Archive for the ‘البشر … وعلى من تعود التسمية’ Category

من هم البشر … وعلى من تعود التسمية
 استخلاف للمنصب ويحمل التكليف – وذلك في استخلاف آدم البشر الجديد لمن سبقه من البشر الأوائل أو الأولين
والذي سنوضح من خلاله فيما إذا كُنّا نحن البشر الوحيدين أم هناك من سبقنا من البشر … وبالتالي على من تعود هذه التسمية في الأصل
لقد كان في نبأ خلق آدم البشر في صورته السوية قول الله تعالى
 “قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) …… إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)” سورة ص
وقوله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)” سورة الحجر
وبالتالي وعند التدبر في هذه الآيات الكريمة أعلاه نستنتج ما يلي
 أولاً: تبدأ هذه الآيات الكريمة من (سورة ص) بالحديث عن قصة خلق البشر الإنسان والذي أشار الله تعالى عليه بالحدث الكوني الهام والعظيم فقال تعالى “قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ” .. ومُعرضون أي رافضين له ولا تتبعوه وغير معنيين به ولا بخبره
ثانياً: تُخبرنا بأن المخلوق الذي بشّر به الله هو من نوع يُطلق عليه تسمية البشر (في سورتي ص والحجر).. وهذا سناتي على توضيحه
ثالثاً: أما قوله تعالى “إني خالق بشراً” في (سورتي ص والحجر) فهو يوحي بأنه لم يكن قد خلق هذا البشر بعد أي فهو حدث مرتقب ومستقبلي لم يكتمل حدوثه ولم يتحقق بعد
رابعاً: وهو ما تُخبرنا به الآيات في (سورتي ص والحجر) بما يخُص وقوع التسوية والنفخ والسجود لهذا المخلوق الجديد
خامساً: يختم الله سبحانه وتعالى هذه الآيات الكريمة من (سورة ص) والتي تحدثت عن قصة خلق آدم بأنها ذكر للعالمين وسوف يعلم الناس حقيقة هذا النبأ الإخباري بعد حين من الزمان وليس في وقت نزول الرسالة
كما ولقد كان في نبأ جعل هذا البشر خليفة قول الله تعالى
“وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)”.  سورة البقرة 30- 34
حيث من خلال هذه النصوص القرآنية يمكننا تحري ما يلي
أولاً: وهو بأن هنالك الإشارة الضمنية على نوعين من البشر، النوع الأول وهو البشر الذي له علاقة بالماضي وكان بالمخلوق من قبل آدم والذي أُشير عليه بالفساد وسفك الدماء، والنوع الثاني وهو آدم البشر والذي لم يكن قد أوكل الله له مهام خلافة الأرض بعد وهذا نستنتجه من قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” والذي هو إذن مُستثنى من سفك الدماء والفساد لأنه وبكل بساطة لم يكن بالمخلوق بعد ولم يكُن قد كُلِّف بخلافة الأرض، وكونه خليفة فهو حتماً حتى يخلف من سبقه ولم يعد له وجود
ثانياً: وهو خلو الأرض من الأحياء البشرية المتقدمة عن البشر الجديد والتي كان يحكمها شريعة الغاب وتعتمد القتل وسفك الدماء فيما بينها وبالتالي لم يكن هنالك وجود حي لها وهذا نستمده من قوله تعالى ” قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” فالآية وبلا شك تُشير على انقراضهم وتلاشيهم قبل بدء خلافة آدم للأرض فتسائل الملائكة يفيد بعدم تزامن وجود المفسدين وسفكة الدماء من البشر في الأرض مع خلق آدم عليه السلام
إذن وبالعودة إلى سورة الحجر مرة أُخرى وقوله تعالى
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)” سورة الحجر
نرى بأن الله كان قد أخبر الملائكة بعزمه على خلق البشر فقال “إني خالق بشراً” وقال “فإذا سويته” وقال “ونفخت فيه” فالهاء في سويتـ ـه وفي نفخت فيـ ـه، وكذلك في “فقعوا لـ ـه” تعود على المفرد من البشر وهذا معناه بأن الذي أراد الله خلقه هو مخلوق واحد “اي آدم” فأشار عليه على أنه بشر وبالتالي فلفظ (بشراً) في الآية الكريمة وكما هو واضح يعود فيها على الجنس .. ولكن حين أخبرهم الله بخلقه لهذا البشر اضاف معلومة مهمة جداً وهي بأنه سيُخضع هذا البشر للتسوية فقال “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ” مما جعلنا لأن نستنتج بأن البشر إذن هم على نوعين فمنهم السوي “آدم” والذي سيتم معالجته بالتسوية والنفخ وهو البشر الجديد والذي سيجعله الله بالجدير بالتقدير والتفضيل والتشريف ولذلك أمرهم بالسجود له، ومنهم الغير سوي وهم الذين أعترضت عليهم الملائكة وهم من كانوا قد أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء وشهدت الملائكة مسلكيتهم الدموية هذه ولذلك أهلكهم الله وأتى بهذا البشر الجديد “آدم” السوي حتى يخلفهم
وبالتالي أصبح يُمكننا لأن نستنتج من خلال هذه الآية الكريمة على أن طبيعة البشر هي في الأصل غير سوية، أما البشر الآدمي فجعله الله بالبشر السوي … وبالتالي إذن فلقد فشلت الملائكة في التعرف على حقيقة هذا الخلق السوي الجديد لأن كلاهما (البشر القديم والجديد) حمل صفة ولقب البشر ولذلك اختلط عليهم أمره خاصة وان علمهم محدود ومحصور بما علّمهم الله فقط لا غير
كما ولقد أتت الإشارة في القرآن على أن آدم “وذريته الآدميين” هم البشر السوي من خلال قوله تعالى “فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” سورة مريم 17
فلقد تمثل جبريل عليه السلام لمريم على صورة الخلق الآدمي أي وكأنه بشراً سوي وليس النوع الآخر من البشر، فقال تعالى “بشراً سويا” حيث كان في ذلك إشارة على البشر الآدمي والذي سوّاه الله وكانت مريم ونحن من ذُريته ….. ولو قال الله  – فتمثل لها بشراً – واكتفى بذلك أي لم يصف طبيعته السوية لأختلط علينا حقيقة هذا البشر ولكن الله حدده بالبشر الآدمي حيث لم يكُن بإمكان مريم لأن تُفرق جبريل عن بقية الخلق الآدمي فهي لم تتعرف على حقيقته بأنه ملاك بل اعتقدت بأنه أحد البشر حين خاطبته ولم تشك فيه، وبالتالي إذن فإذا كُنّا نحن الآدميين بالبشر السوي، فإذن بقي لأن نتعرف على من هم البشر الغير سوي والذي سبق خلقهم خلقنا وتعود عليهم مسلكية الفساد وسفك الدماء
لقد استعمل الله تسمية البشر للإشارة على آدم عليه السلام في
قوله تعالى “إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ”  ص 71
وقوله تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ” الحجر 28
ولكن على ماذا تعود تسمية البشر
ففي البداية نقول بأن البشر: هو لفظ في الأصل مُشتق من البشرة، والبشرة هي أعلى ما هو ظاهر من الجلد وبالتالي فهي سطحه وما اعتلاه فسبقت باقي الجلد بالظهور، وتُطلق تسمية البشرعلى الذكر والأُنثى على حد السواء ويُراد بها عموم ويُراد به خصوص وهذا يُمكننا الإستدلال عليه من خلال النص و/ أو السياق
أولاً: إذا كان المُراد بالـ بشر العموم فيكون يُشير على الجنس ولا يتغير لفظ مفرده ولا جمعه كما ولا يأتي بصيغة المثنى
 ومثال على لفظ ألجمع منه نستمده من
 قوله تعالى ” وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ” المدثر 31
ففي سورة المدثر أتت الإشارة على عموم البشر واضحة
ومثال على لفظ المفرد منه نستمده من
قوله تعالى ” قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ” الكهف 110
أما في سورة الكهف ففيها قال تعالى: إنما – وقال أيضاً أنما في نفس الآية الكريمة على التوالي … وبالتالي وعند الإستدلال بحروف المعاني نرى بأن قول إنما – هو عبارة عن حرفي إن و ما، كان قد أتى هنا ليكون جواب على تساولاتهم وبالتالي ليؤكد على أن الرسول هو أحد البشر وذلك حتى يحصره في جنسهم أي فهو واحد منهم وفي ذلك إشارة على عموم الجنس، أما قول أنما فنرى بأن أنما أتت بـ – أن – وذلك للشدة في التوكيد و – ما – للحصر اي في وحدانية الله، أي فيكون القول: أنا بشر مثلي مثلكم ولكن الله فهو لا إله لكم سواه فاعبدوه
ثانياً: إذا كان المراد بالـ بشر الخصوص والحصر فيكون المعنى يُشير على علو المكانة والمنزلة والمرتبة السيادية الظاهرة، ولا يتغير لفظ جمعه ولا مفرده، ولكن يُثنّى على غير من الجنس
المثال الأول: وهو في قوله تعالى “فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ” المؤمنون 47
