Archive for the ‘آدم وحوّاء وشُبهة الشرك التي علِقت بهما’ Category

آدم وحوّاء وشُبهة الشرك التي علِقت بهما … ولكن هل يُعقل لأن يُشرك آدم وحواء بـ الله

قال تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)” الأعراف

لقد أجمع أغلب المفسرون بأن قول الله تعالى في هذه الآيات الكريمة يرجع لتسمية آدم وحوّاء لمولود لهما بـ “عبد الحارث” حيث وحسب ما أبلغونا به وهو بأنه كان لا يعيش لهما ولد وأن إبليس “واسمه الحارث” كان قد أخبرهما بأن عليهم لأن ينسبوا المولود إليه وذلك أن ارادوا له الحياة ولكنهم في بداية الأمر رفضوا ولم يستجيبوا لمحاولات ابليس للتأثير عليهم ولكن وعند تكرار موت المواليد رضخوا لمطلبه وسميا المولود بعبد الحارث .. فعاش المولود .. فأخبرنا الله بقصة شركهم هذه. لقد استند علماء التفسير على العديد من الروايات التي نُسبت في معظمها لإبن عباس ففي تفسير الطبري- حديث رقم15515 حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم، فتعبدهم لله، وتسميه “عبيد الله” و”عبد الله” ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش ! فولدت له رجلا فسماه “عبد الحارث” ، ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله: جعلا له شركاء فيما آتاهما، إلى آخر الآية .

لقد تناولت الآيات الكريمة موضوع شرك آدم وزوجه وهذا واضح من قوله تعالى “جعلا له شركاء فيما آتاهما” ولكن حاول المفسرون ابعاد شبهة الشرك عنهما فمنهم من دافع عن شركهم دون حجة ويقين وحاول تبرير وصف آدم وحوّاء بالشرك ولكن من دون جدوى، ومنهم من نفى شركهم واعتبر بأن من يزعم بأن هذه الآيات الكريمة تُشير إلى آدم وحواء فهو يُلصق بهما تهمة الشرك بالله “والعياذ بالله” خاصة وأن آدم هو نبي وهو معصوم عن الشرك. لقد ذكر السيوطي في الإتقان “ج1 ص 90” بأن الآية هي في آدم وحواء كما جاء مصرّحا به في حديث أخرجه أحمد والترمذي حسنه والحاكم صححه وقال: كيف نُسب الإشراك إليهما وآدم نبي والأنبياء معصومون منه قبل النبوة وبعدها إجماعاً؟ وقد جرّ ذلك إلى أن بعض العلماء حمل الآية على غير آدم وحواء وتعدى ذلك إلى تعليل الحديث والحكم بنكارته وذكر بأن آخر الآية كان في العرب وشِركهم حيث عاد الضمير في أولها على الإثنين وفي آخرها على الجمع “فتعالى الله عما يُشركون” ولا بد من حمل التعبيرات المتشابهة على مالا يطعن في عصمة الأنبياء

التحقيق في قوله تعالى: جعلا له شُركاء 

 إن ما يُجدر بالإشارة إليه هنا هو قوله تعالى المباشر والصريح بان آدم وحوّاء جعلا له شُركاء، وقول شركاء في الآية الكريمة أتت بصيغة الجمع بدلاً من الإشارة على إبليس بصيغة المفرد أي شريكاً واحداً كما يُفترض فهو المزعوم بأنه الشريك الوحيد والتي أشارت عليه هذه الرواية وكانت تدور حوله فقط، إذن فماذا يعني قوله تعالى “جعلا له شركاء” حيث وأن هذا القول يبطل صحة هذه الرواية وبالتالي إحتار واختلف المفسرون وأهل التأويل في موضوع شرك آدم وحوّاء فقال بعضهم: جعلا له شركاء في الاسم . .. كما في تفسير الطبري 309

