Archive for the ‘إبليس هل كان من الملائكة وكان من الجن في آن واحد .. دعونا نتدبر’ Category

إبليس هل كان من الملائكة وكان من الجن في آن واحد .. دعونا نتدبر
 
لقد حدثنا الله عن أمره للملائكة بالسجود لآدم في آيات عديده منها
قوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” البقرة 34
وقوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا” الإسراء 61
وقوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ الكهف 50
لقد حدثتنا الآية الكريمة من سورة البقرة عن رفض إبليس للسجود واستكباره، وحدثتنا الآية الكريمة من سورة الإسراء عن الدافع والسبب من وراء استكباره، وحدثتنا الآية الكريمة من سورة الكهف عن جنسه، ولكن وعلى الرغم من أن الآيات الكريمة بدت وكأنها توحي لنا بأن إبليس هو من الملائكة ألا أن الآية 50 من سورة الكهف أشارت على مُكوِّن إبليس الجنسي أي بأنه من جنس الجن أي جنس آخر غير عن جنس الملائكة .. وهنا اختلط علينا الأمر فهل أمر الله إبليس أم لم يأمره بالسجود وإذا كان قد وقع عليه الأمر فهل ذلك يجعل منه لأن يكون من الملائكة مع أن الله يُخبرنا بأنه من جنس آخر .. كيف نحل هذا التناقض أو هذا اللغز
إن أول شيء نُريد لأن نتحقق منه هو هل أمر الله لآدم بالسجود كان قد شمل على إبليس أم لا .. وللإجابة على ذلك نستعين بما جاء في
قوله تعالى “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ” الأعراف 12
وقوله تعالى ” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ” الكهف 50
إذن فمن الواضح بأن الآيات الكريمة أعلاه لم تدع مجالاً للشك بان أمر الله للملائكة كان قد طال إبليس وهذا نستمده من قوله تعالى “إذ أمرتك” وقوله “ففسق عن أمر ربه” ففيهما أكبر دليل على ذلك خاصة وأن الفسق أيضاً “هو الخروج عن الطاعة” والذي فيه التأكيد على عصيان إبليس لأمر ربه .. وبالتالي إذن فالآيات الكريمة كشفت الغطاء عن الضبابية والحيرة التي كانت تُحيط بأمر السجود لآدم حيث أخبرتنا وبالنص الصريح بأن الأمر كان قد شمل على إبليس حتى مع أن الخطاب كان موجه بالتحديد للملائكة، فالله إذن أصدر الأمر للملائكة وليس للجن والذي لم يذكرهم في النص … إذن فثمة اعتبار ما كان قد جعل من إبليس وأهَلَه لأن يكون ممن شمل عليهم الأمر، ولكن فكيف بمقدورنا لأن نفسر بأن إبليس كان مع الملائكة على الرغم من اختلاف جنسه عنهم، خاصة وأن الله هو من أخبرنا بأن إبليس هو من جنس الجن وليس من جنس الملائكة … الكهف 50
لقد زعم بعض المفسرين بأن إبليس كما أخبرنا الله “كَانَ مِنَ الْجِنِّ” أي فهو ليس من جنس الملائكة، إذن فلم يشمل عليه أمر الله للملائكة بالسجود لآدم وبالتالي اجتهدوا على أن أُمر الله له بالسجود كان منفصلاً عنهم معتمدين بذلك قوله تعالى “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ” الأعراف 12 .. وكأن الآية توحي بأن الأمر هنا يخص إبليس وحده من دون الملائكة ولكن هذا التخمين خاطيء وليس في محله لأن الآيات واضحة وبالخصوص قوله تعالى ” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ” الكهف 50. حيث نرى فيه بأن الملائكة كانت قد استجابت لفعل الأمر بالسجود قال تعالى “فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ” والفاء في قوله – فسجدوا – تُفيد التعقيب والترتيب أي فاء العاقبة وأتت لتفيد الاستجابة للأمر الذي أوقعه الله على الملائكة حيث كان الأمر ولحق به وعقبه فعل السجود مباشرة ألا أن إبليس كما أشارت الآيات الكريمة امتنع عن السجود معهم مع أن الأمر كان قد شمل عليه
 
 التعريف بالملائكة وعلى ماذا تعود التسمية
إن مصطلح الملائكة مُستمد من الـ “ملائك – كه”، أي “الـ ملائك” مُضاف لها ” كه” وذلك حسب ما كنّا قد استنتجنا من المراجع اللغوية. أما معنى الــ كه فنستخلصه من لسان العرب وذلك حسب ما هو منقول عن اللحياني وأَبو عمرو: يقال كَهَّ في وجْهِي أَي تنفَّسَ، والأَمْرُ منه كَهَّ وكِهَّ، وقد كَهِهْتُ أَكَهُّ وكَهَهْتُ أكِهُّ. وفي الحديث: أَن ملَكَ الموتِ قال لموسى، عليهما السلام، وهو يريدُ قبْضَ رُوحِه: كُهَّ في وجهي، أَي افْتَحْ فاكَ وتنفَّسْ ففَعل، فقبَضَ رُوحَه، ويُقال: كَهَّ يَكُهُّ وكُهَّ يا فلان أَي أَخْرِجْ نفَسَك، ويروى كَهْ بهاء واحدة مُسكَّنة بوزن خَفْ، وهو من كاهَ يَكاهُ بهذا المعنى، فالملائك تُطلق على كل ما أو من هو مملوك أي له مَلِك يملك عليه “ولا نتحدث هنا عن عبودية الرق لأن الله لا يمتهن العبيد ولا العباد” وبالتالي فهم من ملك الله عليهم من عباده فسيّرهم حسب مشيئته وأشار عليهم بذلك فقال تعالى “وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثًا” الزخرف 19. وهذا ليس محصور بالجنس بل يشمل على كل المخاليق التي تخضع لأمر الله فتُعبده وتكون عباد له وتسكن في عباده وملكوته الأعلى ولقد أتى في تسميتهم تصريفان
التصريف الأول: الملائكة وهو اسم جنس أصله من الملائك يشير على صفة للعبودية والطاعة “وهي صفة خلقية” ويُطلق بالخصوص على سكان ملكوت الله العليا وهو خاص بالعباد المُسيرين والذين خلقهم الله بإرادة مُسيّرة “ولا نقول بلا إرادة .. ولو حصل وأشرنا عليهم بذلك فهو عن طريق الخطأ” فأخضعهم لِمُلكه وحكمه ومفردهم ملَك، قال تعالى “قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا” الإسراء 95. وقال تعالى “مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ” يوسف 31. وبالتالي فهي مخلوقات مملوكة أي من فوقها ملِك يحكمها ويأمرها وكان أسمها دلالة على صفتها المملوكة لصاحب المُلك، إذن فإذا كان مُصطلح الملائكة يحمل الإشارة على الجنس فهو يُشير وبلا شك على الأنفس المملوكة المُسيرة والتي خُلقت على هذا النحو، فالمسير منها مخلوق دون إرادة إختيارية وهم بالتحديد المخلوقات النورانية والتي خلقها الله حصرياً للإستجابة لأمره وبالتالي ستكون مملوكة وخاضعة لإرادة ومشيئة الله وأمره ويُشار عليهم بالعباد والمفرد منهم عبد
التصريف الثاني: وهو تصريف يُشير على سمة وصِفة العباد المُخيرين والذين تمت الإشارة عليهم ضمنياً بالملائك وهي صفة مكتسبة للذين يأتون الله بإختيارهم وطوعهم فيتقبلهم الله ويُسكنهم في ملكوته ويجعلهم في صحبة عباده المسيرين فيقع عليهم الوصف وشملت عليهم التسمية بالملائكة لا لجنسهم بل لما اتسموا به من صفة الطاعة والتسليم أي سُموا بذلك نسبة لسِماتهم التي غلبت على سلوكهم لا نسبة لجنسهم ومنهم الجن، فالمملوك منهم هو من سعى لأن يُملِك نفسه لله ويأتمن عليها في مُلكه، قال تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” البقرة 34 . وهنا كما نرى فلقد شملت عليهم التسمية لأن سمتهم “اي ما اتسموا به من سمات الخضوع والطاعة” جعلتهم مع الملائكه في تسميتها
وهنالك تصريف آخر ليس بالبعيد بمعناه ولكنه يخص الحال ويُطلق على المملوكين لغير الله ليس بخيارهم بل مُكرهين ومجبرين وكارهين ويُشار عليهم بالمماليك أو الرقيق والعبيد ومفردهم عبد، قال تعالى “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا” النحل 75. وقال تعالى “وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ”  الشعراء 22
أما حين يُنسب لفظ العبيد إلى الله فهو يُشير على مسلوبي الإرادة ومن سقط عنهم التكليف كقوله تعالى “مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”  فصلت 46. وقوله ” ذَ‌ٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”  الأنفال 51. وهذا سنأتي على توضيحه
 
 
الفرق بين قول من الساجدين … وقول مع الساجدين، وكيف نفهم ذلك وعلى ماذا يدل كل من القولين
 
لقد أخبرنا الله بعدم امتثال إبليس لأمره فقال “فسجدوا إلا إبليس” أي مستثنياً إبليس من السجود لآدم ولكن وما يُثير الإهتمام هو ما لحق بذلك من التوضيح حيث لم يتوقف قول الله تعالى عند هذا الحد بل أخبرنا في الآية 11 من سورة الأعراف بأن إبليس لم يكن من الساجدين
فقال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ” الأعراف 11
 
وأخبرنا في الآية 32 من سورة الحجر بان إبليس ابى أن يكون مع الساجدين
فقال تعالى “فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) الحجر
طبعاً فهذا الإختلاف بين قوله لم يكن “من” الساجدين، وقوله أبى أن يكون “مع” الساجدين يحمل الكثير من الفروقات والتي لابد لنا من التعرف عليها وتوضيحها

 

ففي البداية نقول بأن الـ (الفاء) والتي سبقت فعل السجود في كل من قوله تعالى “فـ سجدوا” وقوله تعالى “فـ سجد الملائكة” هي في العادة تفيد الترتيب والتعقيب وربط الجواب بالسؤال والأمر وبالتالي إذن أتت لتؤكد على إلتزام الملائكة بأمر الله، ولكن ومع ذلك ففي كُل مرة استُثني إبليس من السجود

 

قول: مع الساجدين
إذن فلقد أخبرنا الله بأن إبليس: ” أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ” .. ولكن ماذا يعني قول “مع الساجدين” وماذا نفهم منه
قال تعالى “فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) الحجر
إن من المُلاحظ هنا بأن بأن الله استعمل “أن” ليؤكد فيها على رفض إبليس للسجود مع الساجدين ولكن الله لم يسبق “أن” بلام الأمر وبالتالي فلم يقل الله تعالى “أبى لأن يكون مع الساجدين” والذي هو من استعمالات حرف – اللام – نحو: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، والذي في استعمالها ستؤكد وتُزيد من فعل الأمر ولكن الله اكتفى بالقول “أبى أن يكون مع الساجدين” وذلك لأن الله لربما اراد التخفيف من أمر السجود والذي شمل فيه على إبليس … ولكن لماذا يا ترى، وهنا علينا في المزيد من التدبر حيث ومن خلال تفحص النص مرة أُخرى نرى بان الله استبق الحديث عن رفض إبليس بأن يكون مع الساجدين بإخبارنا بان الملائكة سجدوا كلهم أجمعون فماذا يعني قول الله هذا .. وللإجابة على ذلك نقول بأن الملائكة هُنا أتت تُشير على الجنس خاصة وأن أل التعريف في العادة تُشير حصرياً على الجنس أو على أحد من افراده ونُريد لأن نُشير أيضاً على أن الله ألحق بذلك قول “كُلُهم أجمعُون” ونحن نعرف بان الكل والنصف والثلث والربع والخمس والسدس . .. والعشر كُلها تُشير على النسب وبالتالي فحين يُخبرنا الله بان كُل الملائكة سجدوا فهذا يعني بأن نسبة الذين سجدوا كانت مئة بالمئة أي 100% أي وبالتالي ولا حتى أقل من 1% من الملائكة كان قد تخلف عن السجود وأتى قوله “أجمعون” ليزيد في التأكيد على إكتمال جمعهم وقت سجودهم والذين سجدوا من أولهم لآخرهم فسجدوا في جمع واحد، كما ونلاحظ أيضاً استعمال كلمة يكون في قوله تعالى “ابى أن يكون مع الساجدين” ولم يقل مثلاً “أبى أن يكُن مع الساجدين” أي لم يختصر كلمة يكون مثلاً وأستعمل كلمة يكُن بدلاً منها وذلك لأن في زيادة حرف الواو في “يكـون” هو رمز للكثرة وبالتالي مرة أُخرى هو دلالة على الكُل “كُلُهم أجمعون” اشارة على التمام والكمال واتت بعدها “مع الساجدين” و “مع” هي في الاصل للإضافة والمصاحبة والمشاركة وفي ذلك ويكون إبليس بهذه الحالة هو زيادة وإضافة على جنسهم وليس منهم وبالتالي إذن فالإشارة هنا حتماً هي على جنس الملائكة فقط والذين كان فيهم قول الله تعالى “يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” سورة النحل 50

 

ولذلك فلقد كان من الضروري توضيح قول “ابى أن يكون مع الساجدين” خاصة وأن الساجدين في الآية الكريمة كما وضحنا هم الملائكة كجنس وهم المسيرون من الأنفس المملوكة أي من كان فيهم قوله “ويفعلون ما يؤمرون” وبالتالي فإن قول ” مع الساجدين ” أتت لتُضيف على سجود المُسيرين المأمورين إبليس والذي كان وجوده معهم بالإضافة كحال أي “كنفس مملوكة” وليس كجنس وكانت ” مع ” قد وضحت ذلك وبالتالي لا يتناقض هذا مع قول الله تعالى على أن إبليس هو من جنس الجن كما أخبرنا في سورة الكهف في قوله تعالى “إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ” سورة الكهف 50
 
إذن فخلاصة ذلك وهو بأن مصطلح الملائكة يٌشير على عباد الله من سكان ملكوت السماوات وبالتالي فهو يُشير على كل من المسير والمُخير منهم اي الملائكة المُسيرين والجان والإنس وكلاهما مُخيرين حيث يكون مُصطلح الملائكة يُشير على تعدد وشمولية صنف الأنفس المملوكة أي الأنفس العابدة والتي سكنت / أو تسكُن في ملكوت سماوات الله العليا وفي جنته وبالتالي لا يقتصر الوصف أو يكون حصراً على الجنس المُسير والمخلوق من النور وحده وإنما يشمل على كل من سكن ملكوت الله فتَكَفل الله به فسَيَّره وعَبَّده وملكه، وأما تحديد من المُشار عليه منهم فيكون من خلال النص
خطأ العلماء في تفسير قوله تعالى: “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ” الحجر 32
إذن وبالرجوع إلى آيات سورة الحجر مرة أُخرى نرى بأن الله ألحَقَ بما أخبرنا بخصوص السجود قول آخر والذي فيه “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ” ولكن ما الجديد .. وبذلك نقول بان الجديد وهو إختلاط أمر هذا القول على العلماء نتيجة عدم تدبرهم له جيداً وبالتالي عجزوا عن فهمه واعتقدوا مخطئين بأن المقصود هنا هو السؤال والإستفسار أي على نحو: ما الذي منعك يا إبليس من أن تكون مع الساجدين .. وفي ذلك
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) القول في تأويل قوله تعالى: فسجد الملائكة كلّهم أجمعون (30) إلاّ إبليس أبى أن يكون مع السّاجدين (31) قال يا إبليس ما لك ألاّ تكون مع السّاجدين 32
يقول تعالى ذكره: فلمّا خلق اللّه ذلك البشر ونفخ فيه الرّوح بعد أن سوّاه، سجد الملائكة كلّهم جميعًا إلاّ إبليس فإنّه أبى أن يكون مع السّاجدين في سجودهم لآدم حين سجدوا له، فلم يسجد له معهم تكبّرًا وحسدًا وبغيًا. فقال اللّه تعالى ذكره: يا إبليس ما لك ألاّ تكون مع السّاجدين. يقول: ما منعك من أن تكون مع السّاجدين؟ ف ” أن ” في قول بعض نحويّي الكوفة خفضٌ، وفي قول بعض أهل البصرة نصبٌ بفقد الخافض). جامع البيان: 14/66
ولكن الحقيقة هي غير من ذلك لأن قول الله هذا حمل التوبيخ والإدانة لإبليس لا السؤال والإستفسار فقط وفيه إستنكار لعصيانه أمر الله، ولتبيان ذلك وتفسيره نبدأ أولاً بالتعريف بـ ما والتي من استعمالاتها بان تكون نافية نحو مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ” يوسف 31 . أي ليس هذا ببشر وبالتالي نعود للآية الكريمة ونُعيد الرؤية فيها على هذا النحو وهو “ما لك” أي ليس لك يا إبليس الحق أو القدرة أو الإرادة الحرة و “ألّا” أي أن لا تكون مع الساجدين، ولنا مثال توضيحي نستفيد منه من خلال قوله تعالى “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ” طه 118 وذلك في مخاطبته لآدم ولمن سيدخله في عباده وجنته ولا يعني قول الله “إن لك .. فيها” وكأن ذلك هو حق من حقوق من يُدخِله في عباده بل هي عطية من الله أجازها لعباده وتعهد بها أي لك مني وليس لك علي، وهذا يوضّح لنا استعمال “لك” هنا و “ما لك” في آية سورة الحجر “مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ” حيث نفت كقول ليس لك أي أنت لست حر الإرادة في ملكوتي الأعلى يا إبليس وبالتالي فهي تُخبرنا بأن إبليس يملك الإرادة الحرة في الإختيار طالما هو خارج عباد الله أي خارج مَلَكوت الله الأعلى أما عند تواجده في عباد الله فلقد كان عليه لأن يسلم نفسه لله ويكون من الأنفس المملوكة العابدة
 
قول: من الساجدين
لقد أخبرنا الله بأن إبليس: ” لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ” .. ولكن ماذا يعني قول “من الساجدين” وماذا نفهم منه 
قال تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ” الأعراف 11
وهنا استعمل الله كلمة من “من الساجدين” بدلاً من كلمة مع “مع الساجدين” والفرق وهو أن من استعمالات “من” تختلف عن استعمالات “مع” حيث من استعمالات “من” هي لأن تكون تبعيضية حيث وعند استباقها بـ لم “والتي تأتي للنفي والجزم” تكون قد نفت عن إبليس لأن يكون من تبعيض أي بأن يكون من الساجدين، والساجدين كما اشرنا عليهم في شرح “مع” الساجدين هم جنس الملائكة المسيرين، ومن الملاحظ أيضاً وهو استعمال التقصير والتقليل من فعل يكُن هنا حيث حُذِفت الواو من وسطها أي لم يقل الله هنا – إلا إبليس لم يكون من الساجدين– بل اختصرها بقول – لم يكن – وفي ذلك إشارة على أن إبليس لم يكن من جنس الذين سجدوا “كُلُهم” لآدم فاشار الله عليه حصرياً بالتنقيص من الفعل

إن لفظ الملائكة كما سبق وذكرنا يكون إما يخص جنس الملائكة حصريا والذين خلقهم الله لطاعة الامر وسُيُّروا على ذلك أو يُمكن لأن يتصف الآخرين والذين عبَّدوا أنُفسهم لله فأطاعوا أمره بإختيارهم فأنعم الله عليهم وأدخلهم الله في عباده أي في ملكه “ملكوت السماوات” فجعلوا بذلك من الملائكة اي الأنفس المملوكة والمؤتمن عليها عنده .. وحتى نعمل على توضيح الفرق المسيرين من جنس الملائكة والمخيرين من ممن اتصفوا بسمات الملائكة سنستشهد

بقوله تعالى “لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ” النساء 172

 

ولكن كيف نتعرف على أن الملائكة المُشار عليهم هنا في الآية الكريمة أعلاه هم من لهم صفة الملائكة لا من هم من جنس الملائكة المُسيرين .. وللإجابة على ذلك نقول
عند الرجوع للآية الكريمة والبحث في معنى الإستنكاف نرى بأن العرب تقول: نَكِف الرجلُ عن الأَمر نَكَفاً واستَنْكَفَ أي أَنِف وامتنع، إذن فلا يوجد دليل على أن المسيح كان قد استنكف لأن يكون عبداً لله لأن أول ما كان قد صدر عنه هو قوله المنقول لنا في كتاب الله فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) مريم

 

إذن فالمسيح كان قد أسلم ارادته لربه وهو في المهد وهذا حدث منقول لنا من الماضي، أما وعند الرجوع للآية الكريمة 172 من سورة النساء ومن خلال التدبر بقوله تعالى ففيه أتت (لن) في بداية الآية الكريمة لنفي المضارع ونصبه وتخليصه للاستقبال وهذا من استعمالات “لن” كحرف من حروف المعاني وبالتالي فهي تفيد الإستقبال وتٌشير على الحدث المستقبلي إذن فإن حديث الآية الكريمة يٌشير على ارادته الإختيارية اثناء وجوده في ملكوت الله الأعلى اي بعد رفعه إلى السماء
إذن وبعد أن أخبرنا الله بأن المسيح لن يستنكف أي لن يأبى ويستكبر أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ” وهذا في إستقباله وفي خلال مكوثه في عباد الله حيث كذلك سيكون حال الملائكة المقربون والذين لن يستنكفوا لأن يكونوا عباداً لله، أما في قوله تعالى أن يكون ” فلقد كان استعمال أن لتكون مُفسِّرة وبالتالي أتت لتُعرّفنا بحاله ولتنفي صفة الإستنكاف عنه وهو في ملكوت الله وفي عباده على الرغم من ارتفاع منزلته فهو وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” آل عمران 45
ثم لحق بذلك (الواو) في وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ” وذلك للاستئناف عما سبق من الحديث ولحق بها (لا) وهي نافية الإستنكاف عن الأنفس المملوكة من المقربين والمسيح هو أحدها، والذين هم من غير جنس الملائكة “المسيرين” لأن الملائكة كجنس كان فيهم قوله تعالى “ويفعلون ما يؤمرون” أما هؤلاء الملائكة والتي أشارت عليهم الآية الكريمة هنا هم من يتمتعون بالإرادة الحرة لانهم يقول الله لن يستنكفوا عن عبادته أي لن يمتنعوا عن الخضوع لأمر الله وبالتالي فالقرار هو قرارهم وبخيارهم وبالتالي فهم سيُمّلِكون انفسهم لخالقهم وسيعَبَّدون أنفسهم له وسيأتمنوه على أنفسهم ليسيرها ويملكها وبالتالي فهم في حال وجودهم في ملكوته الأعلى سيصبح حالهم كحال الملائكة المأمورين والمُسيرين
 
لقد أخبرنا الله بأن إبليس هو من جنس الجن وبأنه فسق عن أمر ربه
فقال تعالى “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ” سورة ص 75
وللتحقيق بذلك نبدأ بـ – أم – حيث أتت في قوله تعالى “استكبرت أم كنت من العالين” لتساوي بين الإستكبار وعلو المنزلة في النص لأن في كلاهما تعالي وبالتالي أتت لتكشف لنا بأن تصرف إبليس كان ناتج عن الإستكبار وليس العلو، ولكن لماذا ساوى الله بين الإستكبار وعلو المنزلة هنا سوى لأن يُخبرنا بأن علو المنزلة له وحده ولا يملكها أحد سواه قال تعالى ” وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ” البقرة 255 وبالتالي فلا ينطبق قول “العالين” على أحد غير الله
قال تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ” الأعراف 206
وحتى يتضح لنا الأمر اشار الله على امتناعه ورفضه للأمر وتكبره فقال تعالى “إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” سورة البقرة 34

 

حيث كان في ذلك إشارة مؤكدة على أنه كائن مُخير على العكس من جنس الملائكة المُسيرين وبالتالي فلقد كان إبليس هو صاحب القرار إذا شاء الطاعة والإستجابة لأمر الله أم عدم الإمتثال لأمره، إذن فهو برفضه للسجود كان قد عصى أمر الله ولم يُسلم أمره ونفسه لخالقه حتى يُدبرها ويُسيرها ويحفظها ويملكها كسائر من هم في ملكوته وبالتالي حمّل نفسه تبعات وعاقبة عمله وبذلك كان قد أبقى على نفسه الإختيارية لتقوده بدلا من يأتمنها عند الله ولأن يتركها وديعة بيده، ففي ملكوت السماوات لا يملك إبليس ولا غيره حرية التصرف والخيار لأن لا يطيع الله ولا يُسلم له نفسه ولذلك لم يعد له مكان في عباد الله وجنته فطُرده الله منهما
قال تعالى “قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ” سورة الأعراف 13
وبالتالي نقول: إذا أتى إستعمال لفظ الملائكة ليٌشير على عباد الله من سكان ملكوت السماوات بدون تحديد الجنس أو الإشارة عليه حصرياً يكون مُصطلح الملائكة عندها يُشير على تعدد وشمولية صنف الأنفس المملوكة أي الأنفس العابدة والتي سكنت / أو تسكُن في ملكوت سماوات الله العليا وفي جنته وبالتالي لا يقتصر اللفظ على الجنس المُسير والمخلوق من النور وحده وإنما يشمل على كل من اتسمت صفته بذلك ممن اسكنه الله في ملكوته وتَكَفل به وسَيَّره وعَبَّده وملكه وكذلك الحال لكل من سيُدخَله الله في ملكوته وفي عباده من الناس بعد الحساب أيضاً
قال تعالى “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) الفجر
 
وفي النهاية أود لأن أختم بالقول بأن من الخطأ تجاوز النص القرآني وإخراجه عن حقيقته البيانية والواضحه كما يدّعي البعض من العلماء حيث يفسرون على أن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم شمل على إبليس لأنه كان في وسط الملائكة ومن بينهم حيث زعموا بأن الخطاب كان للجمع والأكثرية ولذلك شمل عليه كواحد من كثرة … ولكن الحقيقة وهي بأن إبليس لم يكن من الساجدين وبالتالي فهو لم يكن من الملائكة “كجنس” بل كان مع الساجدين أي كان مع الملائكة وليس منهم، ولم تأتي ولا بإشارة واحدة على أن إبليس كان من الملائكة ولذلك نقول بأن الحُكم النهائي في هذا هو بالتأكيد ما حدثنا الله به وليس كما ذهب إليه العلماء
 
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
آخر تحديث بتاريخ 20 – 3 – 2017