Archive for the ‘الدابة هي أول من سكن الأرض من الأحياء’ Category

الدابة هي أول من سكن الأرض من الأحياء

قال تعالى، “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ”  سورة لقمان 10.

إن التعريف بمصطلح الدابة المذكورة في الآية الكريمة يشمل على جميع الكائنات “المخلوقات” الأرضية الحية التي بدأ الله بها الخلق بشكل عام وكان ذلك نتيجة تحليها جميعا بصفة وخاصية الدب والدبيب وهذا يشمل إذن على كل ما دب على الأرض من الأحياء الأولين، وبالتالي أصبح من الممكن الإستدلال بذلك على أن الدابة هي الحيوان أو الكائن الأرضي بجميع أصنافه وأشكاله وأحجامه وذلك ما شمل عليه من إنسان غير عاقل أو حيوان وهذا ناتج من خلال قول الله تعالى بأنه أول ما بث في الأرض هو الدابة حيث لم يُشير على الحيوان أو الإنسان بالتحديد “ونُشير هنا بالطبع على الإنسان الغريزي أي الإنسان البدائي الأول وذلك نتيجة تدني قدراته العقلية الذكية وتعاظم دور الغريزة في مسلكيته وتركيبته النفسية الوحشية بالإضافة إلى إشتراكه مع الدابة بالخواص الفيزيائية والجسدية المنسجمة مع ظاهرة الدبيب والتي اراد الله ليُخبرنا بخضوع الأحياء المخلوقة جميعها لتأثير عامل الجاذبية الأرضية وتوضيح آلية التفاعل معها عن طريق خاصية الدب. كما ولقد وضّح الله تعالى لنا تعدد أشكال الدابة وطبيعة تفاعلها مع الأرض فكان منها التي تمشي على بطنها، وكان منها من يمشي على رجلتين إثنتين كالإنسان وغير ذلك من الحيوان والطير، وكان منها التي تمشي على أربع والأخر مما خلق الله، فالدابة (وجمعها دواب) إذن هي  كل ما دب من غير العاقل من الأحياء سواء كانت من الإنس أو البشر الأولين أو من امم الحيوان العديدة،، وكان في ذلك قوله تعالى،

“وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”   سورة النور 45 .

فنحن لم ولا ندعي من خلال مادة هذا البحث ولن ندعي بأن أصل الإنسان هو قرد أو غيره من الحيوان وكان بأن تطور وتحول ليصبح إنسان عاقل، كما وأن نفس الإنسان “العاقل وغير العاقل منه” هي في أساسها كانت ولا زالت غريزية فهي أمارة بالسوء وهذا ما يُفطر عليه الإنسان ومغروس ومُتأصل في كيانه وذاته وهذه صفة حيوانية تقربنا أكثر من مفهوم وفعل الدابة في كل مرة تنحدر فيه إنسانيتنا وتسقط بفعلها وسلوكها، فالدابة وما كان عليه الإنسان الأول والذي لم يكن يملك آلية للإدراك السمعي والبصري عاش بغريزته إلى حتى تم إرتقاءه بشخص آدم وهذا لا يعني بتاتاً بأن أصل آدم الإنساني هو حيواني بل أصله الإنساني الأولي التحضيري كان دابة من الإنس الغير عاقل ولذلك أطلقنا عليهم مصطلح ومفهوم الإنسان الدابة حيث كان وصف الدابة “مرة أُخرى” قد شمل على كل شيء كان قد إتصف بخاصية الدبيب وانسجم في تكوينه وتعايشه مع باقي الدواب من خلال وجود مادي مصحوب بواقع غريزي ووحشي متفاوت وذو قدرات عقلية محدودة وغير عاقلة.

إن من عجائب خلق الله تعالى وقدرته خلقه للدابة …  دابة كانت تحكمها الغريزة لا غير، فتقودها لتعبث في الأرض فساداً ولتُسفك الدماء كغيرها من الدواب، لا تعرف التقديس والطهارة …. ثم ولحكمة من الله يُعيد الله خلقه لهذا الإنسان الدابة بنشأة جديدة ويهبه مرتبة البشر، إنسان عاقل “بشخص آدم”  مُحدَّث وجديد يتحلى بسلاح العلم والقدرات الذكية وذلك حتى يتغلب على همجية وبدائية وحيوانية الإنسان الدابة والتي بقيت ولا زالت مغروسة ومستأصله ومتجذرة في داخله وفي تكوينه، فهل سينجح الإنسان الآدمي أمام صراع الإرادات هذه وهذا الإبتلاء وهل سيكون بالقادر على حمل الأمانة الآن خاصة وأن قوته في عقله وضعفه في غريزته وعلى هذا الإنسان الجديد والمعاصر لان يتغلب على بدائية إنسانيته الحيوانية وينتصر عليها ويكبح قدرتها وسيطرتها العدوانية عليه ويعمل على سلخها عن نفسه ويتركها وراء ظهره كحلّة بالية لتُصبح نفسه إنسانية طاهرة صافية من الشوائب والخبث، وحينئذ وحينها فقط يتقبله الله ليكون ممن يُدخلهم  في عباده وجنته.