فمن النص القرآني أعلاه نفهم بأن فراعنة المصريين القدماء هم الأسياد وبني اسرائيل هم العبيد وبالتالي كان وصفهم لموسى وهارون بالتماثل معهم في السيادة على بني إسرائيل، فقول فرعون وملئه ” أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ” هو إشارة إلى ارتفاع وعلو مرتبة موسى وهارون على قومهم فهم أشراف القوم والممثلين عنهم وكل منهم بالبشر أي بشريف القوم وكل منهم له مرتبة مشرفة في قومهم، ففرعون وملئه لم يقولوا أنؤمن لبشر كما هو جائز ومتعارف عليه حين الإشارة على البشر كجنس سواء المفرد منه فهو بشر أو المُثنى أو الجمع فهم بشر، ولكنهم اشاروا على موسى وهارون على أنهم بشرين وقولهم ” أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ” وإضافتهم لقول “مِثْلِنَا” يُعبِّر عن استثناء موسى وهارون من الخضوع لفرعون وملئه كباقي بني إسرائيل والذين وصفوهم بالعبيد فقالوا ” وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ” وبالتالي فقولهم ” مِثْلِنَا” أي من مستوانا في علوهم وتشريفهم على قومهم وهذا فيه إشارة على ارتفاع المرتبة والتشريف، إذن فالبشر كلقب يُثنى على غير من الجنس كبشرين، وفي ذلك فالبشر كلقب هو وصف لعلو المرتبة كما كان في تنصيب موسى لإخيه هارون خليفة يخلفه على بني إسرائيل ونرى ذلك الدور بكل وضوح من خلال قوله تعالى “وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي” الأعراف 142
المثال الثاني: فنستمده من قوله تعالى “فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) سورة مريم
لقد أوصى جبريل مريم بأن تقول حين لقائها بالبشر من قومها بأنها ممتنعة عن الكلام مع أياً من الإنس، فلو كان قولها موجه لعموم البشر وكانوا هم المقصودين به كجنس لكان قول جبريل “فإما ترين أحدا من البشر بدلاً من فإما ” فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا” لأن لو كان الطلب هو لأن تقول فإما ترين أحداً من البشر لتناول قولها عموم البشر أي أياً من البشر .. أياً منهم وفي ذلك إشارة على أن قول “من” هي للتبعيض أي من جنس البشر سواء كان من قومها “وهم المعنيين وحدهم بقصة حملها” أو من غير قومها كالكنعاني من البشر أو الفلسطيني أو الفنيقي .. وغيرهم
 ولكن فلقد كان قوله تعالى “مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ً” حيث قَدَم الصفة والاسم المصاحب لدور البشر وهو لقب الأشراف من قومها فأتت “من” بيانية لتوضح مرتبة الأشراف من قومها، فالبشر هنا هم أعيان القوم وشرفائهم وأي واحد منهم يُمثلهم ويتحدث بإسمهم فكان قوله تعالى ” فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا” هو إشارة على أحد المسؤولين “أو أكثر” من بني إسرائيل ومن علمائهم على وجه الخصوص
ولكن لماذا اعتمدنا بأن استعمال “من” في قوله تعالى “مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ً” كان قد أتى للتوضيح والبيان لا للتبعيض اي أتى للإشارة على الدور والمنصب … لا على جنس البشر
أولاً: لأن الآية 26 من سورة مريم إحتوت على مُصطلحي كُل من البشر والإنس في آن واحد، فلماذا لم توصف الآية كلاهما بالبشر أو كلاهما بالإنس مثلاً سوى لأنها تفرق بين الإنس والبشر
ثانياً: أظهرت الآية دور البشر من قومها وميزته عن باقي الخلق من الإنس لأن القول موجه لهم حصرياً من دون الناس، ولكن كيف نتعرف على ذلك .. وللإجابة على ذلك هو في تدبر
قوله تعالى ” فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا” مريم 26
وفيه نُلاحظ بأن التعليمات الربانية تُملي عليها لأن تبلغهم من خلال “القول لا الكلام” بإمتناعها عن الكلام معهم ولكن كيف نفهم الفرق بين القول والكلام بحيث أنها قولها سيكون كالآتي “إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا” ومع ذلك فهو ليس كلام معهم بل قول تتلفظ به .. إذن فهنالك ما يستدعي الإهتمام ألا وهو بأن القول في العادة إما يكون املائي إلقائي ويحمل صيغة تعليمية بيانية توضيحية وغالباً ما تكون آمرة أي لا تحتاج إلى رد كما ويمكن لأن يكون القول وعظي وإرشادي، ويأتي القول على نوعين
النوع الأول وهو يكون من طرف واحد ويحمل رسالة أو عنوان قصير ويكون بغرض إيصال معلومة محددة ولا يحتاج للرد عليه وبالتالي لا يحتاج إلى كلام أو حديث متبادل
أما النوع الثاني فيكون بين طرفين يتبادلان القول ويكون فيه القول محدد الغرض والموضوع، أما الكلام فهو ما اتسع من الحديث وتنوع ويشمل على كل شيء ومنه القول
لقد أخبرنا الله بأن مريم رجعت بابنها إلى قومها
فقال “فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا” مريم 27 – 28
وهنا نلاحظ بأنها لم تختبادل معهم الكلام بل بقيت صامته وهم يكيلوا لها الإتهامات…. فهم قالوا يا مريم والحديث هنا من طرف واحد .. وهي صامتة محتسبة وملتزمة بتعليماتها الربانية .. تتحمل أذاهم .. ولكنهم ابقوا على مضايقتها فأشارت إلى عيسى فردوا عليها باستهزاء واستنكار واستهتار “كيف يا مريم نكون بهذه السذاجة حتى نُكلم هذا الصبي .. فلما لا تتكلمي وتوضحي للناس حقيقة بغيك وجرمك والذي سيكون عقابه الرجم حتى الموت …. ولكن الله الذي اصطفاها وآل عمران لن يتركها بل سيُبرءها وبرسالة قوية .. وإذ بالآية يتلفظ بالقول وهو لا يحتاج للكلام معهم بل “قال” وذلك حتى يُملي عليهم وهم في دهشة وحيرة
قال تعالى ” قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . ذَ‌ٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ”  مريم 30 – 34
المثال الثالث: والذي نأخذه من قوله تعالى “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28)” سورة الحجر
فهو حسب جنسه كإنسان مخلوق من طين صلصال من حمأ مسنون، والذي سيخلقه الله ايضاً كبشر من نفس مادة خلقه وما كان عليه من قبل .. ولكن ما الفرق بين الإنسان والبشر ولماذا أشار عليه بالإنسان وبالبشر
الإنسان حتى تأنست أو كانت قد أنست الأرض بوجوده، أما البشر فلأنه من قشرتها واعتلى ظاهرها
إذن فلقد لُقّب الإنسان بالبشر نتيجة دوره الجديد وليس جنسه واللَّقَبُ حسب اللغة هو: اسمٌ يوضع بعد الاسم الأوَّل لِلتَّعْرِيفِ و/ أَو التشريف .. فكان أول ما حدثتنا عن خلق الله للإنسان “آية 26” ثم تبعه الحديث عن خلقه للبشر الإنسان “آية 28” فكان أسمه الجديد والذي أتى بعد أن عرّف عليه الله بأسم الأول من خلال الإشارة على جنسه أي “الإنسان” بأن أشار عليه بالبشر فحمل أسمه الثاني التشريف الذي أراده الله له فهو البشر والذي أخبرنا الله بأنه سيُعينه بالخليفة على الأرض والخليفة هو القائم بأعمال الأرض ومن فيها فهو الحاكم والراعي لشؤونها والمُكلف بالإشراف عليها وهو الذي اصطفاه الله لهذا العمل من بين جميع مخلوقاتها الأرضية الحية فارتفع بدوره ولقبه ليسود على غيره من المخلوقات، ولكن هذا لا يعني بأن البشر لم تكن مخلوقة من قبل فلقد كانت الأرض تغلب عليها الشريعة الحيوانية وتسودها وتحكمها شريعة الغاب وكانت الحيوانات الدابة تسود الأرض وهي من أتى البشر الإنسان ليسود عليها بدوره الجديد
وللمزيد في التعريف بمصطلح البشر نقول بأن الله عز وجل كان قد قدم خلقه الجديد على أنه بشر فقال تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا” فما المقصود بهذه التسمية وعلى ماذا تُشير
