Posts Tagged ‘الجنة، جنة آدم، النار، الجحيم، الفردوس، المأوى، الخلد، عدن، جنات، النزل، السكن، أبويكم، آدم، حواء’

هل جنة آدم كانت في السماء أم في الأرض
لقد اختلف الشيوخ والعلماء والدعاة والمفكرين في تحديد مكان الجنة التي أسكن الله آدم وزوجه فيها فمنهم من قال بأنها جنة أرضية لا يتعدى كونها بستان أو حديقة مشجرة وقالوا بان السبب وهو لأن جنة السماء او (جنة الفردوس) ليست مكان تكليف ولا مكان للمعصية ولا مكان للشيطان فيها وبان الجنة التي وُعد الله بها المتقون قال فيها “وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ”  الحجر 48. غير من جنة آدم والتي أُخرج هو وزوجه منها، وفسروا الهبوط من الجنة على أنه هبوط معنوي لا حسي وأشاروا عليه بهبوط منزلة، وقالوا بأن جنة آدم كانت جنة ابتلاء أما جنة الآخرة فهي جنة جزاء واستشهدوا بحديث البخاري وفيه قال: حدثنا إسحاق بن نصر ، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخرا من بله ما أطلعتم علي، ثم قرأ: “فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”  السجدة 17
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ” .أخرجاه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق. ورواه الترمذي في التفسير، وابن جرير ، من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
… وآدم سكن الجة ورأى ما فيها
ومن هؤلاء العلماء والمفكرين محمد شحرور، محمد هداية، عمر عبد الكافي، زغلول النجار، عصام تليمة، ومحمد راتب النابلسي وغيرهم
الفيديوز

أما البعض الآخر فرجّح لأن تكون الجنة في ملكوته الأعلى أي في السماء لأن الجنة التي اسكنها الله لآدم وزوجه قال الله فيها: “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ  وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ”، وهذه الصفات لا يمكن أن تكون في الأرض لأن الإنسان في العادة يجوع (وأكبر دليل على ذلك وهو صائم) ويولد عريان
ومن الذين رجحوا على أنها جنة الفردوس أي جنة السماء وسيم يوسف، محمد حسان، بسام جرار، صالح المغامسي ومعظم علماء وأئمة السلف واستشهدوا على ذلك بحديث يوم المحشر واعتبروه من أقوى الأدلة على ذلك وفيه ما روي عن الإمام مسلم عن ابي هريرة عن النبي بأنه قال يجمع الله الناس يوم القيامة فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة فيأتون آدم عليه السلام فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول آدم وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم
الفيديوز

 

أما وقبل البدء في التحقيق في مكان الجنة التي أسكن الله فيها آدم وزوجه دعونا نبدأ بالتعريف بما هي الجنة
 إن الجنة في الحقيقة اسم يطلق على أي حديقة أو بستان فيه شجر كثيف يستر من دخل فيه، والجيم والنون تدل على الستر.. والجنة كل ما هو مستتر، وجنت بمعنى سترت ما في داخلها، ومنها الجنون وهو غياب العقل او الستر على العقل، قال تعالى “وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ”  التكوير 22
ويُشار على المجنون بأن به جنة، قال تعالى “أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ”  سبا 8، وقال تعالى “مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ”  سبا 46
وقال تعالى “فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ”   الانعام 76
أيي أستتر بظلمة الليل
وكذلك فُسر اسم الجن على أنه من الاستتار
قال تعالى “يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ”  الأعراف 27
لقد اتى الله على ذكر الجنة في ذكره لـ (اصحاب الجنة) على من هم في جنة السماء وفي ذلك اشارة الى جنة الجزاء
فقال”لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ”  الحشر 20
وقال “كلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”  آل عمران 185
وقال “وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا”  النساء 124
وقال “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ”  العنكبوت 58
وأيضاً أتى الله على ذكر الجنة في ذكره لـ “أصحاب الجنة” على من هم في جنة الأرض والذين اوقع الله عليهم الابتلاء
فقال “إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ”  القلم 17
وأتى على المزيد من الإشارات على جنة (أو جنات) الأرض كما في
قوله تعالى “أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ … ”  البقرة 266
وقوله تعالى “أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا” الإسراء 91
وقوله تعالى “…  أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا”  الفرقان 8
وقوله تعالى “وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا”  الكهف 32
وقوله تعالى “فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ”  سبأ 16
ومن هذا يمكننا لأن نتوصل إلى أن الجنة (وهي البستان أو الحديقة) تطلق على جنة السماء أو على جنة الأرض على حد السواء …..   ولكن أين كان جنة آدم
بالنسبة إلى جنة آدم “الجنة التي أسكن الله فيها آدم” فنحن مع من زعم بأنها جنة سماوية لا أرضية والدليل على ذلك نستمده مما يلي
الدليل الأول
 لقد أخبرنا الله بانه اسكن ادم في الجنة أي جعلها مأوى له ولزوجه
فقال تعالى “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  البقرة 35
وقال تعالى “وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ”  الأعراف 19
وعرّف على الجنة بأنها المأوى
فقال “…  فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ”  النازعات 37 – 41
والمأوى حسب لسان العرب هو مكان اللجوء والسكن وتقول العرب: آوى فلاناً: أي أسكنه وأنزله والمأوى هو المسكن والمنزل
واتى الله على ذكر الجنة التي عرّف عليها في العديد من الايات
فقال تعالى “فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ”  طه 117
وقال تعالى “فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّة”ِ  طه 121
وقال تعالى “فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ” الأعراف 22
وهي الجنة ذاتها التي أخرج الشيطان ابوينا منها، وحذر الله ذرية آدم من فتنته وذلك حتى لا يكون السبب في ابعادهم هم الآخرين عنها
فقال “يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ”  الأعراف 27
ثم وللمزيد في التخصيص أشار عليها بجنة المأوى وأبلغنا بمكان وجودها وهو في ملكوته الاعلى
فقال “عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ. عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ”  النجم 14 – 15
وهي جنة المأوى التي أراد الله لأن تكون نزل (أي المسكن المبارك الذي هيأه لضيوفه) للذين امنوا وعملوا الصالحات
فقال “أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”  السجدة 19
فمن الملاحظ بأن الإشارة في كل هذه الآيات إلى الجنة أتت مُعرّفة لا نكره أي بأل التعريف والمعرف اسم يدل على معيّن ويُشير على الخصوص وبذلك نستدل على أنها جنة أسكن الله فيها آدم وزوجه، فقال: أسكن أنت وزوجك الجنة، ومن ثم شاء لأن يورثها ويجعلها سكناً لعباده الصالحين من ذريته … فأدخلهم الجنة ذاتها
فقال “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي”  الفجر 27 – 30
وقال “قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ” يس 26 – 27
فأشار الله على الجنة بـ (جنتي أي جنة الله) والتي هي إشارة على أنها جنة المأوى والتي آوى إليها آدم وزوجه من قبل ومن ثم أراد الله لأن يورثها لذرية آدم من بعده
فقال تعالى “لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”  الأعراف 43
وقال تعالى “أُولَـٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُون. َالَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ” المؤمنون 10 – 11
وقال تعالى “جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا. لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا. تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا”  مريم 61 – 63
وأخبرنا الله على لسان إبراهيم عليه السلام بأن سأل الله لأن يجعله من ورثة جنة النعيم
قال تعالى “وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ  الشعراء 85
 
وهي جنة السكن والنزل التي أورثها الله لعباده الصالحين والمتقين فقال: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، وقال: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا، وقال: أُولَـٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُون. َالَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ،…  وأراد لأن يجعلها مأوى ونعيم أي (جنة المأوى وجنة النغيم) لمن صلح من ذرية آدم من بعده جزاء لهم فكانت جنة الجزاء ….،
ولكن لماذا أشار الله على الجنة بـ  جنة عدن .. وجنة الفردوس … وجنة النعيم … وجنة الخلد