لقد أثبت لنا العلم الحديث نتيجة دراسة المتحجرات وعلم الآثار على وجود إنسان أولي دابة وله خصائص حيوانية تجعله أقرب للحيوان منه للإنسان المعاصر، فهذا الإنسان البدائي والموجود على أشكال ومراحل مختلفة ومتطورة عن بعضه البعض والدليل العلمي والمادي نراه وموجود كما ذكرت من خلال بقايا المتحجرات والمستحاثات “الفوصل” التي فيها تعدد للنماذج والأشكال الإنسية البدائية والمتوفرة بكثرة اليوم والمتاحف الغربية مليئة وتعج بأثارهم وبقايا عظامهم ولا يُمكن نكران وجودهم التاريخي وكل يوم يزداد العثور على أنواع متعددة منهم وفي جميع قارات العالم.

إن المُسْتَحَاثَات “أو الأَحَافِير والمُتَحَجِّرَات كما يُشار عليها أيضاً” هي بقايا حيوان أو نبات كانت محفوظة في الصخور أو مطمورة تحت الأرض تم تحللها خلال الأحقاب الزمنية وهي تظهر لنا أشكال الحياة بالأزمنة السحيقة وظروف معيشتها وحفظها خلال الحقب الجيولوجية المختلفة، ولقد تم إلى حد الآن اكتشاف العديد من أنواع هذا الجنس البدائي الأول ومنه: إنسان نياندرتال، إنسان بحيرة رودولف، الإنسان السالف، إنسان جيورجيا، الإنسان العامل، الإنسان الماهر، الإنسان المنتصب إنسان سيبرانو، إنسان فلوريس، إنسان هايدلبيرغ، إنسان روديسيا، الإنسان العاقل القديم، والإنسان الحديث “الإنسان العاقل الأول/ الإنسان العاقل العاقل”.
وكان على الرغم من توفر الأدلة العديدة على وجود الإنسان البدائي الأول بإختلاف أجناسه وأنواعه ألا أنه لم يتمكن بل وفشل في صنع الحضارة أو بناء المجتمعات الإنسانية أو كان بالقادر على الإرتقاء، ولا يوجد من الدلائل العلمية ما يُشير على عكس ذلك، وكان نتيجة ضعفه وعدم قدرته وتخلفه وحيوانيته بأن إنقرض، أو على الأصح مات وبقي في جمود حياتي وبقينا لا نعلم عنه الكثير إلى أن أتت البشرى بالنباء العظيم.

إن الإنسان الأول بأنواعه وأجناسه المختلفة والخلق الإنساني الآدمي وخلق المسيح الإنسي الذين لحقوا به ينحدرون جميعاً من أصل واحد، وبالتالي فحين نتكلم عن الإنسان العصري فلابد لنا لأن نتطرق لماضيه وليس لحاضره فقط ونتسائل عن جوهر وأصل خلقه وإمتداده الحيواني، فالإنسان منذ بدء خلقه الأولي وإنتهاءاً بحضوره المُشرف بهيئته الجديدة كان قد أخضعه الله للعديد من المراحل الخلقية والتطويرية والهندسية الجينية المعقدة كالتحسين والبناء الهيكلي والعقلي الباهر والتي أحدثت وأدخلت التغيرات والتحديثات الجمة وتسببت لما هو عليه اليوم من التطور والرقي والتقويم والتي أوصلته إلى هذه المراحل المتقدمة والذكية وميزته عن أجداده البدائيين الأوائل وعزلته عن نسبه وما عُرف به بكونه بدأ كدابة، فلقد أخبرنا الله بأنه خلق الإنسان من قبل خلقه لنا، ولم يقف عند هذا الحد بل أخبرنا أيضاً بأن نقطة البداية لخلقه أو خلقنا أي نحن معشر الإنس كان من مادة الطين وهي نفس المادة التي خلقنا نحن “الجنس الآدمي” منها أيضاً على الرغم من الفروقات الواضحة في التحسين الذي طرأ علينا بالمقارنة مع الخلق الأول، وسنعمل على تقديم الأدلة القرآنية والتي تحدثت عنه ولا زالت تشهد على حقيقة خلقه ووجوده البدائي ومن ثم موته ومن ثم نشأته الجديدة من التراب كانت أولها بشخص آدم عليه السلام وثانيها بشخص المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.