فعند التحقيق بمعنى التسمية يجب علينا في البداية لأن نُخرج مفهوم البشرة إلى مفهوم أعم وأوسع وأشمل مما يتعلق حصرياً بالجزء الظاهر من جلد الإنسان والذي يغطي ويعم ويعتلي سطح الجسد وأول ما يلامس به الأشياء ويتفاعل معها وأول ما يُعرف به الإنسان على نفسه نتيجة ظهوره به كقولنا فلان ذو بشرة بيضاء أو آخر ذو بشرة حنطية أو ذو بشرة سوداء وهكذا أي إلى إحداثي آخر ليكون ذو صياغة ومفهوم جديد وذلك ليشمل على كل ما هو مصنوع من الأرض خاصة من بشرتها، ثم التعريف بمفهوم البشر من خلال علاقة البشر بالأرض أي خارج حدود بشرة الإنسان وإلى ما هو أعم وأشمل. فالإنسان والبشر كلاهما سواء إجتمعا في المفهوم أو تفرقا كانا حصيلة ونتاج الصناعة الأرضية وبالتالي لو عرّفنا على من هم البشر بشمولية واوسع لتشمل على المفهوم العام لكان البشر هو إشارة على الكيان وليس على الجزء السطحي من الجسد أو العضو في الجسد بل ليكون البشر عضو في كيان أشمل أي كيان الأرض وسطحها وإعتلاءه وبيانه فيها وعليها وبالتالي فلو أردنا للتعرف على معناها التقريبي يُجدُر فينا الرجوع إلى معناها القاموسي “اللغوي” وبذلك سنتناول قاموس لسان العرب وفيه نرى بأن مُصطلح البشر والبشرة تصب في ثلاثة معاني تقديرية نستخدمها لإستنتاج المعنى الأعم
أولها: وهو التبشير والبشارة بما هو حدث جديد، وأول الأشياء إبتداء وحدوث
ثانيها: وهو السمو والإعتلاء والظهور كما في بشرة الإنسان
ثالثها: وهو الوضوح والبيان وذلك نتيجة انفراد البشرة في مرتبتها بالمقارنة مع غيرها من الأشياء
وملخص ذلك كله وهو بان البشر هم اول من ما بشرت بهم الأرض وهم بشرتها، فالإعتلاء والظهور والبيان هو من صفات البشرة قبل كل شيء وهي مبتدأ وظاهر الشيء ولا يسبقها شيء آخر قال تعالى “فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ”  البقرة  187.  وقال تعالى “لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ” المدثر 29 . وعن قتادة قوله: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ أي حرّاقة للجلد. وعن ابن عباس: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ يقول: تحرق بشرة الإنسان، أما قول “باشروهن” فهو إشارة على ملامسة البشرة للبشرة، إذن وبما أن البشرة هي ظاهر الإنسان البشري، والإنسان البشري هو مخلوق من الطين أي من الأرض فبشرة الارض هو ظاهرها وأول ما يظهر منها أو ظهر عليها وأعتلاها، وبما أن أصل ما كان هو الدابة والتي خلقها الله سبحانه وتعالى فهي كانت دابة بشرية عموماً ولذلك فإن سُمي البشر بشراً هو لظهورهم وسيادتهم، أما وما مراد فيه هو أول الظهور والبيان وإعتلاء السطح هو نتيجة ملامسة هذه الدواب لسطح وبشرة الأرض وهذا فيه ملامسة ومباشرة كما في الجماع بين البشر ومباشرة الزوج لزوجته والذي فيه تلامس سطحي الجسد وذلك التشبيه هو فقط في غرض التقريب لا أكثر فهي تكون بشر وأول ما بُشرت به الأرض واعتلي بشرتها وسطحها ونتيجة قوتهم وشدتهم وإستعمارهم للأرض والبقاء فيها مسيطرين كان لهم الظهور الأعظم والسائد على غيرهم من الكائنات الدابة فظهروا وسادوا وأعتلوا على غيرهم وباشروا الأرض بوجودهم وإعتلائهم على سطحها
فحسب (مقاييس اللغة) فإن البشرة هي ظاهِرُ الجلد في كل من الإنسان والأرض، وسُمِّيَ البشرُ بشراً لظُهورِهم وهو أول ما يُبشر به وفي (لسان العرب) نقول أبشرتِ الأَرْضُ إِذا أَخرجت نباتها، إذن نقول والعكس صحيح أي إذا أخرجت الأرض نباتها فقد أبشرت أي جعلت من فوقها بشرها أي البشر
قال تعالى “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ” سورة لقمان 10
فالدابة كما أشارت عليها الآية الكريمة  بأشكالها المتنوعة هي أول الكائنات الحية التي أسكنها الله في الأرض واعتلت بشرتها وبالتالي كان منها أول الأمم التي سكنت الأرض والذي في وصفها
قال تعالى “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم” الأنعام  38
 فشمل قوله هذا على أمم الديناصورات الدابة وأنواعها المتعددة من زواحف وطيور “الدواب البشرية العظام” كما نستدل على ذلك من علم الحفريات وبقايا الفوصل وهي أمم البشر التي رامت الأرض لملايين السنين وبدون منازع وبالتالي فهم على الأرجح من أشار عليهم الملائكة بالفساد وسفك الدماء
لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى للسير والبحث في الأرض وذلك بقصد التعرف على بدء الخلق
فقال الله تعالى ” قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” سورة العنكبوت 20
إذن فلو أردنا التعريف بمصطلح الدابة الذي نستمده من نص الآية الكريمة من سورة لقمان فنقول بأنه لابد وأن يشمل على جميع الكائنات “المخلوقات” الأرضية الحية التي بدأ الله بها الخلق بشكل عام وكان ذلك نتيجة تحليها جميعا بصفة وخاصية الدب والدبيب وهذا يشمل إذن على كل ما دب على الأرض من الأحياء الأولين، وبالتالي يكون من الممكن الإستدلال على أن الدابة هي الحيوان أو الكائن الأرضي بجميع أصنافه وأشكاله وأحجامه وذلك ما شمل عليه من إنسان غير عاقل أو حيوان وهذا ناتج من خلال قول الله تعالى بأنه أول ما بث في الأرض هو الدابة حيث لم يُشير على الحيوان أو الإنسان بالتحديد “ونُشير هنا بالطبع على الإنسان الغريزي أي الإنسان البدائي الأول وذلك نتيجة تدني قدراته العقلية الذكية وتعاظم دور الغريزة في مسلكيته وتركيبته النفسية الوحشية بالإضافة إلى إشتراكه مع الدابة بالخواص الفيزيائية والجسدية المنسجمة مع ظاهرة الدبيب والتي اراد الله ليُخبرنا بخضوع الأحياء المخلوقة جميعها لتأثير عامل الجاذبية الأرضية وتوضيح آلية التفاعل معها عن طريق خاصية الدب.
كما ولقد وضّح الله تعالى لنا تعدد أشكال الدابة وطبيعة تفاعلها مع الأرض فكان منها التي تمشي على بطنها، وكان منها من يمشي على رجلتين إثنتين كالإنسان وغير ذلك من الحيوان والطير، وكان منها التي تمشي على أربع والأخر مما خلق الله، فالدابة (وجمعها دواب) إذن هي كل ما دب من غير العاقل من الأحياء سواء كانت من الإنس أو البشر الأولين أو من امم الحيوان العديدة، وكان في ذلك
قوله تعالى “وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” سورة النور 45
فنحن لم ندعي ولن ندعي من خلال مادة هذا البحث ولا حتى من خارجه بأن أصل الإنسان هو قرد أو غيره من الحيوان وبالتالي كان بأن تطور وتحول ليصبح إنسان، ولكن فإن نفس الإنسان “العاقل وغير العاقل” هي في أساسها كانت ولا زالت غريزية فهي أمارة بالسوء وهذا ما يُفطر عليه الإنسان ومغروس ومُتأصل في كيانه وذاته وهذه صفة حيوانية تقربنا أكثر من مفهوم وفعل الدابة حين تنحدر فيه إنسانيتنا وتسقط بفعلها وسلوكها، فالدابة وما كان عليه الإنسان الأول والذي لم يكن يملك آلية للإدراك السمعي والبصري وعاش بغريزته حتى تم إرتقاءه بشخص آدم وهذا لا يعني بتاتاً بأن أصل آدم الإنساني هو حيواني بل أصله الإنساني الأولي التحضيري كان دابة من الإنس الغير عاقل ولذلك أطلقنا عليهم في بعض الأحيان مصطلح الإنسان الدابة حيث كان وصف الدابة “مرة أُخرى” قد شمل على كل شيء كان قد إتصف بخاصية الدبيب وانسجم في تكوينه وتعايشه مع باقي الدواب من خلال وجود مادي مصحوب بواقع غريزي ووحشي متفاوت وذو قدرات عقلية محدودة وغير عاقلة
إن من عجائب خلق الله تعالى وقدرته خلقه للدابة … دابة كانت تحكمها الغريزة لا غير، فقادتها لتعبث في الأرض فساداً ولتُسفك الدماء كغيرها من الدواب لا تعرف التقديس والطهارة …. ثم ولحكمة من الله يُعيد الله خلقه لهذا الإنسان الدابة بنشأة جديدة ويهبه مرتبة البشر “أي الخليفة”، إنسان عاقل “بشخص آدم” مُحدَّث وجديد يتحلى بسلاح العلم والقدرات الذكية وذلك حتى يتغلب على همجية وبدائية إنسانيته الدابة والتي بقيت ولا زالت مغروسة ومستأصله ومتجذرة في داخله وفي تكوينه، فهل سينجح الإنسان الآدمي أمام صراع الإرادات هذه وهذا الإبتلاء وهل سيكون بالقادر على حمل الأمانة الآن خاصة وأن قوته في عقله وضعفه في غريزته ويُكلف هذا الإنسان الجديد والمعاصر بالعبودية لخالقه ولان يتغلب على بدائية إنسانيته وينتصر عليها ويكبح قدرتها وسيطرتها العدوانية عليه ويعمل على سلخها عن نفسه ويتركها وراء ظهره كحلّة بالية لتُصبح نفسه إنسانية طاهرة صافية من الشوائب والخبث، وحينئذ وحينها فقط يتقبله الله ليكون ممن يُدخلهم في عباده وجنته
