسان نياندرتال، إنسان بحيرة رودولف، الإنسان السالف، إنسان جيورجيا، الإنسان العامل، الإنسان الماهر، الإنسان المنتصب إنسان سيبرانو، إنسان فلوريس، إنسان هايدلبيرغ، إنسان روديسيا، الإنسان العاقل القديم، والإنسان الحديث “الإنسان العاقل الأول/ الإنسان العاقل العاقل”. وكان على الرغم من توفر الأدلة العديدة على وجود الإنسان البدائي الأول بإختلاف أجناسه وأنواعه ألا أنه لم يتمكن بل وفشل في صنع الحضارة أو بناء المجتمعات الإنسانية أو كان بالقادر على الإرتقاء، ولا يوجد من الدلائل العلمية ما يُشير على عكس ذلك، وكان نتيجة ضعفه وعدم قدرته وتخلفه بأن إنقرض، أو على الأصح مات وبقي في جمود حياتي وبقينا لا نعلم عنه الكثير إلى أن أتت البشرى بالنباء العظيم
إن الإنسان الأول بأنواعه وأجناسه المختلفة والخلق الإنساني الآدمي وخلق المسيح الإنسي ينحدرون جميعاً من أصل واحد، وبالتالي فحين نتكلم عن الإنسان العصري فلابد لنا لأن نتطرق لماضيه وليس لحاضره فقط ونتسائل عن جوهر وأصل خلقه، فالإنسان منذ بدء خلقه الأولي وإنتهاءاً بحضوره المُشرف بهيئته الجديدة كان قد أخضعه الله للعديد من المراحل الخلقية والتطويرية والهندسية الجينية المعقدة كالتحسين والبناء الهيكلي والبناء العقلي الباهر والتي أحدثت وأدخلت التغيرات والتحديثات الجمة وتسببت لما هو عليه اليوم من التطور والرقي والتقويم والتي أوصلته إلى هذه المراحل المتقدمة والذكية وميزته عن أجداده البدائيين الأوائل وعزلته عن نسبه وما عُرف به بكونه بدأ كدابة، فلقد أخبرنا الله بأنه خلق الإنسان من قبل خلقه لنا، ولم يقف عند هذا الحد بل أخبرنا أيضاً بأن نقطة البداية لخلقه أو خلقنا أي نحن معشر الإنس كان من مادة الطين وهي نفس المادة التي خلقنا نحن “الجنس الآدمي” منها أيضاً على الرغم من الفروقات الواضحة في التحسين الذي طرأ علينا بالمقارنة مع الخلق الأول
متى ينحدر الإنسان بمستواه ليصبح شبيهاً بالدابة
أما في التعريف بظاهرة تشبيه الإنسان العاقل لهذه المفهوم الدابي أو الدابة فلقد كان من خلال التعريف بمجتمعات أمم الحيوان ومشابهتها للمجتمعات الإنسانية ودورها في تكوين المجتمعات الحيوانية المبنية على السلوك الإجتماعي كالأمومة والترابط الأُسري وحماية صغارهم وتوزيع مهام العمل والتكاثر الجنسي والتعايش بين الأنواع والنزاع على الزعامة ودفنهم لأمواتهم وغيرها والتي أكد عليها العلم الحديث بعد العديد من الدراسات العلمية والمبنية على المراقبات البصرية والتصويرية والسمعية المكثفة، وكان لنا في الغراب والنمل أكبر مثل على ذلك، وكان قول القرآن الكريم قد سبقهم بالإشارة عليها بحوالي الألف وأربعمائة عام مضت والتي فيها كان
،
قوله تعالى “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” سورة الأنعام 38
ففي الآية الكريمة أعلاه نستدل وبوضوح على دليل مشاركة الإنسان لمفهوم الدبيب وذلك نتيجة تفاعلاته الجسدية مع البيئة الأرضية المادية والإجتماعية والتي يتشارك بها مع جميع أمم الحيوان، وفيها أيضاً وبالتحديد يُخاطب الله الناس وهم المعنيين كافة برسالة القرآن وهذا فيه إذن الإشارة الدقيقة على إشتمال وإحتواء الناس وتوافقهم وإنسجامهم مع هذا المفهوم للدابة والتي عُرِّفوا بها وبالتالي فعملت على التعبير عن هوية الإنسان البدائية الدابة، وكان هذا التعبير للناس الدابة أو الإنسان الدابة في غاية الوضوح فيما أُشير إليه في القرآن الكريم أيضاً في
قوله تعالى “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّاتَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ” سورة النحل 61
وقوله تعالى ” وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَاتَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا” سورة فاطر 45
اسمحوا لي لأن أوضح أمراً قد التبس على البعض في تفسيرنا لقوله تعالى “قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” على أنها تجمع فيما تُشير عليه بين كل من البشر الأولين من الأمم الدابة والآدميين من البشر … ولذلك نُشير عليهم للرجوع لآيتي سورة النحل وفاطر أعلاه وذلك من أجل التعرف على وجود فئة من الناس من الذين ينحدرون في تصرفاتهم وسلوكياتهم إلى مستوى الدابة وذلك عندما يظلمون ويُفسدون ويسفكون الدماء وإلا لما أشار الله سبحانه وتعالى على الناس كذلك أي بتشبيههم للدابة بعد تكريم وتفضيل، وبالتالي فلولا أن من الناس من هم في سلوكهم يتغولون وتطفوا حيوانيتهم الغريزية فوق إنسانيتهم وتسود تصرفاتهم الهمجية والبدائية عليها لما أخبرنا الله بهذه العلاقة المثيرة والجدلية للكثيرين من الناس
قال تعالى “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ” سورة الأنفال 55
ولو نظرنا في قوله تعالى أعلاه لرأينا بأن الله يُشير على الكفرة بأنهم أشر الدواب “ومفردها دابة” إذن فما الفرق بين الدابة والكافر من الناس .. والجواب: لا شيء
فهذا الخطاب القرآني في الآيات الكريمة هو للناس وبالتالي فهو يقربنا من فهم مصطلح الدابة وعلاقتها بالناس والإنسان، ولذلك كُنّا قد أطلقنا على الإنسان البدائي الأول مصطلح الإنسان الدابة ليس نتيجة تحوله إلى دابة أو تحوله من دابة إلى إنسان بل كان نتيجة إشتراكه مع الدابة بظاهرة الدبيب كصفة متأصلة في بنيانه وتكوينه والأهم مسلكيته ونُضيف على ذلك إفتقاره للقدرات العقلية الذكية وبالتالي فقدانه لقدرته على الإدراك وعدم توظيف هذه القدرات من أجل التعرف على الله وفيهم قال تعالى “أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” الأنبياء 67
فلقد بيّن الله للبشر الآدميين أوجه التقارب والتشابه في الخلق فيما بين الدابة وبينهم وكان في ذلك كما سبق وأشرنا عليه في “سورة الأنعام 38” حيث أن هذا الخطاب القرآني للبشر الآدميين أتى ليُعرِّفهم بدقة حجم التقارب بينهم وبين كل ما خلق في الأرض من الدابة، وبالتالي فإن الدابة الأولى والتي ظهرت على غيرها بشدتها وقوتها وعمارتها وأثارتها للأرض وتركها لآثارها فيها وكانت أول من ظهر من الدابة على سطح الأرض هاهي اليوم تتشارك بالمفهوم العام مع مصطلح البشر والذي أصبح يُطلق على الآدميين
واليوم .. فهاهو الإنسان وبعد رحلة تحوله من إنسان بعقليةٍ دابة إلى إنسان آدمي عاقل أصبح يرتقي بمفاهيمه ويخضع ويُسَخِر ما حوله لخدمته ومسيرته. … طريق سلكه الإنسان فعبر به العديد من محطات التاريخ وملايين السنين فكانت رحلة طويلة ولكن إنتهت بهلاكه وموته ومن ثم لحقها خلقه ونشأته من جديد، بدأ الإنسان بها رحلة الحياة لا يمتطي ظهر دابة بل كان هو بنفسه دابة حتى تم إصطفاءه وتحديثه وتكليفه وتكريمه وتفضيله، وكان له قصة وحكاية سطرت في كتاب الله لتكون عبرة ودرس لمخلوقاته وعبيده. إذن فإذا كانت الكائنات الدابة الضخمة هي أول ما كان قد أُنبِت من الأرض من بين الكائنات المتعددة والكثيرة التي بثها الله وهذا نستمده من قوله تعالى “وبث فيها من كل دابة” فهي كانت من بين أول من اعتلى سطح الأرض وكانت ظاهره على غيرها من الأحياء الدابة، فكان منها الكائنات الحية الضخمة والتي عمرت الأرض لملايين السنين وحكمتها بوحشيتها وأسالت الدماء وأفسدت فيها وأتى العلماء المتخصصيين ليؤكدون بأن الكائنات الدابة الضخمة هي فعلاً كانت من بين أول من وجدت وظهرت وأعتلت سطح الأرض، وبقاياها الكثيرة من متحجرات وفوصلز “بقايا الكائنات الحية الدابة المتحجرة” لهو أكبر دليل على ذلك
.
إشارة القرآن على البقايا المتحجرة والمتمعدنة للدابة أي على  البشر الأولين
لقد أشار القرآن الكريم على “الـفوصل” أو المُتَحَجِّرَات من بقايا الديناصورات الدابة العظام وغير ذلك من الكائنات المنقرضة الأخرى من خلال
قوله تعالى “وقالوا أإذا كُنّا عظاما ورفاتا ائنا لمبعوثون خلقا جديدا. قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا” سورة الإسراء 49 – 50
فعند قراءتنا لهذه الآيات الكريمة من سورة الإسراء لا يسعنى سوى التفكير العميق بما هو مقصود ومعني هنا من الإعجاز وخاصة لما هو مُشار إليه بالحجارة وبالحديد ودورهم في الإحلال بالصورة البدلية مكان هذا الإنسان بلحمه وعظمه، فلنتسائل معاً عن ماهو القصد الحقيقي من وراء تسديد هذا المثل الآلهي والذي لم يُذكر بدافع الصدفة وإنما حتماً كان له الأبعاد الإعجازية العميقة ولذلك فلقد رأيت بأن الضرورة تتطلب التعمق بالدراسات العلمية حتى نتحقق فيما إذا كان للإنسان أو الكائن الحي تواجد على هذه الصورة وفي هذه الحالة من الوجود الحديدي أو الحجري في أي من مراحل الرقود والممات.
