Archive for the ‘معنى اسم إبراهيم’ Category

قال تعالى “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”  سورة النحل  120 .

ففي كان يكون الشيء ويصبح بالكائن، وحين يكون، يتم معه الحصول و/ أو الحضور للصفة الملازمة والتي تلتصق في الفرد (كالوجود والإحداث والخلق) أو كون في مسلكيته وتصرفه وعبادته، فحين القول بأن إبراهيم مثلاً كان، هو تعبير لوجوده الحي، أما طبيعة وصِفة هذا الوجود فلقد كان ظاهراً أو متجسداً من خلال قنوته وحنفه لله أي عمله وإيمانه، وحين قوله تعالى لم يك أي لم تلتصق به أي مفسدة كانت والتي لو وجدت لكانت أعاقت صفو طهارته، فيذكرها الله بالتحديد وهي الإشراك بالله أو يكُ قد آمن بالشرك ولو للحظة، فلو قال الله تعالى ولم يكن من المشركين لربما تُفهم على أنه لربما أشرك ولو للحظة قبل أن ينقلب على أهله وعلى شركهم، أو لم يكن معهم بقلبه أو بلسانه ولكن كان منهم يوماً ما، أو لم يكن واحد منهم ولكن فلقد كان له شركه المختلف عن شركهم، ولكن أتت “ولم يكُ” لتطهره تماماً من أي شبهة شرك، فالنون والتي لزمت كان أتت للتعبير البلاغي من أجل تجسيد الحضور الحي لهذا الكيان التقي، وعندما تركت النون في ولم يكُ كانت شهادة على إنعدام الوجود الغير تقي وبالتالي كان في ذلك اللاحضور أي عدم الوجود وبالتالي خلو إيمانه وحياته من الشرك تماماً من مولده حتى مماته، وفي لسان العرب نقول حَنَفَ عن الشيء وتَحَنَّفَ: أي مال، والحَنِيفُ: الـمُسْلِمُ الذي يَتَحَنَّفُ عن الأَدْيانِ أَي يَمِيلُ إلى الحقّ، وقيل: هو من أَسلم في أَمر اللّه فلم يَلْتَوِ في شيء، وقيل: كلُّ من أَسلم لأَمر اللّه تعالى ولم يَلْتَوِ ….. وهذا كان حال إبراهيم

لقد نقل الله جل وعلا لنا هَيمَ إبراهيم عليه السلام في بحثه عن ربه وخالقه

فقال تعالى “فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)” سورة الأنعام

فكان قول الله تعالى عن إبراهيم “قال لا أحب الآفلين” وهنا نُلاحظ بأن قول إبراهيم لم يكن يتحدث عن العبادة بل عن العشق والحب لهذا الرب إن كان هو ما أشار عليه ولكن في كل مرة يفر هذا الرب من أمام عينيه ويختفي من أمامه ويبقى إبراهيم دون مأمن فهو في بحثه عن خالقه لم يتجاوز القول بأنه بحث عن رب وليس عن إله هنا، فالرب هو القائم على الأمر أما الإله فهو المعبود ونحن نعلم بأن كلاهما هو واحد وهو الله لمن يُسلم له ويؤمن به، ولكن نحاول هنا توضيح الفرق بين بحثه وهو في ضياع وهيم وهو بأمس الحاجة لمنقذ ودليل وهو الرب. لقد حاول بعض الكتابيين تصوير بحث إبراهيم عن ربه وقوله “هذا ربي” لكل من الكوكب والقمر والشمس على أنه كفر وشرك بالله ولكن نسوا بأن إبراهيم لم يعطهم صفة الإله أي المعبود بل أشار عليهم بصفة الرب والرب هو القائم على الأمر أو المُرشد أو الدليل كرب البيت ورب العمل هكذا فحاشا لله لأن يكون إبراهيم الحنيف لأن يُشير على غير الخالق بالإله المعبود، فهو لم يقل “هذا ربي الله” بل قال لا أحب الآفلين فهو إن لم يكن حتى يحب الآفلين فكيف لأن يعبدهم فعشقه لله وهيامه جعل منه قصة إيمانية فلم ينضج من بحثه الأولي نتيجة تستدعي العبادة لهذا الرب الآفل والذي هو في كل مرة يختفي من حياته ويزول كما جاء فيفل هارباً ويمضي إلى مكان مجهول فلا يعُد يُرى، فإبراهيم يهيم بحب ربه ولذلك كان يُريد لأن يبقى في رعاية الله ويحب لأن يكون لله وجود في حياته على الدوام، فالآفلين هم الغائبين والمختفيين عن الظهور والذين لا حاجة لإبراهيم لهم أما الله فهو حاضر في كل شيء في هذا الكون وعلى الدوام وكان إبراهيم على علم بربه وكان في بحثه عن ربه يتجلى الحب والعشق إلى درجة الهيم والهيام والتي لولا هُدى الله له لتسببت في ضياعه، فحين إستنفذ ما لديه من البحث عن الله على الرغم من إيمانه به وبوجوده ولم يعُد يحتمل المزيد من الهيم إحتاج هدى الله فطلب منه الهداية أي ليهديه ربه إليه،

قال تعالى “فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ” سورة الأنعام 77 .   

وعندها أتاه هُدى الله فحنف عن فكرهم وعقيدتهم الضالة فمال للحق مُعلناً تبرأه منهم ومن شركهم وعبادتهم،

فقال تعالى “فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ”  سورة الأنعام 78 .

وقال تعالى “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ”  سورة الزخرف  26 .

وشهد الله على براءة إبراهيم من الشرك وكفره بقومه وبعبادتهم الضالة،

قال تعالى “قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ”  سورة الممتحنة 4 .

فتقبل الله براءته من الشرك وأثنى على حنفه وسلخ عنه أي شبهة فقال تعالى وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”  سورة النحل  120

وبذلك أصبحنا بالقادرين على الإستنتاج بأن أصل تسميته والتي لربما صاحبته منذ مولده هي إبرا – هيم، أي البريء من الهيم، فالباريء هو الله والذي برأه من الهيم أي الضياع والشرك أو البحث الغير مُجدي عن ربه، ونقول هيم وهام ويهيم وهو العشق والحب والذي يرمي النفس الهائمة بالضياع والضلال، فكان معنى أسم إبرا – هيم هو براءته من الشرك ومن الهيم والهيام والذي كان سوف يقوده إلى الضلال لولا هدى الله له، فبرأه الله الباريء فقال: ولم يكُ من المُشركين، فأصبح اسمه يعبر عن براءته من الهيم أي الحيرة والضلال

لقد عمد بعض المفسربن على الزعم بأن إبراهيم مُستمد من أب رحيم  وهذا خطأ كبير وذلك لأن كل ما هو مذكور بالقرآن يلتزم باللسان العربي في لفظه ومعناه، فلو أخذت أول مقطع من اسم إبراهيم وهو الـ إب والمقطع الثاني راهيم لرأيت بأن الفرق كبير بين إب – راهيم و أب – رحيم فلا تُلفظ الحاء هاء في لغة الضاد ولا يمكن لأن نتطفل على اللغة ونطوعها كما نُريد حسب أهوائنا وبالتالي يجب إعتماد المعنى القاموسي وليس الإرتجالي في التعريف بمعنى الإسم

 

صفحات من رسالة الله – عبدالله أحمد خليل