 

أولاً: التحقيق بجنة عدن
فما هو المقصود بالـ عدن ولماذا أشار الله على الجنة بـ جنة / وجنات عدن وما معنى ذلك
قال تعالى “جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ كَذَ‌ٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِين”َ  النحل 31
وقال “جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖوَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ” الرعد 23
وقال “وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَ‌ٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”  التوبة 72
وقال “جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَ‌ٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ”  طه 76
وقال “جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَ‌ٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ”  البينة 8
فقال: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، وقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، وقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا .. وبالتالي إذن فهي جنة الخلد والتي أُعدت للمؤمنين والمتقين
تقول العرب إذا عَدَنَ فلان بالمكان يَعْدِنُ ويَعْدُنُ عَدْناً وعُدُوناً أي أَقام، وعَدَنْتُ البلدَ تَوَطَّنْتُه ومرْكَزُ كل شيء مَعْدِنُه وجنّاتُ عَدْنٍ منه أَي جنات إِقامة لمكان الخُلْد، وعَدَنَ بالشيء أَي ثبت فيه وقال الليث المَعْدِنُ مكان كل شيء يكون فيه أَصله ومَبْدَؤه، وقيل المَعْدِن هو مكان كلِّ شيء فيه أصله ومركزه أي مكان سكنه الأصلي
إذن فجنات عدن تُشير إلى العدن وهو مبدأ سكن الإنسان وأصل مبتدأه ومكان سكنه الأصلي والتي عاد الله وأورثها لعباده المتقين من ذرية آدم
فقال تعالى ” تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا”  مريم 63
وقال “جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا. لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا. تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا”  مريم 61 – 63
وجعلها جنة سكن، فقال “وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ”  التوبة 72

 

ثانياً: التحقيق بجنة الـ خلد
أي ما هو المقصود بالـ خلد ولماذا أشار الله على الجنة بـ جنة الخلد وما معنى ذلك
قال تعالى “قُلْ أَذَ‌ٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا”  الفرقان 15
فالخلد يُشير على الإقامة في الشيء والركن والسكن إليه ومنه الخلود الأمدي أي الذي له أمد لربما تطول أو تقصر والآخر الخلود الأبدي … فالخلود من دون تحديد مدته على أنه أبدي لا يعني الإقامة بشكل لا نهائي كما يعتقد الكثير من العلماء خطأً، ولنا تصور لمعنى الخلد للشيخ بسام جرار سنعرضه عليكم من خلال هذا الفيديو

ولقد كان في الإشارة إلى الخلود الأمدي
قوله تعالى “وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ” الأعراف 176
أَي ركن إِليها وسكن واقام وكُلنا يعلم بأن مصير الأرض للزوال فكيف يخلده الله للأرض إذا كان الخلود أبدي وليس له مدة ينتهي بها حسب المعتقد السائد عند العلماء
وقال تعالى “خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ”  هود 107
وهنا الخلود أيضاً ليس أبدي وذلك لأن له مدة معلومة ومشروط بمدة استمرارية ودوام وجود السماوات والأرض أما بعد زوالهم فينتهي الخلود
وكان في الإشارة إلى الخلود الأبدي
قوله تعالى “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا” النساء 57
وقوله “قَالَ اللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَ‌ٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم”ُ  المائدة 119
وقوله “خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ”  التوبة 22
وقوله “وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَ‌ٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”  التوبة 100
وقوله “يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَ‌ٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَ‌ٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”  التغابن 9
وقوله “وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا”  الطلاق 11
وقوله “جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا”  البينة 8
نلاحظ من الآيات الكريمة أعلاه بأن كل ما ذكر الله الخلود “الخلد” الحق به الله قول أبدا ففيه كان قوله تعالى “خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً” وهذا يدُل على الاستمرار بالخلود أي الخلود الابدي، والأبد ما لا آخِرَ له. و الـ أ ب د: الأبَدُ هو الدهر الطَّويلُ الّذي ليس بمحدودٍ .. . وهو الأَمَدُ المَمْدُود