إن المُسْتَحَاثَات “أو الأَحَافِير والمُتَحَجِّرَات كما يُشار عليها أيضاً” هي بقايا حيوان أو نبات كانت محفوظة في الصخور أو مطمورة تحت الأرض تم تحللها على مر الأحقاب الزمنية والجيولوجية المختلفة فباتت تظهر لنا أشكال الحياة بالأزمنة السحيقة وظروف معيشتها، لقد أثبت لنا العلم الحديث نتيجة دراسة المتحجرات والمستحثات على وجود إنسان أولي دابة وله خصائص بدائية تجعله أقرب للحيوان منه للإنسان المعاصر، ولقد تم إلى حد الآن اكتشاف العديد من أنواع هذا الجنس البدائي الأول ومنه: إنسان نياندرتال، إنسان بحيرة رودولف، الإنسان السالف، إنسان جيورجيا، الإنسان العامل، الإنسان الماهر، الإنسان المنتصب إنسان سيبرانو، إنسان فلوريس، إنسان هايدلبيرغ، إنسان روديسيا، الإنسان العاقل القديم، والإنسان الحديث “الإنسان العاقل الأول/ الإنسان العاقل العاقل”. وكان على الرغم من توفر الأدلة العديدة على وجود الإنسان البدائي الأول بإختلاف أجناسه وأنواعه ألا أنه لم يتمكن بل وفشل في صنع الحضارة أو بناء المجتمعات الإنسانية أو كان بالقادر على الإرتقاء، ولا يوجد من الدلائل العلمية ما يُشير على عكس ذلك، وكان نتيجة ضعفه وعدم قدرته وتخلفه بأن إنقرض، أو على الأصح مات وبقي في جمود حياتي وبقينا لا نعلم عنه الكثير إلى أن أتت البشرى بالنباء العظيم
إن الإنسان الأول بأنواعه وأجناسه المختلفة والخلق الإنساني الآدمي وخلق المسيح الإنسي ينحدرون جميعاً من أصل واحد، وبالتالي فحين نتكلم عن الإنسان العصري فلابد لنا لأن نتطرق لماضيه وليس لحاضره فقط ونتسائل عن جوهر وأصل خلقه، فالإنسان منذ بدء خلقه الأولي وإنتهاءاً بحضوره المُشرف بهيئته الجديدة كان قد أخضعه الله للعديد من المراحل الخلقية والتطويرية والهندسية الجينية المعقدة كالتحسين والبناء الهيكلي والبناء العقلي الباهر والتي أحدثت وأدخلت التغيرات والتحديثات الجمة وتسببت لما هو عليه اليوم من التطور والرقي والتقويم والتي أوصلته إلى هذه المراحل المتقدمة والذكية وميزته عن أجداده البدائيين الأوائل وعزلته عن نسبه وما عُرف به بكونه بدأ كدابة، فلقد أخبرنا الله بأنه خلق الإنسان من قبل خلقه لنا، ولم يقف عند هذا الحد بل أخبرنا أيضاً بأن نقطة البداية لخلقه أو خلقنا أي نحن معشر الإنس كان من مادة الطين وهي نفس المادة التي خلقنا نحن “الجنس الآدمي” منها أيضاً على الرغم من الفروقات الواضحة في التحسين الذي طرأ علينا بالمقارنة مع الخلق الأول
متى ينحدر الإنسان بمستواه ليصبح شبيهاً بالدابة
أما في التعريف بظاهرة تشبيه الإنسان العاقل لهذه المفهوم الدابي أو الدابة فلقد كان من خلال التعريف بمجتمعات أمم الحيوان ومشابهتها للمجتمعات الإنسانية ودورها في تكوين المجتمعات الحيوانية المبنية على السلوك الإجتماعي كالأمومة والترابط الأُسري وحماية صغارهم وتوزيع مهام العمل والتكاثر الجنسي والتعايش بين الأنواع والنزاع على الزعامة ودفنهم لأمواتهم وغيرها والتي أكد عليها العلم الحديث بعد العديد من الدراسات العلمية والمبنية على المراقبات البصرية والتصويرية والسمعية المكثفة، وكان لنا في الغراب والنمل أكبر مثل على ذلك، وكان قول القرآن الكريم قد سبقهم بالإشارة عليها بحوالي الألف وأربعمائة عام مضت والتي فيها كان
قوله تعالى “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” سورة الأنعام 38
ففي الآية الكريمة أعلاه نستدل وبوضوح على دليل مشاركة الإنسان لمفهوم الدبيب وذلك نتيجة تفاعلاته الجسدية مع البيئة الأرضية المادية والإجتماعية والتي يتشارك بها مع جميع أمم الحيوان، وفيها أيضاً وبالتحديد يُخاطب الله الناس وهم المعنيين كافة برسالة القرآن وهذا فيه إذن الإشارة الدقيقة على إشتمال وإحتواء الناس وتوافقهم وإنسجامهم مع هذا المفهوم للدابة والتي عُرِّفوا بها وبالتالي فعملت على التعبير عن هوية الإنسان البدائية الدابة، وكان هذا التعبير للناس الدابة أو الإنسان الدابة في غاية الوضوح فيما أُشير إليه في القرآن الكريم أيضاً في
قوله تعالى “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّاتَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ” سورة النحل 61
وقوله تعالى ” وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَاتَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا” سورة فاطر 45
اسمحوا لي لأن أوضح أمراً قد التبس على البعض في تفسيرنا لقوله تعالى “قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” على أنها تجمع فيما تُشير عليه بين كل من البشر الأولين من الأمم الدابة والآدميين من البشر … ولذلك نُشير عليهم للرجوع لآيتي سورة النحل وفاطر أعلاه وذلك من أجل التعرف على وجود فئة من الناس من الذين ينحدرون في تصرفاتهم وسلوكياتهم إلى مستوى الدابة وذلك عندما يظلمون ويُفسدون ويسفكون الدماء وإلا لما أشار الله سبحانه وتعالى على الناس كذلك أي بتشبيههم للدابة بعد تكريم وتفضيل، وبالتالي فلولا أن من الناس من هم في سلوكهم يتغولون وتطفوا حيوانيتهم الغريزية فوق إنسانيتهم وتسود تصرفاتهم الهمجية والبدائية عليها لما أخبرنا الله بهذه العلاقة المثيرة والجدلية للكثيرين من الناس  قال تعالى “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ” سورة الأنفال 55
ولو نظرنا في قوله تعالى أعلاه لرأينا بأن الله يُشير على الكفرة بأنهم أشر الدواب “ومفردها دابة” إذن فما الفرق بين الدابة والكافر من الناس .. والجواب: لا شيء
*****
فهذا الخطاب القرآني في الآيات الكريمة هو للناس وبالتالي فهو يقربنا من فهم مصطلح الدابة وعلاقتها بالناس والإنسان، ولذلك كُنّا قد أطلقنا على الإنسان البدائي الأول مصطلح الإنسان الدابة ليس نتيجة تحوله إلى دابة أو تحوله من دابة إلى إنسان بل كان نتيجة إشتراكه مع الدابة بظاهرة الدبيب كصفة متأصلة في بنيانه وتكوينه والأهم مسلكيته ونُضيف على ذلك إفتقاره للقدرات العقلية الذكية وبالتالي فقدانه لقدرته على الإدراك وعدم توظيف هذه القدرات من أجل التعرف على الله وفيهم قال تعالى “أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” الأنبياء 67
فلقد بيّن الله للبشر الآدميين أوجه التقارب والتشابه في الخلق فيما بين الدابة وبينهم وكان في ذلك كما سبق وأشرنا عليه في “سورة الأنعام 38” حيث أن هذا الخطاب القرآني للبشر الآدميين أتى ليُعرِّفهم بدقة حجم التقارب في المفهوم بينهم وبين كل ما خلق في الأرض من الدابة، وبالتالي فإن الدابة الأولى والتي ظهرت على غيرها بشدتها وقوتها وعمارتها وأثارتها للأرض وتركها لآثارها فيها وكانت أول من ظهر من الدابة على سطح الأرض هاهي اليوم تتشارك بالمفهوم العام مع مصطلح البشر والذي أصبح يُطلق على الآدميين
فهاهو الإنسان اليوم وبعد رحلة تحوله من إنسان بعقليةٍ دابة إلى إنسان آدمي عاقل أصبح يرتقي بمفاهيمه ويخضع ويُسَخِر ما حوله لخدمته ومسيرته. طريق طويل سلكه الإنسان عبر محطات التاريخ وملايين السنين كانت قد إنتهت بهلاكه وموته ومن ثم لحقها خلقه ونشأته من جديد، بدأ الإنسان بها رحلة الحياة لا يمتطي ظهر دابة بل كان هو بنفسه دابة حتى تم إصطفاءه وتحديثه وتكليفه وتكريمه وتفضيله، وكان له قصة وحكاية سطرت في كتاب الله لتكون عبرة ودرس لمخلوقاته وعبيده. إذن فإذا كانت الكائنات الدابة الضخمة هي أول ما كان قد أُنبِت من الأرض من بين الكائنات المتعددة والكثيرة التي بثها الله وهذا نستمده من قوله تعالى “وبث فيها من كل دابة” فهي كانت من بين أول من اعتلى سطح الأرض وكانت ظاهره على غيرها من الأحياء الدابة، فكان منها الكائنات الحية الضخمة والتي عمرت الأرض لملايين السنين وحكمتها بوحشيتها وأسالت الدماء وأفسدت فيها وأتى العلماء المتخصصيين ليؤكدون بأن الكائنات الدابة الضخمة هي فعلاً كانت من بين أول من وجدت وظهرت وأعتلت سطح الأرض، وبقاياها الكثيرة من متحجرات وفوصلز “بقايا الكائنات الحية الدابة المتحجرة” لهو أكبر دليل على ذلك
.
إشارة القرآن على البقايا المتحجرة والمتمعدنة للدابة من البشر الأولين
لقد أشار القرآن الكريم على “الـفوصل” أو المُتَحَجِّرَات من بقايا الديناصورات الدابة العظام وغير ذلك من الكائنات المنقرضة الأخرى من خلال
قوله تعالى “وقالوا أإذا كُنّا عظاما ورفاتا ائنا لمبعوثون خلقا جديدا. قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا” سورة الإسراء 49 – 50
فعند قراءتنا لهذه الآيات الكريمة من سورة الإسراء لا يسعنى سوى التفكير العميق بما هو مقصود ومعني هنا من الإعجاز وخاصة لما هو مُشار إليه بالحجارة وبالحديد ودورهم في الإحلال بالصورة البدلية مكان هذا الإنسان بلحمه وعظمه، فلنتسائل معاً عن ماهو القصد الحقيقي من وراء تسديد هذا المثل الآلهي والذي لم يُذكر بدافع الصدفة وإنما حتماً كان له الأبعاد الإعجازية العميقة ولذلك فلقد رأيت بأن الضرورة تتطلب التعمق بالدراسات العلمية حتى نتحقق فيما إذا كان للإنسان أو الكائن الحي تواجد على هذه الصورة وفي هذه الحالة من الوجود الحديدي أو الحجري في أي من مراحل الرقود والممات.
لقد كان نتيجة الدراسة العلمية ومشاريع التنقيب والبحث العلمي بأن تعرفنا على الوجود المتحجر لبقايا الكائنات الحية والتي أطلق عليها العلم الحديث المتحجرات أي (الفوصل) وهي عبارة عن الهياكل العظمية المتحجرة أو بعضاً من أجزائها بالإضافة إلى بعض الأنسجة للكائنات الحية الميتة والمتواجدة في التربة والتي كان قد إنقضى على دفنها على الأقل عشرة الآف عام فما أكثر والتي يتم الحصول عليها وإستخراجها عن طريق الحفر والتنقيب والمدهش بالأمر هو ليس العثور على هذه البقايا بل هو التعرف على خاصيتها الفيزيائية والتي فيها يكون يكون المعدن والحجر قد حل بديلاً عن مركباتها العضوية، كما وأن هذه المتحجرات لا تتشكل خارج التربة بل في داخلها وبعد الدفن سواء بفعل العوامل الطبيعية وإنجرافات التربة أم غيرها
إن الجدير بالذكر وهو بأن المتحجرات والتي أصبحت معنية في دراسة أصل الحياة ونشأتها وتطورها على كوكب الأرض تتواجد عادةً من ضمن طبقة الصخور الرسوبية والتي تُمكننا من تقدير وحساب عدد السنين التي إنقضت على وجود هذا الكائن الحي، فالمتحجرات هي عبارة عن بصمات ودلائل الأطوار الحياتية المختلفة حيوانية ونباتية برية وبحرية وهي إما تكون على شكل ورقة شجر أو غصن أو حشرة أو صدفة أو تكون بقايا لهيكل عظمي لحيوان أو إنسان أو بعضاً من الأجزاء العظمية أو الأنسجة فقط ومنها القفص الصدري والجمجمة والفك والأسنان وماشابه ذلك والتي نتعرف من خلالها على هذا أو ذاك الصنف والذي وجد وعاش في إحدى العصور الجيولوجية القديمة وبقيت أثاره محفوظة داخل طبقات الأرض الصخرية الرسوبية حتى يتم العثور عليه من خلال عمليات الحفر أو بالصدفة
لقد إعتمد العلماء في دراساتهم على إتباع طرق البحث الحديثة وذلك من أجل القراءة الدقيقة للتواريخ وكان من أهم ما أستخدموا في هذا المجال هو إستعمالهم للعناصر ذات النشاط الإشعاعي ومثال على ذلك اليورانيوم والموجود في داخل طبقات الصخور وبذلك إذن فلقد أصبح العلماء اليوم قادرين على بناء تاريخ الأرض القديمة وإستخلاص الدراسات التفصيلية لأي من المناطق المحددة والتي تم التعرف على وجود المتحجرات فيها
قال تعالى “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ “ سورة العنكبوت 20
والآن لنرجع إلى تساؤلات الكفار والمشركين والمليئة بالسخرية والإستعجاب من نبينا محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) وشكوكهم في مقدرة الله سبحانه وتعالى ورب محمد على البعث أو إعادة خلق الإنسان من العظام أو الرفاث أو حتى التراب
قال تعالى “أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَ‌ٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ” سورة ق 3
حيث وكانت تسائلاتهم مليئة بالإستنكار والتكذيب والشكوك في قدرة الله وصُدق القرآن وهنا أتى التحدي الأعظم بالرد على شكوكهم الضالة وبقوة لم يكونوا قد عهدوها وفي ذلك قال تعالى “قل كونوا حجارة أو حديدا” فما هو واضح أولاً وهو بأن هذه الإجابة كانت قد أتت للرد على التساؤل والذي هو متعلق بالتغيرات التي تتم على الكائن الحي بعد الموت وبقي الرد محصور بهذه العملية، أي إن لم تكتفوا بردكم من العظام والرفاث والتراب فما رأيكم بمرحلة أبعد على تفكيركم وعلومكم وستكون إنجاز علمي وعبرة مستقبلية للأجيال القادمة، والتي دُعيت في العصور اللاحقة والحديثة بظاهرة التحجر، فلقد أشار القرآن الكريم على شيء لم يكن معروف آنذاك في عهد نزول الرسالة أو قبلها ولم يتعرف عليه سوى حديثاً كما وأن هذه الظاهرة التي حدّث عنها القران تحتاج إلى عشرات الآلاف من السنين حتى تصبح في هذه الحالة الحجرية أو الحديدية. فالله العلي القدير والذي خلقهم اول مرة ليس بعاجز عن خلقهم من جديد أو إعادتهم من المراحل والأطوار الأخرى والتي هم عاجزين عن إستيعابها وإدراكها والتي تحدث بعد الموت حيث تتحول فيها الأجساد لتُصبح مواد متحجرة وحديدية
لقد كان من الواضح بأن هؤلاء الكفار المتعنتين لم يتمكنوا من فهم أو إدراك ما تحتويه هذه الآيات الكريمة في طياتها وذلك يرجع لسببين وأولهم هو نتيجة عدم إكتشاف المتحجرات أو حتى وجود أي من الدلائل التي تُشير على حدوث هذه الظاهرة للتحجر في زمنهم والتي كانت مجهولة منذ الأزل إلى أن تم الإشارة عليها بالقرآن الكريم، وثانياً هو عدم سلوك طريق الإيمان في الإجتهاد والبحث والتقصي ومحاولة تفحص الإشارات العلمية القيمة وذلك على الرغم من وضوح لسانها العربي، وبالتالي عجزوا عن فك كلام الله الموحى به مع أنهم كانوا أول من أتيحت لهم الفرصة بالتساؤل والتفكير بعظمة خالق هذا الكون، فالظروف كانت مهيئة ومتاحة لهم نتيجة تمكنهم من العامل اللغوي والفصاحة العربية ليعملوا على بيان وتحليل وإجلاء الغموض المحتوى في سطور الآيات الكريمة ولكن الإيمان لم يكن قد ملأ قلوبهم فعميت عن رؤية الحق، فهم لم يؤمنوا بالغيب بل حتى لم يؤمنوا بتاتاً فكيف لهم بأن يستهدوا، وبالتالي عجزوا عن تفسير المفهوم العلمي هم وغيرهم
إننا نجد العديد من المؤمنين بقدرات الله يدّعون بأن هذه الظاهرة ليست بالمستحيلة وهي تقع في آطار المُسلمات والإيمان الأعمى بالقدرات الربانية ومن خلال قدرة الله والتي تتجلى في كلمة (كن) وحدها، ولكن فإن مخافة الله والإيمان به يكمن في إبداعه ورؤيتنا لهذا الإبداع الخلقي والتساؤل والتعجب منه وذلك حتى نزداد إيماناً، فإيماننا يولد من خلال النظر في أنفسنا أو في الطبيعة المحيطة بنا أو في ألأفق اللانهائي وفي كل مكان، وكلما زدنا في التفحص والتساؤل إزددنا عمقاً بفهم ماهية هذه العظمة المطلقة وإزداد معها إيماننا بقدرات الله، ولذلك فيجب علينا شرح هذا المضمون وذلك حتى يتم التبليغ والتأكيد والتبشير بهذه الديانة السمحاء فالدليل العلمي لابد منه وقولنا للناس بأن الله قادر على أن يحولهم من حجارة وحديد وغيره بكلمة كُن ونعتبرها الوصفة السحرية لكُل شيء ونكتفي بذلك فهو خطأ لأن قدرة الله وعظمته لاشك فيهما ونحن لسنا بحاجة لإثبات ذلك … ولذلك فعلينا بإستخلاص العبر من القرآن ونريد التأكيد على الدلالة العلمية والتي تم الإشارة إليها بغرض البرهان وعلينا بالإستفادة منها كدليل وآية وأعجوبة نادرة فإن كان قولنا لكل شيء بأن الله قادر ونتهم بعض بالكفر والتشكيك بقدرات الله فنحن سنكون وسنبقى عاجزين ولا نعي الغرض الحقيقي من علوم القرآن ولا نتفهم الغاية من السير بالأرض والبحث فيها كما ذكرنا سابقاً ولذلك نُعيد ونُكرر على وجوب وضرورة البحث والتنقيب والتجوال في الأرض وذلك حتى نعثر على كيفية حدوث الخلق وكيف كانت قد تكونت وتشكلت الحياة بكل أطوارها وحقباتها التاريخية وما أحتوت عليه من إنسان وحيوان ونبات وجماد، فلقد إستودع الله سبحانه وتعالى كيفية بدء الخلق ونشأته فيها وشجعنا وحثنا بالبحث والتعرف عليها فقال يأمرنا بذلك ولم ينهانا عنه أو كان قد أخبرنا بأن الضلوع في بحث من هذا النوع لهو بالحرام والكفر ولكن على العكس فلقد حذرنا الله من الكذب عن طريق التحليل والتحريم ونسب الاكاذيب إلى الله لأن هذا فيه إفتراء على الله، فمن له الحق لأن يتقول على الله وينسب إليه ما لم يحلله أو يحرمه، فقال الله تعالى في كتابه العزيز مخاطباً اهل البدع اليوم والذين يؤولون ويكثرون من التحريم وعلى هواهم بعد أن ينسبوها إلى الله ويمنعون الناس من التفكر والتساؤل، ويتطاولون ويُشرِطون ويُصعبون ويُعسرون على الناس أمورهم الحياتية بدلاً من الإحتكام لكلام الله وقرآنه وسنة نبيه،
قال تعالى “وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَالٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ.” سورة النحل 116
فلقد دعانا الله ومباشرة للبحث في مملكته وارضه ولم يطلب منّا التنحي ودفع هذا الأمر للغربيين من أمريكان وأوروبيين وغيرهم حتى يُخبرونا هم بما إحتوى عليه ذكرنا وقرآننا ونستثني أنفسنا كمسلمين من هذه المهمة
قال تعالى “لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” سورة الأنبياء 10
فلم يكن أطوار التحول إلى الحجارة والحديد تم إكتشافه حتى القرن التاسع عشر حيث أتى الجواب على تساؤلاتهم وحيرتهم مفاجئاً ولم يكُن متوقعاً أو بالحسبان وفيه تحدي وتصريح بهذه الحالة الجديدة والتي لم يسبق لأن عهدها أو شهدها الإنسان من خلال تعامله مع الأجساد الميتة من قبل وما يمكن لأن يطرأ عليها من مزيد من التحول او التغيير، فنحن نعلم بأن ما يطرأ على الجسد الميت بعد العديد من السنين هو بأن يتحلل تدريجياَ حتى يُصبح تراب (حبيبات ذرية – ذرات)، ولكن فما هذا الجديد والذي يُخبرنا الله تعالى عنه والذي كان فيه
قوله تعالى “قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا” سورة الإسراء 50
وهذه الحقيقة المادية التي أعلن عنها الله سبحانه وتعالى لا تحدث لهم بعد موتهم وإنقضاء البضع من السنين ولا حتى بعد إنقضاء المئات من السنين ولا يُمكن حدوثها في جميع البيئات والتي يحصل فيها الدفن معينة حتى تكتمل حدوث هذه المرحلة، فهي تخص تربة معينة ذات خصائص معينة وتخضع لظروف معينة، وهذا أقرب للخيال منه للحقيقة بالنسبة لمن يجهل حصول هذه الحالة ولم يكن عهدها أو إكتشف حدوثها بعد، وذلك نتيجة حدود علم الإنسان وقدراته البسيطة والمتواضعة، ولكن فلقد اتى هذا التصريح من أجل دعم حقيقة وجود هذا الخلق الإنساني والبشري المتحجر أو المتحدد والذي نرى الإشارة الواضحة عليه من خلال هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء والتي فيها يعطي الله تعالى مثلاً لأن يكون عليه الخلق الآدمي “الإنساني” على هذه الشكل من التحجر والتحدد، ولكن لربما إدعى البعض بالقول على أن هذا المفهوم للتحجر كنّا قد تعرفنا عليه من خلال تعرفنا على المومياء (الفراعنة المصريين) ومن خلال إكتشاف الرجل الجليدي أي بأننا نُدركه من خلال ظاهرتي التجمد والتحنيط، والتي يمكن حدوثها في معدلات زمنية أقل أي عشرات ومئات وحتى الآلاف من السنين
.
إن عملية التحجر المذكورة في قوله تعالى لا تحدث أو توصف عن طريق تحول جسد الميت ليكون شبيهاً بالحجر أي من خلال ظاهرتي التحنيط أو التجمد أي تجمد الخلايا والأنسجة أو من خلال الخضوع لعملية تحنيط وتنشيف كامل مع الإبقاء على المادة العضوية الأصلية لبقايا الميت وفيهما يكون الكائن المحنط أو المتجمد أي مادتهم العضوية كالحجر أو الحديد ولكن ليس في جوهر الحجر أو الحديد وحقيقتهم ومحتواهم الكيميائي وتركيبتهم الفيزيائية كما تم ذكره في التنزيل العزيز والذي هو أشد عبرة واعظم آية وله أبعاد كبيرة ويختلف حدوثها تماماً عن ظاهرتي التحنيط أو التجمد، فقوله تعالى (كونوا حجارة أو حديد أي يتحداهم ليكونوا تماثيل مسكوبة من الحجر أو الحديد الخالص في جوهره وتكوينه وذاته فهو لم يقل كونوا (كالحجارة أو كالحديد) بل قال كونوا حجارة أو حديدا أي تحولوا بالخالص إلى حديد أو حجارة … ولكن كيف يتم ذلك ونحن كائنات عضوية ونختلف في تركيبتنا عن الحجر والحديد ويشكل الماء أكثر من سبعين بالمائة من تركيبتنا ونعلم بأن جسد الميت في النهاية يتحلل إلى تراب ولا يُصبح هو بذاته حجر أو حديد ….
كما وقد أشار الله على قدرته لإعادة الخلق الإنساني من أطوار وهيئات أخرى تختلف عن هذا الطور الحجري والمعدني الحديدي
فقال تعالى “أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا” سورة الإسراء 51
وكان ذلك واضحاً من قوله تعالى “أو خلقاً مما يكبر في صدوركم” وهذا التحدي الشامل لهؤلاء الصاغرين هو ليثبت قدرة الله المطلقة على إعادة الخلق من أي من الأشكال والتي قد تخطر ببالهم حتى أبعد من الحديد والحجر ألا أن هؤلاء المشركين أصّروا ببقاءهم على العصيان والتعنت والشرك ولكن هاهو القرآن الكريم وكما عودنا دائماً يجعلنا نقف أمام أفق جديد، فهو القرآن والذي لا تنقطع عجائبه يحضر إطلالة وخبر من عالم قديم فيخبرنا بتحول البقايا الميتة للإنسان والحيوان وحتى النبات إلى حجر من المعدن الخالص، فالحديد هو أساس المعدن والمعدن هو جوهر الحجر، وحدوث مثل هذه الظاهرة للتحجر أو التحدد لا تنشأ إلا بعد إنقضاء العامل الزمني البعيد جداً ولربما لن يشهد حصولها الإنسان المعاصر لأن بقاءنا نحن الآدميين مرهون بإنقضاء هذا الأجل المسمى عند الله ونريد لأن لا ننسى قوله تعالى عن إقتراب الساعة وبها إقتراب الأجل وفي ذلك نستشهد بقوله تعالى
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا” سورة الأحزاب 63
فكيف للسائل إذن بمعرفة ماذا يحدث في عشرات أو مئات الألاف من السنين، وذلك إذا ما تم قياسه ومقارنته بمعدل متوسط عمر الإنسان والذي لا يزيد عن الستينات أو السبيعينات أو الثمانينات أو بإنقضاء أجل البشر وفناءهم، فكيف لنا بأن نشهد هذا التغيير والتمعدن علينا نحن والذي يحتاج حدوثه عشرات أو مئات الآلاف أو حتى الملايين من السنين ولكن فهي شهادة من حجر وحديد كانت على وجود خلق كان قد قُضِى أجله منذ زمن بعيد
لقد إختلف العلماء في تحديد عمر الإنسان الحديث (الجنس الآدمي) فمنهم من قدّر عمره بمئات الألاف من السنين ومنهم زعم بأنه لا يتعدى المئة ألف سنة ومنهم من قدره بعشرات الألاف فقط “اربعين ألفاً” ومنهم من إكتفى بعشرة أو إثني عشرة ألف من السنين، وكما نُلاحظ فإن جميعهم في حيرة وليس منهم من يعرف الجواب الصحيح وبقوا في حيرة أكبر وهي كيف تم تحول الحبيبات الطينية إلى خلايا حية، فلماذا بقيت حيرتهم هذه سوى لأن الله تعالى لم يشهدهم على خلقه للسماوات ولا للأرض ولا خلقه لأنفسهم فدعهم يتخبطون ويدّعون باطلاً كما يشاؤون
قال تعالى “ما أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا” سورة الكهف 51
لقد كانت الإشارة على الحجر والحديد هي بقصد التعريف بوجود هذا الكائن المنقرض من بشر وإنسان وذلك أتى التشبيه من خلال كوننا نحن الناس أيضاً بشر وإنسان مجتمعين في وحدة واحدة من الجنس والمنزلة ومن خلال إحتمالية حدوث هذه الظاهرة لنا نحن البشر الآدميين وقياساً عليه ما كان قد حصل للسابقين والأولين من المخلوقات، وياتي العلم الحديث ليكتشف وجود هذه الكائنات الحجرية ومنها الحديدية المنقرضة، ومن خلال البحث في المناطق العديدة من الأرض نقوم بالعثور على هذه الآثار الباقية والمتبقية منهم والتي شملت على بقايا للإنسان البدائي وللحيوان المنقرض بأشكاله المتعددة ومنه الآثار العظيمة والضخمة للديناصورات، أو هكذا أحب الغرب والذين إكتشفوا وجودها لأن يطلقوا عليها هذه التسمية، وبذلك تمكنّا من خلال البحث في الأرض بأن توصلنا إليه ولمعرفته وذلك بجهد الغربيين من علماء وباحثين وكانوا قد سبقونا إليه وكنّا نحن قد تجاهلناه وضللنا عنه وذلك على الرغم من قول الله لنا “سيروا في الأرض” وقوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ
إن الدليل المادي على حدوث هذه الظاهرة النوعية والعجيبة متوفر اليوم وذلك من خلال العثور على بقايا أكثر من صنف إنساني بدائي أولي كان قد وصل إلى هذه الحالة، ومن خلال دراستها التفصيلية يتم التعرف على البقايا المتحجرة للحيوانات البحرية والنبات والحيوان والإنسان الحجري الأول والديناصورات وحتى الجرثوميات وغيرها من بقايا الحيوانات المتعددة التي جالت الأرض فيما قبل التاريخ، إذن وحين يتم تفحص التربة أو القيام بالحفريات ودراسة المتحجرات والأثارات المتعلقة بالوجود الإنساني أو الحيواني يمكننا للإستدلال والتعرف على أصلنا الآنساني وتركيبته الجسدية البداية الأولية والتي سبقت التسوية والإعتدال والإستقامة والتحديث والتغير التي خضع لها الخلق الآدمي، أما عملية حفظ المتحجرات هذه فهي تتم بفعل ستة طرق مختلفة والتي أصبحت معروفة لنا اليوم كما يلي
أولاً: الحفظ السوي، كحفظ الحشرات من خلال المادة الصمغية المتصلبة للشجر
ثانياً: التفحم أو الكربنة، الحفظ من خلال البقاء على المادة الكربونية أو الكربون فقط وذلك بعد التخلص من الهيدوجين والأكسجين والنيتروجين
ثالثاً: الحفظ القالبي، وهو حفظ للقالب الخارجي فقط وليس حفظ للعضو وذلك نتيجة ذوبانه أو تحلله
رابعاً: إعادة البلورة أو التبلور الطبيعي، إتحاد البلورات الصغيرة لتشكل معدن مستقر أكثر وذو بلورات أكبر حجماً
أما أهم عمليتيين للحفظ فهما
خامساً: التمعدن، حيث أن هذه الظاهرة الغريبة تحدث نتيجة تحلل الجسد العضوي في التربة الرسوبية والتي تحتوي على المياه المعدنية فيها، فمن خلال تواجد المياه المعدنية هذه يتم دخول الماء إلى مكان خلايا وانسجة الجسد المتحلل وخاصة العظمية منها، ومن ثم الإحلال التدريجي مكان ما ذاب وتحلل منها وتبدأ تأخذ مكانها الهيكلي ونتيجة لتوفر المواد الصمغية والمتلاصقة والموجودة في المياه المعدنية تبدأ عملية تجميع المعادن الموجودة فيها من سيليكا (أي الحجر) وهو مكون اساسي للصخور أو الأحجار الرسوبية، وكالسايت وبايرايت عن طريق التماسك والتقارب والتلاصق وتعمل بنفس الوقت على عزل وطرد الماء ودفعه خارج الأنسجة والخلايا العظمية وتحل مكان ما كان قد ذاب وتحلل من الأنسجة العضوية فتملأ مساماتها العظمية والصدفية بالمعدن، كما وأن كثير من متحجرات العظام والخشب (الشجر) تحصل بهذه الطريقة ونتيجة ذلك يتَكون نسخة شبيهة بالحجر للأصل وتأخذ شكل القالب مُشكِلة ما يُسمى بالفوصل ويبقى في هذه العملية بعض من مكونات العظم الأصلية على الرغم من إشباعها بمادة السيليكا أي الحجر، فتبقى في معظم الأحيان خليط من الحجر والعظم
وسادساً: وأخيراً وأعقد تلك المراحل وأهمها وهي الإحلال “كونوا حجاراً أو حديدا” والتي تحصل حين يقوم الماء بتحليل جميع المادة العضوية الصلبة للبقايا الميتة سواء كان لإنسان أو حيوان وإستبدالهم بمادة معدنية، إن مثل هذا التحول أو الإحلال يأخذ وقت أطول ويعمل بالتالي على إعادة إنتاج أو بناء للعضو الاصلي أي بناء كامل للمادة الصلبة كالأصداف والعظام وهذا لايحدث للمادة الرخوة حيث هي أول ما يتحلل من الميت خاصة وأن الدفن السريع لا يحفظ المادة الرخوة في المخلوق لأنها تتحلل وتبلى بفعل البكتريا إلا إذا صادفتها ظروف خاصة تساعد في حفظها كأن تدفن وتغطى مثلاً بالثلج أو تدفن في مواد إسفلتية أو صمغية فيحفظه ذلك من المؤثرات الجوية التي تعمل على تفتيتها وبلاءها وتلاشيها، وبالتالي فإن إعادة البناء الكامل هو غير البناء العضوي الأصلي ولا يمت له بصلة من حيث التركيب لأنه يحل محله بديلاً وهو بناء معدني خالص حيث يتم بناء العظام والأصداف وحتى النبات والشجر بهذه الطريقة العالية البناء، إن الماء المعدني المسؤول عن تحلل الأجزاء الصلبة يحمل معه مواد الإحلال التالية والتي هي معدن السيليكا “وهو من أكثر المعادن وفرة في القشرة الأرضية وهي عبارة عن (حجر) صخور رملية بيضاء نقية وتتكون من أكسيد السيليكون المعروف بقساوته”، ومعدن الكالسايت “ويعرف بحجر اللايم ويوجد بكثرة في تربة الصخور الرسوبية”، ومعدن البايرايت “ويتكون هذا المعدن كيميائياً من كبريتيد الحديد ويُلَقب بحجر النار” وأخيراً معدن الهيماتايت “ويتكون الهيماتايت من أُكسيد الحديد الثلاثي وهو المادة الأولية والخام الرئيسي المستخرج لإنتاج الحديد أي ما يُصنع الحديد منه بالإضافة إلى إستعماله في الصناعات الحديدية المختلفة” فكل من معدني الهيماتايت والبايرايت هي معادن حديدية كما وأن معدني السيليكا والكالسايت هما ما يشكل جوهر الحجر وتركيبته الأصلية والاولية وهذا ما حدّث الله فيه
فحين تحل هذه المعادن بديلاً عن الأصل فهي إحياناً تشترك معا وبالتالي تكون النتيجة بأن يكون التحول لحجر خالص، وبالتعريف بالحجر نقول بأن أي قطعة صخرية تُعد حجر إذا إشترك في تكوينها معدنيين أو اكثر أما إذا إحتوت قطعة الحجر على معدن واحد فقط فلا تبقى حجر بل تصبح تعرف بالمعدن والمركب الوحيد الذي هو مسؤول عن تركيبتها كما في الحديد والذهب وهكذا، ولذلك يُشار على أن المعدن بأنه جوهر الحجر أي ما يتكون منه الحجر فإن كان الفوصل عبارة عن حجر فهو يشترك في بناءه أكثر من معدن وبالتالي فإن إشترك إثنين من هذه المعادن أو ثلاثة أو حتى الأربعة منها يكون النتيجة حجر، وبذلك قال تعالى “قُلْ كُونُوا حِجَارَةً” وإن تم الإحلال فقط من معدن الحديد وحده يكون كما قال تعالى ” أَوْ حَدِيدًا” ويكون التحول بالكامل إلى حديد … وصدق الله العظيم
لقد أثبت لنا بقاياها المتحجرة “الفوصلز” بأنها أول من عاشت على الأرض إذن وظهرت عليها ومنها الزواحف العملاقة والديناصورات، وبالتالي فهي البشر وهي اول من ظهر واعتلى الأرض وسكنها واستعمرها لفترات من الملايين من السنين وسيطر على من فيها، ولم يكونوا بالآدميين بل بشر غير سوي وغير عاقل ولم يخلق الله البشر السوي الذكي العاقل والمعتدل القامة والظاهر والسائد على غيره ومن عهد له بعمارة الأرض وخلافة البشر الأوائل حتى خلق الله آدم عليه السلام فكان خليفة لمن كان ظاهراً من قبله
فعلى الرغم من إجتماع البشر الأوائل مع الإنسان البدائي الغير عاقل بمفهوم الدابة كصفة ألا أنهما كانا مختلفين بالجنس بالإضافة إلى أن البشر الدابة كانوا أقوياء وذو بأس وشدة أما الإنسان الأول والذي أول ما أنست الأرض بوجوده كان ضعيفاً، ولذلك فإن البشر كان ظاهراً وكان الإنسان على العكس منه تماماً وبقي على ذلك حتى خلق الله آدم فجمع الله بين الضعف والشدة في هذا الخلق الإنساني البشري الجديد أي بخلقه لآدم، فالبشر الأولين كانوا يتمتعون بشدة جسدية ولكن بقدرات ذكية ضعيفة ومُتدنية وتحكمهم الغريزة، أما آدم فعلى الرغم من ضعف بناءه الجسدي إذا قورن بهم ألا أنه قوي بذكائه وعلمه الذي علمه إياه الله خالقه فغلبت قوة العقل على ضعف الجسد وأعتلت عليها فأصبح آدم قوي وظاهر وذو منزلة تسمح له بخلافة الأرض فأصبح هو البشر الجديد وهو الإنسان العاقل والمخلوق بإحسن تقويم.
وفي إشارة على ظاهرة التحجر كان لنا عبرة نأخذها من قصة ذا النون، يونس عليه السلام
قال تعالى “وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” سورة الأنبياء 87
لقد نادى يونس عليه السلام ربه من بطن الحوت وكان لولا رحمة الله لبقي في بطنه إلى يوم البعث وفي ذلك كان
قوله تعالى “لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ” سورة الصافات 144
فلو سألنا أنفسنا بأن كيف للإنسان بأن يلبث في بطن الحوت إلى يوم البعث، وهل يوجد من الحيتان من سيعيش إلى يوم البعث، وهل هذا معقول، طبعاً هذا غير موثق أو مثبت علمياً ولا يمكننا كبشر من التحقق من هذا نتيجة حدود علمنا وبالتالي نحن نعيش أسلمة واقع للحياة برسالة إقرأ أي البحث وتحصيل المعرفة والعلوم وتفصيلها، ونتفهم قوله تعالى
“وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.” سورة الإسراء 36
ولذلك فعلينا بتكريس وتسخير إمكانياتنا السمعية والبصرية والعقلية للبحث ولفهم وتحليل الأمور ولا نخضع للجهل ونجري وراء ما لا نعلم، فالعلم طريقنا للمعرفة لا الجهل
قال تعالى “عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” سورة العلق 5
وبالتالي لا يجب علينا أن نستسلم لواقع لربما والله قادر فنحن نعلم بأن الله قادر وهذا لا شك فيه مطلقاً، ولكن الله يحثنا ويدفعنا للعمل وترك لنا الدلائل والمؤشرات والعبر حتى نستفيد منها ونبحث ونتيقن ونتعرف على ما يُشير عليه القرآن الكريم، فلقد وهب الله تعالى لنا العقل حتى نتفكر ولا يجب لان نعتقد أو نجزم بأن الله لربما سيجعل الحوت يعيش لربما لعشرات اللآف من السنين وحتى البعث، وهذا الحديث العقيم والسخيف يشابه بعض كلام المتخلفين من علماء المسلمين والذين يزعمون بان قول الله تعالى “يا أخت هارون” بالإشارة على مريم عليها السلام بأنها هي مريم أخت هارون وموسى عليهما السلام هي نفسها والتي أبقاها الله حية ما يقارب الألف وستمائة عام حتى تكون أم المسيح ونُضحك العالم علينا كمسلمين جهلاء وسخفاء، ونتجاهل دور الطبيعة في تحليل المادة العضوية وقدرات وحدود عمل الخلايا والأنسجة العضوية وإمكانية تلفها وموتها وطورها الحياتي المحدود ولا نأخذها بالحسبان، ولا نعتمد العلم في فهم التركيبة البيولوجية والطور الحياتي النسبي والتقديري أي لنا بني البشر وحتى الحيوان ودور معدلات طول العمر لكل منهم، فعلينا لأن نحتكم للعقل والرشد والواقع والمنطق والتحليل العلمي والإجتهاد ونبتعد عن السخافة والجهل وقلة العلم والمعرفة، فالطريقة الوحيدة لحصول مثل هذه الحالة ليس عند تحول الحوت ويونس إلى تراب بعد موتهم بل عند تحجر أو تمعدن الحوت كما في حالة التحجر والحديد التي ذكرناها سابقاً وهو يحتوي على يونس في بطنه وذلك من بعد موتهما والذي سيخضع كلاهما لنفس عملية التغيير
إن وادي الحيتان في داخل محمية وادي الريان الصحراوية في جمهورية مصر العربية المسلمة لأكبر مثال على ذلك، فهذا الوادي أصبح يشتهر اليوم بوجود حيتان كاملة وعديدة والتي كانت لربما تعج بها المنطقة أو لسبب أو حدث ما كنتيجة التغييرات المناخية وعوامل الطبيعة بأن إنتهت إليه ورقدت في باطنه منذ قبل حوالي الـ 40 مليون سنة، وهو واد موجود في صحراء مصر وبعيد عن البحر الأبيض المتوسط والذي لربما كان قد إنحسر وتراجع، فكان لولا الإكتشافات الحديثة والحفريات لما كان من الممكن التعرف على وجود الحيتان “المتحجرة” خارج عالم البحار اليوم وفي وسط الرمال الصحراوية، فلو بقي يونس عليه السلام في بطن حوت من هذه الحيتان على سبيل المثال فقط “ولا نزعم بأن هذا هو ما كان قد حدث” لبقي ليومنا هذا وحتى ليوم البعث
ومثال آخر يمكن لأن نستشهد به وهو العثور مؤخراً على مامث وهو حيوان تاريخي منقرض “شبيه بالفيل” متحجر والعجيب في الأمر بأن تم العثور على الأكل في معدته وهو لازال على حاله غير مهضوم ولكن متحجر، وهذا وصف قريب لما كان سيحصل لحالة يونس عليه السلام لو بقي في بطن الحوت ولخضعا معاً لعملية التحجر أو التمعدن وبالتالي هذا وصف للتحجر بعد الألآف أو مئات الألاف من السنين ولربما أكثر، وهذا لهو أكبر دليل على التحول الفسيولوجي للحيوان والإنسان والوصول بهما إلى حالات التحجر أو التحدد، ولمن الجدير بالإشارة إليه وهو بأن الآية الكريمة لم تقل للبث في بطنه حي إلى يوم يبعثون أو للبث كلاهما حي ليوم يبعثون ولكنها أشارت على وجود ميت لهما وذلك في حال حدوثها وبالتالي بقاءه في بطن الحوت إلى يوم البعث
وللزيادة فقط سنأخذ بمثال نقتبسه من الكتاب المقدس والذي فيه أيضاً نرى بأن كتاب التوراة يُحدثنا عن خلق الله لكل ذوات الأنفس الحية الدبابة والتي كانت أول ما ظهر وأخرجت الأرض من فوقها … الكتاب المقدس/ التوراة / سِفْرُ التَّكْوِينِ / الأصحَاحُ الأَوَّلُ
20وَقَالَ اللهُ: «لِتَفِضِ الْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ الأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ السَّمَاءِ». 21فَخَلَقَ اللهُ التَّنَانِينَ الْعِظَامَ، وَكُلَّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحيَّةِ الدَّبَّابَةِ الْتِى فَاضَتْ بِهَا الْمِيَاهُ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلَّ طَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 22وَبَارَكَهَا اللهُ قَائِلاً: «أَثْمِرِي وَاكْثُرِي وَامْلإِي الْمِيَاهَ فِي الْبِحَارِ. وَلْيَكْثُرِ الطَّيْرُ عَلَى الأَرْضِ». 23وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا خَامِسًا.
24وَقَالَ اللهُ: «لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا». وَكَانَ كَذلِكَ. 25فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 26وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 27فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. 28وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 29وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. 30وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. 31وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا
وإن إحتج البعض على إستعمال هذا المثال المستمد من كتابات الكتابيين المُحرّف .. دعوني لأن أُذكركم بقول الله تعالى ”الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” سورة الأعراف 157 .
وبالتالي فالقرآن يُخبرنا بصحة ما ورد عن ذكر نبينا في كتابهم، إذن فما المانع من استشهادنا ببعض من نصوصه والتي لربما كانت قد سلمت من التحريف ولا تتعارض مع بحثنا بل على العكس فهي توافقه
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل