Archive for the ‘العبادة والعبودية … وهل الناس هم عباد الله أم عبيد الله’ Category

العبادة والعبودية … وهل الناس هم عباد الله أم عبيد الله
 
لقد كان نتيجة الفهم الخاطيء لمعنى اسم “عبد الله” بأن قام المشرفين على ترجمة كتاب الله للغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية والتي يتحدث بها أكثر من نصف سكان الأرض بترجمة “عبد الله” في القرآن الكريم بالنسخ الإنجليزية بـ “سليف أُوف الله أو سليف أُوف الرب” أي عبد مملوك لله، “والأصح وهو ترجمته بـ سيرفنت أوف الله أي بـ خادم الرب وهو المُسلم له بالعمل” وكان نتيجة هذه الترجمات الخاطئة بأن شجعت الجهلاء والمُغرضين من أعداء الدين لمهاجمة كتاب الله والزعم بأن الله يُشجع ويحث على الرق والتملك وأصبحوا يروجون على أن الله ورب المسلمين لم يمنع العبودية في دين الإسلام بل على العكس فلقد شجّع عليها وأكبر دليل على ذلك هو من خلال تسمية المسلمين لأولادهم بأسماء تتصدرها كلمة عبد مثل عبد الله وعبد الرحمن وعبد السلام وما شابه ذلك
ولكن كان هنالك الكثير من العلماء والذين سرعان ما ادركوا خطورة هذا الطرح وبالتالي أجمعوا على أن كلمة عبد تُجمع على كل من عباد وعبيد وبالتالي فإذا جُمعت على عباد يكون معناها غير من إذا جُمعت على عبيد .. واعتقدوا بان هذا التفسير المختصر سيتخطى هذا العارض لأن العباد يختلفون عن العبيد وبالتالي فإن صيغة الجمع لعبد ممكن لأن تكون إما لمن هم بالعباد أو لمن هم بالعبيد، ولكن فلقد كان هُنالك وجهة نظر أُخرى في هذا الموضوع حيث قال أصحاب هذه المجموعة بأن هذا التفسير والذي يبدوا منطقياً لا يؤدي الغرض المطلوب لأن التفسير والاختلاف في معنى الجمع لا يُجيب على ما أُلصق للمفردة نفسها أي وهو عبودية التملك والإجبار اي الرق .. وبالتالي فإن تفسيرهم كما ذهبوا إليه لا يُجيب على تساؤلات المنتقدين والمُغرضين “اي من لهم مأرب” لأن التساؤل المطروح يخص كلمة عبد بالتحديد ومعناها واستعمالها المفرد وليس على ما تُجمع عليه الكلمة أي بعباد أو عبيد، ثم عللوا ذلك بالقول بأن اختلاف المعنى بعد الجمع لا يُغيِّر من أن حقيقة المفردة تبقى عبد أي رقيق يُباع ويُشترى أو مملوك وعليه مالك يملكه وهُم مُتفقين على ذلك ولكنهم لم يكتفوا بذلك بل أضافوا زيادة كاد صداها ليُفهم وكأنهم يلتمسون عذراً .. فقالوا بأن كلمة عبد في ذاتها ليست ذلاً وإنما الذل أن تُضاف لإنسان أما حين تُضاف لله فهي شرف، واستدلوا على ذلك
بقوله تعالى “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا …”  الإسراء 1 في الإشارة على محمد
وقوله تعالى “قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ”  مريم 30 في الإشارة على عيسى
وقوله تعالى “ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا” الإسراء 3 . في الإشارة على نوح
ولكن كيف نفهم ذلك … سؤال بقي بحاجة لمزيد من التوضيح
 
 
يقول الله تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”  سورة الذاريات 56 
ولكن ما هي العبودية التي تُحدثنا عنها الآية الكريمة وما هو حكم اللام في قول لـ يعبدون، هل حكم اللام في قوله: ليعبدون، أتت للتعليل “لام التعليل” أم اللام هي لام الطلب لأن هناك إشكال وخلاف لا يزال بين المفسرين في ذلك
يقول الشيخ ابن عثيمين في القول المفيد على كتاب التوحيد
أما قوله “إلا ليعبدون” فهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ أي: ما خلق الجن والإنس لأي شيء إلا للعبادة. واللام في قوله “إلا ليعبدون” للتعليل، وهذا التعليل لبيان الحكمة من الخلق، وليس التعليل الملازم للمعلول؛ إذ لو كان كذلك للزم أن يكون الخلق كلهم عبادًا يتعبدون له، وليس الأمر كذلك، فهذه العلة غائية، وليست موجبة
 فالعلة الغائية لبيان الغاية والمقصود من هذا الفعل، لكنها قد تقع، وقد لا تقع، مثل: بريت القلم لأكتب به؛ فقد تكتب، وقد لا تكتب
والعلة الموجبة معناها: أن المعلول مبني عليها؛ فلابد أن تقع، وتكون سابقة للمعلول ولازمة له، مثل: انكسر الزجاج لشدة الحر … وبعد فإن التعليل وان استشكل بعضهم وجوده من قبل الله عزت كلمته فلا مناص من اعراب اللام في ليعبدون بانها لام التعليل ويجوز ان تسمى لام العاقبة كما ذكروا في قوله تعالى “فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا” والمعنى لتكون عاقبتهم كونه عدوا وحزنا ولم يلتقطوه ليصبح لهم عدوا…. ويمكن تجاوز ذلك بتسميتها بلام الحكمة والمعنى ما خلق الجن والإنس إلا لحكمة وهى عبادته أو معرفته كما فسرها ابن عباس رضي الله عنه. اما حذف ياء المتكلم من يعبدون فإن ذلك مطرد في لسان العرب وفي القرآن فاعبدون فاتقون واخشون في غير البقرة وهكذا الإ ليعبدون