لقد كان نتيجة الدراسة العلمية ومشاريع التنقيب والبحث العلمي بأن تعرفنا على الوجود المتحجر لبقايا الكائنات الحية والتي أطلق عليها العلم الحديث المتحجرات أي (الفوصل) وهي عبارة عن الهياكل العظمية المتحجرة أو بعضاً من أجزائها بالإضافة إلى بعض الأنسجة للكائنات الحية الميتة والمتواجدة في التربة والتي كان قد إنقضى على دفنها على الأقل عشرة الآف عام فما أكثر والتي يتم الحصول عليها وإستخراجها عن طريق الحفر والتنقيب والمدهش بالأمر هو ليس العثور على هذه البقايا بل هو التعرف على خاصيتها الفيزيائية والتي فيها يكون يكون المعدن والحجر قد حل بديلاً عن مركباتها العضوية، كما وأن هذه المتحجرات لا تتشكل خارج التربة بل في داخلها وبعد الدفن سواء بفعل العوامل الطبيعية وإنجرافات التربة أم غيرها
إن الجدير بالذكر وهو بأن المتحجرات والتي أصبحت معنية في دراسة أصل الحياة ونشأتها وتطورها على كوكب الأرض تتواجد عادةً من ضمن طبقة الصخور الرسوبية والتي تُمكننا من تقدير وحساب عدد السنين التي إنقضت على وجود هذا الكائن الحي، فالمتحجرات هي عبارة عن بصمات ودلائل الأطوار الحياتية المختلفة حيوانية ونباتية برية وبحرية وهي إما تكون على شكل ورقة شجر أو غصن أو حشرة أو صدفة أو تكون بقايا لهيكل عظمي لحيوان أو إنسان أو بعضاً من الأجزاء العظمية أو الأنسجة فقط ومنها القفص الصدري والجمجمة والفك والأسنان وماشابه ذلك والتي نتعرف من خلالها على هذا أو ذاك الصنف والذي وجد وعاش في إحدى العصور الجيولوجية القديمة وبقيت أثاره محفوظة داخل طبقات الأرض الصخرية الرسوبية حتى يتم العثور عليه من خلال عمليات الحفر أو بالصدفة
لقد إعتمد العلماء في دراساتهم على إتباع طرق البحث الحديثة وذلك من أجل القراءة الدقيقة للتواريخ وكان من أهم ما أستخدموا في هذا المجال هو إستعمالهم للعناصر ذات النشاط الإشعاعي ومثال على ذلك اليورانيوم والموجود في داخل طبقات الصخور وبذلك إذن فلقد أصبح العلماء اليوم قادرين على بناء تاريخ الأرض القديمة وإستخلاص الدراسات التفصيلية لأي من المناطق المحددة والتي تم التعرف على وجود المتحجرات فيها
قال تعالى “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ “ سورة العنكبوت 20
والآن لنرجع إلى تساؤلات الكفار والمشركين والمليئة بالسخرية والإستعجاب من نبينا محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) وشكوكهم في مقدرة الله سبحانه وتعالى ورب محمد على البعث أو إعادة خلق الإنسان من العظام أو الرفاث أو حتى التراب
قال تعالى “أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَ‌ٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ” سورة ق 3
حيث وكانت تسائلاتهم مليئة بالإستنكار والتكذيب والشكوك في قدرة الله وصُدق القرآن وهنا أتى التحدي الأعظم بالرد على شكوكهم الضالة وبقوة لم يكونوا قد عهدوها وفي ذلك قال تعالى “قل كونوا حجارة أو حديدا” فما هو واضح أولاً وهو بأن هذه الإجابة كانت قد أتت للرد على التساؤل والذي هو متعلق بالتغيرات التي تتم على الكائن الحي بعد الموت وبقي الرد محصور بهذه العملية، أي إن لم تكتفوا بردكم من العظام والرفاث والتراب فما رأيكم بمرحلة أبعد على تفكيركم وعلومكم وستكون إنجاز علمي وعبرة مستقبلية للأجيال القادمة، والتي دُعيت في العصور اللاحقة والحديثة بظاهرة التحجر، فلقد أشار القرآن الكريم على شيء لم يكن معروف آنذاك في عهد نزول الرسالة أو قبلها ولم يتعرف عليه سوى حديثاً كما وأن هذه الظاهرة التي حدّث عنها القران تحتاج إلى عشرات الآلاف من السنين حتى تصبح في هذه الحالة الحجرية أو الحديدية. فالله العلي القدير والذي خلقهم اول مرة ليس بعاجز عن خلقهم من جديد أو إعادتهم من المراحل والأطوار الأخرى والتي هم عاجزين عن إستيعابها وإدراكها والتي تحدث بعد الموت حيث تتحول فيها الأجساد لتُصبح مواد متحجرة وحديدية
لقد كان من الواضح بأن هؤلاء الكفار المتعنتين لم يتمكنوا من فهم أو إدراك ما تحتويه هذه الآيات الكريمة في طياتها وذلك يرجع لسببين وأولهم هو نتيجة عدم إكتشاف المتحجرات أو حتى وجود أي من الدلائل التي تُشير على حدوث هذه الظاهرة للتحجر في زمنهم والتي كانت مجهولة منذ الأزل إلى أن تم الإشارة عليها بالقرآن الكريم، وثانياً هو عدم سلوك طريق الإيمان في الإجتهاد والبحث والتقصي ومحاولة تفحص الإشارات العلمية القيمة وذلك على الرغم من وضوح لسانها العربي، وبالتالي عجزوا عن فك كلام الله الموحى به مع أنهم كانوا أول من أتيحت لهم الفرصة بالتساؤل والتفكير بعظمة خالق هذا الكون، فالظروف كانت مهيئة ومتاحة لهم نتيجة تمكنهم من العامل اللغوي والفصاحة العربية ليعملوا على بيان وتحليل وإجلاء الغموض المحتوى في سطور الآيات الكريمة ولكن الإيمان لم يكن قد ملأ قلوبهم فعميت عن رؤية الحق، فهم لم يؤمنوا بالغيب بل حتى لم يؤمنوا بتاتاً فكيف لهم بأن يستهدوا، وبالتالي عجزوا عن تفسير المفهوم العلمي هم وغيرهم
إننا نجد العديد من المؤمنين بقدرات الله يدّعون بأن هذه الظاهرة ليست بالمستحيلة وهي تقع في آطار المُسلمات والإيمان الأعمى بالقدرات الربانية ومن خلال قدرة الله والتي تتجلى في كلمة (كن) وحدها، ولكن فإن مخافة الله والإيمان به يكمن في إبداعه ورؤيتنا لهذا الإبداع الخلقي والتساؤل والتعجب منه وذلك حتى نزداد إيماناً، فإيماننا يولد من خلال النظر في أنفسنا أو في الطبيعة المحيطة بنا أو في ألأفق اللانهائي وفي كل مكان، وكلما زدنا في التفحص والتساؤل إزددنا عمقاً بفهم ماهية هذه العظمة المطلقة وإزداد معها إيماننا بقدرات الله، ولذلك فيجب علينا شرح هذا المضمون وذلك حتى يتم التبليغ والتأكيد والتبشير بهذه الديانة السمحاء فالدليل العلمي لابد منه وقولنا للناس بأن الله قادر على أن يحولهم من حجارة وحديد وغيره بكلمة كُن ونعتبرها الوصفة السحرية لكُل شيء ونكتفي بذلك فهو خطأ لأن قدرة الله وعظمته لاشك فيهما ونحن لسنا بحاجة لإثبات ذلك … ولذلك فعلينا بإستخلاص العبر من القرآن ونريد التأكيد على الدلالة العلمية والتي تم الإشارة إليها بغرض البرهان وعلينا بالإستفادة منها كدليل وآية وأعجوبة نادرة فإن كان قولنا لكل شيء بأن الله قادر ونتهم بعض بالكفر والتشكيك بقدرات الله فنحن سنكون وسنبقى عاجزين ولا نعي الغرض الحقيقي من علوم القرآن ولا نتفهم الغاية من السير بالأرض والبحث فيها كما ذكرنا سابقاً ولذلك نُعيد ونُكرر على وجوب وضرورة البحث والتنقيب والتجوال في الأرض وذلك حتى نعثر على كيفية حدوث الخلق وكيف كانت قد تكونت وتشكلت الحياة بكل أطوارها وحقباتها التاريخية وما أحتوت عليه من إنسان وحيوان ونبات وجماد، فلقد إستودع الله سبحانه وتعالى كيفية بدء الخلق ونشأته فيها وشجعنا وحثنا بالبحث والتعرف عليها فقال يأمرنا بذلك ولم ينهانا عنه أو كان قد أخبرنا بأن الضلوع في بحث من هذا النوع لهو بالحرام والكفر ولكن على العكس فلقد حذرنا الله من الكذب عن طريق التحليل والتحريم ونسب الاكاذيب إلى الله لأن هذا فيه إفتراء على الله، فمن له الحق لأن يتقول على الله وينسب إليه ما لم يحلله أو يحرمه، فقال الله تعالى في كتابه العزيز مخاطباً اهل البدع اليوم والذين يؤولون ويكثرون من التحريم وعلى هواهم بعد أن ينسبوها إلى الله ويمنعون الناس من التفكر والتساؤل، ويتطاولون ويُشرِطون ويُصعبون ويُعسرون على الناس أمورهم الحياتية بدلاً من الإحتكام لكلام الله وقرآنه وسنة نبيه،
قال تعالى “وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَالٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ.” سورة النحل 116
فلقد دعانا الله ومباشرة للبحث في مملكته وارضه ولم يطلب منّا التنحي ودفع هذا الأمر للغربيين من أمريكان وأوروبيين وغيرهم حتى يُخبرونا هم بما إحتوى عليه ذكرنا وقرآننا ونستثني أنفسنا كمسلمين من هذه المهمة
قال تعالى “لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” سورة الأنبياء 10
فلم يكن أطوار التحول إلى الحجارة والحديد تم إكتشافه حتى القرن التاسع عشر حيث أتى الجواب على تساؤلاتهم وحيرتهم مفاجئاً ولم يكُن متوقعاً أو بالحسبان وفيه تحدي وتصريح بهذه الحالة الجديدة والتي لم يسبق لأن عهدها أو شهدها الإنسان من خلال تعامله مع الأجساد الميتة من قبل وما يمكن لأن يطرأ عليها من مزيد من التحول او التغيير، فنحن نعلم بأن ما يطرأ على الجسد الميت بعد العديد من السنين هو بأن يتحلل تدريجياَ حتى يُصبح تراب (حبيبات ذرية – ذرات)، ولكن فما هذا الجديد والذي يُخبرنا الله تعالى عنه والذي كان فيه
قوله تعالى “قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا” سورة الإسراء 50
وهذه الحقيقة المادية التي أعلن عنها الله سبحانه وتعالى لا تحدث لهم بعد موتهم وإنقضاء البضع من السنين ولا حتى بعد إنقضاء المئات من السنين ولا يُمكن حدوثها في جميع البيئات والتي يحصل فيها الدفن معينة حتى تكتمل حدوث هذه المرحلة، فهي تخص تربة معينة ذات خصائص معينة وتخضع لظروف معينة، وهذا أقرب للخيال منه للحقيقة بالنسبة لمن يجهل حصول هذه الحالة ولم يكن عهدها أو إكتشف حدوثها بعد، وذلك نتيجة حدود علم الإنسان وقدراته البسيطة والمتواضعة، ولكن فلقد اتى هذا التصريح من أجل دعم حقيقة وجود هذا الخلق الإنساني والبشري المتحجر أو المتحدد والذي نرى الإشارة الواضحة عليه من خلال هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء والتي فيها يعطي الله تعالى مثلاً لأن يكون عليه الخلق الآدمي “الإنساني” على هذه الشكل من التحجر والتحدد، ولكن لربما إدعى البعض بالقول على أن هذا المفهوم للتحجر كنّا قد تعرفنا عليه من خلال تعرفنا على المومياء (الفراعنة المصريين) ومن خلال إكتشاف الرجل الجليدي أي بأننا نُدركه من خلال ظاهرتي التجمد والتحنيط، والتي يمكن حدوثها في معدلات زمنية أقل أي عشرات ومئات وحتى الآلاف من السنين
.
إن عملية التحجر المذكورة في قوله تعالى لا تحدث أو توصف عن طريق تحول جسد الميت ليكون شبيهاً بالحجر أي من خلال ظاهرتي التحنيط أو التجمد أي تجمد الخلايا والأنسجة أو من خلال الخضوع لعملية تحنيط وتنشيف كامل مع الإبقاء على المادة العضوية الأصلية لبقايا الميت وفيهما يكون الكائن المحنط أو المتجمد أي مادتهم العضوية كالحجر أو الحديد ولكن ليس في جوهر الحجر أو الحديد وحقيقتهم ومحتواهم الكيميائي وتركيبتهم الفيزيائية كما تم ذكره في التنزيل العزيز والذي هو أشد عبرة واعظم آية وله أبعاد كبيرة ويختلف حدوثها تماماً عن ظاهرتي التحنيط أو التجمد، فقوله تعالى (كونوا حجارة أو حديد أي يتحداهم ليكونوا تماثيل مسكوبة من الحجر أو الحديد الخالص في جوهره وتكوينه وذاته فهو لم يقل كونوا (كالحجارة أو كالحديد) بل قال كونوا حجارة أو حديدا أي تحولوا بالخالص إلى حديد أو حجارة … ولكن كيف يتم ذلك ونحن كائنات عضوية ونختلف في تركيبتنا عن الحجر والحديد ويشكل الماء أكثر من سبعين بالمائة من تركيبتنا ونعلم بأن جسد الميت في النهاية يتحلل إلى تراب ولا يُصبح هو بذاته حجر أو حديد ….
