Archive for the ‘ما هو الصواب في مسألة تعدد الزوجات وما هو المقصود بـ ما ملكت أيمانكم’ Category

ما هو الصواب في مسألة تعدد الزوجات وما هو المقصود بـ ما ملكت أيمانكم
لقد كان التعدد قبل الإسلام شائع بين الناس وكان الرجل في الجاهلية يعمل على امتهان المرأة وتحقيرها وسلب حقوقها وسرقة ميراثها وتهميشها اجتماعياً وكان يقدم على الزواج بألعديد من النساء والذي في بعض الأحيان كان يزيد عن العشرين وأكثر وبدون سبب أو عذر اخلاقي يجيز له بذلك سوى كونه مدفوع بغريزته الجنسية وبدون شروط تحفظ للمرأة حقوقها وكرامتها وانسانيتها، وبقي الأمر على حاله حتى أنار الله ظلام الجاهلية بنور الإسلام …. وأنزل الله على عبده ورسوله
قوله تعالى “وإنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَ‌ٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا”. النساء 3
والذي أباح الله فيه للرجال بالتعدد وحثهم عليه ولكن على أن لا يزيد عن الأربعة وجعله مربوط فقط بمن لديه دوافع انسانية واخلاقية ويتحلى بقيم اجتماعية نبيلة وعززه بشرط اقامة العدل، كما واعطى الأُنثى حقوقها من الميراث والصداق والنفقة ووصى بالإحسان إليها ومعاشرتها بالمعروف
وهي الآية الوحيدة في القرآن التي انطلق منها الفقهاء في حديثهم عن التعدد، ولعل الوقوف على سبب نزول هذه الآية يُظهر العلاقة بين القسط في اليتامى وبين الزواج بما طاب من النساء، ولا يوجد أي دليل آخر في القرآن كله يشجع أو يسمح بالتعدد أو يٌشير عليه سوى هذه الآية الكريمة … فكيف نفهمها
فيديو

 

لقد اجمع العلماء على أن الآية الكريمة نزلت لتحفظ حقوق اليتامى وللقسط فيهم … ولكنهم اشاروا على أن المقصود بقول اليتامى في الآية الكريمة يعود على الأناث فقط وزعموا بأن اليتيمة التي تربى عند رجل قريب لها او كان لها ولي يتولاها فيطمع في الزواج منها من غير أن يعطيها حقها من المهر ولذلك فخوفا ألا تقسط في هذه اليتيمة فابتعد عنها وتزوج من شئت، وقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى أن لا تقسطوا في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنَّ صدقات أمثالهنّ فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرَهن من الغرائب اللواتي أحلّهن الله لكم وطيبهن، من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة فلا تعدلوا، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم
وكما نُقل عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ) أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ ) العذق : النخلة ) رواه البخاري
وقيل: قالت رضي الله عنها إن المراد بما يُتلَى عليكم في الكتاب هو قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى، فتبين أنها “يتامى النساء” بدليل تصريحه بذلك في زواج اليتيمات: فدَعُوهُنَّ وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن
والمعنى كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : أنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره فإن كانت جميلة تزوجها من غير أن يقسط في صداقها وإن كانت دميمة رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره لئلا يشاركه في مالها فنهُوا أن ينكحوهنَّ إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سُنَّتهن في الصداق وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنَّ وقالوا بأن هذا المعنى الذي ذهبت إليه أم المؤمنين يبينه ويشهد له قوله تعالى: ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النساء اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ) النساء/127
وقيل في ذلك بأن كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يحسنون إلى الأيتام ويتكفلون برعايتهم والولاية على أموالهم فوقع من أحدهم أنه تزوج من إحدى اليتيمات التي تحت وصايته ولم يدفع لها مهر مثيلاتها من النساء بل ظن أن رعايته لهذه اليتيمة وكفالته لها كافية عن المهر فنهى الله عز وجل هؤلاء الرجال إذا ظنوا أنهم لن يُقسطوا في اليتيمات اللاتي تحت وصايتهم فيهضموا شيئا من مهورهن إذا تزوجوا منهن نهاهم عز وجل أن يتزوجوا منهن وأمرهم أن ينكحوا ما طاب لهم من غيرهن من النساء مثنى وثلاث ورباع
ولكن هذا التفسير غير مكتمل وغير كافي وغير مقنع وغير مُلزم ويحتاج إلى المزيد من الدراسة والتدبر خاصة وأنه فتح الباب على مصراعيه أمام أولاً: التعدد “حتى الأربعة” واياحته بدون الزامه بقيد أو شرط يضبطه، وثانياً: أمام معاشرة سبايا الحرب أي الزنا فيهن بدون عقد نكاح شرعي
يقول الله تعالى “وإنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَ‌ٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا” النساء 3
في البداية نقول بأن الآية الكريمة قد أتت على ذكر اليتامى تحديداً وعلى وجه الخصوص .. ولذلك فنحن بحاجة إلى التعرف على من يُطلق مصطلح اليتامى ومفردها يتيم في اللغة وذلك حتى نفهم على من تشير الآية الكريمة قبل التصريح الإرتجالي بذلك
إن لفظ اليتامى هو لفظ عام، قال ابن السكيت اليُتْمُ في الناس من قِبَل الأَب ولا يقال لمن فَقَد الأُمَّ من الناس يَتيمٌ ولكن منقطع، وقال ابن بري اليَتيمُ الذي يموت أَبوه وهو يَتِيمٌ حتى يبلغَ الحُلُم فإِذا بلغ زال عنه اسمُ اليُتْم والجمع أَيتامٌ ويَتامى وبالتالي فاليُتْمُ في الناس هو فَقدُ القاصرّ أَباه قبل البلوغ ويشمل على كل من الذكور والأناث من القاصرين والأحداث ولا يخص الأناث وحدهن من دون الذكور والدليل القرآني نستمده من قوله تعالى “وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ” وقوله تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا” وقوله تعالى “وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ” وفي هذه الآيات لا يفرق الله بين الذكور والأناث وبالتالي إذن يكون كذلك في قوله تعالى “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى” فيشمل على الذكور والأناث ولا يجوز التفسير على أنه يخص الأناث فقط والحث على الإبتعاد عنهن والزواج من غيرهن كما أتى في الحديث المنقول عن عائشة وتجاهل ذكور اليتامى وأمر الله بالقسط فيهم أيضاً، إذن فالآية الكريمة تُشير على القسط في عموم اليتامى “بذكورهم وأناثهم” وليس على جنس واحد منهم من دون الآخر
هناك الكثير من الدعاة والمفسرين ممن يخلطون بين كل من معنى القسط والعدل ولا يفرقون بينهما بشكل واضح، ولكن القسط والعدل شيئان مختلفان ولنا مثل في التنزيل العزيز الذي جمع بينهما في آية واحدة في
قوله تعالى “فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا” الحجرات 9
فالقسط هو استيفاء الحقوق بكل أشكالها من خلال دفعها لأصحابها كاملاً وبدون خسران، أما العدل فهو الإستقامة في الحكم وعدم الميل فيه والقضاء بالحقوق لأصحابها أي الحكم بلكل ذو حق بحقه
كما أن القسط في لغة العرب يُشار به على الحِصَّةُ والنَّصِيبُ والمقدار ويقال: أَخذ كل واحد من الشركاء قِسْطَه أَي حِصَّتَه. وكلُّ مِقدار فهو قِسْطٌ وتقول العرب تقسط القوم الشيء بينهم: فرقوه وتقاسموه بينهم على السواء أو قسطوها أي أَدَّاها أَجْزاءً مَعْلومَةً في أَوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ، في آخِرِ كُلِّ شَهْرٍ مَثَلاً وجعلها أجْزاءً فهو مُقْسِطٌ، ونقول أَخَذَ قِسْطَهُ مِنَ الطَّعَامِ أي أخذ نَصِيبَهُ وحِصَّتَهُ، وقيل القسط هو دفع الحقوق المالية لأصحابها أي ما آل لهم، وأموال اليتامى هو ما آل إليهم وهو كل ما لهم من الشيء أي وما هو حق لهم وما يخصهم وينسب إليهم وبالتالي ففيه يتم تحقيق الضمان المعيشي واستيفاء ما ال للفرد او الجماعة مما هو حق ومقسوم لهم أو ما هو نصيبهم أو كان حصة لهم وعدم التنقيص فيه وهذا ما حذر الله منه ونهانا عنه
فقال تعالى “وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا..” النساء 6
وقال تعالى “إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا” النساء 10
وقال تعالى “وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا” النساء 2
وبالرجوع الآية 3 من سورة النساء نلاحظ بأنها تحتوي على لفظي عموم وهم اليتامى “ومنهم الذكور والأناث” ولفظ النساء “ومنهن البكر والثيب والأرملة والمطلقة ويتامى النساء من الأناث والمقعدة والعجوز فكلهم نساء ولم يكن هناك تخصيص” وبالتالي لا يمكن حصر التفسير على أنه يخص “يتامى النساء من الأناث” وحدهن وتجاهل ما أشارت عليه الآية الكريمة وهو العموم
وبذلك يمكننا القول بأن لفظي اليتامى والنساء يشيران على أن الآية تشمل على العموم وتشير اليه ولذلك يجب تقيمها على هذا الاساس لا الضيق و الحصر
كما أن هناك من فسر الآية على انها تشير على التعدد ولكن بدون الإشارة على موضوع القسط في اليتامى والذي جعله الله سبباً في التعدد وتجاهلوه تماماً وتجاهلوا أيضاً شرط تحقيق العدل لإقامته وهو الأهم بالإضافة على أنهم فشلوا في تفسير قول “وما ملكت أيمانكم”، واعتبروه تصريح لهم يجيز معاشرة سبايا الحرب والجواري بدون عقد نكاح شرعي وبدون اعطائهن أياً من حقوقهن الزوجية وبالتالي أدى ذلك وتسبب وشجّع اولاً في كثرة إقبال الرجال على الزواج من الأكثر من الواحدة من النساء على مدى العشرات من القرون وذلك لرغبتهم بالتمتع بالنساء ضاربين بعرض الحائط السبب الحقيقي من وراء إباحة الله للتعدد، وثانياً كانت تفسيراتهم الخاطئة مسؤولة عن انتشار القناعات الغير مسؤولة والتي تخص تملك السبايا “ملك اليمين” بغرض معاشرتهن “اي الزنا بهن” من دون عقد نكاح يشرع لهم ذلك
بالإضافة على أنهم غالباً ما يستشهدون بنصف الآية فقط فيبدأونها من قوله تعالى “فانكحوا ما طاب لكم من النساء” وليس من أولها أي من قوله تعالى “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا … ” كما وهم لا يعيرون أي اهتمام لدور “الفاء” في قوله تعالى “فـ انكحوا” وكأن الله كان قد قدم “الفاء” بدون أن يكون لها دور أو معنى يترتب علينا تدبره وفهمه، فلماذا الفاء وما هو وظيفتها، بالإضافة على أنهم وإذا ذكروا الآية كلها لم ينتبهوا إلى دور “الواو” أيضاً والذي قدمه الله في أولها في قوله “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى” وما أهميتها
وبالتالي وعند الرجوع إلى الآية الكريمة 3 من سورة النساء
وقوله تعالى “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا” النساء 3
مرة أُخرى وتدبر القسم الأول منها وهو قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى
نرى بأن الله تعالى قد بدأ الآية الكريمة بقول “وإن ….” أي بواو العطف، و واو العطف هي الواو العاطفة جملة على جملة أو العاطفة مفردا على مفرد وبذلك جعلت من الآية معطوفة على ما قبلها أو ما سبفها وبالتالي فمن الضرؤرة الإنتباه لذلك وبألا نتجاهله لأن الآية تكون معطوفة وبالتالي لاحقة لبعض التعليمات أو الأحكام التي سبقتها ولذلك فإن من الضروري الرجوع للآية التي سبقتها ودراسة ما تم ذكره فيها والبناء عليه والذي فيه