أما القول الصائب “والله أعلم” في قوله تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”  الذاريات 56. وهو وجود ما يؤكد على أن حكم اللام في قوله “ليعبدون” هو أمر بالعبادة وهذا ما سنثبته
ولكن في البداية علينا بتوضيح بما جاء في بيان الغرض والغاية في الآية الكريمة وهذا نستعين بالإعراب، ففي قوله تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” فالواو حرف استئناف وما نافية، خَلَقْتُ فعل ماض وفاعله، والْجِنَّ مفعول به، وَالْإِنْسَ معطوف على الجن والجملة مستأنفة، أما عطف الإنس على الجن فهو يجمعهما في أمرين: الأول وهو بأن الله قد خلق كل منهما، والثاني وهو بأن الله خلقهما لغرض واحد وهو لأن يعبدوه
 أما دور ( إِلَّا)  في الآية الكريمة فهو استثناء بعد نفي، فتكون أولاً: إلا حرف استثناء وبذلك يكون ما بعدها مخالفاً لما قبلها، وثانياً: تكون إلا أداة تفيد الحَصْر فيقصر فيه المستثنى منه على المستثنى ويحصره فيه لا غير، والمقصور في الآية هو لماذا خلقهم الله وما الغرض من خلقهم سوى ليعبدوه، وبالتالي لم تكن هنالك غاية أُخرى من خلق الله لهم إلا هذه، إذن هذا بالنسبة للغرض والغاية من خلق الله لهما وهو لعبادته
أما لبيان الأمر بالعبادة فعلينا بالتحقيق في العديد من الأدلة والتي يمكننا أن نستدل بها والتي تؤكد على أن الله كان قد قضى “أي حكم” بالعبادة على الناس وأمر بها
الدليل الأول: وهو أمر الله لنا بالعبادة من خلال
قوله تعالى “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ”  يوسف 40
وقوله تعالى “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..” البينة 5
فالله قال: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وقال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ..  وفي كِلاهما أتت الإشارة إلى أمر الله بالعبادة حيث كان واضح وصريح، ومن هذا يمكننا لأن نستنتج إلى أن قول “ليعبدون” في قوله تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”على أنه أمر بالعبادة كان قد قضاه الله على الإنسان كجنس وليس على الآدميين وحدهم وهذا واضح لأن قول الإنس هو قول جامع لكل ما يُعرّف عليه بالإنسان، أي فهو القول الجامع لكل إنسان مهما تعددت أجناسه أو هويته الخلقية بدائي كان او ادمي
الدليل الثاني: وهو قضاء الله علينا بالعبادة وذلك من خلال
قوله تعالى “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ”  الإسراء 23
وقضاء الله هو حكمه الذي حكم به على الناس، وهنا لم يقُل الله تعالى – وقضى ربكم ألا تعبدوا – بل قال: وقضى ربُك – وكأن الخطاب القرآني هنا موجه لفرد بعينه  من دون الناس كافة لأن من الطبيعي لأن يسود الإعتقاد بذلك بما أن المخاطب هو فرد وهو الرسول، ولأن يكون ما يتبعه من القول بدلاً من – ألا تعبدوا – هو – ألا تعبد إلا إياه – ولكن الآية تتحدث وتُخاطب الناس وفي الأصل تتكلم عن الإنسان كجنس عام أي فهي تُخاطب كُل ﻤﻥ ﺘﺒﻠﻐﻪ رسالة التوحيد في كُل ﺯﻤﺎﻥ ﻭﻤﻜﺎﻥ، … “وقضى ربُك” يا محمد بشكل خاص “للنقل والتبليغ بالرسالة” ويا أيُها الإنسان بشكل عام والذي كان قد شمله الأمر بالعبودية من قبل خلق الله لآدم ومن بعده بأن لا يكون مربوب وله إله يعبده “ليسلم ارادته له” سوى الله وحده، فقضاء الله هو حُكمه وقول ألّا أي أن لا وفيها التوكيد على الغرض والغاية من خلقه والـ لا للنهي عن عبادة رب سواه وأتت إلا للحصر أي بأن العبودية الحق هي الخالصة لله وحده ولا لأحد سواه وما من أحد يستحق العبادة سواه
أما في التأكيد على أن قضاء الله على الإنسان بعبادته حملت الأمر لا الخيار كان في نفى الله لأن يكون لنا الخيار في ما قضى “حكم” علينا وفي ذلك كان
 قوله تعالى “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ” الأحزاب 36
وبالتالي فالإنسان ليس مخير ولا خيار له بما قضى الله عليه فهو مكلف بالعبادة ومأمور بها ولم ينتظر الله منه الرفض أو القبول ليحكم عليه ويكلفه بها … إذن فهو أمر وتكليف ولذلك فعلينا بالتنفيذ في ما قضى الله علينا
ولكن إذا كنّا مأمورين ومكلفين وبلا خيار فهل نحن مرغمين ومُسيرين وللإجابة على ذلك وهو بلا وهذا نستمده من نفس الآية وقوله تعالى “…. ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا” الأحزاب 36
وقوله تعالى “وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا”  النساء 172