كما وقد أشار الله على قدرته لإعادة الخلق الإنساني من أطوار وهيئات أخرى تختلف عن هذا الطور الحجري والمعدني الحديدي
فقال تعالى “أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا” سورة الإسراء 51
وكان ذلك واضحاً من قوله تعالى “أو خلقاً مما يكبر في صدوركم” وهذا التحدي الشامل لهؤلاء الصاغرين هو ليثبت قدرة الله المطلقة على إعادة الخلق من أي من الأشكال والتي قد تخطر ببالهم حتى أبعد من الحديد والحجر ألا أن هؤلاء المشركين أصّروا ببقاءهم على العصيان والتعنت والشرك ولكن هاهو القرآن الكريم وكما عودنا دائماً يجعلنا نقف أمام أفق جديد، فهو القرآن والذي لا تنقطع عجائبه يحضر إطلالة وخبر من عالم قديم فيخبرنا بتحول البقايا الميتة للإنسان والحيوان وحتى النبات إلى حجر من المعدن الخالص، فالحديد هو أساس المعدن والمعدن هو جوهر الحجر، وحدوث مثل هذه الظاهرة للتحجر أو التحدد لا تنشأ إلا بعد إنقضاء العامل الزمني البعيد جداً ولربما لن يشهد حصولها الإنسان المعاصر لأن بقاءنا نحن الآدميين مرهون بإنقضاء هذا الأجل المسمى عند الله ونريد لأن لا ننسى قوله تعالى عن إقتراب الساعة وبها إقتراب الأجل وفي ذلك نستشهد بقوله تعالى
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا” سورة الأحزاب 63
فكيف للسائل إذن بمعرفة ماذا يحدث في عشرات أو مئات الألاف من السنين، وذلك إذا ما تم قياسه ومقارنته بمعدل متوسط عمر الإنسان والذي لا يزيد عن الستينات أو السبيعينات أو الثمانينات أو بإنقضاء أجل البشر وفناءهم، فكيف لنا بأن نشهد هذا التغيير والتمعدن علينا نحن والذي يحتاج حدوثه عشرات أو مئات الآلاف أو حتى الملايين من السنين ولكن فهي شهادة من حجر وحديد كانت على وجود خلق كان قد قُضِى أجله منذ زمن بعيد
لقد إختلف العلماء في تحديد عمر الإنسان الحديث (الجنس الآدمي) فمنهم من قدّر عمره بمئات الألاف من السنين ومنهم زعم بأنه لا يتعدى المئة ألف سنة ومنهم من قدره بعشرات الألاف فقط “اربعين ألفاً” ومنهم من إكتفى بعشرة أو إثني عشرة ألف من السنين، وكما نُلاحظ فإن جميعهم في حيرة وليس منهم من يعرف الجواب الصحيح وبقوا في حيرة أكبر وهي كيف تم تحول الحبيبات الطينية إلى خلايا حية، فلماذا بقيت حيرتهم هذه سوى لأن الله تعالى لم يشهدهم على خلقه للسماوات ولا للأرض ولا خلقه لأنفسهم فدعهم يتخبطون ويدّعون باطلاً كما يشاؤون
قال تعالى “ما أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا” سورة الكهف 51
لقد كانت الإشارة على الحجر والحديد هي بقصد التعريف بوجود هذا الكائن المنقرض من بشر وإنسان وذلك أتى التشبيه من خلال كوننا نحن الناس أيضاً بشر وإنسان مجتمعين في وحدة واحدة من الجنس والمنزلة ومن خلال إحتمالية حدوث هذه الظاهرة لنا نحن البشر الآدميين وقياساً عليه ما كان قد حصل للسابقين والأولين من المخلوقات، وياتي العلم الحديث ليكتشف وجود هذه الكائنات الحجرية ومنها الحديدية المنقرضة، ومن خلال البحث في المناطق العديدة من الأرض نقوم بالعثور على هذه الآثار الباقية والمتبقية منهم والتي شملت على بقايا للإنسان البدائي وللحيوان المنقرض بأشكاله المتعددة ومنه الآثار العظيمة والضخمة للديناصورات، أو هكذا أحب الغرب والذين إكتشفوا وجودها لأن يطلقوا عليها هذه التسمية، وبذلك تمكنّا من خلال البحث في الأرض بأن توصلنا إليه ولمعرفته وذلك بجهد الغربيين من علماء وباحثين وكانوا قد سبقونا إليه وكنّا نحن قد تجاهلناه وضللنا عنه وذلك على الرغم من قول الله لنا “سيروا في الأرض” وقوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ
إن الدليل المادي على حدوث هذه الظاهرة النوعية والعجيبة متوفر اليوم وذلك من خلال العثور على بقايا أكثر من صنف إنساني بدائي أولي كان قد وصل إلى هذه الحالة، ومن خلال دراستها التفصيلية يتم التعرف على البقايا المتحجرة للحيوانات البحرية والنبات والحيوان والإنسان الحجري الأول والديناصورات وحتى الجرثوميات وغيرها من بقايا الحيوانات المتعددة التي جالت الأرض فيما قبل التاريخ، إذن وحين يتم تفحص التربة أو القيام بالحفريات ودراسة المتحجرات والأثارات المتعلقة بالوجود الإنساني أو الحيواني يمكننا للإستدلال والتعرف على أصلنا الآنساني وتركيبته الجسدية البداية الأولية والتي سبقت التسوية والإعتدال والإستقامة والتحديث والتغير التي خضع لها الخلق الآدمي، أما عملية حفظ المتحجرات هذه فهي تتم بفعل ستة طرق مختلفة والتي أصبحت معروفة لنا اليوم كما يلي
أولاً: الحفظ السوي، كحفظ الحشرات من خلال المادة الصمغية المتصلبة للشجر
ثانياً: التفحم أو الكربنة، الحفظ من خلال البقاء على المادة الكربونية أو الكربون فقط وذلك بعد التخلص من الهيدوجين والأكسجين والنيتروجين
ثالثاً: الحفظ القالبي، وهو حفظ للقالب الخارجي فقط وليس حفظ للعضو وذلك نتيجة ذوبانه أو تحلله
رابعاً: إعادة البلورة أو التبلور الطبيعي، إتحاد البلورات الصغيرة لتشكل معدن مستقر أكثر وذو بلورات أكبر حجماً
أما أهم عمليتيين للحفظ فهما
خامساً: التمعدن، حيث أن هذه الظاهرة الغريبة تحدث نتيجة تحلل الجسد العضوي في التربة الرسوبية والتي تحتوي على المياه المعدنية فيها، فمن خلال تواجد المياه المعدنية هذه يتم دخول الماء إلى مكان خلايا وانسجة الجسد المتحلل وخاصة العظمية منها، ومن ثم الإحلال التدريجي مكان ما ذاب وتحلل منها وتبدأ تأخذ مكانها الهيكلي ونتيجة لتوفر المواد الصمغية والمتلاصقة والموجودة في المياه المعدنية تبدأ عملية تجميع المعادن الموجودة فيها من سيليكا (أي الحجر) وهو مكون اساسي للصخور أو الأحجار الرسوبية، وكالسايت وبايرايت عن طريق التماسك والتقارب والتلاصق وتعمل بنفس الوقت على عزل وطرد الماء ودفعه خارج الأنسجة والخلايا العظمية وتحل مكان ما كان قد ذاب وتحلل من الأنسجة العضوية فتملأ مساماتها العظمية والصدفية بالمعدن، كما وأن كثير من متحجرات العظام والخشب (الشجر) تحصل بهذه الطريقة ونتيجة ذلك يتَكون نسخة شبيهة بالحجر للأصل وتأخذ شكل القالب مُشكِلة ما يُسمى بالفوصل ويبقى في هذه العملية بعض من مكونات العظم الأصلية على الرغم من إشباعها بمادة السيليكا أي الحجر، فتبقى في معظم الأحيان خليط من الحجر والعظم
وسادساً: وأخيراً وأعقد تلك المراحل وأهمها وهي الإحلال “كونوا حجاراً أو حديدا” والتي تحصل حين يقوم الماء بتحليل جميع المادة العضوية الصلبة للبقايا الميتة سواء كان لإنسان أو حيوان وإستبدالهم بمادة معدنية، إن مثل هذا التحول أو الإحلال يأخذ وقت أطول ويعمل بالتالي على إعادة إنتاج أو بناء للعضو الاصلي أي بناء كامل للمادة الصلبة كالأصداف والعظام وهذا لايحدث للمادة الرخوة حيث هي أول ما يتحلل من الميت خاصة وأن الدفن السريع لا يحفظ المادة الرخوة في المخلوق لأنها تتحلل وتبلى بفعل البكتريا إلا إذا صادفتها ظروف خاصة تساعد في حفظها كأن تدفن وتغطى مثلاً بالثلج أو تدفن في مواد إسفلتية أو صمغية فيحفظه ذلك من المؤثرات الجوية التي تعمل على تفتيتها وبلاءها وتلاشيها، وبالتالي فإن إعادة البناء الكامل هو غير البناء العضوي الأصلي ولا يمت له بصلة من حيث التركيب لأنه يحل محله بديلاً وهو بناء معدني خالص حيث يتم بناء العظام والأصداف وحتى النبات والشجر بهذه الطريقة العالية البناء، إن الماء المعدني المسؤول عن تحلل الأجزاء الصلبة يحمل معه مواد الإحلال التالية والتي هي معدن السيليكا “وهو من أكثر المعادن وفرة في القشرة الأرضية وهي عبارة عن (حجر) صخور رملية بيضاء نقية وتتكون من أكسيد السيليكون المعروف بقساوته”، ومعدن الكالسايت “ويعرف بحجر اللايم ويوجد بكثرة في تربة الصخور الرسوبية”، ومعدن البايرايت “ويتكون هذا المعدن كيميائياً من كبريتيد الحديد ويُلَقب بحجر النار” وأخيراً معدن الهيماتايت “ويتكون الهيماتايت من أُكسيد الحديد الثلاثي وهو المادة الأولية والخام الرئيسي المستخرج لإنتاج الحديد أي ما يُصنع الحديد منه بالإضافة إلى إستعماله في الصناعات الحديدية المختلفة” فكل من معدني الهيماتايت والبايرايت هي معادن حديدية كما وأن معدني السيليكا والكالسايت هما ما يشكل جوهر الحجر وتركيبته الأصلية والاولية وهذا ما حدّث الله فيه
فحين تحل هذه المعادن بديلاً عن الأصل فهي إحياناً تشترك معا وبالتالي تكون النتيجة بأن يكون التحول لحجر خالص، وبالتعريف بالحجر نقول بأن أي قطعة صخرية تُعد حجر إذا إشترك في تكوينها معدنيين أو اكثر أما إذا إحتوت قطعة الحجر على معدن واحد فقط فلا تبقى حجر بل تصبح تعرف بالمعدن والمركب الوحيد الذي هو مسؤول عن تركيبتها كما في الحديد والذهب وهكذا، ولذلك يُشار على أن المعدن بأنه جوهر الحجر أي ما يتكون منه الحجر فإن كان الفوصل عبارة عن حجر فهو يشترك في بناءه أكثر من معدن وبالتالي فإن إشترك إثنين من هذه المعادن أو ثلاثة أو حتى الأربعة منها يكون النتيجة حجر، وبذلك قال تعالى “قُلْ كُونُوا حِجَارَةً” وإن تم الإحلال فقط من معدن الحديد وحده يكون كما قال تعالى ” أَوْ حَدِيدًا” ويكون التحول بالكامل إلى حديد … وصدق الله العظيم
لقد أثبت لنا بقاياها المتحجرة “الفوصلز” بأنها أول من عاشت على الأرض إذن وظهرت عليها ومنها الزواحف العملاقة والديناصورات، وبالتالي فهي البشر وهي اول من ظهر واعتلى الأرض وسكنها واستعمرها لفترات من الملايين من السنين وسيطر على من فيها، ولم يكونوا بالآدميين بل بشر غير سوي وغير عاقل ولم يخلق الله البشر السوي الذكي العاقل والمعتدل القامة والظاهر والسائد على غيره ومن عهد له بعمارة الأرض وخلافة البشر الأوائل حتى خلق الله آدم عليه السلام فكان خليفة لمن كان ظاهراً من قبله
فعلى الرغم من إجتماع البشر الأوائل مع الإنسان البدائي الغير عاقل بمفهوم الدابة كصفة ألا أنهما كانا مختلفين بالجنس بالإضافة إلى أن البشر الدابة كانوا أقوياء وذو بأس وشدة أما الإنسان الأول والذي أول ما أنست الأرض بوجوده كان ضعيفاً، ولذلك فإن البشر كان ظاهراً وكان الإنسان على العكس منه تماماً وبقي على ذلك حتى خلق الله آدم فجمع الله بين الضعف والشدة في هذا الخلق الإنساني البشري الجديد أي بخلقه لآدم، فالبشر الأولين كانوا يتمتعون بشدة جسدية ولكن بقدرات ذكية ضعيفة ومُتدنية وتحكمهم الغريزة، أما آدم فعلى الرغم من ضعف بناءه الجسدي إذا قورن بهم ألا أنه قوي بذكائه وعلمه الذي علمه إياه الله خالقه فغلبت قوة العقل على ضعف الجسد وأعتلت عليها فأصبح آدم قوي وظاهر وذو منزلة تسمح له بخلافة الأرض فأصبح هو البشر الجديد وهو الإنسان العاقل والمخلوق بإحسن تقويم.