 

 

ثالثاً: التحقيق بجنة الـ فردوس
أي ما هو المقصود بالـ فردوس ولماذا أشار الله على الجنة بـ جنة / وجنات الفردوس وما معنى ذلك
قال تعالى “أُولَـٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُون. َالَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”  المؤمنون 10 – 11
فحسب لسان العرب: قال الزَّجَاج: حَقيقَةُ الفِرْدَوْس أَنّه البُسْتَانُ الذي يَجْمَعُ كُلَّ ما يكُونُ في البَسَاتِينِ قال: وكذلك هو عنْدَ كُلِّ أَهْل لُغَةٍ والتي أشار الله على أن يكون فيها مأوى وخلود من يورثون الجنة وتكون جنة الفردوس نزلاً ومأوى لهم
قال تعالى “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا”  الكهف 107
وقال تعالى “أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”  السجدة 19
 
رابعاً: التحقيق بجنة الـ نعيم
أي لماذا أشار الله على الجنة بـ جنة / وجنات النعيم وما معنى ذلك
قال تعالى “وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ” الشعراء 85
وقال “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ” لقمان 8
وقال “إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ” القلم 34
وذلك لكثرة نعم جنانها وتفاوت مقاديرها ولتكون لمن أنعم الله عليهم في الجنة جنات”حدائق وبساتين” لتكون سكناً ونُزلا لهم
 
الدليل الثاني
 إن الجنة التي اسكن الله آدم فيها كان قد تعهد له ان لا يجوع فيها ولا يعرى ولا يظمأ فيها ولا يضحى ولا تكون هذه الصفات إلا لجنة المأوى (جنة السماء) لأن هذه الصفات لا تصلح لأن تكون لجنة عفي الأرض ..
ولكن لماذا وللإجابة على ذلك نقول
أولاً: إن جنة آدم: لا جوع فيها ولا عري
قال تعالى “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ”  طه 118
ولذلك لا يصح لأن تكون جنة في الأرض لأن الأرض فيها ابتلاء بالجوع وفيها عراء
قال تعالى “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”  البقرة 155
فحدوث الجوع وارد عند الشعور بالحاجة إلى الأكل وعند الصيام وعند حدوث المجاعات والكوارث الطبيعية العديدة وعند انقطاع مصادر الحياة وضيق المعيشة
وكذلك يتعرض الإنسان فيها إلى العراء إذا وجد في مكان خال مكشوف لا يستتر فيه بشيء من اشعة الشمس وليس فيه شجر كالصحراء مثلاً ولنا مثال كما ورد في قصة يونس
قال تعالى “فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ”  الصافات 145
وقال تعالى “لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ”  القلم 49
بالإضافة على أن الإنسان يولد عريان كما سبق وذكرنا
ثانياً: إن جنة آدم: لا ظمأ فيها ولا ضُحى
قال تعالى “وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ”   طه 119
فلا ظمأ في جنة آدم وبالتالي لا يصح لأن تكون في الأرض لأن الأرض فيها ظمأ، والظمأ هو شدة العطش الناتج عن شدة حرارة الشمس
قال تعالى “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ”  النور 39
ولا صُحى في جنة آدم أي لا ضياء للشمس فيها … إذن فلا شمس فيها ولقد أتت الإشارة على ذلك في قوله تعالى “مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا” الإنسان 13
 وبالتالي لا يصح إذن لأن تكون جنة آدم في الأرض لأن الله سخّر لنا في الأرض ضياء الشمس
فقال “وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ”  إبراهيم 33
فالأرض فيها ضُحى الشمس، والضحى هو ضوء النهار الناتج عن أشعتها
قال الله تعالى “وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا”  الشمس 1
وقال تعالى “وَالضُّحَىٰ. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ”  الضحى 1 – 2
 قال الزَّجاج وضُحاها وضِيائها، ض ح ا : ضَحْوةُ النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضُّحا وهي حين تُشْرق الشمس ..  والضُّحى حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيَصْفو ضَوْءُها والضَّحاء بالفتح والمدّ إِذا ارْتَفَعَ النَّهارُ واشْتَدَّ وَقْعُ الشمس وقيل هُو إِذا عَلَتِ الشَّمْسُ إِلى رُبْعِ السَّماءِ فَما بَعْدَه والضَّحاء ارْتِفاعُ الشَّمْس الأَعلى وفي حديث بلال فَلَقَدْ رأَيْتُهم يَتَرَوَّحون في الضَّحاء أَي قريباً من نِصْفِ النهارِ فأَمّا الضَّحْوة فهو ارتفاعُ أَول النَّهارِ والضُّحى بالضَّمّ والقصر فَوْقَه وبه سُمِّيَتْ صلاة الضُّحى غيره ضَحْوَةُ النَّهارِ بعدَ طُلوعِ الشَّمْس ثم بعده الضُّحى وهي حينَ تُشْرِقُ الشمسُ
وبالرجوع إلى جنة آدم فهي لا ضُحى فيها وهذا يعني بأنه لا وجود لضياء الشمس وبالتالي لا تقلب للأيام فيها، إذن فهي جنة في السماء لا يوجد فيها حساب للأيام ولا يكون فيها تقدم في السن على العكس من جنة في الأرض والتي
قال تعالى “وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا”  الإسراء 12
وقال تعالى “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَ‌ٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ”  يونس 5
بالتالي فتتابع طلوع الشمس والضحى ينشأ عنه حساب الأيام والشهور والسنين ويصحبه التقدم في العمر والشيخوخة كما هو الحال في الأرض وحياة الدنيا