يقول الله عز وجل “وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا. وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا” النساء 2-3
والمتأمل في الآيتين يتبين له أن الحديث إنما هو عن اليتامى بشكل عام أو بصورة عامة ولم يخص أو يحصر الله حديثه بالأناث فقط “والتكرار … للتأكيد على ذلك”، فكان أول ما افتتح الله فيهن هو بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حق أو بخلطها بغيرها من الأموال بنية نهبها أو سرقتها، ثم ألحق ذلك بالحديث عن القسط في اليتامى “مرة أُخرى أتى اللفظ بشكل عام” فتناول في مستهلها الحديث عن أهمية الضمان المعيشي لليتامى وإعالتهم على وجه الخصوص
إذن لقد بيّن الله لماذا شجّع وحث على التعدد وما كان الغرض منه فبدأ الآية الكريمة “النساء 3 ” بالقول “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى” فكانت “إن” الشرطية تُشير إلى سبباً اشترطه الله للإباحة اي إذن فالتخوف من أن لا نُقسط في اليتامى كان هو السبب والغرض الرئيسي والحقيقي من وراء حث الله لنا على التعدد، وهنا قال تعالى “في اليتامي ولم بقل باليتامى” حيث أن من استعمالات “في” في اللغة يُشير على السببية وذلك ليُعرّف بالسبب من الرغبة بالقسط،، ولكن فمن المؤسف بأن الكثير من علماء وعوام المسلمين يُسيئون فهم هذه الآية الكريمة ويفتون للناس بالتعدد ويقدمون عليه سواء بسبب أو بدون سبب ويقولون لم لا فالله صرّح بالمثنى والثلاث والرباع وهنالك الدليل على ذلك ويستدلون في قوله تعالى “فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ” بدون أن يحسبوا أي حساب للفاء في “فـ انكحوا” ولكن بقولهم الغير مسؤول هذا لربما اصبح ينطبق عليهم قوله تعالى “الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ” الحجر 91. والعضين جمع عضة وتجمع بـ عِضُون ( رفعًا ) وبـ عِضِين (نصبًا وجرًّا) وهي القطعة والتي هي جُزء من مجموعة كالعُضْو من الجسد وبالتالي أي جعلوه أجزاءً فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وهكذا حالهم في تفسير هذه الآية فأخذوا ببعض القرآن وتركوا بعضه الآخر …. إذن فعند تجاهل وظيفة الفاء ولماذا بدأ الله قوله بـ “فـ انكحوا” نعمل على تجريد الآية من الترتيب والتعقيب على ما سبق ذكره أو نجردها من الاستئناف ولكن لربما تسائل البعض الاستناف على ماذا وهنا يأتي التعريف بفاء الاستئنافيّة والتي تبتديء بعدها جملة جديدة منقطعة عمّا سبقها لكنّها مرتبطة بها بوجه من الوجوه كأن تكون تفسيريّة أو تعليليّة .. وكذلك تعقيبية وهو لماذا صرّح الله بالتعدد وأجازه واباحه وحلله، فهم لا يُعيرون اهتمام لأول الآية وقوله تعالى “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى” ولذلك نقول بأن السبب في تصريح الله للتعدد أتى رداً على التخوف من عدم قدرة المجتمعات الاسلامية للقسط في اليتامى وليس من أجل أن يتمتع الرجال بالنساء ولا من أجل اتباع الرجال لغرائزهم وما زُين لهم من الشهوات، قال تعالى ” زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ … ” آل عمران 14. وهذا ابتلاء من الله اراد لأن يمتحنهم به .. وبالتالي فلو أراد الله عز وجل لأن يبيح التعدد بدون سبب ويجعله سنة مشروعة وغير مشروطة لما كان مطلع الآية الكريمة ينص على التخوف من عدم القسط في اليتامى ولكانت وبكل بساطة الآية تنص على التصريح بالتعدد مباشرة وتبدأ بقوله “انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع” أي بدون ذكر أول الآية كما هو عليه.. ولكن وللعجب فالكثير من الناس وخاصة العلماء منهم يحاولون استنباط الأصل في الزواج وهل هو بالزواج من الواحدة أو من الأربعة من النساء فتراهم يتحاورون ويتناظرون ويتجادلون ثم ينتهون بالإفتاءات العفوية وكُل حسب رأيه وحسب ما يحلو له وكأن الموضوع الأساسي من إلتشجيع على التعدد واباحته هو للتعرف على الأصل فيه ويتغاضوا عن الغرض الحقيقي من وراء التصريح بالتعدد ألا وهو من أجل حماية المجتمعات الإنسانية وضمانات قيمها الأخلاقية وذلك في حال حدوث أي طاريء إجتماعي قد يتسبب في اضعاف النظم الإنسانية والأخلاقية فيها فيعمل التعدد على وقايتها وإصلاحها، ولذلك فإن التعدد هو خير وسيلة للحفاظ على قيم المجتمعات الإنسانية وإلا فالبديل عنه هو الإنحلال الخلقي وتبني نظم المصاحبة “المسافحة والخدن” كما هو ممارس ومعمول به في المجتمعات الغير اسلامية والقائمة على ثقافة الجنس والفحش والتي يعملون جاهدين على تسويقها للعالم بأسره، قال تعالى ” وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا” النساء 27
لقد أمرنا الله بالقسط فقال ” قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ .. ” الأعراف 29. ورغبنا به وشجعنا عليه فقال “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” المائدة 42. ووصّانا لكي نكون قوامون فيه
فقال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ … ” النساء 135
وقال “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ” الحديد 25
والقوامة في القسط تعني تكليفنا بمسؤولية الإشراف عليه وذلك بغرض تحقيق الضمان المعيشي لأفراد المجتمع بأسره والتي تشكل القاعدة العامة للقوامة وهنا قال “قوّامين بالقسط ولم يقل قوّامين في القسط” ومن استعمالات الباء في اللغة هو للإستعانة أي استعينوا بالقسط لإقامة أموركم واعملوا به لقضاء حاجاتكم، وجعل الله من نفسه شاهداً هو والملائكة وأولوا العلم على اقامته بالقسط
فقال تعالى “شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” آل عمران 18
ثم اخبرنا بجعله القسط اساس وقاعدة لضمان حقوق الناس أفراداً وجماعات وأمرنا لنكون امناء وأوصياء عليه فقال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ … ” المائدة 8
ثم ضرب لنا مثلاً أشار به على القوامة بالقسط من خلال القوامة لليتامى بالقسط فقال: وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ النساء 127. أي استعينوا بالقسط للقوامة عليهم والذي من خلاله فتح الباب أمام التعدد فقال “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء … ” فكان الحث على القوامة بالقسط “والذي فيه ضمان سلامة المجتمع وتجنباً للضرر به” هو المسبب الرئيسي في اباحة الله للتعدد … إذن وبما أن القوامة لليتامى بالقسط فتحت الطريق أمام التعدد فإن القوامة بالقسط بشكل عام يسمح لنا بالدخول من باب أوسع في التعدد ويُبيحه خاصة وأن الله أخبرنا بأن العمل من اجل تحقيق الضمان الإجتماعي الذي أوصانا به لا يقتصر على القسط في اليتامى فحسب بل فالمطلوب منا كأوصياء على الأخذ بشمولية دور القوامة والذي يشمل على جميع متطلبات الأمن الإجتماعي والعمل من خلاله على تحقيق الضمانات المعيشية وذلك من خلال إيجاد حلول للمشكلات الإجتماعية والأسرية في المجتمعات الإنسانية والتي تعمل على تزويدنا بسبل الحياة المعيشية الكريمة وتحافظ على حقوق الأفراد والجماعات وتسهم في تزويد كل من اليتامى والمقعدين والمعاقين والعجزة والمشردين والفقراء والأرامل والمرضى وغيرهم من المحتاجين في سبل الإعالة والمعونة المعيشية والاجتماعية
وبالتالي علينا الإستعانة بالقسط ولأن نكون شهداء “اوصياء ومُشرفين” عليه ولذلك ففي كل مرة نحرص فيها على اقامة القسط “أي السعي لتحقيق الضمان المعيشي بشكل عام” يمكننا من استخدام التصريح في التعدد هذا اذا تطلب منا ذلك “اقتضت الحاجة الماسّة” وذلك لأن الله كان قد ادخلنا من اضيق ابوابه وهو القسط في اليتامى “أو القوامة لليتامى بالقسط” فجعله مقرون بسبب اخلاقي واجتماعي وإنساني وبالتالي إذا كان هناك الحاجة لإقامة الضمانات والحقوق المشروعة اخلاقياً والتي استدعتها الحاجة الضرورية والتي تتطلب الإعالة والعون لتحقيقها يصبح من الممكن القياس عليها في اباحة التعدد …. ولكن بشرط اقامة العدل الذي أمر الله به وأسدى إلينا مسؤولية مراقبته وحراسته وضبطه أي لم يترك باب التعدد مفتوح على مصراعيه وبدون ضابط يضبطه ويقيده، وكما قال الشيخ العلامة محمد متولي شعراوي رحمه الله: من يأخذ بحكم الله في التعدد يجب لأن يأخذ حكم الله في العدل وإلا فكيف تأخذ اباحة الله في شيء ولا تأخذوا الزامه في حكم آخر لأن ذلك سيشكك الناس في حكم الله ويحملهم للتمرد عليه
لقد اتى التصريح بالتعدد لربما بعد تزايد شهداء المسلمين من الرجال والناتج عن الغزوات والحروب والتي مهدت لإنتشار الإسلام في الجزيرة العربية وخارج حدود مكة فكان بأن ازداد اعداد الأرامل من النساء واليتامى والذين كانوا بحاجة إلى معيل وراعي يعيلهم ويرعاهم ويكفل حقوقهم، إذن كان ذلك من أجل إيجاد الحل الأخلاقي والإنساني للتعاطي مع حدث اجتماعي كان قد نتج عنه ازدياد ملحوظ بعدد يتامى المسلمين من القاصرين من ذكور وإناث ونقول من ذكور وأناث لأن الآية لم تذكر جنس معين من دون الآخر”وهذا لا يذكره العلماء بل يُهمل ويتجاهل المرة بعد المرة” وبالتالي فلم تُشر الآية أو خصت بالحديث الأناث من اليتامي أي يتامى النساء والمشروط لنكاحهن بلوغهن سن النكاح أي لأن يكُنَّ بالغات لا بالقاصرات قال تعالى ” وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ .. ” النساء 6. بالإضافة على ذلك نقول بأن الله وضع شأن البت في التعدد أي الإقدام عليه أو تركه بيدنا نحن ونعني بذلك الحاجة في الإقدام عليه أو الإمتناع عنه فهو من شأننا نحن أي كمجتمع وأفراد وحسب ما تُمليه علينا ضمائرنا فاستبق تشريع التعدد بقول “فإن خفتم” أي فإن خفتم أنتم ايُها المسلمين بأن لا تقسطوا في اليتامى أي بأن لا تجعلوا لهم قسطا ونصيبا وحظاً في الإنفاق عليهم وإعالتهم مما ملكتم سواء اذا اردتم الزواج من يتامى النساء من الإناث أو كفالتهم من ذكور وأناث فانكحوا ما طاب لكم من النساء “أيضاً لفظ عموم ولم يُحدد أو يُحصر بفئة معينة”، ومعنى النكاح هو الزواج القانوني وبعقد، كما أن النكاح لا يعني المعاشرة أو مباشرة المرأة وإنما كلمة النكاح في لغة العرب تستعمل للإشارة على الزواج أو العزم على عقده وهو الوطء المباح أي بعقد ويسمى عقد النكاح
قال تعالى ” وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ… ” البقرة 235
وقال تعالى ” وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ … ” البقرة 237
وقيل للتزوّج نكاح لأَنه سبب للوطء المباح …. إذن فلقد أتى التشجيع على النكاح من أكثر من واحدة أُسوة في اليتامى وذلك حتى يتم معولتهم ورعايتهم ومد العون لهم والعناية بهم والإحسان إليهم فكانت لضرورة الحفاظ على الأسرة المسلمة بأكملها والتعدد أتى ليشجع على ضمانة وكفالة أكبر عدد ممكن من اليتامى، وكُلُنا يعلم مقدار حاجة اليتيم من ذكر وأنثى لمُعيل ولمُربي ولراعي ولوصي ولكفيل ولِمُوجه ولقدوة يُقتدى به
وكما نُلاحظ بأن القرآن لم يُحدثنا عن توفير مراكز رعاية لليتامى أو التشجيع على إسكانهم في بيوت لليتامى أو دفع النساء للتسول أو حتى العمل في أي مجال من أجل توفير لقمة العيش لأطفالها لأن ذلك قد يجعلها عرضة للإستغلال والإعتداءات الجنسية أو قد يدفعها لممارسة الرذيلة بغض النظر عن تفاوت كفاءاتها وقدراتها التعليمية والوظيفية والمادية ولذلك فقدم الله لنا حل اجتماعي عملي ذكي يوفر الحاضنة الإجتماعية لكل من الولد والأم وللأُسرة بأكملها
ثم لحق بذلك قوله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ
لقد كنّا تعرضنا لدور “الفاء” والتي بينت الغرض من تعدد النكاح بأكثر من واحدة من النساء والذي هو القسط في اليتامى بالدرجة الأولى، ثم أتى الله على ذكر “ما طاب لكم” فماذا يعني ذلك
إن “ما” هنا هي اسم موصول وهي التي تكون بمعنى “الذي” مثل قول: افعل ما يأمرك الله به أي افعل “الذي” يأمرك الله به ولها استعمالات أُخرى سنأتي عليها لاحقاً، ومعنى طَابَ الشيءُ في المعجم الوسيط أي زكا وطهر وصار حلالاً، وطابت نفسُه بالشيء سمحت به وأجازت وأحلت وأباحت، وفي التنزيل العزيز
قال تعالى “فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا” النساء 4
أي رضين وسمحن ويقال طابَ: أي جاء بما هو طيِّب أو حلال، وقال تعالى “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ” المائدة 4. اما قوله تعالى “ما طاب لكم” أي “ما” الذي أحله لكم، وهن اللواتي أحلّهن الله لكم وطيبهن وسمح بالزواج منهن بعد ما بيّن ما حرم نكاحهن
فقال “وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ‌ٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا” النساء 22 – 24
قال تعالى “وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ‌ٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ” إذن فكل ما طاب لكم من وراء ذلك فهو حلال لكم ولكن على أن يكون نكاحهن بغرض الإحصان أي الستر والحفاظ على القيم الأخلاقية
لقد شجع الله على التعدد من أجل القسط في اليتامى أي كفالتهم وتأهيلهم والنفقة عليهم ورعايتهم من قبل الزوجين وذلك حتى يكون هناك كفيلين في الأسرة الواحدة ليتولوا أمرهم، فكان بأن جعل الله القسط هو الميزان الذي شاء الله لنا استعماله في القياس فقال “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ” الحديد 25. وقال “اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ” الشورى 17..فوضع الله الميزان من أجل ضمان حقوق الأفراد المعيشية وخص منها التي تستدعي الإهتمام والحرص فنعمل بالقياس من خلاله إذا اقتضت الحاجة لذلك ولكن يبقى مشروط بتحقيق العدل “العدالة الإجتماعية” وبالتالي فلقد كانت الآية قد أتت لترسخ قاعدة عامة وتشرك عموم النساء في توفير الحاضنة الإجتماعية لليتامى ولتعكس دورهن التربوي والأمومي والإنساني في التعامل معهم ورعايتهم
ولنا عبرة في قوله تعالى ” مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” الحشر 7
والفيء قيل هي الغنائمُ التي تُؤخذ من المشركين ولكن وعلى الأغلب فلقد عني بذلك الجزية والخراج والتي في الاصل هي حق لله جعل فيها حق لرسوله يحكم بها لمن يشاء فهو الآمر الناهي وذلك “من أجل تحقيق العدل الإجتماعي ومحاربة الطبقية والرأسمالية، ولنتذكر هنا بأن الآية الكريمة شملت على نصيب لليتامى مما أفاء الله على رسوله
وقال تعالى ” وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” الأنفال 41
وهنا نرى بأن الله خصص حصة من الغنائم تُدفع من أجل ضمان حقوق الفقراء والمحتاجين واليتامى معهم
ثم قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً
لقد أشار الله على أن التعدد مشروط بتحقيق العدل وإلا فالمسموح به هو الزواج من الواحدة فقط
يعتقد البعض “ممن يرقض التعدد ويعارضه” خاصة من النساء بأن التعدد لا يمكن تحقيقه ويزعمون بأن آية “فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة”ً ظاهرة في القرآن على هذا الاساس وبالتالي فإن علينا بالإكتفاء بنكاح الواحدة من النساء فقط ويدعمون تصورهم هذا من خلال عاملين
العامل الأول: وهو زعمهم بأن الله كان قد خلق لآدم زوجة واحده ويستشهدون
بقوله تعالى ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ..” النساء 1
وييتساءلون: إن الله كان بالقادر لأن يخلق لآدم الإثنتين أو الثلاثة أو الأربعة من الأزواج ولكنه اختار لأن يخلق له زوجة واحدة فقط … إذن أليس الأصل في الزواج هو من الواحدة ولذلك استبق الله الحديث عن التعدد بالإشارة على الأصل فكانت أول ما افتتح به سورة النساء الآية رقم 1
العامل الثاني: وهو بأن الله يشهد بعدم قدرتنا على تحقيق العدل “بين” النساء حتى لو حرصنا على ذلك ويستشهدون
بقوله تعالى “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا” النساء 129
ويتساءلون: كيف يمكن لنا التوفيق بين هذا النص القرآني والذي يتحدث عن عدم قدرتنا على تحقيق العدل بين النساء وبين تشريع الله للتعدد والتشجيع عليه كما أتى في الآية 3 من سورة النساء
إذن هل يوجد تناقض في ما بين النصين خاصة وأن الله قد أمرنا بالعدل فقال “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ..” النحل 90. وقال تعالى ” اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” المائدة 8
وما العمل إذن .. ولماذا صرّح الله لنا بالتعدد واباحه إذا كان لا يمكننا تحقيق العدل الذي أمرنا به، ولكن لفهم هذا التضارب والذي يبدوا وكأنه تناقض علينا التفريق بين اقامة العدل في نكاح النساء وهو “العدل في القوامة عليهن” أي اعطائهن حقوقهن بالكامل وبين اقامة العدل “بين” النساء وهو الحكم بينهن
وللرد على ذلك نقول: لقد شاء الله لأن يجعل لآدم ذرية واحدة فقط فكان بأن خلق له من نفسه زوج واحد وبث منهما الذكور والأناث والذين هم ذريته من زوجه حوّاء مع العلم بأن الله لم يُشر عليها بالإسم في القرآن كله
فقال تعالى “أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ” مريم 5
وقال تعالى “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا” الإسراء 62
لقد جعل الله لذرية آدم دور وظيفي كان الغرض منه هو القيام والإشراف على خلافة الأرض
فقال تعالى ” وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ” الأنعام 165
فكان بأن أوقع عليهم التكليف وبالتالي فلو شاء الله لأن يجعل لآدم أكثر من زوج أي زوجين أو ثلاثة أو اربعة لأصبح لآدم من كل زوج ذرية تختلف عن الأُخرى وكان البشر الآدميين ينحدرون من اثنتين أو ثلاثة أو اربعة من الذراري المختلفة وبالتالي تنوعت أجناسهم الإنسانية واختلفت التركيبة الوراثية لكل منهم، ولكان هناك أكثر من خليفة قائم على خلافة الأرض ولذلك حصر مهمة القيام بذلك بذرية واحده، أما التعدد الذي أشار الله عليه في القسط في اليتامى فله دور وظيفي آخر يختلف تماماً لأن الغرض منه هو لتحقيق مسألة علاجية للمجتمع وجعلها محصورة في ابناء الذرية الواحدة
قال تعالى ” ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ” آل عمران 34
فكانت ذرية من آدم و زوجه
قال تعالى ” وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ..” النساء 1
وبذلك فبني آدم لهم أب واحد وأم واحدة وتجمعهم ذرية واحدة وأصل واحد، وأما التعدد الذي أباحه الله لهم فهو للوقاية والعلاج وكحل للتعامل مع امور حياتنا المعيشية والإجتماعية أي لمن يشتركون بالذرية الواحدة وبالتالي فلا يوجد وجه للمقارنة بين خلق الله لآدم زوج واحد ومسألة تعدد الأزواج لنقيس عليه لأن الغرض من كل واحد منهما يحتلف عن الآخر فخلافة الأرض حملت التكليف أما التعدد فأبقى الله لنا بالخيار فيه
أما في التفريق بين اقامة العدل في نكاح النساء وهو “العدل في القوامة عليهن” وبين اقامة العدل “بين” النساء فنقول
بأن العدل في القوامة على النساء
هو العدل في قوامة الرجل على النساء من خلال النفقة عليهن والذي أشار الله عليه في قوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً
لقد كلّف الله الرجل بالقوامة على المرأة
فقال تعالى “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ … ” النساء 34
فالرجال قوّمين أي إذن مُكلفين وتقع عليهم مسؤولية صيانة النساء ورعايتهن والإنفاق عليهن وتقديم احتياجاتهن المعيشية بالكامل وهم المشرفون على رعايتهن وتوفير الحماية لهن وهذا هو معنى القوامة
لقد اخبرنا الله بحقوق للمرأة مطلوب من الرجل تقديمها لها، وتنقسم هذه الحقوق إلى حقوق ماليّة وحقوق غير ماليّة، أما الحقوق المالية فهي أولاً: حقّها في الصداق “المهر” الذي يُفرَض لها مرّةً واحدة حين العقد
قال تعالى “وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً” النساء 4
والصداق في الفقه الإسلامي هو ما يدفعه الزَّوجُ لزوجته بعقد الزَّواج معجّلاً أو مؤجّلاً إكراماً لها حقا مفروضا على الزوج، وهو العطية التي يبتغى بها وجه الله تعالى … ويكون الغرض منها الرغبة في تحقيق سنة الله في خلقه لنا
قال تعالى “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” الروم 21
فيقدم الرجل الصدقة باحثا عن الأجرفيقوم بالعمل بسننه ارضاء له وتقربا اليه ورجاء في الثواب فجعل الله في التزاوج بين الذكر والأُنثى مكانا للسكن والاستقرار واحاطه بالالفة والطمأنينة أي جعله مرتقاَ للقيم الإنسانية المعنية بالمودة والرحمة وصالحة للتعايش وزرع بذور الخير ونشر الإلفة بين الناس
وثانياً: لقد جعل الله لها حق عليه في النّفقة “والستر” من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والعلاج
قال تعالى ” وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ” البقرة 233
وهناك حقوق الزّوجة غير الماليّة وهو حسن المعاشرة وأن يُعاملها بالمعروف
يقول الله سبحانه “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا” النساء 19
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم. رواه الترمذي، تحقيق الألباني: حسن صحيح
وبالتالي فالمقصود في قوله تعالى “وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” هو العدل في نكاح الرجل من الإثنتين من النساء، والعدل في نكاح الرجل من الثلاثة من النساء، والعدل في نكاح الرجل من الأربعة من النساء أي لئن يعطي لكل واحدة من نساءه حقوقها الزوجية كاملاً وبدون أي تنقيص أو تقصير أو تقديم واحدة منهن على الأُخرى
وبالتالي فمن لا يستطيع أو لا يقوى لأن يقدم لهن حقوقهن الزوجية التي أشرنا عليها بالكامل أو خاف لأن يقصر بها فعليه لأن لا يقدم على التعدد ويكتفي بالزواج من الواحدة من النساء
ويقع العدل في القوامة على النساء في العادة تحت تأثير عاملين الأول وهو العامل الضميري الأخلاقي والثاني وهو عامل الشهوة للنساء والذي يوقعه تحت تأثير الغريزة وبالتالي يكون صراع بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة
أما العدل “بين” النساء
والذي أشار الله عليه في قوله تعالى “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا – بَيْنَ النِّسَاءِ – وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا” النساء 129.