إذن فكان هذا ناتج عن تسميتهما لإبنهما بعبد الحارث بدلاً من عبدالله أو عُبيد الله .. وقال البعض بأن قوله تعالى “فتعالى الله عمّا يُشركون” لا يُشير على آدم وحوّاء بل على جميع المشركين وقيل: كان هذا الشرك في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم وقيل: عني بهذا ذرية آدم من أشرك منهم بعده وقيل: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا وقال آخرون: بل المعني بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد وبالتالي فكما نُلاحظ فلقد اختلف في تأويل الآية الكريمة وعلى ماذا يعود شرك آدم وزوجه حتى أن هذا الإختلاف دفع بالبعض من المفكرين العصريين إلى الذهاب إلى ما هو أبعد من هذا كُله .. فمن خلال اطلاعنا على بعض من ابحاث الدكتور عبدالوهاب السيناري رأينا بأن الدكتور يقول وبالحرف الواحد كما هو منقول عنه “يمكننا تفسير الآيات السالفة بإتباع منهج تفسير القرآن الكريم بالبحث فيه على النحو التالي: أن أول من خُلِقت من البشر كانت أُنثى. كما يُمكننا أن نستنتج أن قوله تعالى: “جعلا له شُركاء فيما آتاهُما” لا ينطبق على آدم وحوّاء لان الله برأ آدم عليه السلام من الشرك ولأنه تاب عليه وهدى، ولأن آدم وحوّاء طلبا المغفرة والرحمة من ربهما. وهذا بالضرورة يعني أن الآيات السالفة لا تُشير إلى آدم وحوّاء وإنما تُشير إلى أول زوجين خلقهما المولى عز وجل ثم أشركا هما وذريتهما إلا الآباء الذين وصفهم بنو آدم بالشرك في الآية 173 من سورة الأعراف “أشرك آباؤنا من قبل” هم نفس الآباء الذين قال الله تعالى عنهم على لسان بني آدم المباشرين، أنهم آباؤهم وليس أبويهم، ولكن الله تعالى أهلكهم بشركهم وجعل آدم وحواء وذريتهما خلفاء لهم”

ولكن لا أعلم على ماذا استند الدكتور في زعمه الباطل هذا لأن الله تعالى في افتتاحية سورة النساء يقول

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء ” النساء 1 

وبالتالي فالخطاب القرآني هو للناس وهم الذين اشار الله عليهم بالمخلوقين من هذه النفس الواحدة، وهي نفس النفس التي عاد الله وحدثنا عنها في سورة الأعراف فقال “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ” والناس هم الذين عرّف الله عليهم في العديد من الآيات القرآنية على أنهم بني آدم، أي فالناس الآدميين هم المخلوقين من نفس آدم عليه السلام وبالتالي فقصة الشرك هذه تُشير على آدم وزوجه وليس كما يتخيل الدكتور على أن النفس تعود على زوجين كان قد سبق خلقهما خلق آدم وبالتالي فالشرك يعود عليهما وليس على آدم وزوجه وذلك كما يروج له من دون دليل أو حُجة تُثبت صحة قوله هذا والذي يُساهم فيه في تضليل الناس

لقد تعددت أوجه الشرك وحسب لسان العرب: نقول هو بمعنى شرك إشراك بالذات، وهو أيضاً بمعنى شرك شراكة بالأشياء وبالتالي يمكن لأن نستنتج على أن  الشرك هو على وجهين وأولهما: هو الشرك بـ وحدانية الله المطلقة: “الشرك بـ ” الله وهو أعظم الشرك

قال تعالى ” إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ‌ٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا” النساء 48ن

وقال تعالى “إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ‌ٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ” النساء 116

ويقسم الشرك بـ الله إلى ثلاثة أنواع وهو

أولاً: شرك بالربوبية أي شرك بالعبودية لغير الله قال تعالى وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” الإسراء 23

ثانياً: شرك بالذات الإلاهية أي في أحاديته ووحدانية تكوينه: تُشرك به أي تُشرك مع الله في تكوينه قال تعالى “وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ۚ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ” الزخرف 15

ثالثاً: شرك بالملك: أي تشرك مع الله في ملكه قال تعالى ” لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا” الإسراء 22 وقال تعالى ” مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ” المؤمنون 91 قال تعالى ” لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ” المائدة 120

وثانيهما: وهو الشرك بالشراكة مع صفات الله وأسماءه الحُسنى، قال تعالى ” هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ” الحشر 248

لقد أخبرنا الله تعالى بأن الناس لطالما أشركوا معه شركاء في أسماءه وصفاته، ولذلك فعلينا لأن نُفرِّق بين الشرك بالله والشرك معه بأسماءه وصفاته والذي هو من دون الشرك به والأمثلة القرآنية على الشرك أي بمعنى أن تُشرك “إشارة على الشراكة” بأسماءه فنجده اتى بصورتين