 

الدليل الثالث
الهبوط من الجنة إلى الأرض والاستقرار فيها يحمل الإشارة إلى ان جنة ادم كانت في السماء
قال تعالى “فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ”   البقرة 36
فبعد التدبر في الآية الكريمة نرى بأنها تُحدثنا عن مراحل ثلاث
أولها: مرحلة الخروج من الجنة
قال تعالى ” فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ” أي أخرجهم مما كانوا فيه من النعيم ورغد العيش
ثانيها: مرحلة الهبوط إلى الأرض
قال تعالى “وَقُلْنَا اهْبِطُوا” والهبوط على نوعين منه هبوط الحال والمنزلة “من درجة عليا لدرجة سُفلى” والآخر الهبوط الحركي والحسي “أي من مكان علوي إلى مكان سفلي”، والعرب تقول اللهم غبطاً لا هبطاً قال الهبط ما تقدَّم من النَّقْصِ والتسفُّلِ نعوذ بك أَن تُهْبِطنا إِلى حال سَفال وقيل: الهُبُوطُ نقِيضُ الصُّعُود، هبطَ يهْبِط ويهبُطُ هُبُوطاً إِذا انْهَبط في هَبُوط من صَعُود
أما الهبوط من الجنة فكان هبوط (من وإلى) أي هبوط حسي(حركي) أي من مكان علوي إلى مكان سفلي وكان لنا مثال على ذلك في
قوله تعالى “إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ”   البقرة 61
وقوله تعالى “وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ”  البقرة 74
ونُشير على بعض مرضى القلب الذين يعانون من إنخفاظ أو تدني في عمل عضلات القلب بأنهم يعانون من هبوط في القلب
ثالثها: مرحلة الاستقرار في الأرض لحين من الوقت
قال تعالى “وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ” أي بشكل مؤقت وليس لحياة الخلود الأبدي
لقد دل الشيطان آدم على شجرة الخلد
فقال تعالى “فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ”  طه 120
وقال تعالى “وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ”  الأعراف 20
وهذا لا يمكن لأن يكون في جنة في الأرض وفي ما يدعم هذا التصور ألا وهو بأن الأرض لا تحمل مقومات الحياة الأبدية وهي ليست مكان للخلود الأبدي خاصة وأن الله أخبرنا بأن مصيرها إلى الزوال
فقال “كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا”  الفجر 21
وقال “وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا”  الكهف 8
وقال “كلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ”  الرحمن 26
بالإضافة إلى أن استقرار آدم في الأرض واستلامه مهام الخليفة فيها هو تكليف مؤقت وليس دائم
قال تعالى “وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ”  البقرة 36
فـ (إِلَىٰ حِينٍ) لا يعني حياة أبدية وبالتالي فإن مكان شجرة الخلد والتي في حال اقتراب آدم منها سيكون من الخالدين “جسب قول الشيطان” فلابد وأن تكون في جنة السماء