فهو عدل من نوع آخر لأن السر يكمن في قول “بين” فهو مفتاح التفسير في الآية الكريمة وهو العدل في التحكيم بينهن والذي يقع تحت تأثير الشهوة والهوى والميول الشخصي
إن قوله تعالى “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولو حرصتم” يُشير على طرفين متخاصمين أو مختلفين في ما بينهما وهنا تُشير الآية على النساء بين بعضهن البعض فالله يقول “بين النساء” ولنا امثلة على ذلك
يقول الله تعالى ” وَإِذَا حَكَمْتُم – بَيْنَ النَّاسِ – أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” النساء 58
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ – بَيْنَ النَّاسِ – بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا النساء 105
كانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ – لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ – فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ البقرة 213
وبالتالي فالزوج ليس طرفاً في الخصومة “النزاع” أو الخلاف بل هو حكم والمطلوب منه لأن يكون عادل في فض الخلاف وذلك في الحكم بينهن ولكن الله يحذرنا وينذرنا من عدم قدرتنا على التحكيم العادل والخالي من الميول حتى لو حرصنا على اقامة العدل في أي مسألة خلافية فيما بينهن
يقول الله تعالى “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” آل عمران 132. ويقول ” حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ” البقرة 238. ففي هاتين الآيتين الكريمتين نرى بأن الحديث أتى بصيغة الجمع أي للجماعة في قوله ” وَأَطِيعُوا و حَافِظُوا و وَقُومُوا” ألا أن الخطاب موجه لكل فرد بشكل مستقل أي لكل واحد فينا وهكذا كان ذلك في قوله تعالى “فانكحوا ما طاب لكم من النساء” وفي قوله “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ” وبالتالي فهو تنبيه لكل فرد ولكل شخص رغب في التعدد أو قام بمهمة التحكيم بين نساءه
ولكن لماذا لن يستطيع الرجل لان يقيم العدل في الحكم بينهن … والإجابة على ذلك تقع تحت تأثير العوامل التالية
العامل الأول: وهو حب الشهوة للنساء
قال تعالى “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ … ” آل عمران 14ا فحب الرجال للشهوات والذي وصفه الله بأته متاع الحياة الدنيا كان أولها حبه لشهوة النساء والتي تختلف من الواحدة للأُخرى، والشهوة هي الرغبة الملحة والتتوق للشيء والشوق إليه
العامل الثاني: وهو اتباع الهوى
قال تعالى “… فلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ” النساء 135
والهوى هو العِشقُ ويكون في الخير والشر وهو ميل النفس إلى الشهوة
العامل الثالث: وهو تأثير النفس الأمارة بالسوء على الإنسان
قال تعالى ” إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي” يوسف 53
فمن يقع تحت تأثيرها يتصرف بإندفاع وتهور ولا يجعل دور للمحاسبة والحكمة والضمير في تصرفاتهوبالتالي تكون الغلبة في هذه الحالة لفجور النفس على تقوى النفس
قال تعالى ” وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا, فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا” الشمس 7 – 8
الإلهام ما يُلْقِي بِهِ اللَّهُ مِنْ أَمْرٍ فِي نَفْسِ عِبَادِهِ ويجعله بالقادر على اتخاذ قراره بنفسه وهنا حدد الله ذلك بالفجور والتقوى … والفجور هيئة حاصلة للنفس بها يباشر الإنسانُ الأمورَ على خلاف الشرع وارتكابه للمعاصي، أما تقوى النفس فهي خشيتة الله وامتثالُ لأوامره واجتنابُ لنواهيه
وبالتالي فالميل الذي أشار الله عليه في قوله تعالى “فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا” أتى مصاحباً للتحذير الذي أتى الله فيه بـ لا الناهية فقال: فـ “لا” تميلوا وذلك لينهانا عن الميلان الناتج عن دور الهوى والشهوة والنفس الأمارة بالسوء وفجورها في التأثير على التحكيم وبالتالي فالميول النفسي والشهواني هو من عيوب الرجل ولذلك وصّاه الله وحذّره من أن يذرها كالمُعَلقة والإشارة هنا على من لا تهواها نفسه أو تهاواها بدرجة أقل من الُأُخرى
قال تعالى “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم – بَيْنَ النَّاسِ – بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ” ص 26
وأصل الذر في “فتذروها” في قوله تعالى “تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ” هو التفريق والترك ولأن تذر الشيء هو لأن تلقيه وتفرقه وهنا التفريق واضح بأنه بينهن، إذن وحتى مع كامل الحرص على العدل بينهن فلن نستطيع كرجال تحقيقه ولذلك وصّانا الله بالإعتدال ونهانا من أن تصل درجة الميلان عندنا “اتباع الهوى” تجاه واحدة أكثر من الأُخرى لأن ذلك سيكون بمثابة تهميش وترك واحدة منهن على حساب الأُخرى
قال تعالى “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ” النازعات 40 – 41
وقال تعالى “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَ‌ٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” الأنعام 152
وبالتالي فعلينا بالقبض على العصى من وسطها وابقائها في حالة استقرار وثبات واتزان .. وهذا هو العدل والقائمين على ذلك هم وحدهم الحريصيين على اقامة العدل وطاعة الله والعمل بوصيته
وهنا وبالرجوع للآية الكريمة 129. من سورة النساء نفسها نرى بأن الله بعد التوضيح والتحذير الذي الحقه بها يُخبرنا بالقول “وَإِن تُصْلِحُوا” حيث هنا يطمئننا الله بان إذا كان الغرض من التعدد هو اصلاح المجتمع والبيت الاسلامي واعادة تاهيله وترميمه وبناءه فقال “وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا” أي على أن يكون الإصلاح مصحوب بتقوى الله وعندها سيكون الله كفيل بعملكم وسيكون غفوراً ورحيما بكم، وبالتالي فمن اتقى الله وقدّم اكبر ما في استطاعته وكانت غايته الإصلاح وكان حريص على اقامة عدل الله وتقواه فإنه سيكون وبلا شك من المفلحين، وبالتالي فلا تجعلوا من عدم قدرتكم على العدل بأن لا تقدموا عليه اذا كانت نيتكم اصلاح المجتمع والعمل بتقوى الله ومخافته فالله يطمئنكم بأنه غفور ورحيم
قال تعالى “وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” آل عمران 200
وقال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” المائدة 35
فحتى ولو أخفق قليلا في فعل الخير فإن الله سيكون به غفوراً ورحيما
يقول الله تعالى “فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ” التغابن 16 .
ولذلك فسيتغاضى الله عن عدم اكتمال قدراتنا وهو اعلم بها
قال الله تعالى ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا” الطلاق 2
كما وذكرنا الله بمحبته للمتقين فقال تعالى “بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ” آل عمران 76
وأخبرنا بما ينتظرهم .. فقال تعالى “ِإنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ” الحجر 45
وقال ” فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ” النازعات 41
ولكن ما هو مصدر الخوف في قول “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى” … والخوف في قول “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” وما المقصود فيه وما هي حقيقته

يقول الله تعالى “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا” النساء 3
لقد استدعت الضرورة لأن نتوقف ونتأمل ونتدبر في قوله تعالى “وإن خفتم” و “فإن خفتم” قبل الإنتهاء من الحديث عن تشريع الله لنا بالتعدد، فماذا يعني التخوف من عدم القسط باليتامى أولاً … وماذا يعني التخوف من عدم العدل في النساء ثانياً
فكما نلاحظ فلقد شجع الله على التعدد ولكن ربطه بالخوف وهو التخوف الناتج عن الحرص: فبيّن لنا بأن تعدد النكاح “حتى الأربعة من النساء” هو مسؤولية الشخص الذي يُقدم عليه والدليل على ذلك هو ذكره لدور الخوف في اتخاذ قرار التعدد “اي إشارة على دور وتأثير العامل النفسي والعقلي عليه”، ففي بداية الآية الكريمة قال تعالى “وان خفتم ألا تُقسطوا” فالخوف هو الذي بُني على أساسه التعدد فكان بأن استبق الله تشريع التعدد بجملة شرطية ابتدأها بقوله “وإن خفتم”، ولكن فالخوف نفسه أعاد الله ذكره في قوله تعالى “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” حيث أتى بالمنع والنهي عن التعدد فقال “فواحدة” أي عاد الله وقيد التعدد بالعمل به أو الكف عنه بجملة شرطية أُخرى ابتدأها بقوله تعالى “فإن خفتم” فأصبح من الملاحظ بأن “الخوف” هو الميزان الذي يجب أن يعتمده المسلم في تقييمه لمسألة التعدد وفي القوامة على النساء بالعدل
ولكن فما الفرق بين التخوفين، الخوف المقرون بالقسط والخوف الآخر والمقرون بالعدل
إن الخوف يقسم في الآية الكريمة الى نوعين
النوع الأول من الخوف وهو الذي أشار الله عليه في قوله تعالى “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى” وهذا معناه بأنكم حريصين على أن تكونوا قوّامين لليتامى بالقسط ولكن وبنفس الوقت يراودكم شعور بالخوف والقلق من أن لا يكون بمقدوركم القسط فيهم، وهو الخوف الأخلاقي وهو كل ما يقع في دائرة الحرص والمتمثل بدوري كل من النفس اللوامة والنفس المطمئنة العقلانية في تعاملها مع الأمور الأخلاقية وهو تخوف ناشيء عن ارتقاء الادراك والوعي النفسي والمصحوب بأعلى درجات الصحوة الضميرية ويكون التخوف فيه عامل قوة يكون فيه الرجل رقيبا على نفسه، قال تعالى ” بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ” القيامة 14

أما النوع الآخر من الخوف فهو الذي أشار الله عليه في قوله تعالى “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً” أي وهو في تردد وشك في قدرته على العدل، وهو الخوف الناشيء عن الصراع النفسي بين الخوف الأخلاقي المتمثل بالنفس اللوامة وهي في حالة الوعي والإدراك النسبي وتأثير الطبيعة الغريزية للنفس الأمارة بالسوء والمدفوعة بهوى النفس وشهوانيتها عليه ويكون التخوف فيه عامل ضعف

الخوف أو التخوف الأخلاقي والناشيء عن ارتقاء النفس الإنسانية
هو النوع الاول من الخوف والذي همه الإصلاح وحل المشاكل الاجتماعية الغاية منه علاجية، ويُمثل شعور بالإدراك ينبع من إرادة حية تُعبر عن انتصار للنفس العقلانية المؤمنة الراقية وتُشيز إلى احساس ووعي ضميري متقدم ومتفوق فهو شعور نفسي يتملك الأنفس التي تبحث عن الحلول المنطقية والإنسانية والأخلاقية الحميدة وبالتالي يُعبر عن مجتمع تُحيطه القيم الإنسانية والاخلاقية المتقدمة، فيقول الله فإن وصلتم لهذا الإرتقاء العقلي الواعي والذي تغلفه التقوى وخشية الله فسوف أُبيح لكم التعدد على أن لا يزيد عن الأربعة ولكن يبقى هذا التعدد مشروط بالعدل في القوامة على النساء أي له مُقيد بضابط يضبطه
والجدير بالملاحظة هنا وهو بأن اول ما بدأه الله تعالى من الحديث هو بـقوله تعالى “وإن خفتم” فمخاطبة الله لنا بهذه الصيغة هو دليل على أن ثقافة المسلم الحقيقي التقي هي ثقافة عقل سليم حريص يستند على الوعي والتفكير المنطقي السليم والضمير الحي، وتخوفه من أن لا يؤدي واجبه الإجتماعي والإنساني والأخلاقي تجاه اليتيم لهو أكبر دليل على رقي المجتمع الإسلامي الحي والقوي بأخلاقه وقيمه وبالتالي يدفعه حرصه لفعل الخير للعمل على إيجاد الحاضنة الإجتماعية لليتامى وذلك من أجل توفير حاجتهم المعيشية وتحقيق الضمان الإجتماعي لهم، وبما انها أتت كرد على تخوفنا نحن إذن فهي بدافع الحرص على تحقيق الضمانات والحقوق الإجتماعية بالدرجة الأولى والتي تبنى عليها مصالح وصلاح المجتمع بأكمله
إذن فلفد أباح الله للمسلمين بتعدد الزوجات في حال التخوف من التقصير في إعالة ورعاية اليتيم وضمان حقوقهم المعيشية والإجتماعية ولم يأت نص قرآني آخر يبيح للرجال بالتعدد سوى من خلال هذا الباب الضيق وذلك حتى يعي الناس مدى صعوبة الإقدام عليه
كما وأشار الله إلى أهمية العدل في الزوجات وبأن لا يزيد عددهن عن الأربعة وبشرط أن يُعطى لكل منهن حقها بالكامل .. فالعدل هو إعطاء لكل من له حق حقه على أكمل وجه وبدون النظر لأي اعتبارات اخرى قد تحول من ذلك ولذلك فحتى وبعد التصريح بالزواج من الأربعة من النساء كحد أقصى زكّى الله العدل على التعدد فقدمه عليه أي لم يُبيح الله التعدد من دون سبب كما ولم يتركه بدون ضابط وجداني يُقيِّم من خلاله الفرد تصرفات نفسه عن وعي فيكون الرجل بصير على نفسه لأن الله سيُحاسبه على نيته وقصده وقوله وعمله وبالتالي فعليه بالحكم بما يُرضي الله وبما يتناسب مع فطرتنا الطيبة على فعل الخير وبالتالي فالخيار لنا في اقراره أي الإقدام عليه أو الغاءه وتجنبه وذلك حسب ما يتناسب مع ظروفنا وحاجاتنا الإجتماعية وما تمليه عليه ضمائرنا ووعينا وادراكنا كأفراد
الخوف أو التخوف الأخلاقي الواقع تحت تأثير الغريزة وطبيعتها الأمارة بالسوء والمدفوعة بهوى النفس وشهوانيتها – الخوف هنا عامل ضعف منبعه التردد والشك وينقصه اليقين
وبالتالي فالله شديد الوضوح في قوله “فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة” والذي فيه إشارة على الخوف الغريزي والذي فيه نهانا عن التعدد إذا كُنّا قد نفشل في تحقيق عدل القوامة على النساء أي الإنفاق عليهن بكامل حقوقهن، ولكن ما هي علاقة الخوف بالعدل وللإجابة على ذلك نقول بأن حالة الشعور بالتخوف بحد ذاتها على الرغم من تعقيد دورها هي دليل على الإرتقاء الإنساني كما سبق وذكرنا لأن الإنسان يعيش فيها حالة من الوعي والادراك والترقب نتيجة شكوكه في قدرته على اقامة العدل لأن هذا التخوف في مواجهة مع حالة غريزية “شهوانية” مؤثرة ومزروعة في كيانه الخلقي وبالتالي فالتخوف هنا ينشأ عن صراع بين نفسه اللوامة ونفسه الأمارة بالسوء
فنفس الإنسان اللوامة والتي في الإشارة عليها كان قوله تعالى “وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” القيامة 2. والتي حين نصل في وعينا إلى درجة المراجعة والمحاسبة “أي اللوم” نكون على قدر كاف من الوعي والإدراك لضرورة وأهمية المحافظة على القيم الإنسانية والأخلاقية ونكون قد فهمنا قوله تعالى ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ..” النحل 90 . وكذلك أدركت أهمية المحافظة على مصالح وحقوق الأفراد والجماعات وكانت قد تنبهت لما أتى في قوله تعالى “وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” الحجرات 9. وبالتالي عملت على تحقيقه لأن النفس الإنسانية في الحقيقة تعي دورها وما قدر الله لها وسوّاها عليه قال تعالى “ونفس وما سوّاها” وقال “قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها” ولذلك فهي تعبر عن ارتقاء ذكي وعقلاني بمفاهيم العدالة الإجتماعية من خلال الأسس التي بنيت عليها أمور العقيدة والمربوطة بفطرتها ولكنها في هذه المرحلة لا زالت لا تقوى على مقاومة غريزتها الشهوانية أو كبحها … وهذا الخوف دليل ضعف مصحوب بالشكوك في قدرة الإنسان على تحقيق عدل القوامة “عدل الإنفاق” لأن الله قال “ذلك أدنى ألا تعولوا” أي المقرون بالإعالة لأنه دائماً يكون تحت تأثير الهوى المغروس بالنفس الإنسانية وبالتالي أتت لتوضح حالة الميول الغريزي لنفسه وشهوانيتها حين يتعلق الموضوع بالنساء فتهوي إلى درجة النفس الأمارة بالسوء، قال تعالى ” إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ” يوسف 53. فالخوف في هذه الحالة وعلى الرغم من أنه شعور نفسي بعدم الرضا وتُغلفه الحيطة والحذر لكنه يبقى محفوف بالشهوات وبالتالي فعلى الرغم من أن قيم الشخص الأخلاقية والإنسانية المتطورة والمتقدمة تلومه وتحاسبه وتراجعه ألا أنه يبقى من غير مأمن لأن تأثير الغريزة على النفس تجعل من الشخص وكأنه أحد المشاركين في لعبة شد للحبل، فالتخوف هو ناتج عن ارتقاء فكري ووعي متقدم يحاول سحب الشخص إلى طرف الحبل الذي سيُشعره بالأمان والإطمئنان ولكنه في نفس الوقت في صراع نفسي باطني مع الغريزة والتي هي في الاصل مغروسة فيه والتي تحاول جذبه للإتجاه الآخر من الحبل لتسقطه وتهوي به ومن معه إلى الأرض وفي الوحل
ولذلك فالتخوف فيها لا يعبر عن استقرار الحالة النفسية للمتخوف، كما أن المتخوف هنا لا يؤمن بقدرته على تجاوز حاجز الخوف، ولذلك فالتخوف يُنذرنا بضعف قدراتنا على الإلتزام بالقيم الدينية والأخلاقية والإنسانية ويُشير على حالة يسودها الوعي الغير مكتمل وغير ناضج والشعور الغير مستقر في ما ستنتهي إليه الأمور وبالتالي فهو يراوده احتمال انتصار الغريزة على العقل والإدراك والمنطق مجتمعات، فنفسه اللوامة تُدرك بانه لن يقوى على العدل في النفقة عليهن ومع ذلك فهناك قوة دفع غريزته للشهوة تضعفه وتجعله يُقدم على التعدد متجاهلاً أمر الله له بان يقيم العدل فحاله كحال السارق فهو يعلم بان السرقة حرام ومع ذلك تدفعه نفسه الأمارة بالسوء للسرقة ويتغلب ذلك على حكمة عقله وإدراكه وضميره، وكذلك القاتل والزاني والكاذب والمقامر والمجرم والمغتصب فكل منهم يفكر ويعي خطورة ما هو مقدم عليه ومع ذلك تراه يندفع وراء غرائزه سواء حبه للنساء او البنين أو المال أو غيرها من الملذات والشهوات
قال تعالى ” زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَ‌ٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ” آل عمران 14 .