وقال تعالى “إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” غافر 60
فمن الآية الكريمة من سورة الأحزاب أعلاه نتعرف على أن هناك من هو بالقادر لئن يعصي أمر الله، ومن سورة النساء نبدأ بتعريف الإستنكاف، تقول العرب: اسْتَنْكَفَ من الشيء وعنه أي أنِفَ وامتنع، والنكف هو دفع الشيء ورفضه … وبما أن هناك استنكاف من العبد إذن فهناك امتناع عن العبادة وهذا بعد أن قضاها الله وأمر بها، ومن سورة غافر نجد بأن هناك من يستكبر عن عبادة الله … وبالتالي فإن العبد إذن هو صاحب القرار في قبول أو رفض أمر الله وبذلك يكون الإنسان ذو إرادة حرة
وبالتالي إذن فعباد الله مُكلّفين ومأمورين بالعبادة ولكنهم ومع ذلك غير مُكرهين أو مُجبرين عليها
يقول الله تعالى “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَ‌ٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ”  البينة 5
وبعد التدبر في الآية الكريمة نرى بأنها لم تكتفي بذكر العبادة وحسب بل أشارت على أن العبادة التي أمر الله بها عِباده هي العبادة الخالصة له والمشروطة على أن يكون عباده المميزين هم من الـ “مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ” والذين تشمل عبادتهم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أضاف الله على ذلك توضيح آخر ألا وهو أن يكون الإخلاص في الدين غير قائم على الإجبار بل لأن يكون بطوع الإنسان وبإرادته هو
فقال تعالى “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”  البقرة 256
كما أن دعوة الله لهم لعبادته وإستجابتهم له بطوعهم هو أكبر دليل على ذلك
قال تعالى “فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ”  البقرة 186
وقال تعالى ” وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ   يس 61
وقال تعالى “وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَ‌ٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”  الأنعام 153
واستجابتهم لله  بـ ” إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ” له اكبر دليل على ذلك
وبالتالي فكان المطلوب من العباد على أن يخلصوا لله الدين بدون أن يكونوا مكرهين عليه وبالتالي إذن أصبح من الممكن لأن نستنتج بأن هناك عباد يعبدون الله بإخلاص وبإن هناك من العباد من لا يعبده بإخلاص والذين أشار الله عليهم من خلال
قوله تعالى “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم”ُ   الزفو مر 53
إذن فإن الذين يُخاطبهم الله في الآية الكريمة هم عباده المُسرفين على أنفسهم والمُذنبين وبالتالي فهم غير مُخلصين في عبادتهم له وبذلك تكون العبادة التي تخلو من الإخلاص في الدين لله تفتقر أو لا تُشير إلى العبادة الربانية التي أمر الله بها
كما ومن قوله تعالى “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ” يحمل التحذير من عبادة غير الله وهذا معناه بأن هناك من عباده من يعبد ما هو من دونه
قال تعالى “… إِنَّ الَّذِينَ  تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ”  العنكبوت 17
إذن فالعبادة الخالصة تكون لله وحده ولا لأحد سواه أما العبادة الغير خالصة يمكن لأن تكون لله “على شكل عبادة منتقصة” ويمكن لأن تكون لغير الله بالشكل المُطلق … ومن هنا أصبح من الممكن لأن نستنتج بأن للعبادة مفهوم أشمل وأوسع مما هو مُتعارف عليه بين الناس خاصة وأن الله
يقول “وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ” النور 32
لأن قول “من عبادكم” يعني (من عبادنا) نحن وبالتالي فإذا كان لنا عباد كما جاء في الآية الكريمة فهل عبادنا يعبدوننا وهم مكلفين ويقيموا الصلاة ويؤتوا  الزكاة كعبادتهم لله أو أن للعبادة مفهوم آخر لأن من الواضح بأن قول “من عبادكم” لا تعني من يعبدكم واتخذكم آلهة بل هم من كُلّف بعمل يقوم به لرب عمله
وللتعرف على مفهوم العبادة وجذرها عبد لنا مثال نستمده من قوله تعالى “ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ” ومعناها بأن أي اتخذتهم عبيد وجعلتهم مُعبدين أي بلا حرية ومكرهين وبالتالي فإن مفهومي العبادة والعبودية يلتقيان في تسليم الإرادة الحرة ويختلفان في الماهية فالعبادة كما وضحنا تكون طوعية فيسلم الفرد ارادته الحرة بطوعه وتكون لله ولغير الله، أما العبودية فهي إجبارية فيسلم الفرد إرادته الحرة مكرهاً ويكون   تفسير قوله تعالى “من عبادكم” أي من أسلموا إرادتهم الحرة لكم بطوعهم ولكنهم مُكلفين كالخدم والعُمال والموظفين وما شابه ذلك مما كان له ربقال تعالى “قل أعوذ برب الناس” فالله هو رب الناس وهو ملك الناس لا المالك لهم أو مُعبّدهم
الدليل الثالث: وهو ما نستمده من حكم للام واستعمالاتها في اللغة
فاللام هي من حروف المعاني والتي بالإضافة على أنها تأتي لتُشير على الإبتداء والقسم والإختصاص فهي تأتي أيضاً لتُشير على الأمر نحو قوله تعالى “لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ” الطلاق 7. وكذلك هو الحال في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
فالمفسرين متفقين على أن اللام في قوله تعالى “ليعبدون” لو كانت للتعليل ولبيان الغاية من الخلق لما استطاع أحد من الجن والإنس أن يعصي الله في شئ لأن مراد الله لا يتخلف وبالتالي فهم على حق في ذلك، ولكن هذا إذا كان الأمر في الآية الكريمة وقول (ليعبدون) يتعلق بمراد الله (الغاية والغرض) وحده لأن مُراد الله هو مشيئته الذي إذا أمر بها والتي لابد وأن تتحقق وهذا نستمده من
 قوله تعالى “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”  يس 82
ولكن ما غاب عنهم واختلط أمره عليهم وهو بأن الأمر المتعلق أو المتصل بمُراد الله  “إِذَا أَرَادَ شَيْئًا” يختلف عن الأمر المتعلق أو المتصل بقضاء الله “وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا” أي حكم به والذي نستمده من قوله تعالى “وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ البقرة 117
أما في بيان الأمر الذي أشار به على عبادته فهو الأمر الذي يتعلق بقضاءه “أي أمره” لا مُراده “مشيئته” والدليل نستمده من قوله تعالى “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ..”  الإسراء 23
بالإضافة على أن الله بيّن لنا ما قضى “أي ما حكم” على الإنس من قبل وكان قد أمرهم بطاعته والذي جاء فيه
قوله تعالى “قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ …. كلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه”  عبس 17 .. 23
فالله كان قد أمر الإنسان بالطاعة ولكن الإنسان لم ينفذ حكم الله، وكان عدم تنفيذه لحكم الله يرجع لعدة أسباب أهمها ظلمه وجهله فالله أخبرنا بأنه “كان ظلوماً جهولا” و”كان” تُشير على الماضي، أما الظلم والذي قدمه الله على الجهل فهو ينتج عن عمل إرادته الحرة من نفسه “لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.  النساء 40.” وبالتالي نُذكّر مرة أُخرى بأن العبادة التي أمر الله وكلف الإنسان بها وفرضها هي عبادة طوعية لا جبرية
وقال الزجاج في قوله تعالى: وما خلقتُ الجنّ والإِنس إِلا ليعبدون، المعنى ما خلقتهم إِلا لأَدعوهم إِلى عبادتي وأَنا مريد للعبادة منهم، وقد علم الله قبل أن يخلقهم من يعبده ممن يكفر به، ولو كان خلقهم ليجبرهم على العبادة لكانوا كلهم عُبَّاداً مؤمنين لما قال ذلك؛ قال الأَزهري: وهذا قول أَهل السنَّة والجماعة
ما الفرق بين أن يكون الناس عباد الله أو يكونوا عبيد الله
إن من المتعارف عليه وهو بأن العبد هو عكس الحر أو الرقيق المملوك ونستشهد هنا بمقولة عمر بن الخطاب وقوله “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” ..  ويجمع العبد على كل من عباد وعبيد
فان جُمع الـ عبد على عباد أُشير بذلك على عبودية الله وهي العبادة وهي تسليم الإرادة الحرة طوعياً،
وإن جُمع عبد على عبيد أُشير بذلك على عبودية الرق وهي سلب الإرادة الحرة جبرياً
وبالتالي فإن عبدالله هو من خلق من اجل العبادة “عبادة الله” أي ليسلم ارادته لله بطوعه لا لئن يُعبّد
إن من المؤلم وهو بأن أصحاب الرأي الخاطيء دائما اً حاولوا لأن يخصوا العبودية حصرياَ بذوي البشرة السوداء من الناس ولا زال الكثير منهم إلى يومنا هذا من يردد للإشارة عليهم قول المتنبي
العَبدُ لَيسَ لِحُرٍّ صَالِحٍ بِأخٍ … لَو أَنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولُودُ
لا تَشتَرِي العَبدَ إلاَّ والعَصَا مَعَهُ … إنَّ العَبِيدَ لأَنجَاسٌ مَناكِيدُ
مع العلم بان الله كان فد حذرنا من ذلك فقال
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”   الحجرات 11
فلم يُشر الله على اختلاف اللون بين الناس على أنه إبتلاء
قال تعالى “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ” البقرة 155
فهو لم يبتلي أصحاب البشرة السوداء وترك الآخرين بدون ابتلاء بل قال “إنا خلقنا الإنسان نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا” والإنسان اسم جنس بذكوره وإناثه، ببدائيته وآدميته، بأسوده وأبيضه ..