 

الدليل الرابع
آدم وتنصيبه خليفة في الأرض
قال تعالى “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ ..”  آل عمران 33
لقد اصطفى الله آدم  ليجعله على خلافة الأرض أي ليتولى مسؤولية الحكم في الأرض
فقال “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”  البقرة 30
ثم من بعد ذلك أخبرنا بأنه أسكنه الجنة ,لكن أي جنة … وهل يا ترى من العقل والمنطق لأن تكون الجنة التي أسكنه الله قيها في السماء مع أنه كان قد كلّفه بخلافة الأرض أم أسكنة في جنة في الأرض
ولكن الحقيقة المُغيّبة عن الأذهان تكمن في اصطفاء آدم ليكون خليفة لأن منصب الخليفة فيه مسؤولية ويُشير على التكليف وبالتالي حين جعل الله آدم خليفة كان قد أسدى له مهمة والمهمة تحتاج إلى فترة اعداد وتحضير تسبق عملية تنصيبه وهبوطه إلى الأرض وهل يُعقل لأن يسدي الله لآدم مهمة ويكلفه بها وينصبه على خلافة الأرض بدون أن يخضعه للإعداد والتدريب والتحضير لمهمته هذه  …  طبعاً لا
وبالتالي فحين أسكنه الله الجنة “جنة السماء” كان يعده لمرحلة تجريبية تسبق ما كلفه به (وهو خلافة الأرض) ولم يكن قد اسكنه فيها للقرار والخلود بل للإعداد والإختبار، وجعل الله له في الجنة كل أسباب حياة النعيم وأمن له اسباب الحياة واحتياجاته كلها بدون أي مشقة أو عناء
قال تعالى “وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا”  البقرة 35ع
وقال تعالى “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ”  طه 118 – 119
ورَغَد العيش يُشير إلى حياة واسعة طيبة وهنيئة، والرغْدُ الكثير الواسع الهني الذي لا يُعييك من مال أَو ماء أَو عيش أَو كلأ … إذن ففي جنة آدم لا يوجد شقاء ولا عناء ولا جوع ولا عري ولا ظمأ ولا شيخوخة .. والأكل فيها متوفر ويرزقه الله فيها بدون أي تعب، إذن فكل مقومات حياة النعيم متوفرة فيها وهذا لا ينطبق على حياة الشقاء التي كتبها الله علينا في الأرض لو كانت جنة آدم فيها
قال تعالى “فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ”  طه 117
والشَّقاءُ هو الشِّدةُ والعُسْرةُ والإبتلاء وفي الأرض مشقة وابتلاء وعناء ونقص في الأموال والبنين، ولو كانت جنة آدم التي حذر الله الآدميين والتي لا شقاء فيها أرضية لتعارض ذلك وتناقض مع التحذير من الشقاء الذي أوقعه الله على آدم نتيجة خروجه منها
قال تعالى “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”  البقرة 155

 