ولذلك فهو سينهزم وسيتهاوى وينهار تحت تأثير هجمات الغريزة على الرغم من انتباهه وتحذير نفسه له من نفسه ألا أن تحذير النفس ناتج عن اصرار الغريزة في التحكم فيه وهذا دليل على صراع نفسي متقدم كما سبق وذكرنا فالوعي موجود والإدراك كذلك ولكن الغريزة تلعب دور كبير في التأثير على السلوك والتصرفات … فمن تخوف من تأثير الغريزة عليه ولم يقدر على أن ينهى نفسه عن الهوى فعليه بأن لا يتزوج بالأكثر من واحدة لأن تخوفه ينبع من نفسه هو وبالتالي فمصدر شعوره إذن حقيقي وعليه لأن يأخذه على محمل الجد، ولذلك فتخوفه مع أنه يُشير على فطنة ووعي فهو أيضاً يُعبر عن ضعف في كلاهما أمام تجسد الغريزة المحفوفة بالشهوات والتي يكون لها النصيب الأكبر .. فكثيرا ما ينتاب الشخص فيما بعد الشعور بالندم والخزي والإعتذار وطلب الصفح والإقدام على التوبة على ما فعل ولذلك فيحذره الله من تمكن نفسه منه ويذكره بضعفها في بعض الأحيان وبأن الغلبة في الحالة هذه هي لنفسه الأمارة بالسوء والتي لم تصل بعد لدرجة أو مرحلة الإطمئنان، ولذلك فإذا خفت اذن تكون قد أظهرت وعي ولكن هذا الوعي غير كاف لأنه مصحوب بضعف غريزي ولذلك نهى الله المتخوف عن الزواج من أكثر من واحدة فقال “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” إذن وأنت في هذا الحال تكون غير مؤهل للتعدد لأن تخوفك لا يُمكن تجاهله وبالتالي فغريزتك في النهاية ستتفوق على قدراتك العقلية والمنطقية والأخلاقية والله يقول هذا الصراع انت فيه خاسر طالما أنت ضعيف وبالتالي ستُهزم وتستسلم لهيمنة الغريزة على نفسك وستتبع شهواتك وعندها يكون موضوع التعدد لاغٍ من أساسه وبالتالي يسقط التشريع عنك ولا يُعد مسموح به أي فهو غير مُباح لمن تملكه طبيعة غريزية بدون رادع اخلاقي فهي ستدفعه وتأمره لإتباع الشهوات وقد حذرنا الله من ذلك
فقال تعالى “فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا” النساء 135
ولكن أيضاً هذا لا يعني بأن نفسه اللوامة لن تنتصر لفعل الخير وتعبد الطريق له فيحسن العمل بأمر الله له لأن يعدل … وهنا نرى التذكير لاهمية العدل عند الله ولذلك قدم الله حكم العدل في نكاح النساء على القسط في اليتامى لأن على الرغم من كبر مشكلة التعاطي مع اليتيم وتحقيق ضمانات العيش الكريم له لكنها تبقى أقل ضرراً من مشكلة عدم تحقيق العدل في القوامة على النساء وبالتالي فالله أقرن ذلك بالشعور بالخوف الذي قد ينتاب الراغب بالنكاح فيتردد نتيجة حرصه على العدل والعمل بأمر الله وبالتالي فإذا كان ضميره يراجعه ويحاسبه ويبقيه في حيرة من أمره فيذكره الله لأن يعمل حسب ما يمليه عليه ضميره وشعوره ويشجعه عليه لأنه هو المسؤول عن تقييم هذا الشعور فمن العقل لأن يتخوف ولذلك فالله يعفيه من مسؤولية التعدد،.. إذن فالتعدد ليس لمن يسوده الشعور بالخوف المبني على الشهوة ومطالبها الغريزية ولذلك نهى الله صاحب هذا الخوف عن التعدد
اما من أقدم على التعدد بدون أن يراوده الشعور بالخوف وبدون أن يحتكم للمنطق او قوى العقل الذكية في تدبير وإدارة أمور حياته وكان شخص لا مُبالي ومدفوع بالغريزة وحدها ولا يؤرق مضجعه أو ضميره الخوف من أن لا يكون بالقادر على العدل ولا يهمه الأمر من بعيد أو قريب فالعدل لا يرتقي بسلم أولوياته وبالتالي فهو يتحرك حسب غريزته وشهوته وتدفعه نفسه الأمارة بالسوء فتسوقه بشراهة ليشبع حيوانيته ضاربا بعرض الحائط كل القيم والحقوق والواجبات والفرائض الدينية والأخلاقية
قال تعالى “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)” الشمس.
وأما من أقدم على التعدد وكان ينشد مرضاة الله في ذلك ونفسه مطمئنة ولم يراوده الخوف من أن لا يعدل فهو مباح له، والله يقول “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا” أي فلقد ربح وفاز من أظهر نواياه وأفعاله الطيبة التي أمره الله بها فارتقى بفعل الصالحين وعمل الخير، و” وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” اي خسر من أخفى نواياه وأفعاله السيئة التي نهاه الله عنها فأقبل عليها بدسَّ نَفْسَه مع الصالحين وأهل الخير وهو ليس منهم، وبالتالي فمن دسّاها فهو ليس له دور حضاري مميز بل دور فاسد ويؤدي الى فساد الأخلاق والمجتمعات وتدهورها وانحلالها فهو اذن اقبل على التعدد بنية الاشباع الغريزي وليس من أجل إصلاح المجتمع والحرص عليه .. وينبهنا الله من شر أعمالهم
فيقول الله تعالى ” وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا” النساء 27 .
ويقول تعالى ” فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا” مريم 59 .
فالشخص منهم لا يعبه بعدم قدرته لتحقيق العدل “عدل القوامة على النساء” نتيجة جهله وقلة وعيه الفكري والعقائدي وحبه لنفسه فهو تمتلكه النفس الأمارة بالسوء والتي لا تحتكم للمنطق والوعي ولا الضمير في تقييم أفعاله ولذلك فهو ليس معني بالقيم الإنسانية والأخلاقية ولا بالقوانين السماوية وبالتالي فهذا الإنسان الغير مسؤول لا يملك حتى مسآئلة نفسه أو محاسبتها فهو اضعف من الشخص المطمئن اذا اقدم على التعدد لأنه يكون على الأقل في حالة من الإدراك والوعي وراحة الضمير على ما سيقدم عليه، وكان حريص على أن يُقيم الحقوق وهذا مؤشر على ارتفاع في درجة وعيه الفكري ورقي إيمانه وتمسكه بالقيم الاخلاقية وحرصه على العدل الإجتماعي وضمان حقوق ومصالح الأفراد اي فهو ممن اقترب من منزلة “النفس المطمئنة” والتي تمكنه من أن يكون بالحريص على اتخاذ التدابير الضرورية واللازمة لإقامة العدل على أكبر قدر منه فاحتاط لذلك وعمل بحذر ومسؤولية
قال تعالى ” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) الفجر
فوصف الله نفس صاحبها “بالمرضية” فهي في رضى من الله ودليل تقواها هو تخوفها فعملت بالخلق الحسن فنهى نفسه عن الهوى
فهو كما قال تعالى “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) النازعات
فمن خاف مقام ربه وقيّد شهوته فهو من تخوف وقدّر وحرص لان يقسط في اليتامى فهو بلا شك الوحيد المعني بالتعدد
فالله يخاطب في هذه الآيات الكريمة فئة معينة من الرجال وشريجة ونخبة راقية من المجتمع وهم بالخصوص اصحاب الضمائر الحية، وترخيص التعدد أتى لهم وحدهم وليس لكل من اراد التعدد من اجل إشباع غريزته وشهوته من النساء
وللتذكير فإن المطلوب من الرجل هو بأن يعدل في قوامته على النساء والله لم يقل بأن الرجل لن يستطيع ذلك وبالتالي فهناك إذن من هو بالقادر على العدل في القوامة عليهن لأن هناك من ميسوري الحال والمقتدرين مادياً حتى ولو كان الواحد فيهم يميل في هواه لواحدة من النساء ويشتهيها وبذلك يفضلها على الأخرى فإن تقوى نفسه وحرصه على فعل الخير وكرم اخلاقه لن تمنعه من العدل في النفقة عليها ودفع لها حقوقها بالكامل وبالتالي فالعدل فيهن ممكن وغير مستحيل حتى مع اتباع الزوج لهواه لأن العدل فيهن قائم على اساس القوامة بالنفقة عليهن قال تعالى ” الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ” النساء 34
إذن فهناك منهم من هو بالقادر على أن يعدل في النفقة عليهن وهناك من هو غير بالقادر على ذلك … أما في العدل بين النساء فإن الله أخبرنا بعدم استطاعة الرجل لأن يحكم “بين النساء” بالعدل لأن الموضوع هنا ليس موضوع نفقة أو قوامة مصحوب بالهوى أو يقع تحت تأثيره ولكن الموضوع منسوب حصرياً لميول النفس وطبيعتها الغريزية الأمارة بالسوء فيقدم الواحدة ويهمل الأُخرى متبعاً هواه وشهوانيته
فاصحاب العقول الراقية هم من خاطبهم الله وقال لهم “فانكحوا ما طاب لكم من النساء” فأحل ورغّب في نكاحهن والرغبة في الشيء توجد المحبة والود والإنصاف والعدل والسلام أما إذا امتلك الشخص أي شعور سلبي قد يدفعه لأن يشك بقدرته على تحقيق العدل نهاه الله عن التعدد خاصة وأنه يعلم بأن الله “يأمر بالعدل” فإذا لم يمتثل لأمر الله فهو سوف يوقع نفسه في معصية الخالق، وفي ذلك تنبيه لمن يتزوجون باكثر من واحدة ويظلمونهن ولا يعدلون في القوامة عليهن لأن نيتهم في اغلب الاحيان هي للزواج من الأجمل والأصغر سناً .. وينسون أو في الحقيقة يتناسون ما أمر الله به.
فبعد أن أوضح الله لنا أهمية العدل في القوامة على النساء بيّن لنا بأن نباهة الحريصين هي في محلها لأن العدل في النساء حتى مع اعلى درجات الحرص تبقى مهمة صعبة ومحفوفة بالمخاطر
قال تعالى “لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا” النساء 135
ولكن للضرورة احكام ولذلك اباح الله التعدد
قال تعالى “فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” التغابن 16
فكانت رخصة أقرها الإسلام ولكن لم يأمر بها أو يفرضها ولكن جعل بيدنا إقرارها والعمل بها أو الإمتناع عنها فإذا اقررناها فهي مشروطة بالعدل والذي أمر الله به وبالتالي فإن التعدد يختلف حسب الزمان وحسب المكان أي محكوم لاختلاف الظروف الإجتماعية ويغلب عليه القياس والإجنهاد
ثم قال تعالى: او ما ملكت ايمانكم …. فما هو المقصود بذلك
وهل كل ما ملكته الأيمان “مُلك اليمين” محصور بالجواري والسبايا أم أخطأ العلماء في تفسير معنى مُلك اليمين في هذه الآية وعلى ماذا يشمل .
لقد فُسِّر قوله تعالى “او ما ملكت أيمانكم” من قبل العديد من المفسرين كالتالي: وهو بأن عليكم لأن تقتصروا على ما ملكتم من الإماء إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات من الحقوق وبالتالي اصبح المعنى العام للآية الذي ذهبوا إليه وهو “فعليكم بنكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسري
وفي تفسير ذلك قال الإمام ابن كثير: أما قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن كما قال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) فمن خاف من ذلك، فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري فإنه لا يجب قسم بينهن. تفسير ابن كثير
ويقول الطبري في بيان معنى الآية الكريمة: “وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك فخافوا في النساء فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن من واحدة إلى الأربع، فإن خفتم الجور في الواحدة أيضا فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن”. فالعدل مطلوب قبل الزواج وبعده؛ وذلك بأن يغلب على ظن الولي العدل في يتيمته حال نكاحها، أو في غيرها من النساء إلى الأربع، حتى وإن غلب عليه عدم العدل في الواحدة ففي ملك اليمين. فقال انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم، ما أبحت لكم منهن وحللته، مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم أيضا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة؛ بأن لا تقدروا على إنصافها، فلا تنكحوها ولكن تسروا من المماليك، فإنكم أحرى ألا تجوروا عليهن؛ لأنهن أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور
ولذلك نتسائل فهل يُعقل لأن يكون الله قد اباح وشرّع تعدد الزوجات وحدده بأن لا يزيد على الأربعة ولكن وبنفس الوقت أباح المعاشرة اللا شرعية لـ “ما ملكت أيمانكم” ولم يُحصره حتى بعدد والذي أشار عليهم ابن كثير والطبري بالسراري فقالوا تسروا بالمماليك وقللوا من حقوقهن مع أن
الله يقول “وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ النساء” النساء 25
كما ولقد وصّى الله وحث على نكاح مُلك اليمين فقال “من فتياتكم المؤمنات – أي الجواري أو السبايا” لمن لم يستطع نكاح المحصنات المؤمنات “أي الحافظات لفروجهن من الحرائر أو من المتزوجات فالله يقول: فانكحوهن “أي تزوجوهن”، وأتوهن اجورهن بالمعروف “أي صداقهن” إذن فالنكاح الشرعي مشروط بتقديم الأجر ولأن يكون الغرض والقصد منه هو التحصين بالإمتناع عن الحرام “أي محصنات” وللتعريف بالتحصين فهو مُشتق من الحصن والذي يلتفه ويُحيطه الجدار المنيع والذي لا يمكن امتطاءه بسهولة وذلك إشارة على الإستقامة والحفظ والإتقاء والتماسك والمنعة والعفة والستر ولذلك قيل للحافظة لفرجها مُحصنة سواء أحصنت فرجها وحفظته من دون أن تقدم على النكاح فتعففت ولنا مثل في التحصين كان في قوله تعالى ” وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا” التحريم 12 … فقال: محصنات عير مسافحات، والتَّسافُحُ والسِّفاح والمُسافحة هو الزنا والفجور؛ وتقول العرب: سافَحْته مُسافَحة وسِفاحاً، وهو أَن تقيم امرأَةٌ مع رجل على فجور من غير تزويج صحيح؛ ويقال لابن البَغيِّ: ابنُ المُسافِحةِ؛ وفي الحديث: أَوّلُه سِفاحٌ وآخرُه نِكاح، وهي المرأَة تُسافِحُ رجلاً مدة، فيكون بينهما اجتماع على فجور ثم يتزوّجها بعد ذلك، وكره بعض الصحابة ذلك، وأَجازه أَكثرهم. والمُسافِحة: الفاجرة؛ وقال تعالى: مُحْصَناتٍ غيرَ مُسافِحات؛ وقال أَبو إِسحق: المُسافِحة التي لا تمتنع عن الزنا؛ وقال: وسمي الزنا سِفاحاً لأَنه كان عن غير عقد، كأَنه بمنزلة الماء المَسْفوح الذي لا يحبسه شيء وفي ذلك الإشارة الواضحة على التقيد بما شرع الله في نكاحهن وليس التسري أي التفحش بهن، وقال أيضاً: وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ أي ولا لأن يكون الغرض من الإقتران بهن هو المصاحبة أي التسري بهن ومعاشرتهن معاشرة الأزواج بالحرام” وهذا شبيه بثقافة الجنس التي ينتهجها الغرب في تبنيهم لنهج المصاحبة – الجيرل فرند والبوي فرند بدل التحصين” وبالتالي فيجب معاملتهن معاملة المحصنات المؤمنات “الحرائر”، بالإضافة على أن لا يتم نكاحهن إلا بموافقة أهلهن أي من أعلن أهليته لهن ولمن كان يملكهن على ان يقبل لهن مهراً يكون ثمن اعتاقهن، فقال تعالى “وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ” . … إذن فمن أين أتوا بالتسري بهن أو بالزواج منهن للمتعة
وفي حديث البخارى و مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه
قال: “من كانت عنده جاريه فعلمها واحسن تعليمها واحسن اليها ثم اعتقها وتزوجها فله اجران” … وهذا دليل آخر على ضرورة النكاح الشرعي وإلا فلماذا يتزوج منها سيدها إذا كان يحل له معاشرتها بالحرام سواء بالطوع أو الإكراه ولكن فإن رغبن بالتحصن فلا يصح ارغامهن وغصبهن لان تتطاول على حفظها لفرجها وتحصينه أما من وراء ذلك أحل الله لنا نطلب النكاح
كما وتراهم يقللون من حقوقهن على العكس من توصية الله بالإحسان إليهن
قال تعالى “وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰوَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ” النساء 36 .
وهل التسري بهن واستغلالهن ومنع حقوقهن عنهن هو إحسان لهن . .. طبعاً لا فهو على العكس من ذلك وهو الظلم بعينه، أما بتوضيح معنى التسري والذي غاب عن ابن كثير والطبري نقول: تقول العرب سُميت الجارية سُرِّيَّةً لأَنها موضع سُرورِ الرجل. وقيل: وهذا أَحسن ما قيل فيها؛ وقال الليث: السُّرِّيَّةُ فُعْلِيَّة من قولك تَسَرَّرْت، وقال بعضهم: استسرَّ الرجلُ جارِيَتَه بمعنى تسرَّاها أَي تَخِذها سُرية. والسرية: الأَمة التي بَوَّأَتَها بيتاً، وهي فُعْلِيَّة منسوبة إِلى السر وهو الجماع بالسر
وبالتالي فإن تفسير العلماء هذا وضعنا أمام معضلة كُبرى لان التسري هو معاشرة ذات اليمين جنسياً و”بالخفاء” أي بالسر هو على العكس من النكاح الشرعي “والذي أصله التشهير” والذي أمر الله به وشرّعه وهذا فيه تجرؤ على الله وتَقوُل عليه أي بأن الله أجاز التمتع جنسياً بمُلك اليمين مع خلو ذلك من التحصين والحصانة وهذا التفسير الخاطيء يُشير على ان الله يُروِج لأن تشيع الفاحشة بين الناس والعياذ بالله، فالله لا يأمر بالفحشاء بمُلك اليمين ولا بغير ذلك بل على العكس من ذلك فالله ينهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن أي ما كان في السر أو العلن
قال تعالى “قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ” الأعراف 33
وقال تعالى “وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ” الأعراف 28
فالشيطان وليس الله جل وعلا هو من يأمركم بالفحشاء
قال تعالى ” الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ..” البقرة 268
فالتسري بالنساء هو كفعل الزنا لأنه فاحشة علينا اجتنابه ولذلك فمن قرِب منه فقد فحش وقد اقدم على ما حرم الله، قال تعالى “وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا” الإسراء 32
ومن المفكرين الذين زعموا بأن الله لم يُحرم الزنا امثال الدكتور محمد شحرور يستشهدون بما حرم الله علينا في كتابه الكريم حيث لم يكن الزنا من بين ذلك كما أتى في الآيات الكريمة التالية
يقول الله تعالى ” إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ البقرة 173
ويقول “ُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ … ” النساء 23
ويقول “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَ‌ٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” المائدة 3
ويقول “وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” المائدة 96
ويقول “قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَ‌ٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” الأنعام 151
وفي ذلك نقول لهم بأن الله نهانا عن الإقتراب من الزنا لأنه من الفواحش في”الإسراء 32″ واخبرنا بأنه حرّم الفواحش في “الأعراف 33. ونهانا عن الإقتراب منها في الأنعام 151 … وهو ما يأمركم الشيطان به في البقرة 268. إذن فالزنا من المحرمات التي نهى الله عباده عنها وبالتالي فهو حرام كما أتى في النزيل الحكيم
أما لو توقفنا قليلاً عند قوله تعالى “أو ما ملكت أيمانكم” وتساءلنا كيف يُفسر قول الله تعالى هذا خطأً .. وما هي علاقة معاشرة مُلك اليمين في القسط في اليتيم من الأساس وكيف يكون قوله جل وعلا حسب تفسيرهم أي التسري بملك اليمين يخدم القسط في اليتيم ويهتم في مصالحه .. لأنها طبعاً لا تخدم ذلك ولا بشكل من الأشكال فكيف إذن أتوا بهذا التفسير الخاطيء، كما وما علاقة ذلك بأقامة العدل بين النساء وكيف ذهب العلماء من التحصين والتقيد بالزواج من أربعة مع التوصية بالعدل فيهن إلى فتح الباب على مصراعيه امام المعاشرة الجنسية المحرمة اصلاً وبدون اقامة العدل …. ولذلك فلا يجوز مثل هذا الكلام أي الفحش بذات اليمين بدون قيد نكاح ولم يكن هذا ما قاله الله ولكن تم تأويله على هذا النحو من دون تدبر أو مسؤولية ولذلك يجب الإنتهاء والكف عنه فوراً فهو زنى وبغي وفيه تعدي على حرمات الآخرين والتقصير في حقوقهن الإجتماعية والمعيشية
إذن فما هو الصواب في قوله تعالى: ما ملكت أيمانكم
في البداية يجب علينا الإنتباه إلى دور “ما” في قوله تعالى والتي سبقت “مَلكت” وذلك لأهميتها في المعنى والذي يخدم التفسير الصحيح
إن في الكثير من الأحيان تستعمل “ما” في المبهم أمره، ومثال على ذلك وهو حين رؤيتنا في الليل لخيال ما ولكن لا تدري إذا كان لإنسان أم لغير إنسان فتتسائل وتقول: ما ذاك؟ ومثال على ذلك نأخذه من قول منقول لنا في القرآن على لسان إمرأة عمران “أم مريم” وفيه قال تعالى “إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ “مَا” فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” آل عمران 35. فهي لا تعلم ما في بطنها إذا كان ذكر ام أُنثى فهو مُبهم بالنسبة لها، وكذلك قَولَ فِرْعَوْنُ كما أتى في قوله تعالى “وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ” الشعراء 23. فرب موسى بالنسبة له غير معلوم وكذلك في قوله تعالى ” وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ” آل عمران 118. فما هو خفي يبقى مبهم وغير معلوم، وكذلك الحال بالنسبة لقول “ما ملكت أيمانكم” فهو قول مبهم ولم يوضح الله إذا كانت “ما ملكت أيمانكم” تُشير على المماليك من الفتيات “السبايا أو الجواري” على وجه التحديد خاصة وأنه لم يُلحق بها مُعرف ولذلك فليس كُل ما تملكه يمينك يعود بمعناه أو يُشير في الضرورة على سبايا الحرب أو يكون هذا ما هو مقصود به إلا إذا كانت الإشارة عليه بذلك كقوله تعالى “وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ” فقال: فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم. وذلك للتعريف بهن وهنا كان واضح ما هو المقصود بذلك، وكقوله تعالى “وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ” وهنا تعرفنا على المقصود به من السياق والتابع للنساء المحصنات ويعود عليه وبالتالي فإن “ما ملكت أيمانكم” بقيت مُبهمة ولذلك يجب التعامل معها على هذا الأساس لا الحصر
بالإضافة على أن أكثر استعمالات “ما” هي في غير العاقل، وتكون في مواضع منها إذا اختلط العاقل بغيره أي شملت على العاقل وغير العاقل وغُلّب غير العاقل على العاقل لكثرته ولنا مثال على ذلك في قوله تعالى “يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” الجمعة 1. وقوله “بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” البقرة 116 . وقوله “لله ما في السماوات وما في الأرض” البقرة 284
ولذلك فالأصح لأن نفسرها حسب دورها في النص خاصة وأن “ما” في الآيات الكريمة أعلاه شملت على الناس وعلى غير الناس أي “من حيوان ونبات وجماد” وبالتالي شملت على العاقل وغير العاقل، وهكذا الأمر “على الأغلب” المراد به في استعمال “ما ملكت أيمانكم” أي بأنها تُشير على غير العاقل أي غير الإنسان لأن ما ملكت بيمينك هو دليل التملك والسلطان وبالتالي يمكن لأن يكون المال أو غيره من ما تملك عليه من الممتلكات الأُخرى وليس محصوراً في السبايا أو الجواري وحدهم أو كانت قد أتت لتُشير إلى العاقل وحده
وللتذكير مرة أُخرى، فإن قول “ما ملكت أيمانكم” يُشير على المبهم وهو ليس بالإسم حتى نعتمده ونُشير به حصرياً على السبايا أو الجواري وذلك لأن قول “مَلَكت” هو في الحقيقة مُستمد من فعل “مَلَكَ” أي فهو فعل ماضي يعني حاز على الشيء مع أنه يُفيد أيضاً الإستمرارية في التملك وأتى في القرآن على أشكال عدة كما في “ما ملكت أيمانكم” و “ما ملكت أيمانهم” و “ما ملكت أيمانهن” و “ما ملكت يمينك” وجميعها صيغ فعلية أتت بالماضي وتعود على “أيمانكم” بالإضافة على أن ما ملكت أيمانكم ممكن لأن تشمل على الذكور والأناث من المماليك كقوله تعالى “وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ” لأنها لم تُشير على جنس من دون الآخر لا بظاهرها ولا بباطنها، أما بالنسبة لما ملكت أيمانكم من سبايا الحرب “ولا نقول سرايا أو سراري الحرب لانه لا تسَري بالإسلام” والسَّبْيُ والسِّباءُ بلغة العرب هو الأَسْر وسَبَى العدوَّ وغيرَه سَبْياً وسِباءً إذا أَسَرَه، فهو سَبِيٌّ، الجوهري: السَّبِيَّة المرأَةُ تُسْبى. وسَبَى إذا استَخْفَى، وتَسابَى القومُ إذا سَبَى بعضهم يبعضاً.
إن قول “أيمانكم” ومفردها “يمين” ترمز وتُشير إلى القُدْرة والتمكن
قال تعالى “وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) طه
فما “بـ يمينك: مفرد من أيمانكم” وهو ما تستمد منه قوتك وقدرتك وهذا واضح من قول: “اتوكأ عليها، وأهش بها، ولي فيها مآرب أٌخرى” بالإضافة على أن تملك القدرات تبرز في السلطان ومنه المال أو القوة البدنية والسيطرة ولا يقتصر ذلك على تملك الجواري أو السبايا كما حصره الكثير من العلماء فيهن وحدهن، وبالتالي وحسب اجتهادنا يكون المعنى من قوله تعالى “فواحدة أو ما ملكت أيمانكم” هو أي تزوجوا من واحدة من النساء فقط أو قدموا لليتامى مما امتلكتم عليه من القدرات وأفاء الله عليكم به من العطاء والنعيم والخيرات فاقسطوا فيهم أي اجعلوا لهم قسطاً ونصيباً وحصة “كتقديم المعونات، الصدقات، المساعدات، المنح، النفقة، التأهيل وغير من ذلك من طرق العطاء” وذلك بغرض العناية بهم وإعالتهم وتحسين ظروفهم المعيشية والحياتية والتربوية أو الإنشائية فتُشاركوا في رعاية وكفالة اليتيم وهذا أقل ما يُمكن لأن تُقدموه لهم
ثم انتهت الآية الكريمة بقوله تعالى: ذلك أدنى ألا تعولوا

أما وبالرجوع إلى قوله تعالى “أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا” فمعناه أن عليكم واجب الإعالة بما ملكت أيمانكم وهذا أقل قدر ممكن لأن تقدموا عليه، وبالتالي وحتى تستوفوا حقوق اليتامى عليكم بتقديم مما فاضت به قدراتكم وإمكانياتكم من المعولة أي أعيلوهم وهنا قال: “ذلك” أدنى ألا تعولوا … وفي اللغة يتم استعمال اسم الإشارة ذلك للمفرد المذكّر البعيد وهنا فالكلام ضمنياً عن العمل الذي كُلفوا به وهو القسط في اليتامى من خلال ما ملكته أيمانهم من القدرات والتي تمكنهم من القيام بذلك وهذا من اضعف المطالب وأقلها، وبذلك يكون مفهوم الآية يُشير على إذا كان لابد من اختيار البديل عن النكاح من الأربعة أو حتى من الواحدة فليكن بديل عن ذلك إعالتهم، تقول العرب: عال أَمرُ القوم عَوْلاً: اشتدَّ وتَفاقَم وافتقروا. وقال الله تعالى: وَوَجَدَك عائلاً فأَغْنى. “عائلاً” اي تحتاج للعول والمعولة ويقال عَوَّلْ عليه أَي اسْتَعِنْ به وعَوَّل عليه اتَّكَلَ واعْتَمد عن ثعلب قال اللحياني ومنه قولهم إِلى الله منه المُشْتَكى والمُعَوَّلُ ويقال عَوَّلْنا إِلى فلان في حاجتنا فوجَدْناه نِعْم المُعَوَّلُ وبالتالي فـ ” ذلك أدنى ألا تعولوا” أي فذلك أقرب من أن لا تعولوا اليتامي أي “أقل قدر من الإعالة أو العول” وهو إعالتهم وتزويدهم بحاجتهم المعيشية ومعونتهم والتي يحتاجوها في النفقة عليهم وتأمين معاشهم ولذلك فأعيلوهم على ذلك

وهذا ما انتهت اليه الآية الكريمة وختمت به لما فتحت أولها به وهو القسط في اليتامى وبالتالي أصبح معنى “أو ما ملكت ايمانكم” يقودنا إلى: أي اقسطوا لليتامى مما امتلكتم وقبضتم عليه من قدرات وامكانيات كالصدقات والمعونات بأشكالها المتعددة وهذا اقل ما يمكن لأن تقدموه لإعالتهم” اي ما قدرتم عليه مما ملكت أيمانكم من خير واليمن يجمع بين الخير والبركة والقدرة وليس المقصود به هنا هو سبايا الحرب كما يحلو للكثيرين للقول لأن لو كان المعنى كما ذهبوا إليه لما أفاد ذلك اليتامى او حل مشكلتهم وضائقتهم لأن السبايا هم انفسهم بحاجة لمُعيل ومُعين
وهنا نرجع لتوضيح دور “أو” في قوله تعالى: فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا
في البداية علينا الإنتباه إلى ماذا تُشير “أو” في الآية الكريمة
يقول الله وبلغة بسيطة ومفهومة وواضحة إذا لم يكن هناك عدل فلن يكون هناك تعدد “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة” فلا عدل يعنى إذن لا للتعدد، واستبدل الله الحديث عن التعدد بضرورة النكاح من الواحدة من النساء فقال: فواحدة ثم قال “أو ما ملكت أيمانكم” فما هو دور “أو” في الآية الكريمة
لقد أتت “أو” حسب اللغة للتخيير بين شيئين كقولنا: التحق بالجامعة أو بالمعهد، تزوج إحدى ابنتيَّ زينبَ أو فاطمةَ ولنا مثال على ذلك في
قوله تعالى “فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ” المائدة 89
وأيضاً أتت “أو” في اللغة أيضاً لتحمل الإباحة وتجيزها
قال تعالى “وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ النور:61ي
وبالتالي كانت “أو” للتخيير والبدل ولكن ليس فقط لتوجد البديل والخيار عن الزواج من واحدة بالبديل عنها بما “ما ملكت أيمانكم” بل لتوجد البديل والخيار عن التعدد من أساسه فكان بأن جعل الله القسط في اليتامى مُباح بالخيار أولاً: من خلال التعدد “أو العدول عنه بالاكتفاء بنكاح الواحدة” أو ثانياً: مما امتلكتم عليه من القدرات اي “ما ملكت أيمانكم” فكان الخيار الأول يحقق الضمان الأُسري والإجتماعي والمعيشي بينما كان الخيار الثاني يحقق الضمان المادي والمعيشي فقط والذي لا يرتقي إلى مستوى الإعالة المعيشيىة والتربوية والمحاطة بالمسؤولية التامة والشاملة من المُعيل ولذلك وصفه الله بـ أدنى أي اقل ما يمكن لأن تقدموه إذا كنتم بالحريصين على إعالتهم والنفقة عليهم بالقسط أي مستعينين بالقسط على ذلك
إذن فإنه من الممكن توفير الظروف المعيشية لليتامى وضمان حقوقهم ورعايتهم من دون الحاجة للزواج من النساء فالغرض هو القسط في اليتامى بالدرجة الأولى ولكن ليس على حساب العدل قال تعالى ” اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” إذن فنية من رغب بالزواج يجب لأن تكون نقية خالصة لتقوى الله قال تعالى “وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ” البقرة 284
إذن ومرة أُخرى نقول: إن في حال تكرار حدوث الحالات الإجتماعية مثل هذه الحالة أو ما شابهها والتي تستدعي الحرص والإهتمام والتخوف وتُهدد المجتمع الإسلامي وقيمه الأخلاقية والإنسانية فعلينا لأن نتصدى لها من خلال العمل بالقياس عليها ولأن نجتهد لإيجاد الحلول السليمة والمسؤولة والمعقولة والتي من خلالها نُشرف على بناء المجتمع الإسلامي المعافى والصالح للعيش والتعايش والقائم على أسس العدل والقسط
كما ولقد أكمل الله عز وجل الحديث وألحقه بقوله تعالى “وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا” النساء 6
وذلك ليوضح الله لنا استراتيجية للتعامل مع اليتامى عند بلوغهم سن النكاح “من ذكور وأناث” وهو تسليمهم حقوقهم من الممتلكات والأموال المتعلقة بالشراكة أو الميراث أو القسمة أو الوصية أو العهدة أو الهبة أو الهدية وغيرها على أن يكونوا ناضجين اي حكيمين وواعين لأهميتها فلا يُضيعوها إسرافاً .. حيث تعمل هذه الإستراتيجية وفقاً لآلية امتحان تربوي تمهد أو تؤدي بالنهاية إلى تسليمهم حقوقهم بالكامل ولا أن يُبقى عليها بيد الوصي بحجة عدم وصولهم سن الرشد وذلك بقصد أو لغرض الإستيلاء على بعض منها فالغني لا حاجة له لأن يتقاضى أو يقضي لنفسه بثمن جرّاء وصايته على أموالهم فعليه بالعفة أي لأن يعفّها ومعنى ذلك كف يده عنها، ولكن لا حرج على الفقير إذا كان وصيّ من أن يقضي لنفسه بثمن زاهد وقليل كما تسمح به الأعراف والنُظُم، وليعلم الجميع بأن الله أختار لأن يُنهي الآية الكريمة بالقول “وكفى بالله حسيبا” وهذا فيه تحذير ووعيد ..
وختم الحديث في أواخر سورة النساء بقوله تعالى ” وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا” النساء 127
ففي هذه الآية الكريمة نرى بأن الله يُخاطب رسوله الكريم بالقول “ويستفتونك في النساء” أي بانهم يسألونك يا محمد لأن تصدر فتوى بخصوص النساء وماهو حكم الدين بالنسبة لهن وما العمل، فاجبهم بالقول بأن الله يقرر بخصوصهن اي أتركوا الأمر لله فهو المُشرع بخصوصهن، وهو يفتيكم أيضاً فيما اتى بكتاب الله بخصوص أليتامى “يتامى النساء” من الأناث والذين لا تقدمون لهم حقهم من الأجور “المهر والصداق” وتبدون الرغبة بنكاحهم، وكذلك ما أتى بكتاب الله بما يتعلق بالضعفاء من الولدان “الأحداث وما هم دون سن البلوغ من ذكور وأناث” الغير قادرين على إعالة أنفسهم، وكذلك ما هو متعلق بتعاملكم وقيامكم لليتامى “ذكور وأناث” بالقسط فتقدموا لهم مستحقاتهم ونصيبهم وحصصهم بالكامل وبدون أي نقصان، ويذكركم بأن اي عمل إضافي أو تطوعي تعملوه وتقوموا به فالله يعلمه وستؤجرون عليه
صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل
resaletallah.com