ولكن حين أشار على اختلاف الألوان في خلقه
قال تعالى “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ”  فاطر 27
وقال تعالى “وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَ‌ٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ”   فاطر 28
ولكنه شاء لأن يُشير على اختلاف ألألوان بين الناس على أنه آية من آياته
فقال “ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ” الروم 22
آية تتجلى فيها قدرته وابداعه وعظمته كان قد  أقرنها بعظم آية خلقه للسماوات والأرض، فكيف للانتهازيين لأن ينسوا بأن الله أكرم الإنسان الآدمي على اختلاف ألوانه ورفع من درجة تفضيله على الكثير من خلقه
فقال ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ” الإسراء 70
كما ولم يجعل الله لأحد من قدر أكبر عنده حسب لونه أو بياض بشرته ففضله بها على غيره بل
 قال “يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  ” الحجرات 13
وروى أحمد (22978) عَنْ أَبِي نَضْرَةَ : ” حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى ، أَبَلَّغْتُ ؟ ) قَالُوا : بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “. صححه الألباني في “الصحيحة” (6/199)
وقد روى الترمذي (3270) عَنْ ابْنِ عُمَرَ : ” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا ، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، .. صححه الألباني في صحيح الترمذي
وبالتالي فهذا هو المهم .. لا بل هو الأهم لأن في ذلك الإشارة على كل من جعل زاده عمل التقوى هو من سيحصل على رضى الله لا رضى الناس وسيحظى بأعلى درجات التكريم
قال تعالى “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً” هود 7
وبالتالي فإذا كان الله لا يرى فينا هذا الإختلاف الصوري ويقوم بمحاسبتنا حسب أعمالنا لا ألواننا والتي أخبرنا على أنها آية من آياته .. إذن فويح لمن يضع هذا التكريم مكان الشك والتساؤل وتُباً لهم قال تعالى ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا”  النساء 174. وها هو البرهان قد جعله الله من بين أيديكم ليكون حجة عليكم
إن من الخطأ تبني مفهوم عبودية الرق أي العبيد على أنها تُشير على ذو البشرة السوداء وتُخصهم، فبني إسرائيل كانوا أكثر من عانى من العبودية وكانوا معبدين أي عبيد عند فرعون لا كأفراد بل كشعب بأكمله ولمئات السنين ولم يكونوا ذو بشرة سوداء، بالإضافة إلى أن حصْر كلمة عبد في مفهوم عبودية الرق بدون توضيح جذور واصول الكلمة له تداعيات خطيرة منها إتهام الإسلام بالدعوة إلى عبودية الرق أو على الأقل بأنه لم ينهى عنها
ولكن كيف لا يكون قد نهى الله “رب المسلمين ورب العالمين” عن العبودية وكان قد اعطانا الله درس في ذلك أخبرنا فيه بتحرير بني إسرائيل وفك أسرهم بعد أن كانوا مُعبّدين عند فرعون
 قال تعالى “وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ” الشعراء 22
فقد أرسل انبياءه موسى وهارون إلى فرعون
فقال سبحانه  “فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ”  الشعراء 16 – 17
ليبلغوه برسالة منه هو وذلك لأهمية تصديه لهذا العمل الوحشي واللا إنساني عند الله والذي جعل الله من أولوية وجعله يتدخل بنفسه ويرسل رسالة خاصة لهذا الطاغية “فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ” وعندها تساءل فرعون “قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ” الشعراء 23. فأتته الإجابة “قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ” الشعراء 24. أي أن مصدر الرسالة من أعلى سلطة في هذا الكون وتحمل أمر إلهي، ولكن وعندما لم يستجب فرعون لنداء العقل تدخل الله ونجّى بني إسرائيل من العبودية وعذاب الذل والهوان وتحقير فرعون لهم 
قال تعالى “إِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَ‌ٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ”  البقرة 49
ولم يكتفي الله بتحريرهم من قبضته فقط بل أيضا قضى على سلطانه وأورثهم ملكه
قال تعالى “وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖوَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ”  الأعراف 137
ولم يكن ما لحق بفرعون من تدمير لملكه بالكافي عند الله “وذلك لنتعرف أكثر على موقف الله من العبودية” بل أغرقه الله وجنوده
فقال تعالى “وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖحَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ”  يونس 90
وقال تعالى “إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ”  البقرة 50