وفي إشارة على ظاهرة التحجر كان لنا عبرة نأخذها من قصة ذا النون، يونس عليه السلام
قال تعالى “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” سورة الأنبياء 87
لقد نادى يونس عليه السلام ربه من بطن الحوت وكان لولا رحمة الله لبقي في بطنه إلى يوم البعث وفي ذلك كان
قوله تعالى “لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ” سورة الصافات 144
فلو سألنا أنفسنا بأن كيف للإنسان بأن يلبث في بطن الحوت إلى يوم البعث، وهل يوجد من الحيتان من سيعيش إلى يوم البعث، وهل هذا معقول، طبعاً هذا غير موثق أو مثبت علمياً ولا يمكننا كبشر من التحقق من هذا نتيجة حدود علمنا وبالتالي نحن نعيش أسلمة واقع للحياة برسالة إقرأ أي البحث وتحصيل المعرفة والعلوم وتفصيلها، ونتفهم قوله تعالى
“وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.” سورة الإسراء 36
ولذلك فعلينا بتكريس وتسخير إمكانياتنا السمعية والبصرية والعقلية للبحث ولفهم وتحليل الأمور ولا نخضع للجهل ونجري وراء ما لا نعلم، فالعلم طريقنا للمعرفة لا الجهل
قال تعالى “عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” سورة العلق 5
وبالتالي لا يجب علينا أن نستسلم لواقع لربما والله قادر فنحن نعلم بأن الله قادر وهذا لا شك فيه مطلقاً، ولكن الله يحثنا ويدفعنا للعمل وترك لنا الدلائل والمؤشرات والعبر حتى نستفيد منها ونبحث ونتيقن ونتعرف على ما يُشير عليه القرآن الكريم، فلقد وهب الله تعالى لنا العقل حتى نتفكر ولا يجب لان نعتقد أو نجزم بأن الله لربما سيجعل الحوت يعيش لربما لعشرات اللآف من السنين وحتى البعث، وهذا الحديث العقيم والسخيف يشابه بعض كلام المتخلفين من علماء المسلمين والذين يزعمون بان قول الله تعالى “يا أخت هارون” بالإشارة على مريم عليها السلام بأنها هي مريم أخت هارون وموسى عليهما السلام هي نفسها والتي أبقاها الله حية ما يقارب الألف وستمائة عام حتى تكون أم المسيح ونُضحك العالم علينا كمسلمين جهلاء وسخفاء، ونتجاهل دور الطبيعة في تحليل المادة العضوية وقدرات وحدود عمل الخلايا والأنسجة العضوية وإمكانية تلفها وموتها وطورها الحياتي المحدود ولا نأخذها بالحسبان، ولا نعتمد العلم في فهم التركيبة البيولوجية والطور الحياتي النسبي والتقديري أي لنا بني البشر وحتى الحيوان ودور معدلات طول العمر لكل منهم، فعلينا لأن نحتكم للعقل والرشد والواقع والمنطق والتحليل العلمي والإجتهاد ونبتعد عن السخافة والجهل وقلة العلم والمعرفة، فالطريقة الوحيدة لحصول مثل هذه الحالة ليس عند تحول الحوت ويونس إلى تراب بعد موتهم بل عند تحجر أو تمعدن الحوت كما في حالة التحجر والحديد التي ذكرناها سابقاً وهو يحتوي على يونس في بطنه وذلك من بعد موتهما والذي سيخضع كلاهما لنفس عملية التغيير
إن وادي الحيتان في داخل محمية وادي الريان الصحراوية في جمهورية مصر العربية المسلمة لأكبر مثال على ذلك، فهذا الوادي أصبح يشتهر اليوم بوجود حيتان كاملة وعديدة والتي كانت لربما تعج بها المنطقة أو لسبب أو حدث ما كنتيجة التغييرات المناخية وعوامل الطبيعة بأن إنتهت إليه ورقدت في باطنه منذ قبل حوالي الـ 40 مليون سنة، وهو واد موجود في صحراء مصر وبعيد عن البحر الأبيض المتوسط والذي لربما كان قد إنحسر وتراجع، فكان لولا الإكتشافات الحديثة والحفريات لما كان من الممكن التعرف على وجود الحيتان “المتحجرة” خارج عالم البحار اليوم وفي وسط الرمال الصحراوية، فلو بقي يونس عليه السلام في بطن حوت من هذه الحيتان على سبيل المثال فقط “ولا نزعم بأن هذا هو ما كان قد حدث” لبقي ليومنا هذا وحتى ليوم البعث
ومثال آخر يمكن لأن نستشهد به وهو العثور مؤخراً على مامث وهو حيوان تاريخي منقرض “شبيه بالفيل” متحجر والعجيب في الأمر بأن تم العثور على الأكل في معدته وهو لازال على حاله غير مهضوم ولكن متحجر، وهذا وصف قريب لما كان سيحصل لحالة يونس عليه السلام لو بقي في بطن الحوت ولخضعا معاً لعملية التحجر أو التمعدن وبالتالي هذا وصف للتحجر بعد الألآف أو مئات الألاف من السنين ولربما أكثر، وهذا لهو أكبر دليل على التحول الفسيولوجي للحيوان والإنسان والوصول بهما إلى حالات التحجر أو التحدد، ولمن الجدير بالإشارة إليه وهو بأن الآية الكريمة لم تقل للبث في بطنه حي إلى يوم يبعثون أو للبث كلاهما حي ليوم يبعثون ولكنها أشارت على وجود ميت لهما وذلك في حال حدوثها وبالتالي بقاءه في بطن الحوت إلى يوم البعث.
وللزيادة فقط سنأخذ بمثال نقتبسه من الكتاب المقدس والذي فيه أيضاً نرى بأن كتاب التوراة يُحدثنا عن خلق الله لكل ذوات الأنفس الحية الدبابة والتي كانت أول ما ظهر وأخرجت الأرض من فوقها … الكتاب المقدس/ التوراة / سِفْرُ التَّكْوِينِ / الأصحَاحُ الأَوَّلُ
20وَقَالَ اللهُ: «لِتَفِضِ الْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ الأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ السَّمَاءِ». 21فَخَلَقَ اللهُ التَّنَانِينَ الْعِظَامَ، وَكُلَّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحيَّةِ الدَّبَّابَةِ الْتِى فَاضَتْ بِهَا الْمِيَاهُ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلَّ طَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 22وَبَارَكَهَا اللهُ قَائِلاً: «أَثْمِرِي وَاكْثُرِي وَامْلإِي الْمِيَاهَ فِي الْبِحَارِ. وَلْيَكْثُرِ الطَّيْرُ عَلَى الأَرْضِ». 23وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا خَامِسًا
24وَقَالَ اللهُ: «لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا». وَكَانَ كَذلِكَ. 25فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 26وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 27فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. 28وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 29وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. 30وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. 31وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا
وإن إحتج البعض على إستعمال هذا المثال المستمد من كتابات الكتابيين المُحرّف .. دعوني لأن أُذكركم بقول الله تعالى ”الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” سورة الأعراف 157
وبالتالي فالقرآن يُخبرنا بصحة ما ورد عن ذكر نبينا في كتابهم، إذن فما المانع من استشهادنا ببعض من نصوصه والتي لربما كانت قد سلمت من التحريف ولا تتعارض مع بحثنا بل على العكس فهي توافقه
.
رابعاً: على ماذا يدل خلق الله لآدم من تراب ومثله خلق المسيح ابن مريم في
قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” آل عمران 59
 
في البداية نقول بأن الله قد  أشار على بدء خلقه للإنسان من طين في قوله تعالى “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” السجدة 7
حيث كانت الإشارة في الآية الكريمة وبدون شك هي على ابتداء خلق الجنس الإنساني بشكل عام ولم تكُن الإشارة فيها تعود على آدم بشخصه والدليل على ذلك وهو بأن الله لم يذكره هنا بإسمه الشخصي بل اشار عليه بإسم جنسه أي أتى على ذكر الإنسان فيها لا آدم، وبالمناسبة فمن الجدير بالذكر هنا وهو بأن الإشارة على خلق الله للإنسان “اي كجنس” من تراب لم يأتي عليه أي ذكر في القرآن الكريم ولا حتى مرة واحدة
أما حين أشار الله على خلق آدم بشخصه وليس بجنسه أشار عليه بالإسم العلم (أي آدم) وكان ذلك في
قوله تعالى “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” آل عمران 59
فأتت الإشارة عليه بإسمه مُصاحِبة لذكر خلق الله له من تراب

 

كما وأشار الله عليه بلقب البشر وكان ذلك في
قوله تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ” ص 71
حيث كان في ذلك إشارة إلى مكانته وعلو منزلته، وأتت الإشارة عليه بذلك مُصاحِبة لذكر خلق الله له من طين وليس من تراب … وبالتالي إذن فآدم مخلوق من تراب ومخلوق أيضاً من طين ولكن ماذا يعني ذلك وعلى ماذا يُشير

.

يزعم علماء التفسير والدعاة بأن قول الله الذي يُشير على خلق آدم من طين حسب ما جاء في قوله تعالى “إني خالق بشراً من طين” لا يتعارض مع قوله بأنه مخلوق من تراب وذلك حسب ما جاء في قوله تعالى “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب” لأن التراب هو أحد مشتقات الطين، والطين هو مزيج الماء والتراب “هذا حسب الفهم التقليدي الذي يتبعه الكثير من الدعاة والمفسرين ولنا تحفظ عليه سنأتي عليه عند البحث في اصل الإنسان والتطور ” … إذن وبما أن آدم مخلوق من تراب أو طين فهو إذن وبلا شك ليس له أب أو أُم ولم ينحدر من أبوين أو ما شابه ذلك
 ولكن لنا تساؤل نود لأن نرفعه لعلمائنا الكرام وهو إذا كان الله يقول بأنه كان قد بدأ خلق الإنسان من طين وفي ذلك كان قوله تعالى “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” “ونُريد لأن نضع ثلاثة خطوط عريضة تحت كلمة – بدأ” فكيف نفسر خلق الله لآدم من تراب لأن الخلق من تراب أسبق من الخلق من طين حسب زعمهم القائم على أن الطين المُشار عليه في الآية الكريمة هو مزيج التراب والماء
ولكن الخلق من طين كما أخبرنا الله كان هو نقطة البداية التي بدأ الله بها خلقه للإنسان وبالتالي فإن الطين يُشكل نقطة البداية وحجر الأساس الذي اعتمده الله في تأسيس القاعدة الأولية للخلق الإنساني وليس الخلق من تراب ولذلك فلا يُمكن تفسير خلق آدم من تراب على أنه استمرارية للمراحل الخلقية لآدم … ويبقى السؤال وهو كيف يكون الإنسان الآدمي مخلوق من تراب
إذن إن في اعتماد الطين المذكور في الآيات الكريمة على أنه مزيج التراب والماء كما يزعم العلماء فيه تناقض واضح مع ما صرّح الله في خلقه لآدم من تراب ولذلك فإن الآية الكريمة بحاجة إلى المزيد من الدراسة الجدية والبحث التفصيلي والمسؤول والمعقول ولا يجب لأن تُحمل على وجه البساطة هذه
نعم .. لقد خلق الله آدم عليه السلام من تراب فقال تعالى  “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب” وأخبرنا ايضاً بخلقه لنا نحن الآدميين من نفس آدم  فقال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ.   الأعراف 189
 واتى التأكيد على ذلك في ما هو منقول عن النبي الكريم في الحديث كما أشرنا عليه سابقاً والذي فيه قوله: كلكم لآدم وآدم من تراب، وعزز ذلك العديد من الآيات القرآنية والتي أتت لتشهد على خلقنا من تراب
وقال تعالى “وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا … “  سورة فاطر 11
وقال تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ …”  سورة الحج  5
وقال تعالى “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ”  سورة الروم 20
ولذلك فنحن كأبينا آدم مخلوقين من تراب ولكن كلُنا نعلم بأن التراب لا يحتوي على الماء في تكوينه ولا هو أحد عناصره وبالتالي فالخلق من تراب لا يرمز للخلق الحي لأن توفر الماء هو شرط لوجود الحياة كما أخبرنا الله جل وعلا “وأكد عليه العلم” والذي لم يتوفر في التراب وحده قال تعالى “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ”  سورة الأنبياء 30
 أي إذن فآدم والمخلوق من تراب كان قد خُلِق مما لا حياة فيه وهذا ينطبق علينا أيضاً فنحن مثل أبينا آدم فنحن مخلوقين من ما هو ميت وهذا يقودنا لفهم ما هو المقصود
بقوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ”  سورة البقرة   28 
وقوله تعالى “وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ”  سورة الحج  66
إذن فلو دققنا في كل من قول الله تعالى مخاطباً بني آدم “وكنتم أمواتاً فأحياكم” وقوله تعالى “وهو الذي أحياكم” في الآيتين الكريمتين لرأينا بأن أصل خلق أبونا آدم هو من الموت والذي كان قد لحق به عملية إحياءه
 فعندما يموت الإنسان يتحلل جسده إلى تراب ومع عملية التحلل يبدأ الميت بالتواري عن الأنظار … ومع الوقت يختفي تماماً، ولكن فكما نعلم فإن التحول إلى تراب لا يعني العدم لأن العلم أخبرنا بأن قانون حفظ المادة ينص على أن المادة لا تفنى ولا تستحدث ولكن تتحول من شكل إلى آخر، ففي تحلل الجسد العضوي يتلاشى عن الأنظار ويتحول إلى عناصر المادة الاساسية المكونة له أي يُصبح جسده المتواري عبارة عن ذرات ترابية مجهرية مكونة من عناصر السيليكا والحديد والبوتاسيوم والكالسيوم والكربون  .. وغيرها من عناصر التربة بأنواعها المختلفة والتي يتشكل ويتكون منها الإنسان والتي بتحولها إلى تراب يفقد الإنسان معها آلية التفاعل بين ذراته المختلفة ويُصبح بلا جسد، وعند حدوث ذلك تبقى عناصر المادة الموجودة في الأرض بعد تحلل الجسد في حالة إنحباس ذري نتيجة توقف تفاعلها مع بعضها البعض حيث تنعدم بين ذراتها الطاقة الحركية التفاعلية فتبقى في مرحلة سكون ذري مرحلي أي في جمود وذلك على الرغم من استمرارية حركة جسيماتها الذرية والمتواجدة في أنويتها والغير مرئية بالعين المجردة، وبالتالي فإن في موت الإنسان وتحلله إلى التراب لا يعني نهايته وهلاكه لأن ذرات العناصر ومكوناتها من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات تبقى حبيسة لحياة البرزخ اي في ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة إلى أن يحين موعد إحياءه وقيامته من الموت مرة أُخرى
 فالجماد هو الميت والذي لا حركة فيه أو نقول لا حياة فيه وذلك على الرغم من بقاء مكونات كل ذرة فيه حيّة وفي حركة دائمة ولكن حياة لا تفاعلية، ولكن لا يمكننا الإشارة على ذلك بنفس الشيء حين تتحد ذرات المادة مع بعضها البعض وتتفاعل مكونة المركبات وتبدأ بالتفاعل والتجاذب والتنافر ولو حتى في أدنى حد من الوجود الكوني لأن بتفاعلها مع بعضها البعض يرتفع تمثيلها الحياتي ويتعقد ولو بنسب تقديرية ضئيلة فتُصبح بذلك محسوسة أو ظاهره والمثال على ذلك نأخذه من صدأ الحديد والذي نشهده في كل يوم وفي تكوين اللولؤ والألماس والمرجان، وفي حالات التصخر ومظاهر التعرية التي تحدث للصخور، بالإضافة إلى العديد من المظاهر الحياتية التي تُصاحب التفاعلات الكيميائية البسيطة والغير معقدة والتي لا نُعير لها أي اهتمام، كما ونُضيف إلى ذلك أحد أهم المظاهر الحياتية المتدنية والتي نشهدها في كل من صورتي الحيوان المنوي الذكري وبويضة الأُنثى حيث لا يوجد فيهما روح ولكن مع ذلك فهي خلايا حية … … ولذلك يُمكننا لأن نُدرك لماذا أطلق على الكون وما فيه بالحياة، فعند الموت ومع انقضاء الوقت يبدأ جسد الميت بالتحلل والتحول التدريجي إلى تراب وهي حقيقة قرآنية مُسطرة في كتاب الله
قال تعالى “وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا”  الإسراء 49
وقال تعالى “أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا” 3 سورة ق
كما وهي حقيقة مادية نشهدها من خلال تحلل جسد الميت وتلاشيه التدريحي وتواريه عن الأنظار والذي فيه
قوله تعالى “بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)”  سورة ق
 فبعد الموت يتم تحول الجسد تدريجياً إلى تراب ويكون هذا التحول عبارة عن النقصان والمتمثل بالتحلل او التلاشي المرحلي لجسد الميت وهو الذي تتحدث عنه الآية الكريمة، يقول الله تعالى “قد علمنا ما تنقص الأرض منهم” حيث يكون نقصان الأرض منهم هو من خلال تواريهم التدريجي وتحولهم إلى تراب شيئاً فشيئاً إلى أن لا يبقى منهم شيء يُرى بالعين المجردة والتي عندها يصبح جسد الميت لا يمكن تمييزه عن تراب القبر الذي دُفن فيه .. ولكن يبقى هنالك شيء مجهري يُبقيه الله من جسد الإنسان لا يمكن تمييزه من التراب وهو عجب الذنب الذي تُحفظ فيه الذرية والذي اشار الله عليه في قوله تعالى وعندنا كتاب حفيظ” حيث فيه حفظ الله الشيفرة الوراثية اللازمة لعملية إعادة بناء الإنسان ونشأته وقيامته من الموت والذي كان قد أتى الرسول الكريم على ذكره في الأحاديث النبوية على أنه هو أصل الإنسان والبذرة التى يبعث منها يوم القيامة وأن هذا الجزء لا يُبلى ولا تأكله الأرض أما قول “كتاب” فهو وصف للتأكيد على صفة المحكم والثابت في تقديره أي لما كتب الله فيه وشفّره، فالميت وعلى الرغم من أنه يفقد آلية التفاعل ويضمر ويُصبح في تحلل ذري وجمود الا أنه يعود بالظهور من خلال تفاعلاته البدائية والتي تبدا على المستوى الذري وذلك عند إحياءه من أدنى مستوى ”من عجب الذنب – مكان حفظ الذرية” حيث تبدأ طاقته التفاعلية بالعمل النسيجي أو النسل البنائي للإنسان ويبدأ معها نشوء طوره الحياتي التفاعلي وبروز طاقته الحركية وبذلك تبدأ معها الحياة المصحوبة بالقدرة على الظهور وتتطور وتتعقد لتُصبح كيان حي تفاعلي
 قال تعالى “أيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وكنتم تراباً وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ” سورة المؤمنون 35
وقال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ  النمل 67
إذن فعند حدوث الموت تتوقف معه عملية التفاعل الذري مع الذات “أي النفس” ومع ماهو خارجها وتحبس طاقتها الحركية الذرية بدون تفاعل في عجب الذنب وتبقى على ذلك حتى تؤمر بالتفاعل من جديد وذلك عن طريق الطاقة المحركة والموجودة في الماء
قال تعالى “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”  فصلت 39
ولنا عبرة يُمكننا لأن نستفيد منها وهي في قوله تعالى “قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَـٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ”  يس  52
حيث أن الرقود يُعبر عن توقف وسكون الذات اللا تفاعلي اي تحول الجسد إلى جماد لا حركة فيه وبذلك يبقى الميت على ذلك في طور الجمود والسكون حتى يبدأ طور الحياة الحي من جديد اي حالة اليقظة …  وعندها تبدأ عملية تكوينه من عجب الذنب فينسله الله منها ليصبح كائناً حياً من جديد  
قال تعالى “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ”   سورة يس  51
إذن فإن قول الله فينا أي نحن الآدميين من البشر وكنتم أمواتا فأحياكم تُشير على الحالة التي كنّا فيها نحن ألا وهي حالة الموت والرقود السكوني وليس حالة اللا وجود وذلك لأنه لا يمكن وصف الغير موجود بالميت لأن الغير موجود وببساطة ليس له وجود من الأساس ….  فالموت يأتي بعد الحياة وليس قبلها إذن وحتى تموت الأنفس لابد لها لأن تكون قد وُهِبت الحياة أولاً اي من قبل وبالتالي فلقد تم إحياءنا في شخص آدم كما أخبرنا الله جل وعلا
 
كما ولقد كان لنا مثال آخر فيه الإشارة على إحياء الإنسان من الموت في
قوله تعالى “أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)” سورة القيامة
إن أول ما نُريد الإشارة إليه هو أسم السورة وهي سورة القيامة إشارة على القيامة من الموت ”فهل هذه يا ترى صدفة أم إشارة تستحق التأمل”…  بالإضافة إلى قوله تعالى “أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى” والذي فيه الدليل على أنه لم يكن بالخلق الحي لأن قول “يَكُ” اُسقط منها نون التوكيد وبالتالي فلم يشر الله فيها على التكوين أو احداث الكيان الحي أي لم يقل: أَلَمْ يَكُن نُطْفَةً، ثم أنهى الله الآيات الكريمة بالتذكير بقدرته على إحياء الموتى وهذا أيضاً ليس بصدفة بل فيه إشارة واضحة وتأكيد على إحياء الله للإنسان من الموت
ومرة أُخرى يمكننا أيضاً لأن نستفيد من إشارة ثانية على إحياء الإنسان من الموت وذلك في قوله تعالى
 وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47)”  سورة النجم
ففي هذه الآية الكريمة يبدأ الله تعالى بتذكيرنا بأنه كان قد أمات وأحيا وفي ذلك إشارة على موت الإنسان وإعادة إحياءه وهذا يؤكد عليه آيات سورة عبس وقوله تعالى ” ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) وهذا سنأتي عليه ونحاول لأن نتدبره، إذن ومن الملاحظ بأن تقديم الموت على الحياة في الآية الكريمة فيه إشارة على أن الوجود الحياتي للإنسان كان قد سبق موته وإحياءه وأن الآية الكريمة أتت تُحدثنا عن أن حدوث النشأة الأخرى والتي لابد منها أي أن الله متكفل بحدوثها ومن ثُم سيُعيد نشأتنا مرة أُخرى فقال: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى وهذا فيه إشارة واضحة على أن ما قد تم حدوثه من قبل (الإحياء في أول الآية) هو إذن نشأة أولية لهذا الإنسان والذي كان الله قد أماته وأعاد إحياءه فقال: وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا
 
الحديث القرآني عن الإنسان والأجلين: أجله المُنقضي وأجله المُسمى
كما ولقد اتى دليل قرآني واضح يُشير على الوجود الإنسي الذي سبق خلقنا الآدمي وكان ذلك من خلال ذكر الله لأجلين للإنسان أحدهما أجل مُنقضي والآخر أجله مسمى عند الله لم يتم انقضاءه بعد، قال تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام 2
وللتحقيق في هذا الموضوع اخترنا تصوراً للدكتور صبري الدمرداش يُشير فيه على عالم الأرواح، والذي أشار عليه أيضاً الشيخ المغامسي في إحدى محاضراته بعالم الذر

ففي هذه المحاضرة المسجلة للدكتور صبري الدمرداش على قناة اليوتوب والتي هي بعنوان خلق ابونا آدم يوجه الدكتور على الحضور السؤال التالي: من خُلق أولاً بالإنسان ذاته أم بدنه؟ أي هل الذات مخلوقة قبل البدن أم البدن مخلوق قبل الذات، ويُجيب هو على السؤال بالقول: بأن من المؤكد بأن الذات خُلِقت أولاً وبالتالي وحين يأتي موعد خروج الإنسان إلى الدنيا يأمر الله الذات بان تلبس البدن، فالذات هي موجودة في الاصل أي كانت موجودة قبل البدن  …. ويتسائل الدكتور: ماهو الدليل على ذلك …  ويُجيب على نفسه بالإستشهاد بقوله تعالى
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ”   سورة غافر 11
ويعتبر استاذنا الكريم بأن هذه الآية الكريمة هي الدليل على ذلك، ويتساءل ثانياً: ماهما الحياتين وماهما الموتتين … ويُجيب على ذلك بالقول “.. قبل تواجدنا في الدنيا كُنّا نحيا حياة حقيقية في عالم الذر والدليل على ذلك وهو الآية 172 من سورة الاعراف
قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ  قَالُوا بَلَىٰ  شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ”  سورة الأعراف  172
ويُكمل قائلاً: “لقد كُنّا أحياء ليس بأبداننا ولكن بذواتنا، فحين خلق الله أبونا آدم مسح على ظهره فطلعت كُل الذرات الموجودة التي هي أولاد آدم من لدُن قابيل وهابيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها … وكانوا خرجوا بذواتهم الإنسانية المخلوقة ويُكمل: فلربما تسائل البعض عن كيفية إتساع الأرض إلى كُل هذا الخلق الإنساني منذ خلق آدم وحتى آخر آدمي …  ولكن لم يخرجهم الله بأبدانهم بل بذواتهم الإنسانية فالذات كانت مخلوقة
 ويُكمل الدكتور على أن اصل الذات ليس لها مكان فهي مثل الكهرباء غير مرئية وبالتالي فالمكان الذي حصلت فيه الواقعة يتسع لبلايين بلايين أمثال هؤلاء الذوات الإنسانية، وبالتالي فلقد كُنّا أحياء في عالم الذر وربُنا أخذ علينا الحُجة .. قالوا بلى
 ويزعم بأن كلمة “شهدنا” تعود على الملائكة والذين كانوا موجودين وبالتالي هم الذين شهدوا على الميثاق وهذا ليس من كلامنا نحن، ويقول بأن كان هذا هو عالم الذر .. عالم الميثاق وهذه هي الحياة الأولى حياة حقيقة كُنّا قد نسيناها
وبالتالي فلقد اعتبر الدكتور بأن حياتنا الأولى وموتتنا الأولى كانتا قد اقتصرتا على عالم الذر، وللتعليق والرد على قول الدكتور نقول
أولاً: بأن الله لم يقل بأنه مسح على ظهر آدم كما قال الدكتور بل قال أخذ، قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ” ومعناها القاموسي حسب لسان العرب وهو أي جمع وأمسك ويمكن الرجوع لقاموس لسان العرب ومعاجم اللغة العربية (كُلها) للتحقق من ذلك
ثانياً: نعم فلقد ورد في العديد من روايات الحديث ما يؤيد كلام الدكتور أي بأن الله تعالى أخرج الذرية من ظهر آدم وأخذ منهم الميثاق
ولنا مثال على ذلك الحديث التالي:  إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي
 الراوي:  عبدالرحمن بن قتادة  –  المحدث: الألباني –  المصدرصحيح الجامعالرقم 1758 – خلاصة حكم المحدث: صحيح
لكن القرآن الكريم والذي هو كلام الله لا يؤيد هذا الحديث ولا غيره من الأحاديث التي تقر بأخذ الذرية من ظهر آدم عليه السلام، فالقرآن الكريم يؤكد على أن الذرية أخذت “أي جُمعت” من ظهور بني آدم وليس من ظهر آدم وكان ذلك في
قوله تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)”  سورة الأعراف
ولكن لو وجّه لنا أحدهم السؤال التالي وهو ما الفرق حين القول من ذرية آدم إذا كان الله قد أخرجها من ظهر آدم أو أخرجها من ظهر بني آدم، وللإجابة على ذلك نقول بأن الفرق وهو إذا كان بأن أخرج الله الذرية من ظهر آدم فيمكن لئن تكون ذريته محصورة بابناءه المباشرين أي مثل قابيل وهابيل وبالتالي تُشير عليهم فقط .. أما في قول بني آدم “مِن بَنِي آدَمَ” كما هو مذكور في القرآن فله تفسير آخر لأن بني الرجل هم قومه وذلك كقولنا بني إسرائيل .. وبني حسن .. وبني أُميّة وبني النظير والقوم هم جمع لأفراد تربطهم صلة قرابة وعليهم قائم .. وبالتالي فأخذ الذرية من بني آدم هو الأخذ من كل فرد على حده
كما وعلينا بالإنتباه إلى صيغة الجمع في قوله تعالى: من ظهورهم، وقوله: من ذريتهم، وقوله: أشهدهم على أنفسهم، وقوله: وقالوا بلى شهدنا، والتي لم يأتي على أي منها بصيغة المفرد إشارة على آدم وحده، وبالتالي إذا تعارض الحديث مع الوحي القرآني أُسقط الحديث ولا يُمكننا لأن نأخُذ به حتى ولو اجتمع عليه ليس العلماء وحدهم بل أهل الأرض جميعهم بعلمائهم وعوامهم لأن الله أصدق حديثاً، قال تعالى “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا”  النساء 87، وقال تعالى “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا”  النساء 122
 إذن فالشهادة تمت على كل نفس بشخصه والتي صاحبها تحذير الله لهم من الكذب بعد قيامتهم من الموت وعند الحساب .. فكان قوله تعالى في سورة الأعراف
أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. 172 أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ 173
أما قول “أشهدهم على أنفسهم” فهو يشمل على شهادة كل فرد من ذرية آدم من أبناءه وذرياتهم، أما حين يقول الله بان الإنسان شهد على نفسه فإن الشهادة تتم في العادة من خلال توظيف وإعتماد قدرات النفس الذكية والتي جعلت منه بالسميع والبصير والكليم “الناطق المُعبر” وهذه هي قدرات الذات البشرية والتي تُعبر عن صفاتها … فالإنسان العاقل ذو القدرات الذكية “إشارة على الآدميين / بني آدم” هم من قالوا بلى وليس وهُم ذراري أي بالحجم الذري والذي لم يكُن قد أخضعه الله وهو في هذا الحجم للتسوية أو الجعل، ولأن العاقل المدرك هو من تحلى بهذه الصفات التي تمكنه من الشهادة فقط إذن فلابد وانه كان قد أخضعه الله لتسريع في عجلة الزمان فكونه وأشهده على نفسه قبل أن يُعيده ليبدأ مرحلة اختباره وابتلاءه
ولنا عبرة في قوله تعالى “أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖفَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”  البقرة 259
والذي فيه عطّل الله عجلة الزمان وأمسك عليها في التأثير على الرجل وطعامه وشرابه ولكن أبقى على أثرها الواضح على حماره والذي كان قد تحول إلى عظام
وفي ذلك أيضاً ما روى الإمام أحمد عن حبس الشمس ليوشع بن نون وفي ذلك تعطيل وتوقف للزمان
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار بها إلى بيت المقدس
ولنا عبرة أُخرى في رحلة الإسراء والمعراج ولما فيها تسريع لعجلة الزمان
وهذا يوضح لنا كيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم وذلك عن طريق تسريع عجلة الزمان فالله بيده القدرة على التسريع والتمهيل وتوقف لعجلة الزمان
كما ونرى الدكتور وبكل ثقة يقول: بأن الملائكة هي التي شهدت وليس نحن .. ولكن هل هو أعلم من الله حتى يتجرأ بهذا الكلام الغير مسؤول وذلك لأن كلام الله في غاية الوضوح فالسؤال موجه لذرية آدم وهم الذين أراد الله لأن يأخذ منهم الإعتراف بالشهادة على وحدانيته وقدرته وهم الذين يرجع لهم الضمير ولا ذكر للملائكة هنا ابداً حتى يحشره الدكتور بدون دليل ويجعل منه حقيقة وهمية وبدون علم أو وحي .. والله يسأل بني آدم بالتحديد: ألست بربكم .. والجواب على سؤال الله لهم هو بان الآدميين قالوا بلى أي شهدوا على أنفسهم .. إذن فلماذا اخراج النص الواضح عن حقيقته الموحاة وبالتالي لماذا اللجوء للتفسير بالرأي والمبني على الفرضية وما جدوى ذلك
ثالثاً: لم ينتبه شيخنا الكريم بأن قوله تعالى قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍسورة غافر11. هو قول منقول لنا يوم الحساب عن الكفار واشرار الناس والذين كانوا قد ماتوا وأتى موعد حسابهم وهم في الآية الكريمة يُشيرون على إنقضاء أجل الإنسان الأول وموته من قبل خلق الله لهم أي للإنسان كجنس وهو الموت الأول والذي فيه قال تعالى “قُتل الإنسان ما أكفره .. ثم أماته فأقبره .. ثم إذا شاء أنشره”، والذي لحق به إحياء الإنسان من الموت بصورة آدم في قوله “ثم أنشأناه خلقاً آخر”، ثم هنالك الحديث عن الموت الثاني وهو موت الإنسان مرة ثانية بصورته الآدمية وانقضاء أجله “المُسمى” ومن ثم بعثه وقيامته من الموت قال تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”  سورة البقرة   28
وكما هو مُلاحظ فلقد بدأت الآية الكريمة من سورة غافر بقوله تعالى “قالوا ربنا أمتّنا” أي إذن فحتى يكون الناس أمواتاً فلابد وإن يكونوا قد كانوا أحياء قبل إماتت الله لهم، إذن فلقد كان موت وحياة تبعه موت وحياة .. والمقصود بالحياتين والموتتين هو أجلي الإنسان .. الأول المنقضي من قبل والثاني وهو الأجل الذي لحقه وكان مُسمى عند الله وهو موت الآدميين ونهاية الحياة فكانتا حياتين ومماتين وهذا يخص الآدميين وليس عالم الذر والخيال وليس كما نسجه لنا الدكتور مع عظيم احترامي وتقديري لشخصه وعلمه، وللتذكير قال تعالى “وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ” في سورة البقرة، ثم ألحق بذلك قوله تعالى ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ” في سورة الحج، وبالتالي كيف يتجرأ دكتورنا الكريم على رسم لوحة تصويرية خيالية وبدون دليل حقيقي أو إشارة قرآنية واحدة تؤكد على حقيقتها وبنفس الوقت يحاول تسويق فكرته للناس وعلى قناة تلفزيزنية يُشاهدها الملايين من الناس بدون الأخذ بالإعتبار بأن فكرته ينقصها الدليل بالإضافة على أنها تحمل الإهانة لذكاء الناس وقدرتهم على التفكير السوي
رابعاً: يقول دكتورنا الكريم بأننا كُنّا أحياء ليس بأبداننا ولكن بذواتنا … وبأن أصل الذات ليس لها مكان فهي مثل الكهرباء غير مرئية .. ويقول: لقد كُنّا أحياء في عالم الذر وربُنا أخذ علينا الحُجة .. ويقول: بأن كلمة شهدنا تعود على الملائكة والذين كانوا موجودين وبالتالي هم الشاهدين على الميثاق وليس من كلامنا نحن … وللإجابة على ذلك نقول
أولاً: بإن من الخطأ التعريف بالذات على أنها ليس لها مكان وبانها مثل الكهرباء والقول بأننا كُنّا أحياء في عالم الذر أي في ذواتنا بدون أن يُحضر لنا الدكتور ولو دليل واحد قرآني أو علمي يستشهد به على ما يقول لأن الذات هي صفة تعود على الشيء وعلى النفس وهي صيغة لفظ مؤنث “كالنفس” تستعمل للمفرد وترفع بالضمة وتنصب بالفتحة وتجر بالكسرة والأمثلة على ذلك كثيرة منها
قوله تعالى سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ”  المسد 3 . فهنا كانت الذات هي صفة للنار
وقوله تعالى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ”  الفجر 7 . وهنا كانت الذات هي صفة لقبيلة إرم
وقوله تعالى وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ”  القمر 13. وهنا كانت الذات هي صفة للفلك
وقوله تعالى أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ”  النمل 60. وهنا كانت الذات هي صفة للحدائق
وقوله تعالى “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ”  الذاريات 7. وهنا كانت الذات هي صفة للسماء
وقوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ   فاطر 38. وهنا كانت الذات هي صفة لاسم محذوف مقدر هو ما يسكن في الصدور أي النفس أو الروح
وقوله تعالى “وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ”  الكهف 17. وهنا كانت الذات هي صفة لحركة الشمس
وقوله تعالى “يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا”  الحجر 2 . وهنا كانت الذات هي صفة للحامل
وقوله تعالى “وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ”   المؤمنون 50 . وهنا كانت الذات هي صفة للربوة
وقوله تعالى “فيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ”  الرحمن 11. وهنا كانت الذات هي صفة للنخل
وقوله تعالى “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ”  البروج 1. وهنا كانت الذات هي صفة للسماء
ومنها أيضاً الـ ذا – ذو – ذوا – ذواتا – ذوي كُلها ألفاظ تتبع بإعرابها اسماً يسبقها من حيث الرفع والجر والنصب وهي أيضاً سابقة تسبق لفظاً يأتي بعدها، ويأتي بحالة الجر، ويدل هذا التركيب أن هذا اللفظ المجرور الذي يأتي بعدها هو صفة ملازمة وعلامة فارقة لما قبلها ( الاسم الذي تتبعه بعلامة الإعراب) فتميزه وتفرقه عن غيره
فـ ذو: للمذكر المفرد المرفوع كقوله تعالى “كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ”  ص 12 وقوله تعالى “ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ”  البروج 15
وقوله تعالى “رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ”  غافر 15
و ذا: للمذكر المفرد المنصوب كقوله تعالى “قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ”   الكهف 86 وقوله تعالى “وَذَا النُّونِ”  الأنبياء 87
و ذي: صفة للمذكر المفرد المجرور كقوله تعالى “ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ”  التكوير20 وقوله تعالى “وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ”  الفجر 10
 وقوله تعالى “قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا”   الإسراء 42
و ذوا: صفة للمذكر المثنى، و ذواتا: صفة للمؤنث المثنى كقوله تعالى “ذَوَاتَا أَفْنَانٍ”   الرحمن 48
وقوله تعالى “فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ”    سبأ 16
و ذوي: للجمع كقوله تعالى ” …  وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَ‌ٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ”  الطلاق 2
وقوله تعالى “… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ..” البقرة 117
فالذات الإلهية هي صفة الله التي يعرف على نفسه بها أو نعرفه بها وذلك من خلال أسماءه الحسنى والتي اتصف الله بها فوصفته لنا .. اي فذات الله هي كل من صفاته وكذلك الذات الإنسانية والذات الحياتية والحيوانية ..  إذن فالذات حاضرة بحضور النفس لأنها تصفها وتُشير عليها وتُعرف بها وتُعَرِّف عليها وبالتالي غير موجودة قبلها لأن الصفة كما في كثير من الأمثلة التي بيّناها فهي لاحقة وتابعة ومُبينّة ومُعرفة لما هو موجود أصلاً لا سابق له، فلو قلنا الذات الحيوانية مخلوقة قبل خلق الله للحيوان لكان من الصعب التعرف على ماهو الحيوان وما هي صفاته … وكذلك الذات الانسانية فهي تصف الإنسان وتُعرّف عليه.. فالإنسان على سبيل المثال هو من خصه الله بالقدرات الذكية وهي التي جعلها الله صفات له بعد أن خلقه فقال “إنا خلقنا الإنسان من نطفة نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا” فأصبحت صفاته هي ذاته التي تُعرِّف به وعليه وبالتالي فالذات هي كل ما يشمل على النفس الإنسانية من الصفات
إذن وعند الرجوع للتدبر في قوله تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام  2،  نرى بأنها وبلا شك تُشير على أجلين للإنسان وليس أجل واحد، أحدهما كان قد إنقضى وأنتهى أما الآخر فبقي أجل مُسمى وغير منقضي بعد، بالإضافة على أن الله أخبرنا بأنه كان قد خلق الإنسان على أطوار، أي مراحل أو حقب زمنية وفترات مختلفة فقال تعالى “وقد خلقكم أطوارا”  سورة نوح 14
وللتعرف على معنى طور وأطوار في لسان العرب نرى بأنه يُشير على ضُرُوباً وأَحوالاً مختلفةً؛ وقال ثعلب: أَطْواراً أَي خِلَقاً مختلفة كلُّ واحد على حدة؛ الطَّوْرُ: التارَةُ، تقول: طَوْراً بَعْدَ طَوْرٍ أَي تارةً بعد تارة … ومنها ايضاً كما قال الفراء: خلقكم أَطْواراً، قال: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظْماً؛ وقال الأَخفش طوراً علقة وطوراً مضغة … وبالتالي فمن خلال التعريف بها نرى بأنها تُشير على المراحل الخلقية المنفردة والمتعاقبة والمحكومة للعامل الزمني، إذن فلا يتعارض مفهوم طور الحمل الجنيني للإنسان مع طور الوجود التاريخي للإنسان وكلاهما تم على أطوار وحقبات زمنية متتالية واللغة تحتمل التفسيرين وبدون تعارض أو تناقض مع بعضهما البعض لأن المعنى خاص بالزمن
أما التذكير في خلق الإنسان من الطين تحديداً في الحديث القرآني هنا في قوله “هو الذي خلقكم من طين” ففيه التذكير بأصل ومُبتدأ خلق الإنسان وإلا لكان قد خصنا الله نحن البشر الآدميين في الحديث حول خلقنا ونسلنا من الماء المهين وهو ما لحق بخلق الطين وأصبحنا نتكاثر بفعله، وبالتالي فالآية الكريمة تُشير على أول إحداث لعملية خلق للإنسان الأول والذي أشار الله عليها من خلال قوله تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ”  سورة السجدة  7
إذن فلقد أوضح لنا الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام آية 2 بأنه كان قد قضى أجل للإنسان وبلا شك فإن هذا الأجل المنقضي كان يعود على الذين بدأ الله خلق الإنسان بهم، كما وأخبرتنا الآية الكريمة نفسها من سورة الأنعام بوجود أجل آخر ينتظر الإنسان وبأن هذا الأجل الذي ننتظر إلى أن يحين قضاءه هو في المستقبل فيكون في موتنا نحن بني البشر أي الناس وبالتالي يعود علينا نحن وذلك حين يأتينا الأجل المُسمى عند الله والذي كان فيه
قوله تعالى “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا”  سورة فاطر 45
إذن وبالعودة إلى سورة الأنعام مرة أُخرى وقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام  2، نرى بأن الله اختتم الآية الكريمة بقوله تعالى “ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ أي ومع ذلك فأنتم تُشككون وتشكون وتُكذبون وتُجادلون، وبالتالي فأنتم في شك في أنفسكم من هذه الحقيقة التي لطالما سهوتم عنها أو غيبتموها عن أنفسكم، فإن كان هذا التبليغ وكلام الله والذي خلق الإنسان وأعلم به هو بغاية الوضوح والبيان فلماذا لا زلتم في شك منه
فكان إنقضاء الأجل الأول بالإشارة على موت الإنسان الأول .. وأتى التصريح بذلك في الآيات  17 –  23 من سورة عبس
 إذن فلقد اشار الله على انقضاء أجل الإنسان الأول من خلال إشارة الله على موته والذي كشف الله لنا ايضاً فيها عن خطته لإعادة انشاءه من جديد فقال تعالى “قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)”   سورة عبس
فلقد أمات الله الإنسان حتى يُعيد خلقه بصورة جديدة يكون فيها قادر على حمل الأمانة، وهذا سنأتي عليه في حديثنا عن الأمانة وما معناها
 
لقد كان في قوله تعالى ثم أماته فأقبره”  الإشارة الصريحة على موت الإنسان ومواراته عن الأنظار حيث أحاط الله موته بالتستر والغموض، ولو افترضنا بأن هناك من جادلنا بالقول بأنه لا يمكن لوجود أي من الإنس كان قد سبق خلقهم لآدم عليه السلام وقدموا الدليل على زعمهم هذا عن طريق الإستشهاد بآية تعليم الدفن والمأخوذة من سورة المائدة 31 والتي فيها
 يقول الله تعالى ”فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ“  سورة المائدة 31
 وتم التساؤل على أن لو كان لآدم أم وأب كما تزعم لعلماه الدفن …، فنجيب على ذلك بالقول بأننا لا ندعي بأن آدم كان له أب وأم أو أي شيء من هذا القبيل، فلقد خلق الله آدم من ذرية سلفت وكانت ميتة وصنعه الله بخلق ونشأة جديدة من ذرية من تراب الموتى السابقين والذين لم يكونوا أحياء وموجودين حتى يعلموا آدم الدفن هو وذريته، فأرسل الله تعالى الغراب ليُعلمهم وهذا أيضاً لا يعني بأن كل الطيور والحيوانات تدفن موتاها فمنهم القلة ممن يدفن موتاه وأكثرهم يتركه يتعفن أو تأكله الحيوانات الأخرى ونحن لا نعلم فيما إذا كان الله قد علم الإنسان الأول الدفن أم لا ولكن نعلم بأن الله أخبرنا بأن الله أماته وبعد أن أماته أقبره “ثم أماته فأقبره” أي واراه وأخفاه وأحاطه بالغموض وهذا نشهده من خلال تحول الميت إلى تراب، فالإقبار هو بأن لا يعود ظاهراً وقوله “فأواري سوءة أخي” أي أُخفيه عن الأنظار، أما القبر والمتمثل في البناء التقليدي والذي أصبح متعارف عليه بين الناس فهو ليس إلا مكان الدفن الذي يتوارى الميت فيه عن الأنظار فيصبح تراب كباقي تراب القبر ويختفي ويتوارى ولا يُمكن تمييزه فيصبح يحيطه الغموض وهذا هو مفهوم الإقبار الحقيقي، وهذا لا يتناقض مع إشارتنا على مكان الدفن كما هو متعارف عليه بالقبر فقدرة الله على هذا التحول العجيب أي إلى تراب جعلت من الإنسان يتوارى ويختفي وبالتالي بأن يصبح مقبور، حتى ولو إذ بقيت رفات الإنسان والحيوان فوق الأرض لوقت من الزمان فهي في النهاية ستذوب ويختفي أثرها وتُصبح متوارية أي مقبورة وغير ظاهرة، ولذلك لا فرق بين من يدفن في حفرة أو يوضع في كهف أو يُسدل عليه التراب فقط أو حتى يُحرق ويُذر رماده، فتحوله للرماد هو ستر له وتخفي لما كان عليه وعند إختلاطه بتراب الأرض لا يمكن التعرف عليه فيُصبح مقبور وخفي
لقد أشار بعض القرّاء الكرام على وجود العديد من الأخطاء في هذا الموضوع وخصوا بالذكر وبالتحديد ما أشرت عليه بالقول: فخلق الله آدم من ذرية سلفت وكانت ميتة وصنعه الله بخلق ونشأة جديدة من ذرية تراب الموتى السابقين
وفي الرد البسيط على هذه الجملة التي خُصّت بالذكر وهو بأنها كانت في الحقيقة مستلهمة من قول الله تعالى
 فقولي “خلق الله آدم من ذرية سلفت” هو مُستمد من قوله تعالى “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ” سورة الأنعام 133
وقولي “وكانت ميتة” هو مُستمد من قوله تعالى وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ”  سورة البقرة   28
 أما قولي “وصنعه الله” فهو مُستمد من قوله تعالى ” قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ”  سورة ص  75
وقولي “بخلق ونشأة جديدة” هو مُستمد من قوله تعالى ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ..”  سورة المؤمنون  14
وقولي “من ذرة من تراب الموتى السابقين – هو إشارة على ما تبقَّى من عظام الميت والتذي أصبح تراب وهو “عجز الذنب” فهو مُستمد من قوله تعالى  “قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ”  سورة ق  4
وما ورد من الحديث الشريف: عن أبي هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ”وإن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة قالوا أي عظم يارسول الله ؟ قال عجب الذنب. رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجة واحمد في المسند وأخرجه مالك
 
الرد على الأحاديث التي تم الإستشهاد بها “حديث أول من سن القتل، وحديث إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏” والتي زعموا بأنها تؤكد على أن آدم هو أبو البشر وأول إنسان خلقه الله
ففي الرد المختصر عليها نقول بأن هذه الأحاديث لا تنفي خلق الإنسان البدائي الأول بل هي على العكس من ذلك تماماً فهي في الحقيقة تُثبت وتؤكد على حقيقته المجهولة
فلو في البداية تناولنا حديث أول من سن القتل وأردنا التحقيق فيه لرأينا بأن الإجابة عليه تكمن في قول الله تعالى
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”  سورة البقرة 30
ولكن كيف نستهدي إلى ذلك  .. وللإجابة على ذلك نقول بأن هذه الآية وحدها قد تكون رداً كافياً وذلك لأنها تُشير ضمنياً على أن سفك الدماء كان قد حصل قبل جعل الله خليفة في الأرض، فسفك الدماء كما أشار عليه الملائكة وبكل وضوح في الآية الكريمة هو أقدم من خلق آدم وذريته وبالتالي فسواء كان قد اقترف القتل الإنسان البدائي الأول والمخلوق قبل آدم أو البشر الأولين فالقتل كان قد تم والدليل هو الآية نفسها ولذلك لا يمكن لأن يكون أول من سَفَك الدماء وقَتل هو من ذرية آدم .. إذن فابن آدم ليس هو أول من قتل أو سنّه وأباحه وقام به لأن الدماء كانت قد سُفكت وسالت من قبل أن يُخلق قابيل ونأخذ ذلك من قوله تعالى والمنقول عن الملائكة “أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء”، فلقد كان إحتجاج الملائكة فيها على سفك الدماء على يد السابقين ممن خلق الله وتحديداً من جنس البشر والذين سبق خلقهم للبشر الجديد أي آدم نفسه فأتى التحفظ عليهم وعلى مسلكيتهم الدموية وبالتالي فالحديث الشريف لا يفي بهذا الغرض إذا كان قد فسره البعض من الناس ليُنكر وجود السابقين الأولين من الإنس أو البشر والذين كان قد إنقضى أجلهم قبل خلق الله لآدم وذريته، وبما أن الحديث عن ابن آدم فهو يخص الآدميين وحدهم وسُننهم ولا علاقة للإنسان الأول أو البشر بأجناسهم المختلفة عامة بهذا الأمر حتى يُشمل عليهم السن في هذا السياق، كما أن الحديث ذو خصوصية حصرية لجنس واحد من البشر “الآدمي منه” وهذا الحديث يهُمهم وحدهم، وبذلك فإن الخوض والبحث في هذا الموضوع يفتح أمامنا حقيقة ثابتة وآفاق جديدة حتى نتفهمها بالشكل الصحيح وليس الفهم السطحي والعفوي والتقديري والبعيد كل البعد عن الحقيقة
 قال تعالىوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)”  سورة المائدة.
إذن ومن خلال ما أطلعتنا عليه هذه الآيات الكريمة يُمكننا لأن نستنتج على أن قابيل كان يعلم ماهو القتل فلقد هدد أخاه به، وكذلك الحال بالنسبة لهابيل فهو أيضاً كان على علم مُسبق به وكنّا قد تعرفنا على ذلك من خلال حديثه عن أن قتل النفس البريئة هو ظُلم وبأن مصير القاتل لأن يكون من اصحاب النار، إذن فمُلخص هذا الحديث بأن دليل القتل وسفك الدماء كان قد حصل وكان قد شهده كلاهما من قبل حدوثه على يد قابيل، وبالمناسبة فلقد غفل المفسرون عن حقيقة قتل قابيل لأخيه هابيل كما أتت بالقرآن الكريم وإدعى الكثير منهم خطأ بأنه كان من أجل امرأة وأخذ يردده وللأسف الكثير من الناس بلا هُدى مع العلم بأن ذكر المرأة لم يرد إلا في الروايات الإسرائيلية والقرآن أصدق حديثاً ولذلك فلا يُلتفت إلى ما جاء عن بني إسرائيل في هذا المقام خصوصاً لصراحة الآيات ووضوح معانيها
ولقد روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قرّب هذا كبشا، وقرب هذا صُبرة من طعام، فتُقبِّل من أحدهما. قال: تَقَبّل من صاحب الشاة، ولم يَتَقبّل من الآخر
وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتُقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر؛ كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وأنهما أُمِرا أن يُقربا قربانا، وإن صاحب الغنم قرّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب شَرّ حرثه الكوزن والزوان غير طيبة بها نفسه، وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث
إذن فلقد كان قابيل مُدرك وعاقل وكان بأن عمل على سن قدره المؤسف بيده فهو من تحكم في صنع وإتخاذ قرار وفعلة القتل سواء كان ذلك نتيجة الغيرة أو الحسد وبالتالي فلم يكن قتله لأخيه عفوي أو من غير عمد ولذلك نقول نعم إن ابن آدم كما قال رسولنا الكريم هو أول من سن القتل أي أباحه وأجازه وسمح به وأقره بين الآدميين وبالتالي ومن قوله “سنَّ” القتل نفهم بأنه أتخذ قرار القتل بنفسه وأقدم عليه وتحمل مسؤوليته وبذلك إذن كان قابيل يمتلك إرادة عقلية وإختيارية ذكية حُرة كانت مسؤولة عن صنع قرار القتل المدروس وعن تصميم وتدبير وتخطيط له فهو أول من أقدم عليها من المدركين العاقلين والمخيرين من الإنس الآدميين “البشر الجدد” فسَنّها، وفي لسان العرب: وفي الحديث: من سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً فله أَجْرُها وأَجْرُ من عَمِلَ بها، ومن سَنَّ سُنَّةً سيّئَةً يريد من عملها ليُقْتَدَى به فيها، وكل من ابتدأَ أَمراً عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سَنَّه؛ فابن آدم هو أول من إبتدأ القتل من الآدميين ومن ثم عمل به الآدميين من جنسه من بعده
 وبالتالي فهذا الحديث يخُص فقط وبالتحديد الآدميين وحدهم وهم المعنيين به ولم يشمل أو يُشير الحديث الشريف على الأجناس الأخرى من الإنس أو الكائنات والدواب البشرية الآخرى التي رامت الأرض وعمرتها من قبله، فالمخلوقات الإنسية والبشرية التي تعددت وسبق خلقها خلق آدم وبنيه كانت غير عاقلة وغير مُدركة فلم تسن أو تجعل القتل من سُننها فبدائيتها ووحشيتها غريزية فطغت دمويتها ووحشيتها على مسلكيتها دون قيد أو حسبان، فالسنَّ بحاجة للإدراك والتفكير والتدبير وهذا من خصائص الإنسان المعاصر والذي أضاف الله عليه وسوّاه وحسنه وميزه بتحليه بالقدرات العقلية الذكية فقال “فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا” والتي أتاحت له القدرة وأهَلَته ليكون قادر على السن اي وضع السنن والقوانين وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى إتخاذ القرار .. فكان مصدر قرار ابن آدم الخاطيء ينبع من مقدمة رأسه وفي ناصيته “الفرونتال لوب كما اكتشف ذلك العلم الحديث والذي سبقهم إليه القرآن الكريم” وكذلك المجرمون من مثله
قال تعالى “يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ” الرحمن 41
قال تعالى “كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ. نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ” 15 – 16 العلق
 
أما بالتعريف بإسمي قابيل “القاتل” و هابيل “المقتول”: وهي ليست من الأسماء التي تم ذكرها في كتاب الله فنقول
بإن اسم قابيل “على الأغلب” يتكون من مقطعين أي من قاب – إيل أو ءيل
إن القاب من الناس في “لسان العرب” هو صفة للصاخب في الخصومة، كما ويقال في وصف الأسد، قب الأسد وذلك إذا سمعت قعقعة أنيابه، والقبة من البناء: معروفة وهي التي مصنوعة من الأدم خاصة، مُشتق من ذلك “وقابيل كما نعرف هو من آدم” والبيت المقبب أي الذي جُعل من فوقه قبة، والإيل من الآل والولي وهو الله وبالتالي يمكننا لأن نستنتج بأن معنى أسم قابيل إذن هو خصيم الله أو عدو الله
وبالتالي فإن إسم هابيل يتشكل من مقطعين أيضاً  أي هاب – إيل أو ءيل
إن الهيب في (لسان العرب) من الـهَيْبةُ: وهي الـمَهابةُ، وهي الإِجلالُ والـمَخافة. والـهَيْبةُ التَّقِـيَّةُ من كل شيءٍ. هابَهُ يَهابُه هَيْباً ومَهابةً، والأَمْرُ منه هَبْ، بفتح الهاءِ، لأَن أَصله هابْ، ويمكننا لأن نستنتج إذن بأن معنى أسم هابيل هو صفة لمن جل الله وعظمه وخافه وبالتالي لربما يكون معنى أسمه هو تقي الله أو جليل الله
.
أما حديث أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏
ففيه ذكر الإمام أحمد عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه،‏ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم‏ قال‏:‏”إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏،‏ فجاء بنو آدم علي قدر الأرض:‏ جاء منهم الأحمر‏،‏ والأبيض والأسود وبين ذلك‏،‏ والخبيث والطيب وبين ذلك”  والحديث أخرجه كل من أبي داود والترمذي / حديث حسن صحيح‏
فسنحاول الرد عليه من خلال فهم ما هو المقصود بقبضة الله وبذلك سنستشهد بالآية الكريمة التالية وفيها قوله تعالى
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ”  سورة الزمر  67
 فلو تمعنا بقول الرحمن لرأينا بأنه يخبرنا بأن “الأرض جميعاً قبضته” والأرض تُذكر في القرآن على وجهين خاص وعام فالخاص هو ما يتعلق بكوكب الأرض، والعام هو ما يُشير أو يتعلق بكل مادة هذا الكون الواسع من مادة صخرية أو ترابية وبذلك يشمل ذلك على كوكب الأرض فهو كله رهن قبضته وممسك به فكيف للمفسرين بتعليل قول رسول الله الكريم بقبضة قبضها من الأرض وتحميل ذلك على أن قبضة الله هي بحجم قبضة الإنسان .. كما أن مفهوم القبض على الشيء حسب لسان العرب وأقوالهم هو المسك والحبس على الشيء، وقبض أي أمسك وضم
قال تعالى “وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”  البقرة   245 .. ويقول “ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا” الفرقان 46
ويقول “أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَـٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ”  الملك 19
ومن ذلك كما تعرفه العرب من استعمال للقبض كما في القاء القبض على السارق وقبض الروح وبالتالي فالمقصود بقبضته أي مُمسك بها فهي في مُلكه وتحت أمره ومحبس عليها ومالك لها ومتحكم بها ومقبوض عليها وبذلك احتواها، أما من فسّر قبضة الله على أنها تُشير على قبضة اليد أو هي بحجم قبضة اليد فعليه لأن يفسر تناقض قوله هذا مع ما أخبرنا الله وهو خلقه للإنسان من النطفة، قال تعالى “مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ  ”  عبس 19
 والنطفة مجهرية ولا تُرى بالعين المجردة ويُقدر حجمها في الاسبوع الأول من الحمل بحوالي الواحد بالعشرة من المليميتر أي فهي بذلك أصغر بكثير من إتساع أو عرض شعرة الرأس فما بالك بقبضة الإنسان، بالإضافة على أن الله لم يُشر على خلقه للإنسان من أي قبضة في أيٍ من القرآن الكريم بل قال خلقه من نُطفة وعلينا بالإلتزام بالقول الموحى والذي مصدره الله في الدرجة الأولى، والنطفة هي الخلية والتي لا تُرى بالعين المجردة والتي نحتاج إلى تقنية المجهر “الميكروسكوب” للتعرف عليها ورؤيتها ولذلك فالقبضة هنا في الحديث الشريف لا يتعدى كونها تُشير على المسك على النطفة والتي جمعت الصفات المتعددة والجينية في محتواها الخلقي الدقيق، وبالتالي فلم يكُن التصوير هنا سوى تصوير مجازي وتعبيري بغرض التقريب من فهم التكوين العام والشامل الذي إحتوته النطفة في بناءها الخلوي وتكوينها السلالي ذو الشيفرة الوراثية وما حملته من صفات وراثية متعددة مما يختص في بناء الإنسان الآدمي بأكمله…. فالله يقول خلقه من نطفة وهي مجهرية وهم يصرّون على القول من قبضة كقبضة اليد .. ولذلك فعلينا بتذكيرهم بقوله تعالى “وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا”  الكهف 54
ففي الحديث نرى بأن كل ما بحوزة القبضه كان هو ما مسكت وامتلكت عليه من التراب وبالتالي فإذا ما قارنا ذلك بما أخبرنا الله تعالى في الآية الكريمة وذلك بأن ألأرض جميعاً أيضاً قبضته أي كل اليابسة المخلوقة والموجودة في هذا الكون في ملكه وفي قدرته لاستنتجنا بأن القبضة هي رمز للقبض والمسك والتملك بكل منهما فقط ولا تعني قبضة إشارة على الحيز الضيق بمفهومنا الدنيوي البسيط وبمقارنته فينا أي ما تحتوي عليه يد الإنسان من السعة والحجم، فالله ليس كمثله شيء حتى نعتقد ظالمين لأنفسنا بأن قبضته تساوي أو حتى تُشبه قبضتنا، فهو بالتعريف بذاته يخبرنا بالآتي
قال تعالى ” فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”   سورة الشورى 11
فالله يخبرنا بالآية الكريمة بأن “ليس كمثله شيء” وبالتالي فأين وجه المقارنة خاصة وأن قوله هذا أتى بعد حديثه عن الأزواج “إشارة على أزواج الكرموسومات المجهرية” المسؤولة عن حمل الصفات الوراثية ومنها المسؤول عن تحديد اللون “كما أشار عليه الحديث” وقوله: فجاء بنو آدم علي قدر الأرض:‏ جاء منهم الأحمر‏،‏ والأبيض والأسود وبين ذلك وذلك حتى يُنبهنا ويحذرنا من الخلط لأن التشبيه مجازي، وأنتهى الله جل وعلا بالتعريف على نفسه على أنه لا يمكن إدراكه أو قياسه بمفاهيمنا المحدودة والبسيطه، وتبع ذلك بقوله على أنه هو وحده الـ سميع الـ بصير فعلمه وقدرته لا نقارن بها
أما قوله تعالى “يُذرؤكم فيه” فمعناه أي يذُرُكم ويكاثركم ويتوالدكم من الذرية من خلاله “وهذا سنُبينه بالتفصيل عند الحديث عن الذرية والنسل”، وبالتالي يُبين الله لنا بأن هذا الخلق لا يُشبِهكُم بالخالق لا من بعيد ولا من قريب فالله ليس له مثيل ولا يوجد من هو مثله أو من يشابهه فالله هو منبع القدرة والإدراك وحده، ولنتذكر بأن الله أشار على الذره لنا بقوله “يذرؤكم فيه” أي التكوين الخلقي من وعلى المستوى الذري وبالتالي أي بخلقه لنا من الذرية، والذرات هي أصغر شيء في المادة “اصغر مكون للمادة”، فالله يخلقنا من النطفة والتي لبنة ووحدة بناءها الأولي الذرات ومكوناتها وهي لا تكون بحجم قبضة يد الإنسان ولا تُرى سوى بالمجهر وبالتالي فإن الإشارة في الحديث على القبضة التي قبضها الله من الأرض أي مما أمسك الله في قبضته “أي مُلكه” ليبدأ به خلق الإنسان الآدمي كان ذري أي من ذرات الأرض وتكوينها الذري والمعنى وهو بأن شاء الله لأن يخلق الإنسان من خليط مادي أرضي شمل على ما احتوت عليه ذرات التربة من ما أحتوت عليه الأرض من العناصر التكوينية فكان خليط فيه من كل الصفات الوراثية في تركيبتها الخلوية والذرية وبالتالي جعل في حوزته خلطة مركب سواء كان طيني/ أو ترابي متعدد الخواص ومتنوع العناصر فشملت عليه القبضة أي المسك والحوز من التركيب وتنوع العناصر، ولذلك كيف لنا حتى نعتقد جهلاً بأن قبضته هي حفنة من التراب كقبضة أي منا فقال “ليس كمثله شيء” ولذلك فلا يمكن تشبيه الإنسان بالخالق حتى نقارن قبضتنا بقبضته خاصة وأن الأرض الكونية كلها في قبضته، فكيف يفسر علمائنا هذا الحديث إذن، وهل الإنسان والذي قبضه الله بقبضته هو من حجم الأرض جميعها .. إذن فعلينا بإستعمال المنطق والحكمة والذكاء في بيان حقيقة رسالة إقرا وحقيقة خلق الله  للإنسان وبأن لا نكون عفويين وعبثيين ولكن هذا الخطأ الموروث في فهم حقيقة خلق آدم والمسيح يرجع طبعاً لعدم وضوح الرؤية في فهم حقيقة هذه الآيات القرآنية وعلى ماذا تُشير
لقد أتى التأكيد على خلق عيسى من تراب أيضاً من خلال اسمه الثلاثي الذي سمّاه الله به، فالرجاء الرجوع إلى موضوع البحث بالإسم الثلاثي للمسيح عيسى ابن مريم في قوله تعالى “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ”بعنوان الإسم الثلاثي للمسيح عيسى ابن مريم بين التسمية والمعنى وعلاقة ذلك بخلقه من التراب
إذن فإذا كان خلق آدم من تراب هو نشأة للإنسان من جديد كما بينّا، فماذا يعني قوله تعالى في ابتداء خلقه له كبشر من طين في قوله تعالى “إني خالق بشرا من طين” وقوله “وبدأ خلق الإنسان من طين …. وهل هذه المقارنة ستقودنا للبحث في اصل خلق الإنسان وتطوره وعلى ماذا تعود مادة خلقه الطينية وهل يدل خلقه من طين على تحوله من طين إلى مادة عضوية متماشياً مع الرواية الكتابية والتي تبناها شيوخنا الكرام أم ماذا يعني خلقه من طين لازب وصلصال من حمأ مسنون .. في القريب الإنسان والتطور: مادة خلقه وتطوره
 
الرجاء المتابعة
خامساً: ألأمانة وإعادة خلق الله للإنسان ليكون بالقادر على حملها .. وإختلاف أراء العلماء والمفسرين في ما المُراد بها
 ……
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
آخر تحديث في 3 – 11 – 2017