أولهما: الإشارة على الشراكة معه بأسماءه وصفاته بالشكل المباشر كما في

قوله تعالى “هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ”  الحشر 23

فحدثنا عن صفاته وأسماءه الحُسنى: الملك والقدوس والسلام والمؤمن والمُهيمن والعزيز والجبار والمُتكبر والتي جعل الناس له شركاء بها فمنهم من ألعزيز ومنهم الجبار ومنهم المتكبر ومنهم المهيمن ومنهم الملك .. وهكذا ولكن هل مشاركتهم بهذه الصفات والأسماء مع الله تؤهلهم لأن يكونوا شركاء لله في ذاته أو في ملكه أو بربوبيته لعباده

وكذلك في قوله تعالى “عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُون” المؤمنون 92

وهنا حدثنا الله تعالى بان أشرك الناس مع الله شركاء له في صفة العليم وبالتحديد علم الغيب والشهادة … ومثال على ذلك وهو ازدياد اعتقاد الناس بقدرتنا على العلم بالغيب كالتنبؤ بحالة الطقس وحدوث الزلازل، وازدياد قدرتنا على نقل الأحداث بالصوت والصورة من الماضي أو المستقبل ومثال على ذلك نقل الأحداث المباشرة من أستراليا لسكان الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، أو مشاهدتنا لبعض الصور أو الفيديو من على القمر أو المريخ فاعتقدوا مخطئين بأنهم لهم القدرة على معرفة الغيب وبالتالي فهم شركاء لله بعلم الغيب ونسوا بأنهم يتابعون هذه الأحداث عن طريق تقنيات الساتلايت والحسابات الرياضية والبث الموجي والتي سخرها الله لنا عن طريق ما منح لنا من قدرات عقلية ذكية والتي لا علاقة لها بالغيب لأن الغيب هو كل ما لا نستطيع أن نقتص أثره فهو في عالم خفي نجهله ويبقى كذلك إلا أن يرفع الله الغطاء عنه فيوحي به كما أوحى لرسوله الكريم أو بلّغ عنه

ثانياً: ومنها ما أتى الإشارة على الشراكة معه باسماءه وصفاته بالشكل الغير المباشر كقوله تعالى “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖهَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَ‌ٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ” الروم 40

فكل من يعطي غير الله صفة القدرة على الخلق أو الرزق أو الإحياء يكون قد أشرك مع الله في صفات الخالق والرازق والمُميت والمحيي … ولنا مثال على ذلك في قوله تعالى “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ” البقرة 258

فتنزه الله عن هذا الزعم الكاذب للشراكة معه والذين يحاولون إلصاقها بصفاته فهو وحده له أحسن الصفات منزلة وكل شيء آخر هو من دونه، وبالتالي فإن الشرك الذي ذهب إليه علماء التفسير أي ما اشاروا عليه بالشرك بالأسماء أتى كرد على تفسير الآيات 189 – 191 من سورة الأعراف حسب الرواية التي لم يثبت صحتها أصلاً لأن الحارث ليس من أسماء الله ولا هو من صفاته بل هو اسم لأبليس حسب ما أخبرونا وبالتالي فلأن تكون عبداً للحارث هو لأن لا تكون عبداً لله، قال تعالى “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه” فقضاء الله هو حكمه وبالتالي لا يمكن لأي من الإنس لأن يتخذ لنفسه معبوداً سوى الله، ولكن بما أن الفرد وهنا المولود لم يتخذ معبوداً لنفسه بخياره فلقد سُمي بعبد لغير الله من قبل والديه وهنا اتضح عندها ومعها معنى ما ذهب إليه علماء التفسير والتي هي شراكة عبادة وهمية لأنها محصورة بالتسمية فقط “أي شراكة إسمية” ولم تخرج إلى حيز العمل أو القول من المولود أو المُسمى ولكن ومع ذلك فتفسيرهم الذي أشاروا عليه لا يرتقي إلى مستوى رفع الشبهة عن شرك آدم وحواء الذي أشارت عليه الآيات الكريمة أو يُوضح لنا معنى قوله تعالى “جعلا له شُركاء” .. فبقي موضوع شركهم بحاجة لمزيد من التوضيح .. وبالتالي من هم الشركاء هؤلاء

ولكن ولو رجعنا للآيات الكريمة وقوله تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)” الأعراف. وتدبرناها جداً لوجدنا بأن الله برأ آدم وحواء من الشرك ونفى أي صلة لهم به حتى قبل البدء بحديثه عن الشرك فيما آتاهما وذلك حتى يزيل عنهم أي شًبهة للشرك بالله، وهنا فإن أول ما سنبدأ به هنا هو تبرئة الله لآدم وحواء من الشرك به والذي هو من أعظم أنواع الشرك والذي لا يغفر الله لمن عمل به او إدعاه أو شهد به فسبق قوله “دعوا الله ربهما” في الآية الكريمة حديثه عن شرك الشراكة هذا الذي نزه نفسه عنه بقوله “تعالى الله عما يُشركون” أي ما يُشركون به من أسماءه وصفاته لأن قوله فيهم “دعوا الله ربهما” شهد لهم فيها بالتوحيد حين قال “ربهما” أي فهو رب واحد لهما وهو الله فهم “دعوا الله” إذن فالله هو معبودهما وبالتالي فكانا قد عملا بما قضى الله على الإنسان وهو “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه” ونزههم الله عن الشرك ووضح لنا بانهم عابدين له وحده، ومن خلال عبوديتهم له نستنتج بانهم لا يشركون معه أحد بملكوته ولا يشركون معه أحد بذاته وبالتالي فلقد استوفت فيهم جميع شروط التوحيد والوحدانية المطلقة

أما وكيف إذن يكون ما أشار الله عليه من الشرك هو شرك شراكه “بقدراته – أي بصفاته واسماءه” بما إنه ليس شرك بالله فالجواب نجده في قوله تعالى ” فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا” نلاحظ تكرار كلمة آتاهما فالأولى تعبر عن اصلاح ما كانا دعوا الله لأن يرزقهما به، حيث كانت لا تُنجب من يصلح للعيش بعد الولادة، قال تعالى ” فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ” إذن فهي كانت تُعاني من شيء يحول من بقاء المولود على قيد الحياة حتى أصلح ذلك الله، وكان لنا عبرة في قصة حمل إمرأة زكريا عليه السلام قال تعالى ” قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا” مريم 8 وقال تعالى “فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ” الأنبياء 90 . إذن نستنتج بان المانع كان عقر حواء لأنها حملت كما كانت تحمل في كل مرة ولكن لم تكن تكتمل عملية التخليق لسبب ما وإما كانت تفقد الجنين وهي في المراحل الأولية للحمل أو تلده وسرعان ما يموت وبالتالي فإن عدم صلاح المولود “أي عدم كمال تخليقه” كان يعود عليها ولكن حين أخبرنا الله بقوله تعالى “فلما آتاهما صالحاً” كان ذلك إشارة على سلامة المولود في هذه المرة أي على غير العادة .. .. وكان نتيجة قوله تعالى ” لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا” بأن استنتجنا على أن المواليد كانت غير صالحة للعيش أو غير قابلة للعيش ولكن ما هي الشراكة التي أتت الآية لتخبر عنها في قوله تعالى ” .. جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)” الأعراف وبالتالي كيف جعلا لله شركاء أي صيّرا له شُركاء .. والجواب على ذلك هو “فيما آتاهما أي اعطاهما ورزقهما ووهب لهما إذن فهي تعبر عن قدرة الله، وكما نعلم فإن حواء كانت بحاجة إلى اصلاح فالله هو الشافي وهذه إحدى صفاته واسماءه وهو من أشفاها، وهو القادر فبقدرته أصلحها، وكذلك هو الخالق وهي صفة اُخرى من صفاته وهو من خلق المولود هذا من نُطفة وقدّره، وهو الرزاق فهو من رزقهما إيّاه، وهو الوهاب فهو من وهبهما إياه واستجاب لدعواهما، وهو المصور فهو صوره، وهو المحيي فهو احياه .. قال تعالى ” وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ” الأعراف 180

وبالتالي اشتركت كل من اسماء الله الشافي، والخالق، والرزاق، والقادر، والوهاب، والمصور، والمُحيي في إحداث المولود وإحياءه فحين آتاهم المولود بعد العديد من محاولات الحمل التي كانت تنتهي بالفشل اعتقدوا بأن إبليس شريك بهذا الرزق فانطلت على آدم وحواء حيلة ابليس ونجح في إوهامهم بأنه له دور فيها فاشرك نفسه بهذه القدرات والتي هي اسماء الله والتي تُدل على صفاته.. فاعتقدوا بأن لولا قدرة ابليس واشتراكه مع الله في استحداث الولد لما تم ذلك فهو إذن شارك الله في صفاته واسماءه وكان له دور مع الله بوهبهم ورزقهم إياه وبصلاحه أي نسبوا له بعض من صفات الله فاصبح شريكاً بالعمل، ولكن هذا النوع من الشرك لا يرتقي لمنزلة أو مرتبة الشرك بالله والذي أشرنا عليه فهو ليس شرك عبادة فهو ليس شرك بأمر الله وقضاءه علينا بالعبودية، ولا هو شرك بذات الله في تكوينه، ولا هو شرك بملك الله وبالتالي فكان هذا النوع من الشرك هو شرك شراكة فهو يقع خارج تكوين ذات وكيان الله وخارج ملكه المادي الذي أشار عليه وخارج أمره الذي قضاه علينا بالعبادة لأن الصفات هي قدرات والأسماء هي دلالات على هذه الصفات ولا تعبر عن كيان الله بل تصف قدراته لنا وبالتالي فلا يوجد مخلوق يشاركه بهذه الصفات التي خص بها نفسه من دون سائر خلقه إذن فاصبح من الممكن توضيح قوله تعالى ” .. جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)” الأعراف أي فحين نسبوا هذه الصفات لإبليس أصبح وكأنه شريك مع الله في ما آتاهما إشارة على المولود .. فأتى قوله تعالى “فتعالى الله عما يُشركون” لتنزه الله وهو صاحب هذه الأسماء ذات المراتب العليا اي التي تتصف بأعلى وأسمى درجات الرفعة والكمال لأن يُشركون معه فيها اي من خلقه .. ويقول “أيُشركون مالا يخلق شيئاً وهم يُخلقون” أي ويحهم كيف انطلت عليهم مكيدة ابليس فكيف يُشركونه وهو الذي لا يُمكنه خلق أي شيء ويقول “وهُم” أي وهُم وإياه يُخلَقون وهنا تُشير على إبليس وآدم وحواء وذريتهم من بعدهم

قال تعالى ” أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” النحل 17

وخلاصة القول هنا وهو: بالسؤال بمن هو الذي آتاهُما .. والجواب على ذلك هو الله، ولكن حين يأتيك الله شيء ما فمعناه بأن أعطاك ورزقك ووهبك أي فهنا الحديث عن صفاته وأسماءه وأفعاله فهو المُعطي وهو الرزاق وهو الوهاب .. وبما أن الله آتاهما صالحاً أي مولود يصلح للعيش ومُعافى فالله إذن أيضاً هو الشافي وهو القادر وبالتالي فحين أعتقدوا بمشاركة ابليس في رزقهم هذا الذي رزقهم الله إياه أخبرنا الله بقوله تعالى “فتعالى الله عما يُشركون” أي تنزه الله وعظُم عن إدعائهم الباطل هذا لأن الأسماء الحسنى لله وحده وادعاء الشراكة هذا باطل من أساسه ولولا الله لما تحقق لهم هذا الرزق … ولقد أخبرنا الله جل وعلا بأنه وحده له الأسماء الحُسنى فقال تعالى ” اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ” طه 8

ولكن فإن هذا الخطأ يقع به الناس في كل يوم أي بجعل شركاء لله من هم من دونه، فكثيراً ما نعتقد بأن الرزق هو على صاحب “رب” العمل، وبأن المحيي والمميت هو الحاكم أو “السلطة” التشريعية والقضائية بإصدارهم للأحكام بالقتل أو العفو، وبأن الشافي هو الطبيب والمعالج والجرّاح .. وهكذا، ولكن فهذا الشرك لا يُشير على الشرك بالله أي بذاته أو بملكه أو بعبادته فهو كما وضّحت من قبل هو شرك شراكه وهذا ما أشار الله عليه بشرك آدم وزوجه

فكان شرك ذنب اوقعوا انفسهم فيه ولم يكن شرك بـ الله، فشرك الشراكة في أسماء الله هو شرك بصفاته وهو لا يُقاس بالشرك به ولا يرتقي لدرجته ولا يستوي معه، ومع ذلك فتنزه الله وعظم عن ما يُشركون معه بأسماءه وصفاته أي ما ينسبون له وكأن ابليس يشترك في خلق هذا المولود .. لا … فالله وحده خالق كل شيء، قال تعالى ” ذَ‌ٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚوَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ” الأنعام 102

 

صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل

آخر تحديث: الإثنين الموافق 23 – 03 – 2015