كما وجعله عبرة وآية تتعظ الناس منها وذلك حتى يعتبروا ويتعرفوا على مدى كراهية استعباد الناس عند الله ولتتضح معها وترتقي مفاهيم العدل والكرامة الإنسانية
قال تعالى “الْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ”  يونس 92
كما أن الله وصّانا بتحرير العبيد
فقال “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ …” المجادلة 3
وقال “لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ  …” المائدة 89
وقال “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَة …” النساء 92
كما ووصّانا الله باقتحام العقبة، والعقبة هي العائق والذي يحول بيننا وبين فعل الخير وهو أشق واصعب الطرق والتي وصى الله باقتحامها مهما كان حجمها وتكسيرها وذلك في سبيل فك أسر العبيد
فقال “فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ”  البلد 11- 13
فالله لم يخلق الإنسان ليكون عبداً مملوكاً لأحد فكيف يدّعون بأن الإسلام سمح بالعبودية ولم يُحاربها أو يستنكرها
 لقد نهى الله عن العبودية “تسليم الإرادة” لغيره فقال “وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه” وسماها عبادة وأشار على من خلقهم لعبادته بالعباد وعباد الله وعبادي كما في
قوله تعالى “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ”  البقرة 207
وقوله تعالى “ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ   الحجر 42
وقوله تعالى “ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ  سبأ 13
وقوله تعالى “ذَ‌ٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ   الأنعام 88
ولم يقل عبيدي في القرآن ولا مرة واحدة، فنحن عباد الله لا عبيده، ولكن هل لفظ العباد تُستعمل للمُقربين أو خص الله به من أطاعه فقط خاصة وأن التخصيص فيه واضح في قول عبادي اي عبادي أنا – عباد الله
وللإجابة على ذلك وهو بلا والدليل على ذلك نراه بالعديد من الآيات والتي أتت لتدل على عدم اختصاص العباد كان منها لأن من عباد الله من أطاع الله وعمل صالحاً
قال تعالى “ذَ‌ٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ” الشورى 23
 ومنهم من عصى الله وأحاطت به الذنوب
قال تعالى “وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا”  الإسراء 17
وبالتالي فمصطلح العباد ليس له تفضيل أي للمقربين لأن الصالح والطالح من الناس هم عباد الله وهذا يشمل على جميع الناس فهم عباد الله وهم من خلقهم الله من اجل عبادته وجعلهم ذو إرادة حرة
ولكن هناك خصوصية وميزة تميز العباد أو عباد الله عن العبيد
أولاً: العباد هم أصحاب إرادة حرة
قال تعالى “وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” سبأ 13
إذن فالغالبية من عباد الله غير شكورين أي فمنهم الشكور ومنهم الغير شكور وبالتالي كيف يكونوا عباد لله وغير شكورين سوى انهم ذو إرادة حرة وغير مكرهين أو مجبرين على العبودية لله وعلى اتباع أمره
وكذلك لنا دليل آخر على ذلك في قوله تعالى “إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ”
إن قول “من اتبعك” يحمل الإشارة على ان عباد الله هم أصحاب إرادة حرة
وكذلك نراه في
قوله تعالى “ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ” يس 30
وقوله تعالى “ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  ” آل عمران 20
فكيف يكونوا عباد الله ويستهزئون برسلة أو يتولوا ولا يهتدوا سوى أنهم أصحاب إرادة حرة
 
فعباد الله أمرو بالطاعة وليسلموا ارادتهم الحرة لله وهذا الإستدلال يسنده ما نقله الله إلينا من قول الشيطان
فقال “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي” إبراهيم 22
فاستجابة عباد الله للشيطان تصريح بامتلاك العباد للإرادة الحرة وبالتالي فهم أحرار اما العبيد فهم المُعبدين ولا يملكون الإرادة الحرة ومملوكين ومسيرين
ثانياً: لقد أخبرنا الله بوصفه للعباد على أنهم عباد مكرمين: لقد أكرم الله الملائكة والناس فأشار عليهم بالعباد المكرمين
فوصف الملائكة بالعباد المكرمين
فقال تعالى “هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ”    الذاريات 24
كما وكرّم بني آدم
فقال تعالى “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”   الإسراء 70
والعباد المكرمين كما نعلم ليسوا محتقرين وذليلين ومُعبدين كالعبيد
ثالثاً: قال تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ.” الذاريات 56 – 57
لقد حصر الله الغرض من خلقه للإنس بالعبادة ولا لشيء آخر كان قد خلقهم من أجله .. ولكن لم يكتفي الله بهذا القدر من الذكر بل اضاف على ذلك توضيح في الآية التي لحقت بها فأخبرنا بأنه كان قد خلقهم لا ليتخذ منهم اسباباً للرزق أو ليعتمد عليهم في الحاجة فقال “مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ” وبالتالي فالله لم يعبدهم أو يجعلهم بالعبيد وذلك حتى يتم التفريق بين من عبَدَ “بخياره” ومن “عُبِّد” مرغماً ومُجبراً، لأن رب من عُبِّد يكون قد اتخذ عبداً رقاً فعبَّده من أجل أن يتخذ اسباب للرزق من وراءه أي لأن يترزق منه وليتخذه لقضاء حاجاته ولكن الله لا يُريد ذلك من عباده، قال تعالى ” إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ” العنكبوت 6
فالله غني عن العالمين كلهم وهو من يملك خزائن كل شيء فقال “وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ  الحجر 21. وقال ” .. وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. ” المنافقون 7. وبالتالي فلا حاجة له للعبيد وبالتالي فالناس غير مُعبّدين لله بل عابدين له وبالتالي فهم ليسوا عبيد بل عباد
وقال تعالى “قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖوَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ  ”  سبأ 24
وقال تعالى “أَمَّنْ هَـٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُور”  الملك 21
العبادة الربانية مبنية على الطاعة والخضوع لأمر الملك عن طريق إتباع أحكامه وشرائعه وسننه  
كما أن عباد الله يستعينون بالله ربهم على قضاء حاجاتهم على العكس من المعبدين “العبيد” والذين يستعين اربابهم بهم على قضاء حاجاتهم
قال تعالى “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ”  الفاتحة 5 –  6
ولنا عبرة في قراءة سورة الفاتحة في صلواتنا حيث نُردد في كل ركعة التزام المسلم بالعبودية لله “تسليم إرادتنا له” والتي تنسجم مع غرضه من خلقنا والذي بيّنه لنا في قوله “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” فنجدد العهد مع الله في كل مرة ونقول “وإياك نعبد وإياك نستعين” والذي فيه نُعلن قسم الولاء بالعبودية لله وحاجتنا للإستعانة به .. فنسأله الهداية إلى الطريق المستقيم لعبادته
وبالتالي فنحن غير مُعبدين أو كان بأن أجبرنا الله على عبادته بل فالله دعانا وحثنا وطلب منا لأن نعبده
فقال تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ”  البقرة 21
وقال تعالى “وَأَنِ اعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ”  يس  61
وبيّن لنا بأن نهج عبوديته هو طريق الصراط المستقيم فوصانا به ونهانا عن اتباع غيره   
قال تعالى “وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَ‌ٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”  الأنعام 153
رابعاً: لقد جعل الله نفسه ملكاً على الناس لا مالكاً لهم “كمن له عبيد مملوكين” وأسماهم عباده لا عبيده
 فقال تعالى “مَلِكِ النَّاسِ” الناس 2
وقال تعالى “هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ …”  الحشر 23
 فالملك هو الهيئة العليا في الحكم والمسؤول عن إدارة شؤون البلاد وهو مسن القوانين والشرائع والأحكام وبالتالي جعل الله الملك عباده مؤتمرين باحكامه وسننه وقوانينه
قال تعالى “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”    النحل 90
وفي ذلك عظة وتذكرة لا إجبار على ذلك
كما وأبقى الله على مصطلح العباد يصاحب الناس ما داموا في الحياة الدنيا “حياة الإمتحان” ويملكوا الإرادة الحرة
قال تعالى “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَ‌ٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” الأعراف 32
وجعل انتهاء العمل بالأحكام والشرائع والقوانين الإلاهية بانقضاء اجل الناس
قال تعالى “وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ”  البقرة 281
وعندها يجرد الله الناس من الإرادة الحرة ويُسقط عنهم مصطلح العباد فيصبحوا في يوم الحساب وبعد البعث في قبضة الله وعبيد لا عباد وفي ذلك اليوم يُشير الله عليهم في القرآن بلفظ العبيد لا العباد
قال تعالى “مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”  فصلت 46
وقال تعالى “ذَ‌ٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”  ال عمران 182
وكلها تشير الى يوم الحساب والذي لم يُشر الله على نفسه بملك يوم الدين بل أشار على نفسه بصاحبه ومالكه
فقال تعالى “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ”  الفاتحة 4
فالله في ذلك اليوم هو صاحب الملك ولا يوجد من يملك إرادة نفسه فالكل في قيد ومجردين من الإرادة الحرة
قال تعالى “وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ”  الأنعام 73
وقال تعالى “إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ . وإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ. وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ”  الإنفطار 13 – 19
ففي يوم الدين .. في ذلك اليوم وبعد انتهاء حياة الإبتلاء سيأتي كل من في الكون إلى الرحمن عبداً أي مسلماً الإرادة وبدون استثناء وهذا يشمل على جميع المخلوقات سواء من اسلم ارادته لله بطوعه او من سلمها مرغما عنه
يقول الله تعالى ” إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا  ”  مريم 93
وعندها يصبح الخلق جميعهم عبيده فهم مملوكين وبدون إرادة حرة ومؤتمرين بإمره
قال تعالى “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَ‌ٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيد”ِ  ق 20
وقال “وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ”  يس 51
فستأتي المخلوقات جميعها على العموم والناس على الخصوص مسلماً ارادتها لربها وذلك توافقاً  مع سنة التسليم التي قدّرها الله على الخلق
قال تعالى “يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ”  المطففين 6
وقال تعالى “يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖلِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ”  غافر 16
وقال تعالى “يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابًا”    النبأ 38
فالله في ذلك اليوم هو صاحب الملك والسلطان والعظمة والسيطرة والهيمنة والنفوذ والقوة وفي ذلك اليوم يُسقط الله القوانين وأحكام التكليف عنهم وتكون الأنفس وكل شيء في قبضته والجميع ملك له ويعمل بأمره، فوصف الله نفسه بالمالك وصاحب الملك لا الملك
خامساً: لقد خلق الله الإنسان منذ البداية حر الإرادة
قال تعالى “أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ” يس 77
فكيف يكون خصيم لخالقه إلا إذا كان هو من اراد لأن يكون خصيم لله وبقراره
وقال “فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر” ْ الكهف 29
وقال تعالى “ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا” الشمس 7 _ 10 ونفس وما سوّاها
وبالتالي اصبح من الممكن تعريف عباد الله “والمفرد منهم هو عبد الله” على أنهم
  • الناس والذين خلقهم الله ليبتليهم في الحياة الدنيا وقضى عليهم بعبادته وذلك بتسليم ارادتهم الحرة له بطوعهم وعلى ان يؤتمروا بإمره وهم الجن والإنس فقال “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” الذاريات 56. ويشمل ذلك على من أطاع ومن عصى منهم
  • والملائكة وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثًا الزخرف 19
والذين قد خلقهم الله في تسليم لسلطانه من فوقهم: فخلقهم مسيرين ومأمورين وبدون إرادة حُرة
قال تعالى “يخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” النحل 50
وقال تعالى “.. لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ”  التحريم 6
إذن إن عبد الله هو من أوقع عليه الامر بعبادة الله وكُلف بها ولكن أعطاه الله حرية التصرف أي منحه حرية الإرادة وهذا يشمل على كل إنسان خلقه فمنهم من عبده بطوعه أو عبد ما هو من دونه
وبالمناسبة فإن رسم كلمة العباد لو تأملنا بها فهي توحي لنا بصفة الانتصاب والتكريم، فوقوع الألف فيها أعطاها استقامه وشموخ، ولذلك فمن خلقوا في تسليم لله او ليسلموا ارادتهم الحرة له ولسننه وأحكامه فهم عباد الله وهم الذين لم يعبدهم الله وأكرمهم، فالله لم يعبد الناس في الحياة الدنيا حياة الإبتلاء “الإمتحان” بل جعلهم أصحاب إرادة حرة ولذلك أطلق عليهم اسم عباد الله لا عبيد الله
أما العبيد فهم المجردين من الإرادة الحرة وغير مكرمين وبالتالي فهم المُهانين والمُعبدين
  • فهُم من عُبّد في الحياة الدنيا كقوم بني إسرائيل
قال تعالى “وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ”  الشعراء 22
  • وهم ما سيكون عليه حال العباد “الناس” بعد انتهاء فترة الابتلاء/الامتحان وفي يوم الحساب
قال تعالى “ذَ‌ٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”  ال عمران 182
أما العبد فيُشير على من هو ليس بالحر أو من ليس له إرادة حرة فعُبّد مُكرهاً … وبالتالي إما تكون عبد لله او عبد لغير الله بخيارك، أو تكون عبداً مملوكا ومكرهاً
وبالمناسبة فإن رسم كلمة عبيد فهي مكسورة بالياء وتخلوا من الإستقامة، والعبيد هم من يُعبّدون وتُسلب إرادتهم الحرة ولا يعود لهم خيار سوى ما يفرض عليهم من سادتهم
صفحات من رسالة الله: عبد الله أحمد خليل
Advertisements