أما وفي التعريف بظاهرة تشبيه الإنسان العاقل لهذه المفهوم الدابي أو الدابة فلقد كان من خلال التعريف بمجتمعات أمم الحيوان ومشابهتها للمجتمعات الإنسانية ودورها في تكوين المجتمعات الحيوانية المبنية على الحماية والأمومة وتوزيع مهام العمل والترابط الأُسري والتكاثر والتعايش الفصيلي والعداء والشراسة والغيرة والنزاع على الزعامة ودفن الموتى وغيرها والتي أكد عليها العلم الحديث بعد العديد من الدراسات العلمية والمبنية على المراقبات البصرية والتصويرية والسمعية المكثفة، وكان لنا في الغراب والنمل أكبر مثل على ذلك، وكان قول القرآن الكريم قد سبقهم بالإشارة عليها بحوالي الألف وأربعمائة عام مضت والتي فيها كان،

قوله تعالى   “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ”    سورة الأنعام 38 .

ففي الآية الكريمة أعلاه نستدل وبوضوح على دليل مشاركة الإنسان لمفهوم الدبيب وذلك نتيجة تفاعلاته الجسدية مع البيئة الأرضية المادية والإجتماعية والتي يتشارك بها مع جميع أمم الحيوان، وفيها أيضاً وبالتحديد يُخاطب الله الناس وهم المعنيين كافة برسالة القرآن وهذا فيه إذن الإشارة الدقيقة على إشتمال وإحتواء الناس وتوافقهم وإنسجامهم مع هذا المفهوم للدابة والتي عُرِّفوا بها وبالتالي فعملت على التعبير عن هوية الإنسان البدائية الدابة، وكان هذا التعبير للناس الدابة أو الإنسان الدابة في غاية الوضوح فيما أُشير إليه في القرآن الكريم أيضاً في،

قوله تعالىوَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّاتَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ”   سورة النحل 61 .

وقوله تعالىوَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَاتَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا”   سورة فاطر  45  .

فلو لم تكن فئة الظالمين من الناس والكفرة منهم هي التي تنحدر لمستوى الدابة عندما تظلم وتفسد لما أشار الله سبحانه وتعالى عليها هكذا بعد تكريم وتفضيل، وبالتالي لولا أن من الناس من هم في سلوكهم يتغولون وتطفوا حيوانيتهم الغريزية فوق إنسانيتهم وتسود تصرفاتهم الهمجية والبدائية لما أخبرنا الله بهذه العلاقة المثيرة والجدلية للكثيرين من الناس،

 قال تعالى “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ”   سورة الأنفال  55 .

*****

فهذا الخطاب القرآني في الآيات الكريمة هو للناس وبالتالي فهو يقربنا من فهم مصطلح الدابة وعلاقتها بالناس والإنسان، ولذلك كُنّا قد أطلقنا على الإنسان البدائي الأول مصطلح الإنسان الدابة ليس نتيجة تحوله إلى دابة أو تحوله من دابة إلى إنسان بل كان نتيجة إشتراكه مع الدابة بظاهرة الدبيب كصفة متأصلة في بنيانه وتكوينه ونضيف على ذلك مسلكيته أولاً وإفتقاره للقدرات العقلية الذكية وعدم قدرته على الإدراك ثانياً.

فلقد بيّن الله للبشر الآدميين أوجه التقارب والتشابه في الخلق فيما بين الدابة والبشر الآدميين وكان في ذلك كما سبق وأشرنا عليه في “سورة الأنعام 38″ حيث أن هذا الخطاب القرآني للبشر الآدميين أتى ليُعرِّفهم بدقة حجم التقارب في المفهوم بينهم وبين كل ما خلق في الأرض من الدابة، وبالتالي فإن الدابة الأولى والتي ظهرت على غيرها بشدتها وقوتها وعمارتها وأثارتها للأرض وتركها لآثارها فيها وكانت أول من ظهر من الدابة على سطح الأرض هاهي اليوم تتشارك بالمفهوم العام مع مصطلح البشر والذي أصبح يُطلق على الآدميين.

وهاهو الإنسان اليوم وبعد رحلة تحوله من إنسان دابة إلى إنسان آدمي ينعم بالتفضيل والتكريم أصبح يرتقي بمفاهيمه ويخضع ويُسَخِر ما حوله لخدمته ومسيرته، طريق سلكه الإنسان عبر محطات التاريخ وملايين السنين كانت قد إنتهت بهلاكه وموته ومن ثم لحقها خلقه ونشأته من جديد، بدأ الإنسان بها رحلة الحياة لا يمتطي ظهر دابة بل كان هو بنفسه دابة حتى تم إصطفاءه وتحديثه وتكليفه وتكريمه، وكان له قصة وحكاية سطرت في كتاب الله لتكون عبرة ودرس لمخلوقاته وعبيده ….

صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل