Archive for the ‘الإنسان هل هو مخلوق من ماء مَّهين أم من ماء مُهين وحقير’ Category

هل الماء المهين هو ماء حقير وضعيف كما يصفه العلماء أم هم مُخطئون
قال تعالى “أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” المرسلات 20
وقال تعالى “ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِين” السجدة 8
لقد وقع الكثير من علمائنا من السلف والذين تبعوهم، وغيرهم من علمائنا المعاصرين في الخطأ حين لجأوا للتعريف بالماء المَهين “بفتح الميم” على أنه ماء حقير وضعيف، فقال ابن كثير: أي ماء ضعيف، وقال البغوي: أي ماء ضعيف وهو نطفة الرجل، وقال السعدي: وهو النطفة المستقذرة الضعيف، وقال الشنقيطي صاحب أضواء البيان: ومعنى { مّن مَّاء مَّهِينٍ } : من ماء ممتهن لا خطر له عند الناس وهو المنيّ، وقال الزجاج: من ماء ضعيف حقير، وهو النطفة، وقال القرطبي: أي ضعيف حقير وهو النطفة وقال ابن عاشور: والمهين: الشيء الممتهن الذي لا يعبأ به، وقال الطبري: أي هو من نطفة ضعيفة ورقيقة
وأخيراً تردد على مسامعنا قول للدكتور عدنان إبراهيم يُشير عليه بالماء المَهين ومع ذلك يصفه على أنه الماء المحتقر والضعيف والقليل
 فكما نُلاحظ من قوله تعالى في الآيتين الكريمتين وهو بأن الله يصفه بالماء المَهين “بفتح الميم” ولم يأتي على وصفه بالماء المُهين “بضم الميم”، وللعلم فهنالك فرق شاسع بين الفتح والضم في المعنى للكلمة بحيث لاتوجد أي علاقة بين ماهو مَهين بما هو مُهين، فالمَهين شيء والمُهين هو شيء آخر مختلف تماماً عنه، بالإضافة على وصف الماء المهين بالسلالة أيضاً فهو خطأ لأن السلالة لا تعني النطفة ولأن النطفة تُشير على الخلية بجوهرها العام، أما السلالة فهي خيط الدنا والذي تحتوي عليه الخلية في نواتها … والسلالة حسب اللغة هي ما يُسل من الشيء لغرض الغزل “النسيج” أي النسل فيُنسل الإنسان به، كما لو تمعنا في قول الله تعالى “ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” وأعتمدنا بلا شك بأن الحديث هنا يخص الجنس الإنساني بأكمله، البدائي منه والآدمي وتَذَكرنا بأن الله أخبرنا بأن “أحسن كُل شيء خلقه” أخضع كل شيء خلقه للتحسين وكذلك أوقع ذلك على الإنسان والذي رقّاه الله ليكون في أعلى درجات التقويم وأحسنها، فركبه بأحسن صورة، وعلمّه البيان وعلمّه ما لم يعلم، وخلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وكرمه، وفضله على الكثير من خلقه لاستنتجنا بأن الله لم يخلق البشر الآدميين من ماء حقير وضعيف، وبالتالي فإن علينا التحقق من معنى كل من مَهين ومُهين وإعتماد الأصح من القول، فحسب لسان العرب فإن كُل من المَهْنَة والمِهْنَة والمَهَنَة والمَهِنَةُ: هو الحِذْق بالخدمة والعمل ونحوه، وحين نقول قامت المرأَة بِمَهْنةِ بيتها أَي بإِصلاحه، وكذلك الرجل، وحين القول ما مَهْنَتُك ههنا ومِهْنَتُكَ ومَهَنَتُكَ ومَهِنَتُكَ أَي عَمَلُكَ ووظيفتك، وقد مَهَنَ يَمْهُنُ مَهْناً إِذا عمل في صنعته وحرفته أو وظيفته والفروقات واضحة وجليّة فيما بين ماهو مُهين وماهو مَهين، ويمكننا الغستدلال بقوله تعالى “وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ”  سورة الدخان 30
 وقوله تعالى “وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ” سورة النساء  14
ومعنى العذاب المُهين وعذاب مُهين “مُهين بالضمة” هو العذاب الذليل والمخزي والحقير وهذا يختلف عن كلمة أو وصف الماء بالمَهين أي “مَهين بالفتحة” والذي في بيانه والكشف عن معناه سنستعين بقول الله تعالى “وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ  مَّهِينٍ”  سورة القلم 10 
حيث كانت كلمة مَهين هنا لتصف الكاذب وكأن الكذب هو مهنته وإختصاصه ووظيفته، وهنا لا نستشهد بالحادثة والتي تحدثت عنها الآية الكريمة ولكن نستشهد بالقيمة اللغوية لكلمة مَهين وللإستفادة من معناها اللغوي فقط والتي أتت لوصف للمهنة أو الدور الوظيفي على وجه الخصوص وبالتحديد ومن هنا نتعرف على معناها والغير محدود أو مربوط بظرف أو حالة معينة
ولنا مثال آخر في الإشارة على خطاب فرعون وملأه لموسى عليه السلام ووصفه بالساحر أي إمتهانه لمهنة السحر والتي لا تُقارن بمُلك فرعون ومنزلته حسب ما نسب لنفسه وفي ذلك كان قوله تعالى وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)” سورة الزخرف
إذن فإن قول “وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ” في خطابهم لموسى ومن ثم الإشارة عليه بالمَهين “مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ” لأكبر دليل على الوظيفة فتمت الإشارة على موسى على أنه يمتهن السحر ليكسب رزقه وهي مهنة فقيرة لا ثمرة فيها أما فرعون فاشار على نفسه على أنه هو صاحب المكانة ومن بيده رزق مصر، وأتى التأكيد على أن مهنة وعمل موسى وهارون عليهما السلام على أنه السحر في
قوله تعالى “قَالُوا إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ ”  طه 63
والدليل على ذلك قوله تعالى “يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا” فكانت الإشارة فيها على ان موسى يمتهن السحر مرة أُخرى وبينت على أنه يستعمل سحره كمهنة  وعمل يُضل به الناس … ونريد لأن نستشهد بالدكتور فاضل صالح السامرائي ليبين لنا معنى قوله تعالى “إن هذان لساحران” فهو يقول بأن استعمال إنْ المخففة لتؤكد على أنهما ساحران ولو تم استبدالها بـ إنّ المؤكدة لنفت عنهما مهنة السحر أي فلو كان قولهم المنقول لنا بالقرآن هكذا “إنْ هذان ساحران” لكانت نافية ويكون معناها بأنهم لا يمتهنون السحر ولكن نتيجة استعمال الـ إنْ المخففة أتت معها اللام الفارقة “لتكون خبرها”وبالتالي أوضحت حقيقة امتهنانهم للسحر من خلال قول”لساحران” حيث كانت تؤكد فيها على عملهم بالسحر والتأكيد على الوظيفة التي امتهنوها، ولذلك نقول بأن الماء المَهين “بفتح الميم” هو ماء ذو مهنة ووظيفة وتخصص وأتى العلم الحديث ليؤكد على أنه يحتوي من خلاله السلالة والتي هي ذات وظيفة محددة ومسؤولة عن خلق الإنسان وتكاثره، فكيف لأن تكون وصف لماء حقير وهذا الماء يحضر للوجود من كرمه الله وفضله، ومهنته حمل سلالة الدي إن إيه والتي تحمل الخارطة الوراثية المجهرية للإنسان كُلها وبذلك يكون هذا الماء هو المسؤول عن توالد وتكاثر الإنسان، إن كل من سلالتي الطين والماء المهين لهن وظائف ومهن إمتهونا في عملية نسل الإنسان وتكاثره
توضيح: هل لفظ المهنة هو لفظ مُستحدث كما يزعم البعض أم هم وبكل بساطة على خطأ
إن من المؤسف لأن يعتقد البعض لا بل ويجادل على أن تعبير المهنة هي من الألفاظ المستحدثة أي المستعملة في السنين المتأخرة فقط والتي لا تزيد عن المائة عام، ويزعمون على أن العرب لم يعرفوا استعمالاً لتلك المفردة وقت نزول الوحي على أنها تُعبِر عن الوظيفة او المهنة ولذلك فقد فسر كبار المفسرين والصحابة هذه المفردة على الوجه الذي يعرفون ويشيع بينهم وبالتالي لا يجوز لأن يحمل اللفظ على غير ظاهره، وبالتالي فعلينا إذن تقع مسؤولية البحث عما إذا كان تعبير المهنة هو لفظ مُستحدث كما يدّعون خطأ أم هو لفظ عربي قديم ومنذ قِدم الجاهلية وكان لربما قد سهى عنه المفسرون من غير قصد “وجلَّ من لا يسهو”.
لقد كُنت أشرت على المعنى المهني أو الوظيفي للماء المَّهين من خلال ما توسعت بإجتهادي به بما يتناسب ويتوافق مع ما عرّف قاموس لسان العرب عليه للمهنة والذي أخذته مرجعية لبحثي هذا، وللتعريف بلسان العرب: فهو أشمل معاجم اللغة العربية وأكبرها، ويحتوي هذا المعجم على 80 ألف مادة وهو من أغنى المعاجم على الإطلاق ويعتبر هذا المعجم موسوعة لغوية وأدبية لغزارة مادته العلمية واستقصائه واستيعابه لحل مفردات اللغة العربية. لقد قام ابن منظور وهو محمد بن مكرم الانصارى بن منظور والذي توفي عام 1311 ميلادي بجمع مادة معجم لسان العرب. إن إبن منظور هو مؤرخ وشاعر وكاتب ولغوى مصرى عاش فى العصر الايوبى والعصر المملوكى فحسب معجم لسان العرب أي ما جمع ابن منظور نرى بأن معنى كلمة مهن (لسان العرب) هو المَهْنَة والمِهْنَة والمَهَنَة والمَهِنَةُ كله: الحِذْق بالخدمة “المهارة” والعمل ونحوه، وأَنكر الأَصمعي الكسر. وقد مَهَنَ يَمْهُنُ مَهْناً إِذا عمل في صنعته. قال الأَصمعي: المَهْنة بفتح الميم هي الخِدْمة “اي الوظيفة”، … لقد جُمع لسان العرب قبل سبعمائة عام أي قبل سبعة قرون وفيه نجد التعريف بالمهنة على أنها الحذق بالخدمة والعمل ونحوه، والحذق هو المهارة في كُل عمل أي إشارة على الدور الوظيفي وإستعمال تعبير المهنة كلفظ.
لقد قام ابن منظور بجمع مادته من خمسة مصادر رئيسية كان أولها “تهذيب اللغة” لأبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (توفي 370هـ) والذي توفي قبل أكثر من ألف عام، وكان ثانيها “المحكم” لعلي بن إسماعيل والمعروف بابن سـِيدَه ( توفي 458هـ/ 1065م) والذي توفي قبل ما يقارب الألف عام أيضاً وهو كاتب معاجم أندلسي، وكان ثالثها “تاج اللغة وصحاح العربية” للجوهري وهو إسماعيل بن حماد الجوهري (توفي 393هـ) والذي توفي قبل الألف عام ايضاً وهو عالم لغوي وصاحب معجم (تاج اللغة وصحاح العربية أو الصحاح أو الصحاح في اللغة)، وكان رابعها “حواشي ابن بري على صحاح الجوهري”، وكان خامسها وآخرها “النهاية في غريب الحديث والأثر” لعز الدين ابن الأثير الجزري والمتوفي في القرن السابع الهجري أي قبل أكثر من ثمنمائة عام …. وكل هذا هو نبذة تاريخية لقِدم معجم لسان العرب وبالتالي قِدم مراجعه والفاظه ومعانيه والتي تزيد عن المائة عام بالعديد من القرون فأين المستحدث إذن
فالمصادر التي جُمعت منها مادة هذا المعجم والتي تتراوح أو تزيد تاريخها على الألف عام كانت قد إستشهدت في (لسان العرب) بابن الأثير، فكان في الحديث قول: ما على أَحدِكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبَيْ مَهْنَته؛ حيث قال ابن الأَثير: أَي بِذْلَته وخِدْمته، والرواية بفتح الميم، ويرجع قول ابن الأثير هذا إلى حوالي الثمنمائة عام على الأقل مضت حيث عرّف على المهنة على أنها الخدمة والتي هي العمل والوظيفة
ولقد استشهدت المصادر بقولٍ للأصمعي قبل ما يُقارب الألف ومائتي عام اي إثنا عشرة قرن مضت وفيها قال الأَصمعي: المَهْنة، بفتح الميم، هي الخِدْمة فعرّف على المهنة على أنها العمل. والأصمعي هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي والمتوفي عام (216 هـ/831 م) أي حوالي مائتي عام “فقط” بعد وفاة الرسول “صلى الله عليه وسلم” وهو أحد أئمة العلم باللغة والشعر وشهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور والمتوفي عام 775 ميلادي
أيضاً نقلت لنا المصادر نفسها في (لسان العرب) عن الكسائي: وللتعريف بالكسائي فهو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الكسائي والمتوفي عام (189 هـ/805 ميلادي) وكان إمام الكوفيين في اللغة والنحو وكان سابع القراء السبعة ويعد المؤسس الحقيقي للمدرسة الكوفية في النحو، وبلغ عند هارون الرشيد منزلة عظيمة
حين يقال: مَهَنَ الإِبلَ يَمْهَنُها مَهْناً ومَهْنةً: حلبها عند الصَّدَر؛ وأَنشد شمر: فقُلْتُ لماهِنَيَّ: أَلا احْلُباها، فقاما يَحلُبانِ ويَمْرِيانِ وأَمة حسنة المِهْنةِ، والمَهْنَةِ أَي الحلب. ويقال: خَرْقاءُ لا تُحْسِنُ المِهْنَةَ أَي لا تحسن الخدمة. ونُقل عن الكسائي بأنه قال: المَهْنَةُ الخدمة، ومَهَنَهُم أَي خدمهم
 إذن فمن خلال تعريف الكسائي للمهنة نستنتج بأن العرب أشاروا عليها كلفظ  منذ أكثر من 1200 إلى 1250 عام وكانت تعني الخدمة أي “الوظيفة” والحذق أي المهارة وهذا يُقربنا أكثر وأكثر إلى وقت نزول الوحي أي منذ الألف واربعمائة عام مضت
أيضاً نقلت لنا المصادر نفسها في (لسان العرب) في حديث عائشة : كان الناسُ مُهّانَ أَنفُسِهم، وفي حديث آخر: كان الناس مَهَنَّةَ أَنفسهم؛ هما جمع ماهِنٍ ككاتِبٍ وكُتَّابٍ وكَتَبةٍ….“وهذا اللفظ إذا كان قد عاصر زمن نزول الرسالة” فهو ليس باللفظ الجديد وكما نعلم فلا ترادف في القرآن إذن لابد من التفريق بين ماهو مَهين وماهو مُهين ولا ننسب اللفظين لنفس الشيء بدون تدبر وبحث جاد وحقيقي

هل أستعمل لفظ المهنة حتى في العصر الجاهلي وقبل نزول رسالة القرآن … وهل هو لفظ عربي … وهل يوجد دليل على ذلك؟

والجواب على ذلك وهو نعم، ففي (لسان العرب) نرى بأن المصادر نفسها نقلت لنا التالي: يقال: هو في مِهْنةِ أَهله، وهي الخدمة والابتذال. قال أَبو عدنان: سمعت أَبا زيد يقول: هو في مَهِنَةِ أَهله، فتح الميم وكسَرَ الهاء، وبعض العرب تقول: المَهْنة بتسكين الها. وفي حديث سلمان: أَكره أَن أَجْمعَ على ماهِنِي مَهْنَتَينِ؛ الماهِنُ: الخادم أَي أَجْمَعَ على خادِمِي عملين في وقت واحد كالخَبْزِ والطَّحْن مثلاً “وهنا نرى الإشارة على وظيفتي عمل أي خباز وطحان”
وقال الأَعشى يصف فرساً: فَلأْياً بلأْي حَمَلْنَا الغُلا مَ كَرْهاً، فأَرْسَلَه فامْتَهَنْ أَي أَخرج ما عنده من العَدْوِ وابتذله. والأعشىى هو أعشى قيس (والمتوفي عام 625 ميلادي) وهو من شعراء الجاهلية كان قد شهد الإسلام ولكن لم يسلم، وهو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن افصى بن دعمي بن جديلة بن اسد بن ربيعة بن نزار، وفي حديث الاعشى عن الفرس ما معناه وهو بأن أخرج ما عنده من العدو أي مهنة الفرس هي العدوِ
ونُريد لأن نُذكِّر بقوله تعالى “فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ” الدخان 58 
وقال تعالى “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” الشعراء 195
وهذا ما اعتمدناه في تحقيقنا هذا
إذن فإذا كان قد فسَّر كبار المفسرين هذه المفردة على الوجه الذي يعرفون ويشيع بينهم آنذاك وكان تفسيرهم غير صائب فهو لا يُلزمنا أو يُقيّدنا أو حتى يُفيدُنا وعلينا بالمعنى الاصح لأن الماء المَهين لا يعني الماء الحقير كما أجمع عليه معظم علماء التفسير من علماء السلف واعتمده الآخرين من بعدهم والذين لا يزالون يُدافعون عنهم دفاع المستميت وكأنهم معصومين عن الخطأ بدلاً من أن يدافعون عن كتاب الله .. مع العلم بانني لا أحاول لأن أنتقص من قدر اي من الطرفين لا سمح الله أو الإساءة إليهم بأي شكل من الأشكال ونقول جزاهم الله ألف خير وأثابهم، ولكن أنبه من بعض الأخطاء التي أوقعوا أنفسهم فيها والتي هي بحاجة للتصحيح وعلينا لأن نتذكر بأنهم لم يفسروا القرآن بالشكل النهائي فلقد أخبرنا العلي القدير بأن نبا القرآن لم يكن قد أكتمل بعد في عصر نزول الرسالة فقال تعالى “ولتعلمن نبأه بعد حين” … إذن فلماذا التعامل مع المفسرين وكأنهم معصومين ويوحى إليهم وتجاهل أخطاءهم الكثيرة والتي تزيد من التجهيل والتضليل
أما بالنسبة لقول البعض على أن “مَهين هو إسم مفعول من الفعل هان بينما مُهين هو إسم فاعل من الفعل أهان” فإختلافنا ليس بالإعراب بل في المعنى فبعض المفسرين والمغسولة أدمغتهم يُصرون على أن المعنى هو ماء حقير وأنا أخالفهم في طبيعة هذا الماء وبمعنى المهين، ومن يدّعي بأن أهان وهان يعنيان نفس الشيء فهو خطأ كبير لأن الفعل أهان معناه إحتقر وأخزى ووبخ أي وجّه الإساءة للآخر، وأسم الفاعل هنا هو المــُهين وهذا يتفق مع قوله تعالى “عذاب مُهين” بضم الميم، وليس مع قوله تعالى “ماء مّهين” بتشديد وفتح الميم “مَّهين أي إممَهين” ميم ساكنة يتبعها ميم مفتوحة فتشدد
  أما بالنسبة للفعل هان فمعناه أي سَهُل ويَسُر عمله. فهان الشيء أي أصبح سهلاً وزادت القدرة على تطويعه وجعله وتسويته “قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تكُ شيئا” مريم 9  
  ونقول هان الأمر أي خف وأصبح ممكن قضاءه، ونقول لقد هان لي فيه أي لقد كان من الهين علي أي من السهل واليسر، وهو من الهيان وما هَيَانُ هذا الأَمرِ أَي شأنُه. وما هَيَّانُهُ: ما أمْرُهُ وشأنه. ونقول لم يهُن أو يهون لي فيه أي لم يكُن من السهل التفريط به، فالهيان هو الأمر والهيّان هو الآمر وصاحب الشأن، إذن فلقد كان نتيجة تدخل أمر الله فيه وهو هينّ عليه،  وقال تعالى “وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه” سورة الروم27
الماء المَهين واشتقاقه اللغوي: الأول من مهنة، والثاني من مَهُن
لقد علّق أحد القُرّآء على أن العلماء لم يخلطوا بين مُهِين المشتقة من أهان وبين مَهِين المشتقة من مَهُن أي حَقُر .. وذلك وعلى الرغم من أن إشتقاق مَهين بالفتحة هو من مهنة على أنه صحيح ولكن فالكلمة وبدون تغيير تشكيلها تشتق من مصدر اخر وهو مَهُن بفتح الميم وضم الهاء، مَهُن يَمهُن ، مَهانةً، فهو مَهِين أي حقير، اما مُهين بالضمة فهي مشتقة من أهان أي فكلا المعنيين حسب اللغة “لسان العرب” وارد في تفسير الآية الكريمة “من ماء مَهين” وأكمل قائلاً: وبالتالي فاذا طُرحت كلمة مَهِينٌ في أي جملة في اللغة العربية فسوف يحضر هذان المعنيان بالتساوي وضع خط اسفل بالتساوي وبالتالي سوف يفهم المعنى من خلال السياق فقط، فاذا قلت ان مَهِينٌ من مهنة هو حجة فسوف يساويه تماما ان مَهِينٌ من حقارة حجة ايضا لان الكلمة تحتمل المعنيين ولاتفهم الا بالسياق، وقال: إن جئنا الى السياق فهو تأويل ورأي ولا يرقى الى حجة .. ومع انه صرّح على أن السياق لا يتعدى كونه تأويل ورأي ولا يرقى إلى حجة ألا أنه أخبرنا بأن السياق يوضح المعنى الذي ذهب إليه العلماء وقال: ومن اجل ذلك نعود للسياق لترجيح احد القولين
فقال: بأن سياق الاية الاولى والتي ردت في سورة المرسلات: قال تعالى “أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” المرسلات 20
وهي سورة مكية تخاطب بالاخص كفار قريش المكذبين المتكبرين عن الايمان بالله الاحد وبدات السورة بالقسم بمخلوقات عظيمة وهي الملائكة ثم اتجهت الى الوعيد باحوال مخلوقات عظيمة اخرى في يوم القيامة مثل النجوم والسماء، ثم بدأت هذه الاية ب (الم) التقريرية فيصبح السياق، اقسم الله بمخلوقاته العظيمة ثم زوال عظمتها فأقر يا ايها المتكبر اننا خلقناك من ضعف وانت ضعيف وحقير امام قدرتي ومخلوقاتي العظيمة، وبعد ان خلق الله هذا الماء ذهب به الى قرار مكين وهو الرحم وهو بداية تدرج هذا المخلوق الضعيف في القوة … فاين المهنة من هذا السياق
وبأن سياق الاية الاخرى والتي ردت في سورة السجدة قال تعالى “ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” السجدة 8
وهي سورة مكية ايضا وتخاطب المتكبرين من كفار قريش، بدا سياق الاية من الاية الثالثة الى الاية التاسعة بدأت بذكر المخلوقات العظيمة ومراحلها ثم المخلوق الضعيف ومراحله، وبعد الاية التاسعة ذكر تكبر الكافرين وتشككهم فالسياق هنا تنازلي من الاقوى الى الاضعف، من السماء العظيمة الى الماء المَهِين الضعيف
وقال: وما زلت ادعي ان اذان العلماء التي سمعت هذه الاية وفهمت سياقها دون حرج يستطيع اي شخص كذلك ان يفهمها بدون حرج وبدون حتى الرجوع الى العلماء
ولكن هذا ليس بالكاف ولذلك فعلينا إذا أردنا لأن نتعرف على المعنى الحقيقي لمعنى ماء مَهين أي فيما إذا كان المقصود فيه ماء حقير أو كان المقصود فيه ماء وظيفي “أمتهنه الله لهذا العمل” بالتدبر االعقلاني والفكري السليم للآيات الكريمة التي تمت الإشارة عليه فيها ..
إذن فكما هو واضح من قوله تعالى “أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” فالآية الكريمة تتحدث عن الخلق، أما في قوله تعالى “ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” فالآية الكريمة تتحدث عن النسل وكلاهما تُشيران على الدور الوظيفي لهذا الماء والذي وصفه الله بالمَهين بفتح الميم .. فالخلق عملية استحداث وإيجاد، أما النسل فهي عملية تكوين وبناء عضوي وفي الآيتين كان الماء المَهين هو العامل الرئيسي الذي وظيفته في الآية الأولى أتت لتُحدث الخلق وتوجده، وفي الآية الثانية أتت لتعمل على البناء العضوي للإنسان، وبالتالي لم تكن الإشارة في الآيتين على صفة الماء حتى نصمم على أن هذا هو المقصود فيه ونتجاهل العامل اللغوي واستعمال “من” والذي فيها الإشارة الواضحة على دور الماء الوظيفي وتُعرّف عليه وهذا واضح من النص القرآني ..
أما في بيان حقيقة الماء المَهين فنقول
أولاً: قال تعالى “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” يوسف 2
إذن فعند تدبر القرآن علينا لأن نعتمد العامل اللغوي في النص كأساس أولي للتدبر ثم نعتمد السياق في حالة عدم تمكنا من فهم النص .. لا أن نتبع أهواء العلماء وما يحلو لهم من القول ونعاملهم معاملة المعصومين ثم نجعل من اقوالهم وكأنها وحي كان قد أوحي لهم به
كما وعلينا بالتَذكُّر بأن الله حذرنا من أن نكون جهلة وتابعين بدون علم ويقين
فقال تعالى “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ” الإسراء 36
ثانياً: قال تعالى “أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” المرسلات 20
وحسب النص واللغة التي أتى بها فإن قول “ألم” يشمل على “الهمزة و لم” .. والهمزة هي من أدوات الإستفهام المثبت أي التقريرية وأدوات الإستفهام هي في العادة أدوات مبهمة تستعمل في طلب الفهم بالشيء والعلم به والتعرف عليه كما في قوله تعالى “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ” الفيل 1. وقوله تعالى “أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا” النبأ 6. وقوله تعالى “أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ” الشرح 1. إذن فحين العودة إلى الآية الكريمة من سورة المرسلات فإن الهمزة في قول “ألم” هي دعوة للتفكر بخلق الله لنا وذلك حتى نفهم دور الماء المَهين. أما – لم – فهي لنفي المضارع وقلبه إلى الماضي وفي ذلك إشارة على بداية الخلق متماشياً مع النص وبما أن الآية تتحدث عن الخلق .. والخلق هو عملية إيجاد وإحداث فإذن تتكلم الآية عن دور وظيفي لهذا الماء والذي طلب الله منا االبحث في حقيقته والتعرف عليه والعلم به وبخصائص تكوينه
ثالثاً: قال تعالى “ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” السجدة 8
وهنا نُريد لأن نُشير على ان من استعمالات “من” في اللغة وهو بأنها تأتي على عدة أوجه، إذن فلماذا القول بأن الماء المَهين هو ماء حقير مع ان من استعمالات “من” اللغوية تفيد التبعيض، وتفيد الإبتداء، وتفيد البيان وبالتالي فلقد صاحب وسبق التعريف بالماء المَهين قول “من” في كلا الآيتين حيث جعلت من الماء المهَين هو المسؤول عن “الإبتداء” أي بداية الخلق والنسل، وعلى “البيان” اي بيّنت دوره الوظيفي في هاتين العمليتين، وعلى “التبعيض” فاشارت على البعض القليل مما يحتوي عليه الماء المَهين في تكوينه .. وبالتالي أين الإشارة على صفته بانه حقير أو ضعيف حتى نعتمده وبدون حجة ودليل
رابعاً: حتى وعند اشتراك كلمة مَهين في معنيين مختلفين أحدهما بمعنى حقير “وصف تحقيري” والآخر بمعنى وظيفة وحرفة ومهنة “يدل على التكليف” فيجب علينا لأن نأخذ الأنسب والأصح وهو بأن جعل الله الماء مَّهين أي مَهَنَهُ وجعله ذا شان وخصوصية ووظيفة
خامساً: التعريف بالخلق والنسل
قال الله بأن هذا الماء مسؤول عن الخلق مرة فقال: أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ
فالخلق عملية إيجاد واستحداث وبالتالي فالآية إذن تُشير على دور هذا الماء المَهين في هذا العمل الوظيفي
ومرة أُخرى قال بأنه مسؤول عن النسل فقال: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ
وكذلك فإن عملية النسل هي عملية تكوينية نسيجية يقوم بها الماء المهَين ويرزق به الناس بالذكور والإناث ومنهم من يتمنى لأن يكون في ماءه الذرية والقدرة على التناسل فكيف يُحقره ويصفه عدنان إبراهيم وغيره من العلماء بالماء المُحتقّر .. ومن الذي احتقّر هذا الماء وكيف احتقّره أو حقّره .. ولكن لماذا وهو بهذه الأهمية اي يختلف تماماً مع زعمهم الخاطيء هذا وتحقيرهم له … إذن فإن دور الماء المهين هو دور وظيفي او تكليفي “امتهنه الله لهذا العمل” وبالتالي فلقد تمت الإشارة في الآيتين الكريمتين على دور هذا الماء بخصائصه وتكوينه وليس على حقارته أي دنو منزلته ومكانته والتي لا تفيد بشيء سوى الجهل بحقيقته وبذلك لم يستجيب العلماء لطلب الله بالبحث والإستفهام عن ما هو مبهم وخفي وبذلك أوقعوا أنفسهم بالخطأ ولذلك الرجاء الرجوع إلى موضوع: ما المقصود بنسل الإنسان وهل النسل والذرية هما بالشيء الواحد كما يزعم علمائنا خطأً
سادساً: يُشيرون على الماء المَهين على أنه ماء حقير ولكن حسب لسان العرب، فإن الحقير: هو الصغير الذليل. والحَقْرُ في كل المعاني: الذِّلَّة؛ حَقَرَ يَحْقِرُ حَقْراً وحُقْرِيَّةً، وكذلك الاحْتِقارُ.وتَحاقَرَتْ إِليه نفسه؛ تَصاغَرَتْ. والتَّحْقِيرُ التصغيرُ كما في الإذلال والتصغير لللمكانة والمنزلة
فإذا كان الحقير هو الذليل إذن فالسؤال والذي اود لأن أوجهه لكُل من يدّعي بأن الماء المَهين هو ماء حقير أو مُحتقر وهو كيف يكون الماء ذليل وما هو الماء الذليل وكيف يُصبح ذليل، وكيف يُحقّر الماء أي يُذل ويُصّغر فيكون مُحتقر وكيف تتم عملية تحقير الماء فأنا لم اسمع قط بماء حقير فالماء يمكن لأن يكون عكر أي فيه شوائب وضبابية، وماء قذر أي تجتمع فيه القاذورات أما ماء له صفة الحقارة وصف للعاقل، وماهو دور الماء الذليل في عملية خلق الإنسان، وما هو دوره في عملية نسله أي كيف يكون دوره في هاتين العمليتين خاصة وأن الذليل هو من أُوقِع عليه الذل والمهانة فحُقّر وصُغر أي فقد مكانته ومنزلته ودوره، إذن فلماذا الإصرار على إخراج قول الله تعالى عن معناه الحقيقي وما فائدة ذلك سوى تضليل الناس حتى ولو عن غير قصد .. فالله تحدث عن أهمية هذا الماء ووظيفته قبل اختراع المجهر “الميكرسكوب” بمئات السنين وفي ذلك آية على صدق وحي القرآن ولو أراد الله لان يصفه بالحقير لأشار عليه بالمُهين وليس المَهين لأن لفظ مُهين ليس بالغريب على القرآن ولقد تمت الإشارة عليه في العديد من الآيات خاصة المتعلقة بالعذاب والخزي للكافرين
سابعاً: لقد أصبح من الممكن ايوم التحقق من خصائص هذا الماء نتيجة تعرُفِنا على الكرموسومات التي يحملها في تكوينه والتي تحتوي على الدنا المسؤول عن خلقنا وتكويننا وهذا يرجعنا لطلب الله لنا بالتعرف عليه والعلم به حين قال “ألم نخلقكم من ماء مهين” فأتت الهمزة للإستفهام عن المبهم، وأتت – لم- لنفي علمنا بمكوناته وخصائصه
إن تقنية المجهر والذي تم إختراعه في حوالي الـ 1590 ميلادي مكننا من البحث داخل تركيبتنا المجهرية ورؤية آية خلقنا والتي عجزالإنسان عن رؤيتها منذ أن خُلق، ومن خلاله تم التعرف على أول نسيج حي، وإكتشاف خلايا الدم والحيوان المنوي، والتعرف على المجهريات الدقيقة كالفيروسات والبكتيريا والميكروبات والجراثيم، وشجعنا في التعمق في دراسة وفهم البناء الخلوي للإنسان وعلى ماذا تحتوي الخلية وهي الوحدة التركيبية والوظيفية في الكائنات الحية وما تحتوي عليه من أجسام أصغر منها تسمى عضيات، مثل أجسام جولجي، وهناك أيضا النواة التي تحمل في داخلها الشيفرة الوراثية الدنا: الـ ديه ان إيه والمعروف أيضاً بالحمض النووي الذي تم إكتشافه عام 1953
وهنا نتذكر قول الله تعالى “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”  سورة فصلت  53 
ويربط الله في هذه الآية الكريمة بين كل من النظر في الآفاق والنظر “وهو التأمل مع الفحص” في طيات النفس وذلك من إظهار الحق من خلال عظيم صنعه والذي لا يمكن للإنسان لأن يتوصل إليه من خلال مقدراته المتواضعة وحدود علمه القليل دون الإستعانة بالقدرات الذكيه وسلطان العلم الذين مكننّا من البحث في ما هو أعمق وابعد من حدود قدراتنا، فلقد كان من المستحيل رؤية السلالة من الطين أو من الماء المهين في الطرق العادية حتى تقدم العلم وتم إختراع المجهر والذي مكننا من رؤية الكرموسومات وجزيء الـ دي أن إيه والذي يحتوي عليه التكوين الخلوي للخلية المكونة للكائنات الحية والتي يحملها الماء المَهين، إذن فما هو مُهين وما هو مَهين يختلفان الإختلاف التام عن بعضهم البعض ولا صلة بينهما ومن الخطأ الفادح لأن نساوي بين ماهو بالمَهين لما هو مُهين ومخزي
لقد كان بأن إخترع العقل البشري ما يُمكِنه من التعرف على ذلك من خلال  استعمال الميكروسكوبات البصرية والتي تعتمد على حاسة البصر مستخدماً قُدرات العين حيث  يُرى من خلالها على ما يؤكد على حقيقة الطرح القرآني إستناداً لقوله تعالى “سنُريهم” أي لِما سيُريهم الله في أعماق تركيبة هذا الإنسان الخلوية والدقيقة وبالغة التعقيد والتي هي على الرغم من صغر حجمها كانت المسؤولة عن هذا البناء المتطور للكائن الحي البشري، فكانت النتائج العلمية الدقيقة ليست مبنية على الدراسات السطحية بل كما حدّث بها القرآن وهي في دراسة النفس، ودراسة النفس هي دراسة لبنة الأساس الحي والأصلي لهذا البناء الكامل أي بالغوص فيه والتي تبدأ به ومسؤولة عنه الخلية الواحدة ووحدة البناء الأولية، وكان قوله تعالى في غاية الدقة العلمية المتناهية والتي هي محكومة ومحصورة في القدرة على الرؤيا البصرية والمعنية بالعلوم المجهرية للبحث “في أنفسهم” أي في داخل النفس ورؤية محتواها الداخلي،
وكان في ذلك قوله تعالىوفي الأرض آيات للموقنون. وفي أ نفُسِكُم أفلا تُبصرون سورة الذاريات 20 – 21 .
فكان لابد من الإنسان من التحقيق فيها وليس بالشكل السماعي أو الغيبي أو القلبي بل تحديداً البصري وذلك لكي يستيقن ويتأكد المبصر بنفسه لماهو عليه من الإعجاز، وصدق كلام الله ومخاطبته لهم وتحديده لمجالي البحث المستقبلي لبني البشر في الأنفس وفي الآفاق، فسنُريهم أي لنُثبت لهم فهي لا تعني فقط القدرة على الرؤية بل فهي تشمل على البرهان والإعجاز والعظمة، فوضعنا أمام حقيقة رهيبة وهي دراسة التكوين الدقيق للإنسان في اقصى حدود المادة الدقيقة والمجهرية والتعرف على عظيم خلقه في أبعد حدود السماء والذي يُقدر حجمه وأبعاده بمليارات السنين الضوئية، ولكن لماذا قدّم الله آيات الآفاق على أية النفس فهذا جوابه بسيط وفيه كان قوله تعالى،
“لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”   سورة غافر  57
لقد شهد العصر الحديث الظهور الملحوظ لعلم الهندسة الوراثية وخاصة دور الغرب الصليبي  البارز في محاولات النسخ والتطويع الخلوي والتلاعب في الجزيئات التي تُكون البناء الداخلي للكائنات الحية حيث وكان نتيجة تقدم التقنيات المجهرية الحديثة وتوفر الإمكانيات العلمية والمادية بأن أصبح من الممكن إعتماد تقنية البحث الخلوي والتي منها ماهو الإيجابي والذي يهتم بتحسين الحياة وتطويرها ومنها وأكثرها ماهو السلبي والذي هو يعمل على نشر الفساد والهمجية واللاأخلاق، والذي فيهم كان قوله تعالى والمنقول لنا عن وعيد الشيطان لهم،
قال تعالى “وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا”    سورة النساء  119 
ونُضيف على ذلك تقبيح السيد المسيح عليه السلام في كتاب الإنجيل للكتابيين والذي فيه كما هو منقول عنهم
الكتاب المقدس كتاب الإنجيل يوحنا / الإصحاح الثامن/44  ” أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا.”
ونرى ذلك التغيير في خلق الله في عمليات التجميل الغير ضرورية أي غير ما هو ناتج عن تشوه خلقي عرضي أو ولادي، وعمليات تغير الجنس للمثليين والشواذ وزراعة الأوجه والأطراف، وعمليات نقل الأجنة بأحد خطوات الإخصاب في المختبر كزراعة العديد من البويضات داخل رحم المرأة في آن واحد بقصد الحمل والنتيجة عادة هو  الحصول على الحمل بالأربعة والخمسة … وحتى الثمانية من الأجنة في نفس الوقت متجاهلين ما في ذلك تدني للمكانة البشرية وتشبيه أُلانثى من البشر التي كرّمها الله بأنثى الحيوان من القطط والكلاب وغيره، فنحن لسنا ضد تكريس العلم ومنجزاته لما هو في حدود العقل والمنطق والأخلاق والقيم الإنسانية ويتفق ويتماشى معها بل نحن ضد التدني بمنزلة الإنسان الذي كرَمه الله وخلقه بيده، فها نحن نشهد أعمالهم الهدّامة من خلال صناعاتهم الحربية الجرثومية ومن خلال معالجاتهم للحوم والخضار بالهرمونات والكيماويات، ومحاولتهم الدائبة لنسخ الحيوانات ومؤخراً إنتشار فكرة نسخ الإنسان، ومحاولة ترويج أعمال النسخ على أنها خلق تشبيهاً لأنفسهم بالخالق، ولكن تأتي الإجابة على كبرهم وجهلهم من السماء ومباشرة وقبل أن يشرعوا في هذه البحوث بل سبقتهم بأربعة عشر قرناً ليذكرهم الله تعالى على ضُعف قدرتهم على خلق حتى الذباب فيقول العلي القدير،
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ … …” سورة الحج  73 
 فإن لن يستطيعوا خلق الذباب فهل من الممكن لأن يخلقوا إنسان  !
ملاحظة: لم يكن الغرض من البحث في الماء المهين هو حتى نُثبت للعلماء والباحثين الغربيين على أن القرآن يتوافق مع ما تم اكتشافه من خلال بحوثاتهم المتعلقة في تركيبة الإنسان الخلوية ودور المني واحتواءه على المادة الوراثية والتي يُصاغ ويُنسل بها الإنسان ولكن كما قلنا منذ البداية فإن الغاية من هذا البحث هو لإظهار حقيقة النص القرآني المتعلق بهذا الماء والذي سهى عنه علمائنا وجهلوا به حتى كان نصيب البحث فيه والتعرف عليه من نصيب الآخرين .. فعجز علمائنا وجهلهم دفعهم حتى لإعطاءه صفة منزوعة الوظيفة والأهمية لا بل وصفه بالحقارة والضعف مما جعل حتى مهمة التصريح بدور القرآن في الكشف عنه منذ اكثر من الألف والاربعمائة عام بالأمر المستحيل فحرمونا لأن نجتهد ولأن نُروِّج لعظمة القرآن .. ونسينا قول رسولنا الكريم كما نقله الله لنا في كتابه العزيز، قال تعالى ” وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا” الفرقان 30. فتقصيرهم واضح ولكن تصميمهم على العناد وإصرارهم على التجهيل من الصعب فهمه أو حتى استيعابه .. نعم لقد بحثنا من أجل اظهار الحقيقة من وراء ما صرّح به الله إلينا ولكن للاسف أخذ ذلك منا أكثر من الألف واربعمائة عام للوصول إلى حقيقته .. على أي حال قال تعالى ” وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ” ص 88. ولكن للأسف فلقد سبقنا الغرب الكافر إليه ..  فماذا نقول بحق انفسنا ولماذا كل هذا الإهمال لكتاب الله .. نحن لا نجري وراء مكتشفات الغرب كما اتهمنا البعض زوراً .. ولكن نحن نحاول لأن نصحح مسيرة علمائنا والذين ضلوا واضلوا الناس معهم وتسببوا في ما نحن عليه من التأخر .. ولو عن غير قصد ….  وبذلك نختم بالقول على أن غرضنا الوحيد من هذا العمل هو العبودية المُطلقة لله الواحد الأحد والعمل من أجل مرضاته … والله سميع عليم
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
آخر تحديث 25 – 11 – 2015