Archive for the ‘الإنسان وحقيقة الأجلين: أجله المُنقضي وأجله المُسمى’ Category

 

الحديث القرآني عن الإنسان والأجلين: أجله المُنقضي وأجله المُسمى

لقد اتى دليل قرآني واضح يُشير على الوجود الإنسي الذي سبق خلقنا الآدمي وكان ذلك من خلال ذكر الله لأجلين للإنسان، أحدهما أجل مُنقضي والآخر أجله مسمى عند الله لم يتم انقضاءه بعد، قال تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام  2

 وللتحقيق في هذا الموضوع اخترنا تصوراً للدكتور صبري الدمرداش يُشير فيه على عالم الأرواح، والذي أشار عليه أيضاً الشيخ المغامسي في إحدى محاضراته بعالم الذر

 

ففي هذه المحاضرة المسجلة للدكتور صبري الدمرداش على قناة اليوتوب والتي هي بعنوان خلق ابونا آدم يوجه الدكتور على الحضور السؤال التالي: من خُلق أولاً بالإنسان ذاته أم بدنه؟ أي هل الذات مخلوقة قبل البدن أم البدن مخلوق قبل الذات، ويُجيب هو على السؤال بالقول: بأن من المؤكد بأن الذات خُلِقت أولاً وبالتالي وحين يأتي موعد خروج الإنسان إلى الدنيا يأمر الله الذات بان تلبس البدن، فالذات هي موجودة في الاصل أي كانت موجودة قبل البدن  …. ويتسائل الدكتور: ماهو الدليل على ذلك …  ويُجيب على نفسه بالإستشهاد بقوله تعالى قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ”  سورة غافر  11

ويعتبر استاذنا الكريم بأن هذه الآية الكريمة هي الدليل على ذلك، ويتساءل ثانياً: ماهما الحياتين وماهما الموتتين … ويبدأ بالقول “.. قبل تواجدنا في الدنيا كُنّا نحيا حياة حقيقية في عالم الذر والدليل على ذلك وهو الآية 172 من سورة الاعراف

قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ  قَالُوا بَلَىٰ  شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ”  سورة الأعراف  172

ويُكمل قائلاً: “لقد كُنّا أحياء ليس بأبداننا ولكن بذواتنا، فحين خلق الله أبونا آدم مسح على ظهره فطلعت كُل الذرات الموجودة التي هي أولاد آدم من لدُن قابيل وهابيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها … وكانوا خرجوا بذواتهم الإنسانية المخلوقةويُكمل: فلربما تسائل البعض عن كيفية إتساع الأرض إلى كُل هذا الخلق الإنساني منذ خلق آدم وحتى آخر آدمي …  ولكن لم يخرجهم الله بأبدانهم بل بذواتهم الإنسانية فالذات كانت مخلوقة

 ويُكمل الدكتور على أن اصل الذات ليس لها مكان فهي مثل الكهرباء غير مرئية وبالتالي فالمكان الذي حصلت فيه الواقعة يتسع لبلايين بلايين أمثال هؤلاء الذوات الإنسانية، لقد كُنّا أحياء في عالم الذر وربُنا أخذ علينا الحُجة .. قالوا بلى

 ويزعم بأن كلمة “شهدنا” تعود على الملائكة والذين كانوا موجودين وبالتالي هم الذين شهدوا على الميثاق وهذا ليس من كلامنا نحن، ويقول بأن كان هذا هو عالم الذر .. عالم الميثاق وهذه هي الحياة الأولى حياة حقيقة كُنّا قد نسيناها

وبالتالي فلقد اعتبر الدكتور بأن حياتنا الأولى وموتتنا الأولى كانتا قد اقتصرتا على عالم الذر، وللتعليق والرد على قول الدكتور نقول

أولاً: بأن الله لم يقل بأنه مسح على ظهر آدم كما قال الدكتور بل قال أخذ، قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ” ومعناها القاموسي حسب لسان العرب وهو أي جمع وأمسك ويمكن الرجوع لقاموس لسان العرب ومعاجم اللغة العربية للتحقق من ذلك

ثانياً: نعم فلقد ورد في العديد من روايات الحديث ما يؤيد كلام الدكتور أي بأن الله تعالى أخرج الذرية من ظهر آدم وأخذ منهم الميثاق

ولنا مثال على ذلك الحديث التالي: إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي

 الراوي: عبدالرحمن بن قتادة –  المحدث: الألباني –  المصدرصحيح الجامعالرقم: 1758 – خلاصة حكم المحدث: صحيح

لكن القرآن الكريم والذي هو كلام الله لا يؤيد هذا الحديث ولا غيره من الأحاديث التي تقر بأخذ الذرية من ظهر آدم عليه السلام، فالقرآن الكريم يؤكد على أن الذرية أخذت “أي جُمعت” من ظهور بني آدم وليس من ظهر آدم

قال تعالى “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)”  سورة الأعراف

ولكن لو وجه لنا أحدهم السؤال التالي وهو ما الفرق حين القول من ذرية آدم إذا كان الله قد أخرجها من ظهر آدم أو أخرجها من ظهر بني آدم، وللإجابة على ذلك نقول بأن الفرق وهو إذا كان بأن أخرج الله الذرية من ظهر آدم فتكون ذريته محصورة بابناءه المباشرين أي مثل قابيل وهابيل .. أما في قول بني آدم “مِن بَنِي آدَمَ” كما هو مذكور في القرآن فله تفسير آخر لأن بني الرجل هم قومه وذلك كقولنا بني إسرائيل .. وبني حسن .. وبني أُميّة وبني النظير والقوم هم جمع لأفراد تربطهم صلة قرابة وعليهم قائم .. وبالتالي فأخذ الذرية من بني آدم هو الأخذ من كل فرد على حده

كما وعلينا بالإنتباه إلى صيغة الجمع في قوله تعالى: من ظهورهم، وقوله: من ذريتهم، وقوله: أشهدهم على أنفسهم، وقوله: وقالوا بلى شهدنا، والتي لم يأتي على أي منها بصيغة المفرد إشارة على آدم، وبالتالي إذا تعارض الحديث مع الوحي القرآني أُسقط الحديث ولا يُمكننا لأن نأخُذ به حتى ولو اجتمع عليه ليس العلماء وحدهم بل أهل الأرض جميعهم بعلمائهم وعوامهم لأن الله أصدق حديثاً، قال تعالى “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا”  النساء 87، وقال تعالى “وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا”  النساء 122

إذن فالشهادة تمت على كل نفس بشخصه والتي صاحبها تحذير الله لهم من الكذب بعد قيامتهم من الموت وعند الحساب

قال تعالى “أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ

أما قول “أشهدهم على أنفسهم” فهو يشمل على شهادة كل فرد من ذرية آدم من أبناءه وذرياتهم، أما حين يقول الله بان الإنسان شهد على نفسه فإن الشهادة تتم في العادة من خلال توظيف وإعتماد قدرات النفس الذكية والتي جعلت منه بالسميع والبصير والكليم “الناطق المُعبر” وهذه هي قدرات الذات البشرية والتي تُعبر عن صفاتها … فالإنسان العاقل ذو القدرات الذكية “إشارة على الآدميين / بني آدم” هم من قالوا بلى وليس وهُم ذراري أي بالحجم الذري والذي لم يكُن قد أخضعه الله وهو في هذا الحجم للتسوية أو الجعل، ولأن العاقل المدرك هو من تحلى بهذه الصفات التي تمكنه من الشهادة فقط إذن فلابد وانه كان قد أخضعه الله لتسريع في عجلة الزمان من قبل أن يُعيده ليبدأ مرحلة اختباره وابتلاءه

كما ونرى الدكتور وبكل ثقة يقول: بأن الملائكة هي التي شهدت وليس نحن .. ولكن هل هو أعلم من الله حتى يتجرأ بهذا الكلام الغير مسؤول وذلك لأن كلام الله في غاية الوضوح فالسؤال موجه لذرية آدم وهم الذين أراد الله لأن يأخذ منهم الإعتراف على وحدانيته وقدرته وهم الذين يرجع لهم الضمير ولا ذكر للملائكة هنا ابداً حتى يحشره الدكتور بدون دليل ويجعل منه حقيقة وهمية وبدون علم أو وحي .. فالله يسأل بني آدم: ألست بربكم .. والجواب على سؤال الله لهم هو بان الآدميين قالوا بلى .. أي شهدوا على أنفسهم .. إذن فلماذا اخراج النص الواضح عن حقيقته الموحاة وما جدوى ذلك

ثالثاً: ألم ينتبه شيخنا الكريم بأن قوله تعالى قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍسورة غافر11  هو قول منقول لنا يوم الحساب عن الكفار واشرار الناس والذين كانوا قد ماتوا وأتى موعد حسابهم وهم في الآية الكريمة يُشيرون على إنقضاء أجل الإنسان الأول وموته من قبل خلق الله لآدم وهو الموت الأول والذي فيه قال تعالى “قُتل الإنسان ما أكفره .. ثم أماته فأقبره .. ثم إذا شاء أنشره”، والذي لحق به إحياء الإنسان من الموت بصورة آدم في قوله “ثم أنشأناه خلقاً آخر”، ثم هنالك الحديث عن الموت الثاني وهو موت الإنسان مرة ثانية بصورته الآدمية وانقضاء أجله “المُسمى” ومن ثم بعثه وقيامته من الموت قال تعالىكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”  سورة البقرة   28

وكما هو مُلاحظ فلقد بدأت الآية الكريمة من سورة غافر بقوله تعالى “قالوا ربنا أمتّنا” أي إذن فحتى يكون الناس أمواتاً فلابد وإن يكونوا قد كانوا أحياء قبل إماتت الله لهم، إذن فلقد كان موت وحياة تبعه موت وحياة .. والمقصود بالحياتين والموتتين هو أجلي الإنسان .. الأول المنقضي من قبل والثاني وهو الأجل الذي لحقه وكان مُسمى عند الله وهو موت الآدميين فكانتا حياتين ومماتين وهذا يخص الآدميين وليس عالم الذر والخيال وليس كما نسجه لنا الدكتور مع عظيم احترامي وتقديري لشخصه وعلمه، وللتذكير قال تعالى “وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ” في سورة البقرة، وقال تعالى ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ” في سورة الحج، وبالتالي كيف يتجرأ دكتورنا الكريم على رسم لوحة تصويرية خيالية وبدون دليل حقيقي أو إشارة قرآنية واحدة تؤكد على حقيقتها وبنفس الوقت يحاول تسويق فكرته للناس وعلى قناة تلفزيزنية يُشاهدها الملايين من الناس بدون الأخذ بالإعتبار بأن فكرته ينقصها الدليل بالإضافة على أنها تحمل الإهانة لذكاء الناس وقدرتهم على التفكير السوي

رابعاً: يقول دكتورنا الكريم بأننا كُنّا أحياء ليس بأبداننا ولكن بذواتنا … وبأن أصل الذات ليس لها مكان فهي مثل الكهرباء غير مرئية .. ويقول: لقد كُنّا أحياء في عالم الذر وربُنا أخذ علينا الحُجة .. ويقول: بأن كلمة شهدنا تعود على الملائكة والذين كانوا موجودين وبالتالي هم الشاهدين على الميثاق وليس من كلامنا نحن … وللإجابة على ذلك نقول

أولاً: بإن من الخطأ التعريف بالذات على أنها ليس لها مكان وبانها مثل الكهرباء والقول بأننا كُنّا أحياء في عالم الذر أي في ذواتنا بدون أن يُحضر لنا الدكتور ولو دليل واحد قرآني أو علمي يستشهد به على ما يقول لأن الذات هي صفة تعود على الشيء وعلى النفس وهي صيغة لفظ مؤنث “كالنفس” تستعمل للمفرد وترفع بالضمة وتنصب بالفتحة وتجر بالكسرة والأمثلة على ذلك كثيرة منها

قوله تعالى سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ”  المسد 3  فهنا كانت الذات هي صفة للنار

وقوله تعالى إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ”  الفجر 7  وهنا كانت الذات هي صفة لقبيلة إرم

وقوله تعالىوَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ”  القمر 13  وهنا كانت الذات هي صفة للفلك

وقوله تعالىأَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ”  النمل 60  وهنا كانت الذات هي صفة للحدائق

وقوله تعالى “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ”  الذاريات 7   وهنا كانت الذات هي صفة للسماء

وقوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ   فاطر 38 وهنا كانت الذات هي صفة لاسم محذوف مقدر هو ما يسكن في الصدور أي النفس أو الروح

وقوله تعالى “وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ”  الكهف 17  وهنا كانت الذات هي صفة لحركة الشمس

وقوله تعالى “يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا”  الحجر 2  وهنا كانت الذات هي صفة للحامل

وقوله تعالى “وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ”   المؤمنون 50  وهنا كانت الذات هي صفة للربوة

وقوله تعالى “فيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ”  الرحمن 11  وهنا كانت الذات هي صفة للنخل

وقوله تعالى “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ”  البروج 1  وهنا كانت الذات هي صفة للسماء

ومنها أيضاً الـ ذا – ذو – ذوا – ذواتا – ذوي كُلها ألفاظ تتبع بإعرابها اسماً يسبقها من حيث الرفع والجر والنصب وهي أيضاً سابقة تسبق لفظاً يأتي بعدها، ويأتي بحالة الجر، ويدل هذا التركيب أن هذا اللفظ المجرور الذي يأتي بعدها هو صفة ملازمة وعلامة فارقة لما قبلها ( الاسم الذي تتبعه بعلامة الإعراب)، تميزه وتفرقه عن غيره

فـ ذو: للمذكر المفرد المرفوع كقوله تعالى “كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ”  ص 12 وقوله تعالى “ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ”  البروج 15

وقوله تعالى “رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ”  غافر 15

و ذا: للمذكر المفرد المنصوب كقوله تعالى “قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ”   الكهف 86 وقوله تعالى “وَذَا النُّونِ”  الأنبياء 87

و ذي: صفة للمذكر المفرد المجرور كقوله تعالى “ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ”  التكوير20 وقوله تعالى “وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ”  الفجر 10

 وقوله تعالى “قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا”   الإسراء 42

و ذوا: صفة للمذكر المثنى، و ذواتا: صفة للمؤنث المثنى كقوله تعالى “ذَوَاتَا أَفْنَانٍ”   الرحمن 48

وقوله تعالى “فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ”    سبأ 16

و ذوي: للجمع كقوله تعالى ” …  وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَ‌ٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ”  الطلاق 2

وقوله تعالى “… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ..” البقرة 117

فالذات الإلهية هي صفة الله التي يعرف على نفسه بها أو نعرفه بها وذلك من خلال أسماءه الحسنى والتي اتصف الله بها فوصفته لنا .. اي فذات الله هي كل من صفاته وكذلك الذات الإنسانية والذات الحياتية والحيوانية ..  إذن فالذات حاضرة بحضور النفس لأنها تصفها وتُشير عليها وتُعرف بها وتُعَرِّف عليها وبالتالي غير موجودة قبلها لأن الصفة كما في كثير من الأمثلة التي بيّناها فهي لاحقة وتابعة ومُبينّة ومُعرفة لما هو موجود أصلاً لا سابق له، فلو قلنا الذات الحيوانية مخلوقة قبل خلق الله للحيوان لكان من الصعب التعرف على ماهو الحيوان وما هي صفاته … وكذلك الذات الانسانية فهي تصف الإنسان وتُعرّف عليه.. فالإنسان على سبيل المثال هو من خصه الله بالقدرات الذكية وهي التي جعلها الله صفات له بعد أن خلقه فقال “إنا خلقنا الإنسان من نطفة نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا” فأصبحت صفاته هي ذاته التي تُعرِّف به وعليه وبالتالي فالذات هي كل ما يشمل على النفس الإنسانية من الصفات

إذن وعند الرجوع للتدبر في قوله تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام  2،  نرى بأنها وبلا شك تُشير على أجلين للإنسان وليس أجل واحد، أحدهما كان قد إنقضى وأنتهى أما الآخر فبقي أجل مُسمى وغير منقضي بعد.  بالإضافة على أن الله أخبرنا بأنه كان قد خلق الإنسان على أطوار، أي مراحل أو حقب زمنية وفترات مختلفة فقال تعالى “وقد خلقكم أطوارا”    سورة نوح 14

وللتعرف على معنى طور وأطوار في لسان العرب نرى بأنه يُشير على ضُرُوباً وأَحوالاً مختلفةً؛ وقال ثعلب: أَطْواراً أَي خِلَقاً مختلفة كلُّ واحد على حدة؛ الطَّوْرُ: التارَةُ، تقول: طَوْراً بَعْدَ طَوْرٍ أَي تارةً بعد تارة … ومنها ايضاً كما قال الفراء: خلقكم أَطْواراً، قال: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظْماً؛ وقال الأَخفش طوراً علقة وطوراً مضغة … وبالتالي فمن خلال التعريف بها نرى بأنها تُشير على المراحل الخلقية المنفردة والمتعاقبة والمحكومة للعامل الزمني، إذن فلا يتعارض مفهوم طور الحمل الجنيني للإنسان مع طور الوجود التاريخي للإنسان وكلاهما تم على أطوار وحقبات زمنية متتالية واللغة تحتمل التفسيرين وبدون تعارض أو تناقض مع بعضهما البعض لأن المعنى واحد

أما التذكير في خلق الإنسان من الطين تحديداً في الحديث القرآني هنا في قوله “هو الذي خلقكم من طين” ففيه التذكير بأصل ومُبتدأ خلق الإنسان وإلا لكان قد خصنا الله نحن البشر الآدميين في الحديث حول خلقنا ونسلنا من الماء المهين وهو ما لحق بخلق الطين وأصبحنا نتكاثر بفعله، وبالتالي فالآية الكريمة تُشير على أول إحداث لعملية خلق للإنسان الأول والذي أشار الله عليها من خلال قوله تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ”  سورة السجدة  7

إذن فلقد أوضح لنا الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام آية 2 بأنه كان قد قضى أجل للإنسان وبلا شك فإن هذا الأجل المنقضي كان يعود على الذين بدأ الله خلق الإنسان بهم، كما وأخبرتنا الآية الكريمة نفسها من سورة الأنعام بوجود أجل آخر ينتظر الإنسان وبأن هذا الأجل الذي ننتظر إلى أن يحين قضاءه هو في المستقبل فيكون في موتنا نحن بني البشر أي الناس وبالتالي يعود علينا نحن وذلك حين يأتينا الأجل المُسمى عند الله والذي كان فيه

قوله تعالى “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا”  سورة فاطر 45

إذن وبالعودة إلى سورة الأنعام مرة أُخرى وقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”  سورة الأنعام  2، نرى بأن الله اختتم الآية الكريمة بقوله تعالى “ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ” أي ومع ذلك فأنتم تُشككون وتشكون وتُكذبون وتُجادلون، وبالتالي فأنتم في شك في أنفسكم من هذه الحقيقة التي لطالما سهوتم عنها أو غيبتموها عن أنفسكم، فإن كان هذا التبليغ وكلام الله والذي خلق الإنسان وأعلم به هو بغاية الوضوح والبيان فلماذا لا زلتم في شك منه ….. فكان إنقضاء الأجل الأول بالإشارة على موت الإنسان الأول .. وأتى التصريح بذلك في الآيات  17 –  23 من سورة عبس

 صفحات من رسالة الله  – عبدالله أحمد خليل