الدليل الخامس
 الرجوع إلى الله بعد الهبوط إلى الأرض والاستقرار فيها إلى حين فيه التأكيد على أن الجنة التي هبط منها آدم وزوجه هي جنة السماء
لقد أتى الحديث عن الرجوع إلى الله في الكثير من الآيات الكريمة منها
قوله تعالى “الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”   البقرة 46
وقوله تعالى “وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ”  المؤمنون 60
وقوله تعالى “وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ”  الأنبياء 93
وقوله تعالى “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”  البقرة 156
وقوله تعالى “وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه”ِ  البقرة 281
والرجوع إلى الله يتبعه الحساب ثم من بعد ذلك الدخول إلى الجنة والتي عرّف الله عليها بـ جنتي
أما في التأكيد على رجوع النفس لربها
قال تعالى “إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ”  العلق 8
وقال الله تعالى ” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي”  الفجر 27 – 30
إذن فالله يُخبرنا بأن الرجوع سيكون إليه ومن هذا نستنتج بأن الرجوع لابد وأن يكون قد سبقه إتيان ومجيء إلى الأرض لغرض الإقامة والإستقرار فيها إلى حين، وبالتالي فهناك مبتدأ ومنتهى سترجع إليه النفس، فالبداية كانت من عند الله وكذلك سيكون المنتهى والرجوع فهو اليه وإلى جنته السماوية
 إن قول: “وادخلي جنتي” تحمل الإشارة على أن الجنة تعود إليه أي فهي جنة الله وهو مالكها وجاعلها مأوى للنفس، فالدخول في الجنة / جنة الله (جنة الجزاء) اتى من بعد خروج أبوينا منها وذلك لمن ورثّها من ذرية آدم بعد الحساب
فقال تعالى ” تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا”  مريم 63
وقال تعالى “وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَي”  النجم 42
وبرجوع النفس إلى ربها يكون قد انتهت معها رحلة الإنسان مع الإبتلاء، وهنا يأتي الرد على من قال في شأن الجنة بأن الله قال “لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ”  الحجر 48
فهذا مراد به لمن ادخله الله الجنة بعد الحساب وبعد انتهاء حياة الإبتلاء ليكون فيها خلوده
أما الرد على حديث البخاري عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخرا من بله ما أطلعتم عليه، ثم قرأ قوله تعالى “فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”   السجدة 17
إن الحديث يقول (أعددت لعبادي الصالحين) … وكذلك الآيات أيضاً تقول
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَ‌ٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.  التوبة 89
سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَ‌ٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.  الحديد 21
وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين.َ آل عمران 133
فالله فيها يقول الله (أعد الله لهم) ويقول (أُعدت للذين آمنوا) ويقول (أُعدت للمتقين) فماذا يعني الإعداد
تقول العرب: (أعَدَّ) الشيءَ: أي هيَّأه وجهَّزَه . .  ( اسْتَعَدَّ ) له: تهيَّأ، والإعداد التجهيز والتحضير والتهيئة وذلك بغرض الاستقبال، إذن فالجنة التي أسكن الله فيها آدم وزوجه كانت جنة الإعداد للإمتحان ولذلك أُخرجوا منها فهي لم تكن قد أعدت للخلود بعد وكانت جنة سكن ومأوى لآدم وزوجه قبل أن يُعدها الله ويجهرها ويُحضرها ويهيأها من جديد لتكون سكن وإقامة دائم لعباده المتقين والذين عملوا الصالحات ومعهم آدم وزوجه….  فالسر الذي قودنا للتعرف على الجنة التي خصها الله في الذكر واسكن أبوينا فيها وأورثنا إياها تحمله كلمة “أُعدت” لأن الإعداد لا يعني خلق ما هو جديد أو انشاء ولكن تهيئة وتحضير لما هو أصلاً موجود وتجهيزه للإستقبال وهي نفسها الجنة التي أصبحت تعرف فيما بعد بجنة الخلد وجنة الجزاء
أما قولنا في الآية الكريمة
وقوله تعالى “فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”   السجدة 17
فهي لا تتعارض مع ما خفي عن آدم وزوجه وهو في الجنة لأن الله لم يُطلعهم على كل ما في الغيب أو ما في قدرته وما خبأ لهم

 

 

صفحات من رسالة الله – عبد الله أحمد خليل